[ص 1]

رسالة في رد العمل بالظن

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني ابن محمدكريم محمد الكرماني اني لما رأيت اختلاف القوم في علم الاصول و اضطراب اقوالهم و تشتت الآراء و انتشار الاهواء كنت دائم الاشتياق الي معرفة حقيقة هذا العلم و الاصل الواقع علي ما يوافق الاخبار و صحيح الاعتبار و وجه الاختلاف و لم‌اك اوفق علي ذلك حتي اتفق لي سفر الي مشهد الحسين صلوات الله عليه مع مولاي و سيدي و سندي و معتمدي الاستاد اجل الله شأنه فافاض علي من رشحات علمه و استفضت من لامع نوره فاطلعت علي بعض تلك المسائل و احببت ان اكتبها في كتاب و ابسطها في خطاب لزيادة التوفيق علي التصنيف و عادة النفس للتأليف و لاطاعة قول الصادق عليه السلام اكتبوا فانكم لاتحفظون حتي تكتبوا و لست اسلك فيه سبل من كان قبلي من الاصحاب و اكتفي بما اعرفه من السنة و الكتاب و لكن الانسان لايأمن من السهو و النسيان سيما [ص 3] المبتدي الذي لم‌يكتب كتابا و لم‌يؤلف خطابا و اسأل الله ان يوفقني لاتمام ذلك علي ما يحب و يرضي و يحفظني من الخطاء عمدا و سهوا و يبتني ذكرها علي رسم فصول :

فصل - في معني الظن و الفرق بينه و بين العلم . اعلم ان الكيفيات الحاصلة لنفس الانسان ثلث ادناها العلم و هو شأن النفس و حضور المعلوم عندها يسمي بالعلم و ضده الجهل و الاشارة الي كيفيته انه اذا قابل واحدا من المشاعر الظاهرة كالعين مثلا شئ من الصور الخارجية ينطبع مثال ذلك فيها و اذا توجه الروح اليه يشاهده كما هو في الخارج بلا درك معني و نسبة شئ آخر غير الصورة فتؤديه تلك الحاسة الي الحس المشترك الذي يسمي ببنطاسيا و هو المشعر البرزخي ادناه ملحق بالعالم الظاهر و اعلاه الي المثال و لايدرك الا لطيف ما ادركه العين و يؤديه الحس المشترك الي المتفكرة و المتخيلة و هكذا الي ( ان ظ ) ينتهي الي النفس فتحصل العلم النفساني بهذا الشئ و المراد من هذا العلم حضور الصورة لديها مجردة عن المواد و المدد و تحضرها النفس لدي العقل فيعلم باللب و لب اللب ، و معني كلي و يسمي هذا العلم باليقين و يقابله الجهل و اذا قابلت الفؤاد يعرف منها الحقيقة و يسمي ذلك بالمعرفة فاذا عرفت ذلك فاعلم ان تلك الكيفيات امور قهرية تحصل للانسان بعد تهيئة الانسان قهرا كما ان العين للابصار فاذا وجد اسبابه من جلاء [ص 4] العين و تحاذي الشاخص و توجه الروح اليها بفعلها المتعلق بها تري قهرا و كذلك المشاعر الظاهرة و الباطنة فاذا حصلت اسباب العلم و هيئت تحصل العلم قهرا و اليقين ايضا امر عادي قهري يحصل للانسان اذا حصل اسبابه من صدق الروايات و صفاء المشاعر فاذا روي عليك صادق حديثا و تطمئن بروايته و مشاعرك صحيحة سالمة تؤدي ما سمعته الي العقل كما سمعته يحصل لك اليقين بالمعني الكلي الذي تعرفه من تلك الرواية و اذا اختلفت الروايات و صار دليل بعض عند العقل راجحا و بعض مرجوحا يسمي الاول بالظن العقلي و الثاني بالوهم و ان لم‌يكن في البين رجحان و يكونا مطابقين يحصل للعقل تردد فيشك العقل و كل من ذلك امور عادية قهرية و لايتيقن العقل بالشئ المظنون ابدا و لايترك يقينه ابدا اذا حصل اسباب اليقين و قد ينصبغ العقل بالاصباغ العارضية و يكدر بحيث لايكاد يتيقن بشئ ابدا حتي انه ينكر البديهيات عند كل عقل كما ان العين ينكر ضوء الشمس من رمد و لايدل انكاره علي عدم ضوء لها فلايضر قول بعض انه لايحصل اليقين بشئ يقين من تيقن .

فصل - اعلم ان الله سبحانه جعل في الانسان مشاعر مختلفة ظاهرة و باطنة لدرك الاشياء و جعل لحكمته بين المدرك و ما يدركه مناسبة و خلقه بحيث يتأتي منه ما خلق لاجله كما تري [ص 5] ان العين خلقت للرؤية و تتأتي منها بلا مشقة و الاذن للسمع و اليد للبطش و اللسان للتكلم و الذوق و الرجل للمشي و يتأتي من كل ما خلق لاجله بلا تعب و مشقة و لايتأتي من العين ما يأتي من السمع و لو بالرياضات الغريبة فانه لا مناسبة بينها و بين الاصوات حتي تدركها و المشاعر الباطنة كالمشاعر الظاهرة فان النفس خلقت لدرك المعاني الجزئية و لاتدرك الكليات ابدا و لو ارتاضت دهورا و العقل لدرك الكليات و لو استعمله الانسان في غير ما خلقه الله لاجله لتاه و تحير و لايدركه ابدا فلايحصل له اليقين بالجزئيات ابدا ابدا كما ان النفس لاتدرك الكليات و لاتصير عالما بها ابدا و من البين ان الله لايكلف نفسا الا ما آتاها و وسعها فلم‌يكلف العقل بدرك الجزئيات و مااراده منها و من هنا خبطوا القوم خبط عشواء فانهم استعملوا العقل في الجزئيات و ارادوا اليقين بها فتاهوا و تحيروا و خرجوا عن حد الاعتدال بذلك و حصل لهم الظن بالاشياء علي قولهم و لكني اقول ما لايقولون في ذلك و اذكر ما لايعرفون و هو ان الظن ترجيح احد الطرفين و لايرجح في الجزئيات عند العقل احد الطرفين فبناؤهم علي العمل بالشك و الظن في الحقيقة هو شك بلا ريب و لو وضع كل في محله الذي خلقه الله لاجله و استعمل فيما جعله الله له لماتحيروا و مااختلفوا و بقوا علي العمل بما فيه رضاء الله تعالي و رضاء رسوله صلوات الله عليه و آله [ص 6] و اعلم انه قد اشتد الاختلاف بين الامامية في ذلك فبعضهم لم‌يجوز العمل بالظن و حرمه و بعضهم جوز العمل بالظن الحاصل من الآيات و الاخبار و بعضهم قال بالظن المطلق و لكل منهم دليل اما الذين لايجوزونه فقد تمسكوا بوثقي عروة الاخبار و استدلوا بآثار الائمة الاطهار عليهم صلوات الله الملك الجبار و الآخرون استدلوا بالعقول الناقصة و نطقوا بالآراء الفاسدة و ذهبوا حيثما ذهب الاعداء و تمسكوا بعصم العامة العمياء و يكفي في بطلانهم اتباعهم لمن نهوا عن اتباعهم و حسبهم ذلك و الله من ورائهم محيط و لو اردت نقل اقوالهم و سرد ادلتهم و المنازعات و المباحثات بينهم لفني العمر قبل ان تفني و قد قال الرضا عليه السلام اذا اخذ الناس يمينا و شمالا فالزم طريقتنا فانه من لزمنا لزمناه ، الحديث .

فصل - في سرد بعض ادلتهم منها ان الاصل الاصيل و ان كان عدم حجية الظن في الاحكام الشرعية و عدم التعبد به الا ان انسداد باب العلم علينا بسبب غيبة الامام عليه السلام و ذهاب الاصول و اختلاف الافهام و العقول و ظنية الدلالة و محال التقية و احتمال التورية و وقوع السهو و الخطاء في ضبط الرواية و دس الكذوب فيها و عدم كفاية الاخبار في جميع الاحكام التي يحتاج اليها الانام و غير ذلك مما يمنع حصول العلم بالحكم الشرعي الواقعي عكس هذا الاصل فصار الاصل حجية كل ظن للفقيه [ص 7] بالحكم الشرعي الواقعي بعد بذل جهده ان ما خرج بالدليل الي آخر دليله و منها ان باب العلم منسد في زماننا و حينئذ فاما ان يرتفع التكليف عنا و هو باطل بالضرورة من الدين و اجماع المليين فضلا عن المسلمين و اما ان يبقي التكليف بالعلم و يلزم منه تكليف ما لايطاق و هو باطل عقلا و نقلا آية و رواية و اما ان يكون التكليف بالظن و هو مطلوب انتهي ، و امثال هذين الدليلين كثيرة و ليست الا كنسج العنكبوت و ان اوهن البيوت لبيت العنكبوت و لعمري لايحتاج ادلتهم الي الرد و البحث و بطلانها ظاهر لمن نظر و ابصر و تدبر و تفكر اقول و من الله التوفيق ان ادلتكم اولا ادلة عقلية غير معاضدة بالكتاب و لا السنة و الاجماع و الادلة العقلية كذلك ظنية و اثبات الظن بالظن غير جائز عندكم و يلزم منه التسلسل و ثانيا ان العقل كلي و احكامه كلية فان حكم بشئ يحكم علي الاطلاق فلم خصصتم حكمه و اثبتم بعض الظن و اخرجتم بعضه فان قلت بالدليل العقلي يلزم ما ذكرنا و ان قلت بالكتاب و السنة ثبت المطلوب فلم اجريت الحكم في بعض دون بعض و هما يحكمان بحرمة الجميع ثم ان لكل ما ذكرت في الدليل في الاخبار حكم معين و اما انسداد باب العلم فان اردت العلم العقلي المعبر عنه باليقين العقلي فماكان يحصل لاحد في زمن النبي و الائمة سلام الله عليهم بالجزئيات و ماكان تكليفهم ذلك للزوم تكليف ما لايطاق [ص 8] و اما العلم العادي النفساني فماانسد بابه اليوم و عليه بناء العالم و اساس عيش بني آدم .

فصل - في الرد علي القائلين بالظن المطلق و ان كل ما حكم به المجتهد هو حكم الله و قول بعض انه لا حكم لله معينا بالدليل العقلي (ظ) الذي يصدقه العقول السليمة و الآيات الكتابية و الآفاقية و الانفسية اعلم ان الله سبحانه ماخلق خلقه عبثا و لغوا لحكمته تعالي بل خلقهم لفائدة مهمة و هي عبادته و اول عبادة الله معرفته و لا بد و ان يكون الوصول الي تلك الفائدة و معرفتهم ربهم في قوتهم حتي لايلزم الجبر و هو تعالي اجل من ان يخلق خلقا لشئ لايمكنهم الوصول اليه و انت لاترضي ذلك لنفسك و كيف ترضاه لربك فلا بد و ان في الخلق امكان الوصول الي تلك المرتبة و قوته و يلزم خروج تلك القوة و ظهورها الي الفعلية لان القوة لاتفيد شيئا و لايعرف منها المصلح من المفسد و كما انه لايوجر ذو قوة العلم بقوته و ذو قوة الجهل بقوته كذا لايوجر ذو قوة العرفان بقوته و خلقهم الله ليعرفوه فيجزيهم وصفهم بالجملة فالقوة تفيد ان اخرجت الي الفعلية و ذو (ظ) القوة بنفسه لايقدر (ظ) علي اخراجها لان القوة في الواقع العدم و عادم الشئ لايصير واجده من قبل نفسه كما انك لاتقدر علي خلق شئ في نفسك لم‌تكن واجده قبل فلا وجود من وجود من هو واجد لها اي للمعرفة و صارت فيه تلك القوة بالفعل حتي يكمل الخلق و بتكميله يظهر المعرفة فيهم [ص 9] و يصيروا به عارفين برب العالمين و هذا الرجل هو النبي صلي الله عليه و آله و لهذا الرجل المكمل شروط يلزم ان يكون جامعا لها منها العلم بطريق التكميل و اخراج تلك و لو لم‌يكن عالما يكن مثل ساير الخلق و يحتاج الي مكمل آخر فالمكمل الذي هو من عنده فيه هذا الشرط و ساير الشروط البتة و الا لزم من ذلك نقصان حكمة الحكيم و تعالي عن ذلك علوا كبيرا و تلك الشروط لاتجتمع في كل احد بل ليس واحد منها في كل احد بالادلة التي ليس هنا محل بيانها و لانحتاج الي زيادة البيان بذكرها لوضوح ذلك و بالجملة لا بد من وجود هذا الرجل لتكميل الخلق و هم بانفسهم لايقدرون علي ذلك فعليهم ان يطيعوا امر هذا الرجل في كل جزئي جزئي ان ارادوا النجاة و الوصول الي الدرجات العاليات و ان عملوا في جزئي من امورهم برأيهم لهلكوا لانهم خلقوا لمعرفة الله و طريقها عند النبي لايعلمها الا هو لان العالم هو الله وحده لا شريك في علمه و ماعلم علمه الا نبيه و الائمة من بعده و يشهد بذلك الاحاديث و قد اشار عليه السلام بيده الي بيته و قال ليس العلم الا ما خرج من هذا فلايجوز لاحد العمل بظنه و رأيه و هلك العامل بظنه و اهلك و من اصغي الي ناطق فقد عبده فان كان ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان و العامل برأيه لاينطق عن الله ببداهة العقول السليمة فهو الناطق عن الشيطان و العاملون [ص 10] بقوله يعبدونه فهم يعبدون الشيطان و الدليل الآخر ان الله سبحانه حكيم قادر كامل و الحكيم من كان جميع فعاله موافقا للحكمة و لم‌يكن في ذرة من ذرات خلقه نقص و ان كان اكثر الناس لايعقلون و الحكيم القادر الكامل لايخلق خلقا ناقصا و هو يقدر علي الخلق بالكمال فجميع افعاله تعالي افعال كاملة لا نقص فيها و من الكمال اتحادهم و اجتماعهم علي امر واحد و ذلك لايمكن مع تلك العقول المختلفة و الآراء المتشتتة و الاهواء المنتشرة الا بوجود حاكم سائس بينهم يسوسهم و كان جامعا لصفات الحكومة و السياسة من العلم و الحلم و الحكم و التقوي و الشرافة و الكمال و القوة و القدرة و امثال تلك حتي يسوس العباد باعلي درجات السياسة و يحفظهم باشرف مراتب الحفظ و لذا جعل الله بين الخلق انبياء مجتمعين لتلك الصفات الحافظين للخلق و لو كان يمكن اجتماعهم و اتحادهم بلا وجود الانبياء لماخلقهم البتة و هو تعالي لايلهو و لايعبث فلم‌يكن يمكن البتة فيلزم لهم ترك عقولهم و اطاعة الانبياء من عند ربهم تعالي و العمل بالعقول ينافي مراد الله تعالي فمن عمل بعقله قد ضاد الله في سلطانه و لو قلت نعم ان الحكيم جعل انبياء بيننا و جاؤا و بينوا و علموا رعيتهم و لكن اليوم لغلبة الجهال و دول الضلال خفي عنا امامنا و ليس بيننا سوي تلك الاخبار و هي كما تري فعملنا بالظن من باب اكل الميتة و قد احله الله لنا اقول كل ذلك من تسويلات الشيطان [ص 11] و الخيالات الباطلة و الحكيم لايخل بالحكمة ابدا و لايجعل دينه في ايدي الجاهلين ابدا و في ذلك فناءهم و عدم بقاءهم و هو خلقهم لمعرفته و بذلك يفنون قبل بلوغهم تلك المرتبة و لو كانت الرسالة في الحكمة لبينت لك سر الوصول الي المعرفة بالعمل بقول الانبياء و المرسلين و الائمة الطاهرين عليهم صلوات المصلين و لكنها في علم الاصول و مرادي الاقتصار بالاختصار لان عمري اقل من صرفها في هذا العلم و لايبقي لي زمان للعمل .

و دليل آخر ان الكامل لايرسل رسولا ناقصا البتة و نقصان الرسول يدل علي النقص في المرسل و ذلك باطل فالرسول كامل من عند الرب الكامل و معني الكمال ان لايكون في فعله و قوله نقص يعرفه العقل السليم فالعاملون برأيهم في دين الله لان الاخبار لاتكفي و المفتون باجتهاداتهم قائلون باحد ثلثة اما النقص في الله لانه ارسل رسولا ناقصا لم‌يرفع حوائج الناس و نحن قمنا و عملنا بآرائنا و رفعنا حوائج خلقه او النقص في الرسول لانه شرع شريعة ناقصة غير مجزية و هذا صريح قولهم ان الاخبار لاتكفي و رب جزئي لا حكم له و لو لم‌نحكم بآرائنا و اجتهادنا لبقي التكليف للناس بلا حكم معين فاقول لهم و بالله استعين ان الله سبحانه خلقكم ثم رزقكم بانواع الارزاق المناسب لحالكم و لم‌تكونوا شيئا و لم‌تقدروا علي خلق انفسكم و لا ان ترزقوا انفسكم و كل ذلك رحمة منه تعالي و رأفة و خلق برحمته نبيا و علمه ما فيه [ص 12] صلاح خلقه و بقاؤهم و ما فيه فسادهم و بوارهم ليعلم الناس و يحفظهم بذلك من شر الوسواس الخناس ليبلغوا منتهي آجالهم التي قدر الله لهم و خصه الله بهذا العلم و لم‌يشرك به في نبوته احدا من خلقه فمن اين عرفتم يا اخواني حكم الله و عقولكم الناقصة غير متبعة و لو كانت هي حجة الله و خليفة الله و كان فيما تحكم و تري فائدة لماخلق الله النبي عبثا و لغوا و هو تعالي حكيم ثم ان النبي صلي الله عليه و آله مبعوث من عند الله ارسله بعد ما ادبه فاحسن ادبه حتي صار علي خلق عظيم و فوض اليه امر خلقه فقال هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب و هو صلي الله عليه و آله ارأف بهم منهم و من ابيهم و امهم و اولي بهم منهم لانه راعيهم الذي استرعاه الله اياهم فكل ما قال لهم كان الاحسن الاولي قوله و كل ما تركه و امسكه كان الاحسن الاولي اخفاؤه فكل مسألة فيها حكم معين من الرسول (ص) يعمل به بارد القلب ساكن الفؤاد و كل مسألة ليس فيها عنه حكم يجب السكوت عنه كما قال عليه السلام اسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله و هو اعلم بصلاح العباد و فسادهم و بقاؤهم في السكوت عن تلك المسألة و ليست المسألة مع تلك الحال خالية عن الحكم و هو السكوت فلايجوز لاحد بعد ذلك العمل بالرأي و الامام الذي يقول اسكتوا عما سكت الله و يقول كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نهي و امثال تلك الاقوال يقدر علي القول بالعمل بدليل العقل و ظن المجتهد في تلك [ص 13] الموارد و لم‌يقل ذلك بل نهي عنه في موارد كثيرة ثم اعلم ان نبينا صلي الله عليه و آله معصوم مطهر من ترك الاولي و الارجح فلايترك الراجح و يأخذ المرجوح ابدا و الا فلم‌يكن معصوما فكل ما يقوله النبي صلي الله عليه و آله الاولي قوله و الراجح بيانه و كل ما سكت عنه كان الاحسن و الاولي السكوت عنه و لو كان الاولي في زماننا هذا العمل بالعقول الناقصة و الاهواء المنتشرة و الآراء المتشتة لماينهي عنه علي الاطلاق و ماكفر عامليها و مااوعد له النيران علي الاطلاق فالاولي العمل بكل ما ذكره و كلم به .

بالجملة و من ادلتهم ان الاصل كان العمل بالعلم و بواسطة الاعراض و الامراض من كذب الكذابين و غلط الكتاب و التقية و احتمال التورية و الغيبة و امثال ذلك صار الاصل العمل بالظن و نقول في جوابهم ان من المسلم الذي لا اختلاف فيه بيننا ان الاصل الاصيل في زمان النبي و الائمة عليهم السلام كان العمل بالعلم و عروض العوارض التي تجعلونها باعثا لسد الباب حسب آرائكم و اهوائكم ماصار باعث سد الباب علينا لانهم عليهم السلام جعلوا لكل مما تعدون علاجا معينا لو عولج به لمايلزم ما ذكرتموه و يفتح باب من ابواب العلم لنا بذلك و اما احتمال التورية الذي احتملتموه فلايجوز ذلك للحكيم الذي يريد الابلاغ و ارسل الرسول للابلاغ لا للتكلم بالالغاز و الاحجية و معني الابلاغ ان يتكلم المبلغ علي ما يعرفه السائل لا بكلام يحتمل فيه [ص 14] معان فلايجوز نسبة التورية الي الامام عليه السلام اللهم الا للتقية و ليس فيها ايضا احد مأمورا الا بفهم ظاهر العبارة و من عرف المعني الذي قصده الامام منه باطنا فمن لطف خاص به من امامه و عامة الناس لايكلفون الا بمعرفة الظاهر و العمل به و اما غيبة الامام عليه السلام فلايضرنا في ذلك و نفسه غايبة عنا لا تصرفه و تسديده و توفيقه فانه يتصرف في العالم في غيبته كما يتصرف في حضرته و يوفقهم و يسددهم في غيبته و حضرته فلا فرق بيننا اليوم و بين الذي كان في عهد امامه في بلد غير البلد الذي هو فيه و كما انه عليه السلام يراه في حضرته و ان كان في بلد آخر كذلك يراه في غيبته و لسنا بغائبين عن امامنا و ان كان غائبا عنا و من انكر ذلك انكر ضروريا من الضروريات و هو علي حد الشرك بالله فبطل بما ذكرنا ادلتهم فالاصل الاصيل اليوم و يوم الظهور و الحضور العمل بالعلم بل اسباب حصول العلم و اليقين يومنا هذا اكمل و اجمع لان الذي كان في مجلس الامام عليه السلام و يسأله عن شئ كان يعلم ما اجابه لا غير و نحن نطلع اليوم علي اكثر المسائل بل جميعها .

بالجملة فلايجوز العمل بالظن و ماانسد باب العلم و الله سبحانه كامل في ذاته و افعاله و الكامل لايترك ما فيه الكمال و يأخذ الناقص البتة و ما فيه الكمال اولي و احسن البتة و لا ريب في ان اليقين بالشئ اولي و اكمل من التزلزل و الاضطراب فيه و قد ذم الله اولياءه و وبخهم و عاقبهم [ص 15] بتركهم الاولي و الحكيم لايذم قوما بما يفعله فلايترك الرب الكامل الحكيم القادر العلم و يأخذ الظن البتة و يكفي ما ذكرناه من الدليل علي المرام في المقام و الادلة علي ذلك كثيرة من الادلة الآفاقية و الانفسية و كل يجد في نفسه انه لايقنع في جزئي من الجزئيات بالتزلزل و الاضطراب و الله سبحانه اعز من ان يرضي ذلك في امر الدين و شريعة سيد المرسلين و لايبني الله سبحانه هذا السقف العظيم و البناء الجسيم علي عمد هي اوهن من بيت العنكبوت و كان كل امر جزئي في العالم مستحكما قائما بعماد محكم و امر متقن تعالي الله عن ذلك و كيف ينسب ذلك الي الله من لايرضي بان ينسب اليه مثل ذلك و صلي الله علي محمد و آله .

فصل - اعلم ان الآيات من الكتاب علي حرمة العمل بالظن و وجوب العمل بالعلم كثيرة قد عدها بعضهم سبعين آية و احب سرد بعضها و ان كان كتب الاستاد اجل الله شأنه مفصلا مملوا منها لئلايخلو تلك الوريقات من ذكر الآيات و بالله المستعان علي ما اصفه قال تعالي و منهم اميون لايعلمون الكتاب الا اماني و ان هم الا يظنون و قد ذم الله تعالي في تلك الآية الشريفة جماعة يقلدون اكابرهم فيما يقولون و قوله تعالي و ان هم الا يظنون توهين لهم فما ظنك بالذين جعلوا مع الله اربابا من الآراء و الاهواء و العقول و افتوا بما رضوا به و قالوا ما ساقهم اليه رأيهم و قال سيقول الذين اشركوا لو شاء الله مااشركنا و لا [ص 16] آباؤنا و لاحرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتي ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون و تلك الآية صريحة في الفروع بقرينة و لاحرمنا من شئ و قال و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و تلك الآية لايختص بالفروع و لا الاصول فتخصيصه بالاصول فعل لايرضي به الله تعالي و قال افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون و مايتبع اكثرهم الا ظنا و ان الظن لايغني من الحق شيئا و لا ريب في انه تعالي اراد من خلقه الحق و الاهتداء و جعل متابعة الظن خلاف الاهتداء و قال لايغني من الحق شيئا و هو تعالي كلف خلقه بالحق و علي ما تقولون يلزم علي الله الجبر و قال ان يتبعون الا الظن و ما تهوي الانفس و لقد جائهم من ربهم الهدي و قال و لاتقف ما ليس لك به علم و قال ما لهم بذلك من علم ان هم الا يظنون و قال و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون فثبت بتلك الآيات الباهرات النيرات حرمة العمل به و متابعة من يعمل به و العجب ممن يرضي بان يقول ان الاصل كان كذا فصار كذا مع تلك الآيات الصريحة المطلقة و هو تعالي كان قادرا علي الاستثناء فيستثني زمانا من الازمنة يجوز فيه العمل بالظن كما انه حرم الميتة [ص 17] لكل احد و استثني المضطرين و يجزي من الآيات ما ذكرناه فبعد تلك الآيات النيرة و المحكمات الواضحة لايجوز الشك في حرمة العمل بالظن و الشيعي لايرضي بعد ذلك بالعمل بالظن اللهم ان يسهو او يشتبه عليه امر و لو تذكر لرجع البتة .

فصل - و احب ان اشرف رسالتي هذه بذكر بعض الاخبار الصريحة في حرمة العمل بالظن حتي لايخفي خافية علي من ادعي قال النبي صلي الله عليه و آله اذا تطيرت فامض و اذا ظننت فلاتقض و اتاه رجل ليسأله عن البر و الاثم قال جئت تسألني عن البر و الاثم قال نعم فضرب بيده علي صدره ثم قال البر ما اطمأنت اليه النفس و البر ما اطمأن به الصدر و الاثم ما تردد في الصدر و جال في القلب و ان افتاك الناس و افتوك و عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اياكم و الظن فان الظن اكذب الكذب و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه الي ان قال و من نجا من ذلك فمن فضل اليقين و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الحكومة فقال من حكم برأيه بين اثنين فقد كفر و من فسر برأيه آية من كتاب الله فقد كفر و قال ما احد احب الي منكم ان الناس سلكوا سبلا شتي منهم من اخذ بهواه و منهم من اخذ برأيه و انكم اخذتم بامر له اصل انتهي ، و امثال هذه الاخبار كثيرة جدا و قد بلغ حد التواتر و اقتصرنا علي [ص 18] ما نحتاج اليه خوف طول الكلام و من كان له انصاف يعرف ان تلك الاخبار صريحة في الحرمة عموما بلا تخصيص و يكفي ما ذكرناه في الظن المطلق .

الباب الثاني

في الظن الخاص و ايراد الدليل من الكتاب و السنة و الادلة العقلية علي حرمته و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق الخلق لفائدة مهمة معتني بها و تلك الفائدة معرفته تعالي قال تعالي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و قال في محكم كتابه و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و اول عبادة الله معرفته ففائدة الايجاد و لا بد في الحكمة من قدرة الخلق علي الوصول اليها لان الله لايكلف نفسا الا وسعها فهي في قوتهم لامحة و لا بد من خروج تلك القوة و بروزها الي الفعلية و لايمكن ذلك الا باسباب خارجة و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها فمن اللازم اولا وجود مخرج كامل يخرج تلك القوي بكماله و يظهرها و لو لم‌يكن لماخرجت ابدا لانهم بانفسهم لايقدرون (ظ) علي ذلك و غيرهم مثلهم في ذلك فبقوا بلا طائل و ينافي ذلك حكمة الله الواحد القهار و هو تعالي شأنه من ان يخلق خلقا لفائدة ثم لم‌يخلق اسباب الوصول اليها فلذلك خلق انبياء كاملين عالمين قادرين لاخراج تلك القوي النائمة و ابرازها الي الفعلية و طريق ذلك العمل بما فيه رضاء الله و الانتهاء عما فيه سخطه و علم ذلك [ص 19] عند الله سبحانه و لايحيطون بشئ الا بما شاء و هو ما علمه انبياءه و رسله و امرهم بابلاغه الي الخلق و شرط الابلاغ ان يكلمهم المبلغ بحيث يعرفوا المراد من الكلام و الا لما عدي ( لماعدّ ظ ) مبلغا و ذلك مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه فانك اذا ارسلت رسولا الي العجم و كلفتهم بتكليفات و جاء و كلمهم بالعربية مع انهم لايعرفونها فلايعدّ الرسول مبلغا اوامرك و نواهيك فشرط الرسول التكلم بلسان قومه و ايضا من شروطه ان يكلمهم بحيث يعرفوا المراد من كلامه لا بالالغاز و الاحجية و اذا تكلم بلسانهم بحيث يعرفوا المراد من كلامه لمابقي لذي حجة حجة .

فصل - كان رسول الله صلي الله عليه و آله في العرب و من العرب قد ارسله الله اليهم و الي ساير الخلق كي يهديهم الي صراط مستقيم فجاء و قام بينهم و نادي بالهدي و دين الحق و كانوا يسألونه عما يرد عليهم و يجيب بما يجيب و كان الامر سهلا علي الاصحاب لانهم كانوا يرونه و يشافهونه فيحصل لهم اليقين بالمطلب و يومنا لطول المدة و كثرة الكتب و غلط الكتاب و سهو القراء و احتمال النسخ و عدم رؤيتنا الناسخ و امثال تلك الاعراض لايحصل العلم بالخبر و لا بدلالته لانهم عليهم السلام يتكلمون بالكلمة و يريدون منها سبعين وجها ذلك دليلهم علي العمل بالظن الخاص و لكنا نقول الحمد لله و المنة ان الله سبحانه احب للناس معرفته و عبادته و خلقهم لذلك و ارسل اليهم الرسل [ص 20] و انزل الكتب ليتعلموا طريق العبادة و الوصول الي المعرفة فجاؤا و بلغوا ما ارسلوا به حتي اراد الله انجاز عدته و تمام نبوته فارسل خاتم الانبياء صلوات الله عليه و آله فجاء بين الخلق و علمهم ما لم‌يعلموا و رقاهم الي المدارج العليا حتي احب الله له لقاءه و رضي له ما عنده فقبضه اليه كريما صلي الله عليه و آله و لم‌يضيع امر الرعية و خلف فيهم خليفة و جعل علمه فيه حتي لايبقي ذرة الا و هو عرفها و قام بين الناس و علمهم و حفظهم الي ان قبضه الله اليه فخلف فينا الحسن عليه السلام و هكذا الي ان وصل الامر الي امامنا و حجة الله فينا و جعلوا هذا الامر لديه و كان بين الناس الي ان غاب عنا و خلف فينا تلك الاخبار و امرنا بالرجوع الي رواتها في غيبته عليه السلام و هو عليه السلام لايضيع وديعة الله و لايخرب بنيانا بناها رسول الله لانه الامام المؤتمن و يقدر علي تدبير لايخرب بذلك هذا البنيان فهو ضامن علي حفظ امانته يقينا فبعد ذلك لايضر تلك الاخبار طول الغيبة و لا غلط النساخ و لا سهو القراء و لايصير ذلك سبب عدم حصول العلم هذا و الامام بالحق لايجعل بيننا من لم‌يطمئن به قلوبنا و لاتسكن به احلامنا و ذلك مشهود عند من نظر و تدبر .

فصل - المراد من العلم الحاصل بالاخبار العلم العادي لا العقلي فان تلك العقول الجزئية لاتدرك الجزئيات ابدا فلايحصل لها اليقين بشئ من تلك الجزئيات ابدا ابدا [ص 21] و اما العلم العادي فيحصل للجزئيات و الانسان يعلم بهذا العلم جميع جزئيات العالم و ليس للعقل هيهنا مدخل و لايدرك شيئا منها كما ان النفس الدراكة للجزئيات لاتدرك المعاني الكلية و محال ان يدرك مدرك من المدارك غير ما خلق لاجله فلايدرك العقل و لايتيقن بتلك الاخبار و لايشك و لايظن بل بسبب كثرة الاعراض و اسباب خارجية معلومة يحصل له الوهم و من هنا خبط الاصوليون و زعموا ان بناء العمل علي الظن حتي ان بعضهم يقول علي الظن بناء العالم و اساس عيش بني آدم و لو وضعوا كلا في محله لحصل لهم العلم البتي بالاشياء يقينا .

فصل - لو لم‌يكن التسديد الذي يذكرونه مشايخنا اعلي الله مقامهم لمايحصل بتلك الاخبار سوي الظن و تلك المسألة صارت سبب حصول العلم فان الامام عليه السلام لايرضي بان يكون خليفته ظنيا و يحفظها و يحرسها و صلي الله عليه و آله و سلم تسليما كثيرا .

تمت في شهر ربيع الثاني سنة ١٢٨٣ في بلدة قم .