اعلم انهم اختلفوا في الاستصحاب هل هو من الادلة العقلية يعني يدل علي حجيته العقل او من الشرعية و لا فائدة في تطويل الكلام فيه علي حدة بل يفهم في طي الكلام انشاء الله تعالي فنقول الاستصحاب علي قسمين الاول استصحاب نفي الشرع و هو المعبر عنه في السنتهم باصالة البرائة و الثاني استصحاب وجود الشرع و هو المعبر عنه بالاستصحاب المعروف بينهم .
فالاول اي اصالة البرائة له ثلث موارد في الفقه :
الاول ما فرضوا من ان يكون شئ لايقوم عليه دليل لا من الكتاب و لا السنة و لا الاجماع و لا العقل فمعظم الاصوليين ذهبوا الي اجراء اصالة البرائة فيه بمعني ان الاصل برائة ذمة المكلف عنه لانه لا تكليف الا بعد البيان فاذا انتفي البيان انتفي التكليف و الاخباريون الي ان ذلك الشئ الذي لميقم عليه دليل اصلا اما من قبيل الشبهة في الموضوع بان يعلم ان له حكما من الاحكام [ص 60] الخمسة لكن لايعلم ان هذا الشئ هل هو موضوع ذلك الحكم ام لا مثلا حرمة الخمر وصل الينا و لكنا نشك في مايع هل هو ماء او خمر فهذه الشبهة شبهة في الموضوع او من قبيل الشبهة في الحكم بان لميعلم ان له ايّ حكم من الاحكام فان كان من الاول فيجري فيه اصالة البرائة للاخبار الكثيرة المتواترة و ان كان من الثاني فيلزم فيه التوقف لانه لا شك ان لكل شئ حكم لله تعالي محفوظ عنده حتي ارش الخدش كما دلت عليه الاخبار و علّمها ● جميعا علي نبيه صلي الله عليه و آله و هو علي اوصيائه و خلفائه عليهم السلام فاذا لمنجد الحكم في خصوص ذلك الشئ و ماوصلنا اليه فيجب فيه التوقف لان التوقف ( الوقوف ) عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و ذهب بعض منهم الي انه ان كان فيه احتمال الحرمة فيجب فيه التوقف لتلك الجهة و الا فيجوز فعله و يباح الاتيان به لانه اذا لميكن فيه احتمال الحرمة فاما ان يكون واجبا او مندوبا او مكروها او مباحا و لا شك في ان كل ما ذكر يجوز فعله و الاتيان به و بعض منهم الي انه اذا كان فيه احتمال الحرمة فهو حرام ظاهرا اي في الحكم الظاهري فيجب الاجتناب عنه و بعضهم الي انه حرام في الواقع لانه ليس لله حكمان حكم ظاهري و واقعي بل الاحكام كلها عنده تعالي واقعي و ذهب آخرون الي العمل بالاحتياط حينئذ و نحن نقول و لا قوة الا بالله انا لانسلم ان ذلك المورد الذي لايقوم عليه دليل موجود متحقق و انما هو مجرد فرض لما ثبت من الاخبار المتواترة انه ما من شئ الا و له حكم [ص 61] خاص لله تعالي مثل ما روي عنهم عليهم السلام ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة و لفظ شئ نكرة وقعت في سياق النفي تفيد العموم اي كل شئ فيه كتاب او سنة لايقال سلمنا ان لكل شئ حكما خاصا عنده تعالي و عند اوليائه لكنا في بعض الموارد لمنجده و لمنصل اليه فيكون ذلك المورد عندنا خاليا من الحكم لا عندهم عليهم السلام لانا نقول اذا كان لكل شئ حكما خاصا عندهم يجب ان يعرفوه لنا و الا يلزم سقوط التكليف اذ لا تكليف الا بعد البيان و لا عقاب الا بعد الحجة و البرهان فاذا رأينا شيئا و تفحصنا عن حكمه و بذلنا جهدنا فيه و لمنجد له بيانا خاصا منهم صلي الله عليهم فنعلم قطعا بانه داخل تحت العمومات و انهم عليهم السلام انما بينوه بها مثل قولهم عليهم السلام كل شئ مطلق حتي يرد فيه امر او نهي و في رواية حتي يرد فيه نهي و كذا قولهم عليهم السلام ما رفع الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و قوله تعالي جعل لكم ما في الارض جميعا الآية ، و غير ذلك من الآيات و الاخبار فكل شئ لمنجد فيه امرا او نهيا و لمنعلم حكمه بالخصوص فهو مطلق لنا اي غير مقيد بواحد من الوجوب و الحرمة و غيرهما بل مباح بمعني انه هو حكم الله الذي طلبه منا و كلفنا عليه في هذا الوقت و ما يقال من ان تلك الاخبار التي وردت في هذا المقام انما هي مختصة بالشبهة في الموضوع لا غير فلا انصراف لها بالشبهة في الحكم اصلا مدفوع بان اغلبها ظاهر بل صريح فيما نحن فيه اي الشبهة في الحكم مثل قوله حتي يرد فيه امر او نهي و مع قبول عدم الظهور و الصراحة [ص 62] نقول انها عامة للشبهتين و لا معني للتخصيص بلا دليل مع ان الصدوق (ره) قال في اول الفقيه ان شيخه محمد بن الحسن الوليد يري عدم جواز الدعاء في القنوت بالعجمية لان الله تعالي امر نبيه صلي الله عليه و آله بالدعاء فيه بقوله ادعوا ربكم تضرعا و خفية و دون الجهر من القول الآية ، و لا شك في ان المخاطب صلي الله عليه و آله عرب فيكون المتبادر منه هو الدعاء بالعربية لا غير ثم قال و نحن نجوزه بالعجمية ايضا لانه لا شك ان الدعاء بالعجمية شئ لميرد فيه امر او نهي و قال عليه السلام كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه امر او نهي و نجيب عن قوله ان المتبادر منه هو الدعاء بالعربية بانه محمول علي العرف و الدعاء في العرف اعم من العربية و العجمية و يصدق علي كليهما فانظر كيف استدل بهذا الحديث الشريف علي جواز الدعاء بالعجمية و رفع الحرمة عنه مع انه من قبيل الشبهة في الحكم قطعا فان قلت فعلي هذا اي اذا كانت الشبهة في الحكم ايضا داخلة تحت تلك العمومات و جري قاعدة اصالة البرائة فيها يلزم ان لايكون محل و مورد للاخبار الواردة عنهم عليهم السلام في التوقف مثل قولهم عليهم السلام الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و كذا قولهم عليهم السلام بأدني تغيير في العبارة حلال بين و حرام بين و شبهات بينهما فمن اجتنب عن الشبهات نجي عن المحرمات و كذا قولهم اذا علمتم فقولوا و الا فها ، و غيرها من الاخبار قلت محل تلك الاخبار و موردها هو ما تعارض النصان فيه و لميمكن الترجيح لاحدهما بوجه كما [ص 63] يأتي بيانه في الفقه انشاء الله و يدل عليه الاحاديث الواردة في مقام التراجيح .
الثاني من الموارد التي تجري فيه اصالة البرائة ما تعارض فيه النصان و اختلفوا فيه فقال بعضهم بوجوب العمل فيه بالاحتياط و بعضهم بالتوقف و بعضهم كما هو المشهور بانهما اذا تعارضا تساقطا فكل شئ يرجع الي اصله و هو الاباحة و اقول قولهم اذا تعارضا تساقطا الخ ، ممنوع لان ذلك انما يصح لو شك في ثبوت اصل الحكم و اما لو شك في تعيينه فلا فانه اذا كان النصان الدالان احدهما علي الوجوب و الآخر علي الحرمة مثلا فلا شك في انهما مثل خبرٍ صحيحٍ في اثبات اصل الحكم لكن الفرق ان الحكم انما يثبت بهما لا علي التعيين و يثبت بالخبر الصحيح متعينا فاذا كان اصل الحكم ثابتا اجمالا و حصل الشك في تعيينه فكيف يصح القول بانهما اذا تعارضا تساقطا فيرجع الي اصل البرائة و الحق ان يقال ان ما تعارض فيه النصان لايخلو اما ان يمكن الترجيح لاحدهما ام لا فان امكن الترجيح فهو المتعين و الا فان امكن الجمع بينهما فهو المتعين ايضا لان الجمع مهما امكن اولي من الطرح و ان لميمكن الجمع ايضا فان اضطر الي العمل فيتخير بينهما تخييرا ابتدائيا بمعني انه اذا اختار واحدا من الحكمين و عمل به لايجوز له بعد ذلك العدول عنه و اختيار الحكم الاخر و ان لميضطر الي العمل فيجب فيه التوقف حتي يلقي امامه فيسئله حكمه ● .
[ص 64] و الثالث من تلك الموارد شبهة الموضوع و هو علي قسمين محصور و غير محصور و الثاني ( و الاول ظ ) هو ما لايمكن الاجتناب عنه لاستلزامه العسر و الحرج المنفيين شرعا و الحق ان ذلك غير داخل في محل النزاع لاتفاقهم علي عدم وجوب الاجتناب عنه للجهة التي ذكرناها و الثاني ما يمكن الاجتناب عنه من غير عسر و حرج و اختلفوا فيه فبعضهم علي وجوب الاجتناب عنه مطلقا من باب المقدمة بمعني انا اذا علمنا قطعا ان المشتبه فيه شئ قطعي الاجتناب و لمنعلم بخصوصه يجب الاجتناب عن الكل حتي لانقع في محرم لان مقدمة الحرام يجب الاجتناب عنه و بعضهم علي عدم وجوب الاجتناب [ص 65] عنه و جواز التصرف مطلقا و فصل آخرون فقال بعضهم بوجوب الاجتناب عن التصرف دفعة واحدة و عدم وجوبه اذا كان التصرف تدريجا و بعضهم بعدم وجوب الاجتناب حتي يبقي واحد فيتعين الاجتناب عنه و لكل حجج واهية عدم التعرض لها احري و اليق و التحقيق انه اي المحصور علي قسمين الاول ان يسري كل جزء من الحرام او النجاسة علي كل جزء من الحلال او الطاهر بمعني ان لايكون جزء منهما خاليا عن جزء منهما كالاجزاء المشاعة ● بحيث لايتحقق التميز بينها بوجه و لا شك ان هذا القسم مما يجب الاجتناب عنه مطلقا سواء كان تدريجا او دفعة واحدة او الي ان يبقي جزء واحد لان التصرف فيه يستلزم النجاسة او الحرمة و لو كان في جزء من اجزائه و الثاني ان يكون جزء واحد منه حراما او نجسا و كان مميزا و مفصلا ثم اشتبه علي غيره من سائر الاجزاء كما اذا كان دينار واحد حراما و اشتبه علي غيره من الدنانير او كان جزء واحد من الثوب نجسا و اشتبه علي سائر الاجزاء منه فالحق حينئذ عدم وجوب الاجتناب عنها اي عن هذه الاجزاء التي اشتبه بعضها مع بعض لانا لسنا بمكلفين علي الاجتناب من الحرام او النجس الواقعيين بالضرورة و الا يلزم الالجاء في التكليف و هو قبيح علي الحكم (ظ) سبحانه بل انما نحن مكلفون علي الاجتناب عما نعلم انه حرام او نجس مثلا كما يدل علي ذلك ما روي عنهم عليهم السلام كل شئ [ص 66] طاهر حتي تعلم انه قذر و كل شئ فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتي تعرف الحرام بعينه و غيرهما من الاخبار فاذا كنا نحن مكلفين بما ادي اليه علمنا من الحرام و النجس كما يفهم من الحديثين فنقول ان جزء هذا الشئ المشتبه مثلا لا شك في انا لانعلم انه حرام او نجس بخصوصه فيجوز لنا التصرف فيه و كذلك الجزء الآخر و كذلك الآخر الي ان يبقي جزء نقطع الوقوع في الحرام مثلا بالتصرف فيه فيجب الاحتراز و الاجتناب عنه و يدل علي هذا قوله عليه السلام حين سئل السائل اني كنت جنبا فاصاب المني بيدي فوقعت يدي علي جدار ثم مسحتها علي وجهي و هو عرقان فقال عليه السلام وجهك طاهر و لا شك ان ذلك ليس من جهة ان يده اذا وقعت علي الجدار صارت طاهرة بل من جهة انه لميعلم اصابة الجزء الذي فيه المني علي وجهه و يدل علي هذا ايضا قوله عليه السلام حين سأل الرجل و قال كان شاة تربي بلبن الخنزير ثم استفحلت ● علي بعض غير معلوم من قطيعة ● فتولدت من ذلك البعض اولاد هل يجوز اكلها ام لا فقال عليه السلام ما معناه ان ما تعلم انه من هذه الشاة فهو حرام و لايجوز اكله و ما لمتعلم فلا بأس لك باكله الحديث .
و الثاني من قسمي الاستصحاب استصحاب وجود الشرع اي نفسه او حكمه و هو عبارة عن اثبات الحكم القطعي الثبوت في الآن السابق في الآن اللاحق المشكوك بقائه فيه بشرط عدم التغيير في الموضوع و الكلام فيه كما هو حقه يسلتزم التطويل و [ص 67] المراد الاقتصار فيه و الاشارة اليه حتي نشرع في مباحثة كتاب الطهارة فنقول الادلة في حجيتها كثيرة مثل قوله لاتنقض اليقين الا بيقين مثله و لاتنقض اليقين ● بالشك ابدا و امثال ذلك و لكني وجدت دليلا واضحا [ص 68] في هذا ماتعرض اليه احد و هو قوله تعالي ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم الآية ، وجه الاستدلال انه سبحانه اراد بهذه الآية ان يبين و يوضح لمن يفهم او يعقل انه تعالي لايغير ما اعطاه و اثبته لقوم من النعم الظاهرية و الباطنية و الاحكام الشرعية و غيرها الا بعد تغييرهم ذلك الشئ في انفسهم بعموم قوله ما بقوم فلايرد علي هذا الاستدلال انه في مقام التحديد و مقام اظهار ان تغيير النعمة ليس من الله بل من انفسهم لما اشرنا اليه من العموم فان قلت انه تعالي قال ما بقوم و ماقال بشئ و القوم يستعمل في الانسان لا غيره فلايفهم منه الاستصحاب ما في غير الانسان قلت اولا ان كل شئ قوم و امم امثالكم كما قال تعالي ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرطنا في الكتاب من شئ و قال تعالي ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم بصيغة الجمع المذكر العاقل و الآية الاخيرة تشتمل علي الجمادات ايضا و ذلك من الآيات و الاحاديث كثيرة في المطلوب و ثانيا نقول اذا ثبت الاستصحاب في الانسان بالآية كذلك يثبت في غيره بعدم القول بالفصل فان قلت ان كل شئ متغير متجدد مستمد في كل آن بمدد جديد فلايستمر له حال من الاحوال حتي يحكم بحكم و يستصحب ذلك الحكم كما هو مقرر في الحكمة ● قلت ان هذا التغيير لايستلزم تغيير الحكم الشرعي الظاهري لانه في حين التغيير هو هو و هو غيره كما قال [ص 69] عليه السلام في مثاله باللبنة تكسر و تصاغ هي هي و هي غيرها و ان كان مستلزما لتغيير الحكم الظاهري لاينتظم امور المعيشة و الدنيا و الدين من النكاح و الحلية و الحرمة و محل الثواب و العقاب و امثال ذلك فاذا بينا تعريف الفقه اجمالا فلنشرع في كتاب الطهارة فنقول :
قال (ره) : كتاب الطهارة الي ان قال و هي لغة النظافة و النزاهة .
اقول لا بد قبل الشروع في المسائل من بيان اجمالي لبعض الالفاظ الذي تكلم العلماء (ره) فيه تبعا لهم و سلوكا لمسلكهم فنقول ان الكتاب فعال اي اسم آلة بمعني ما يفعل به كالختام ما يختم به و النظام ما ينظم به و امثال ذلك فيكون معناه ما يكتب به او مصدر كالقيام و القتال و امثاله فيكون بمعني المفعول اي المكتوب فاذا كان مصدرا هل هو مصدر ثالث لكَتَبَ كما قاله صاحب المدارك كتب كَتْباً و كتابةً و كتاباً او ثان كما في الصحاح كتب كَتْباً و كتابا و كتابة او كِتبة و الحق هو الثاني لانه الموافق للمذهب المنصور و هو كون المصدر مشتقا من الفعل فالفعل هو الاصل المشتق منه فكل مصدر كان بساطته اكثر و كثرته اقل يكون قريبا للمبدء و الاصل الذي هو الفعل فيكون الكَتْب اقرب ثم الكتاب ثم الكتابة و لهذا كان المجرد اصلا و المزيد فرعا له و هذا القول موافق للكوفيين الذين اخذوا النحو من اميرالمؤمنين عليه السلام بلا وسائط كثيرة بخلاف البصريين فانهم اخذوه من الحسن البصري الذي قبض قبضة من اثره عليه السلام فاخلط به الاخلاط الفاسدة و الخيالات الواهية كما اشار عليه السلام اليه بقوله هذا سامري هذه الامة الحديث ، فانهم يقولون بان الفعل مشتق من المصدر فنقول ● [ص 70] ان اشتقاق الفعل في امثال ذلك من كل المصادر او من مصدر واحد او اثنين فان كان الاول يلزم ان يكون فرع له اصول في رتبة واحدة و هي متغايرة ظاهرا و مترتبة ثانيها علي الاولي و ثالثها علي ثانيها فان الترتيب و التغاير الظاهري يستلزم التغاير في الذات و الرتبة فلايكون كلها اصولا في رتبة واحدة و هذا خلف و هكذا ان اشتق من اثنين و ان اشتق من واحد فهو مصدره فقط فيكون له مصدر واحد لا مصادر متعددة و هذا ايضا خلف بقي الكلام في ان ترتيب المصادر بعضها علي بعض هل هو لاجل بساطة الاول بالنسبة الي الباقي ثم بساطة الثاني بالنسبة الي الثالث و هكذا كما اشرنا اليه او لاجل الشهرة بمعني ان الاول اشهر في الاستعمال من الباقي ثم الثاني و هكذا و الظاهر ان الضابطة في الترتيب ليس الا البساطة فيكون الابسط مقدما ثم الابسط و هكذا الا ان يكون مانع يخرجه عن الترتيب مثل الشهرة في استعمال العرف العام مثل المقاتلة فانه اشهر من القتال و القيتال و ان كان متكثرا بالنسبة اليهما و هما كانا ابسط منه فيقال قاتل مقاتلة و قتالا و قيتالا و الكتاب له معان منها الجمع كما قال تعالي كتب في قلوبهم الايمان اي جمع و منها الفرض كقوله تعالي كتب عليكم الصيام اي فرض و منها القدر كقوله تعالي سينالهم نصيبهم من الكتاب اي من القدر و منها القضاء كقوله تعالي كتب الله لاغلبن انا و رسلي اي قضي و الظاهر هنا الاول لان الكتاب مجمع النقوش و مجمع المسائل و الاحكام و الطهارة فسرها العلامة بالنظافة و الشهيد بالنظافة و النزاهة و النظافة تطهير الظاهر و كونه نقيا [ص 71] مثل قولهم ثوب نظيف و النزاهة تطهير الباطن و منه تنزيه (ظ) الله و لايقال تنظيف الله و لفظ الطهارة استعمل في كليهما استعمالا مشهورا بحيث لاينكر و منه قولهم تطهير البدن و الثوب و امثال ذلك و تطهير القلب و امثال ذلك و هل هو حقيقة في احدهما و مجاز في الآخر او مشترك بينهما اشتراكا لفظيا او معنويا و الحق هو الاخير لان كون احدهما حقيقة و الآخر مجازا لا دليل عليه لان اهل اللغة لاينصون علي ذلك و تقديمهم معني علي آخر في بعض المقامات يفهم كون المقدم حقيقة و ما بقي مجازا بالقرينة و هنا ليس قرينة دالة علي هذا فلا بد من القول بالاشتراك و اللفظي لا دليل عليه الا محض الاستعمال علي رأي السيد المرتضي رحمه الله و هو ليس بدليل حقيقة كما هو محقق في محله فبقي الاشتراك المعنوي او نقول ان المستعمل في المعنيين ان كان بينهما جهة جامعة اي معني عام شامل لكليهما فنقول بالاشتراك المعنوي لما فيه من اتحاد الوضع دون اللفظي لما فيه من تكثر الوضع و الاصل عدم التكثر و ان لميكن الجهة الجامعة فنحمله علي اللفظي فاذا تحقق ذلك فنقول ان النقاوة جهة جامعة لطهارة الظاهر و الباطن فلا بد ان نحمل الطهارة عليه بمعني ان نقول انه حقيقة فيه لكونه جامعا بين المعنيين و اما استعمال الطهارة فيهما معا في استعمال واحد فكقوله تعالي انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا فان التطهير هنا اعم من تطهير الظاهر و الباطن كما دلت عليه عموم الروايات و اطلاق الاخبار و العقل شاهد علي هذا شهادة عدل حكيم فيستدل بعموم الآية و [ص 72] ظواهر بعض الاخبار علي طهارة كل شئ فيهم عليهم السلام و ان كان في ظاهر جسدهم من الفضلات فانه سبحانه ينزههم و يزكيهم و يطهرهم و ينظفهم ابدا في كل آن و زمان بمدد جديد منهم اليهم سلام الله عليهم و لذلك قال تعالي يريد الله ليذهب و يطهر بلفظ المضارع لا بالماضي لاجل اثبات التجديد و كذلك اكثر المواضع مثل قوله تعالي و نريد ان نمن علي الذين استضعفوا في الارض الآية ، و لايخفي ان ظاهر الآية ان فيهم عليهم السلام رجس و الله يطهره و هو بعيد لكنا نقول بحول الله و قوته ان اذهاب الرجس عنهم مثل نفي الصفات السلبية عن الله مثل قولك ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض و امثال ذلك و النفي فرع الثبوت لكن المراد نفي الاوهام و الكدورات الواردة علي الاذهان الغير الصافية لا ان هذه الصفات ثابتة و انت تنفيها عنه تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فكذلك اذهاب الرجس عبارة عن اذهاب الكدورات الواقعة في الاذهان الكدرة المعوجة الذي كان في قلوب المنافقين عن قلوب المؤمنين او نقول ان المراد باذهاب الرجس الترقي من مرتبة الي مرتبة بمعني انهم عليهم السلام في كل آن في مدد جديد و فيض عظيم فالمرتبة الاولي عند وصولهم المرتبة الثانية نقص بالنسبة الي الاولي و كل نقص رجس بالنسبة الي انفسهم و لكن ارجاسهم بالنسبة الي المرتبة الاعلي فيما تحتهم كالشمس بالنسبة الي الاشعة او نقول لما كانوا عليهم السلام ممكنين فكان في الامكان نسبة بعض النقصان اليهم ممكنا فازاله الله عنهم و يزيله آنا و لايخلي فيهم امكان نقص من الامكانات بل يعليهم [ص 73] الله فوق هذه الامكانات بعونه و قوته صلي الله عليهم اجمعين قوله الطهارة مصدر طَهُرَ بالضم و الاسم الطُّهر اقول المصدر اثر الفعل و الفعل هو الحركة الايجادية مع وقته و هو السرمد و نسبته الي الفاعل فعلي هذا ضرب هو الحركة الايجادية يصدر منها الحدث الذي هو المصدر فالضرب الواقع في الزمان الماضي المنسوب الي فاعل ما ليس هو معني ضَرَبَ بل هو المصدر الحادث الصادر من الفعل كما يدل عليه قول الرضي في النحو في تعريف المفعول المطلق الذي هو المصدر قال هو ما تعلق به فعل الفاعل فالمتعلِّق غير المتعلَّق قطعا لان المتعلِّق بالكسر هو الفعل الذي هو الحركة الايجادية و هو المشية و الارادة و العزم و وقته السرمد بوجه من وجوهه و المتعلَّق هو الضرب الواقع في الزمان لا السرمد المنسوب الي الفاعل و هو المصدر و اثر الفعل و حكايته فعلم ان المصدر هو الحدث الواقع في الزمان المنسوب الي الفاعل الحاكي من الحركة الايجادية الواقعة في السرمد الذي هو اثرها و الصادر عنها و اسم المصدر هو الحدث فقط و ليس فيه قيد الوقوع في الزمان و النسبة المذكورة فهو وجه من وجوه المصدر و اسم من اسمائه ● [ص 74] فالتوضؤ هو احداث الافعال المعلومة في الزمان المنسوب الي فاعل ما و الوضوء هو الحدث المعلوم فقط و كذلك الاغتسال و الغسل و الطهارة و الطُّهر و امثال ذلك و هذا هو التحقيق في المصدر و اسمه و يدل علي ما ذكر قولهم اسم المصدر فان الاسم ما ينبئ عن المسمي و الاسم صفة من صفات المسمي و وجه من وجوهه فعلي ما قلنا يظهر ضعف ما قال الازهري من ان اسم المصدر موضوع علي لفظ المصدر مثل لفظ صه فانه موضوع للفظ اسكت و معناه الامر بالسكوت و مثل لفظ الجملة و الخبر الموضوعان لللفظ فعلي هذا الطهر اسم للطهارة بمعني انه موضوع لهذا اللفظ و كذلك التوضؤ و الوضوء و امثال ذلك و ضعف ما قال بعض النحاة من ان المصدر هو الحدث و اسم المصدر هو الهيئة الحاصلة من الحدث مثلا التوضؤ هو احداث الفعل المعلوم و الوضوء هو الهيئة الحاصلة منه و هو كون المتوضئ متطهرا بحيث يجوز له العبادة المشروطة صحته بالطهارة فان القولين كليهما قشري ظاهري لا لب فيه فهذا حاصل الكلام في المصدر و اسمه و اما التفصيل فيوجب التطويل الغير المطلوب هنا قوله و شرعا بناء علي ثبوت الحقيقة اقول ان القوم تكلموا في الحقيقة الشرعية بما لا تحقيق فيه و التحقيق ان نقول ان الواضع هو الله سبحانه كما هو المذهب المختار و عليه المدار فبيان الوضع بعضه جري بلسان اهل اللغة فيسمي [ص 75] حقيقة لغويا و بعضه بلسان اهل العرف فيسمي حقيقة عرفية و البعض المخفي علي اهل اللغة و العرف مثل كون الصلوة موضوعا للاركان المخصوصة و الطهارة لرفع الحدث و امثال ذلك من الزكوة و الخمس و الجهاد و غيرها بينها الشارع عليه السلام و ليس بيانه اولا مجازا ثم مجازا ثانيا الي ان يكون حقيقة بالتخصص بكثرة الاستعمال فيه حتي ينسي المعني اللغوي كما توهموا بل بيانه الاول حقيقة بمعني انه عليه السلام اذا استعمل اولا لفظ الصلوة في الاركان المخصوصة بين لاهل البيان انه موضوع هذا اللفظ حقيقة و بالذات و ان خفي علي الناس فهمه و صعب عليهم نيله فاذا استعمل عليه السلام الطهارة في رفع الحدث الذي ماعرفه الناس قبل استعماله عليه السلام فهمنا ان الطهارة موضوع لرفع الحدث و الخبث و لتطهير الباطن الذي هو معني النزاهة لكن بوضع واحد بمعني انه وضع للنقاء الشامل لهذه الثلثة لما في تعدد الوضع من خلاف الاصل و ما قلنا مبني علي قاعدة و هي ان الواضع اذا كان حكيما لميهمل الحكمة في الوضع و ما نفهمه من الحِكَم لا بد ان يراعيه ايضا لان الوضع لاجل التفهم و التفهيم لنا و ما نفهم من الحكمة ان يكون اللفظ اذا كان مرددا بين معنيين في رتبة واحدة في السلسلة الطولية بان لانفهم ان ايهما موضوع له و كان احدهما اولي و اسبق من الآخر فلا بد ان يكون اللفظ وضع له لانه الاولي و الاحق لهذا اللفظ و الانسب و ان كان مستعملا في معان كلها معان حقيقية فان كان بينها جهة جامعة فنقول انها هي الموضوع له لانه الشامل للمعاني كلها و فيه وحدة الوضع الموافق للاصل [ص 76] فان كان لفظ الطهارة مستعملا في المعاني مرددا و لمنعلم الموضوع له نقول علي هذه القاعدة ان النزاهة اولي بكونه موضوعا له و ان كان مرددا بين رفع الحدث و الخبث نقول انه وضع لرفع الحدث لانه الاولي بالوضع لان فيه نية القربة فهو عبادة و هي افضل من غيرها و لما اثبتنا في اللغة انه موضوع للجهة الجامعة ● للنزاهة الذي هو تطهير الباطن و النظافة الذي هو تطهير الظاهر من الخبث و رأينا ان الشارع عليه السلام استعمله في رفع الحدث ايضا فهمنا انه موضوع له ايضا و لكون النقاء جهة جامعة للنظافة و النزاهة و رفع الحدث نقول انه موضوع للنقاء الشامل لهذه الثلثة بوضع واحد لا انه وضع لهذه الثلثة بوضع علي حدة حتي يلزم التعدد المخالف للاصل ، و السلام خير ختام .
( جديد شهريور ١٣٩٥ )