[ص 1]

رسالة في جواب الشيخ محمدطاهر البصري

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي .

و بعد يقول العبد الاثيم و الفاني الرميم محمد بن محمد كريم بن محمد ابرهيم انه قد ورد علي كتاب كريم و خطاب عظيم من صاحب المحامد و المفاخر و جامع المآثر و حاوي الفضل المتكاثر و الكمال الباهر النقي الطاهر الشيخ محمدطاهر بن المرحوم المبرور الراحل الي الجنتين المدهامتين شيخنا الحاج شيخ حسين المزيدي ايده الله بمحمد و علي مشحونا بسؤالات طالبني بالجواب و قد اجبت مسؤله تعظيما لشأنه مع ما بي من تواتر البلاء و توارد اللأواء و حدوث الامراض و الابتلاء بكثرة الاعراض و لكني اعتذر اليه من تطويل المقال لما ذكرت من اختلال الاحوال و ابتدأ بذكر سؤالاته فردا فردا و اذيل كل واحدة بما يسعني من جوابها و لا قوة الا بالله .

قال سلمه الله و ابقاه و من كل مكروه وقاه بعد ذكر ما لست اهلا لبعضه : فاني استدعي من حضرتكم السنية اعلي الله ذكركم و اهلك عدوكم ممتثلا قول الله عز و جل فاسألوا اهل الذكر ان [ص 3] كنتم لاتعلمون و انتم بحمد الله من اهله بعد السادات المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين ان تفصحوا لنا عن مسائل جرت علي خاطر رقكم فاشكلت عليه و لم‌يفهم المراد منها ببيان شاف كاف بحيث يكشف اللثام عن وجه المرام .

اقول قد ذكرت تمام عبارته وفقه الله مع خروجها عن محل السؤال لظهور مراده من السؤال لمن ينظر في هذه الاوراق و انه ليس من الذين يسألون ما لايعنيهم و يريدون امتحان المسؤل او محض اظهار الفضيلة و امثال ذلك من الخيالات المبعدة عن الله كابعد مما بين السماء و الارض و لكني لااري نفسي من اهل الذكر الذين امر الله بسؤالهم بل انا بان اكون سائلا اولي من ان اكون مسؤلا و لكن الميسور لايسقط بالمعسور و علي الله توكلي في جميع الامور و اعلم يا اخي ان حقيقة هذه المسايل من اسرار آل‌محمد عليهم السلام المكتومة و لايمكن ان تثبت في الدفاتر بل تحفظ كاثمن الذخائر نعم بالاشارة لايضيق العبارة و ان مشايخنا اعلي الله مقامهم لم‌يبخلوا عن بيان المسايل بقدر الامكان و لكن لم‌يكن يمكن اكثر من ذلك افصاح البيان و لكنهم شكر الله مساعيهم الجميلة لم‌يقصروا عن التبليغ و اشاروا الي الحقايق بقول بليغ و من كان مريدا للفهم يبلغه اذا دخل المدينة من الباب و اخلص لله العبودية و اتقي الله ما استطاع ليجعل له فرقانا و بالجملة لايمكنني كشف اللثام عن وجه المرام [ص 4] علي ما ينبغي و لكني ابين المراد بقدر الميسور .

قال وفقه الله و اسعده في الدارين : الاولي - الرجعة هل هي عبارة عما هو معروف عند كافة الناس من خروج صاحب الزمان من مكة المشرفة بالعدة التي معه عجل الله فرجه و رجوع محمد و آله صلوات الله عليهم مع من محض الايمان او النفاق او هي عبارة عن رواح العالم في سيره الي تلك الغاية كما يظهر من كلمات الجناب المرحوم الفردوسي الآغا اعلي الله مقامه في الارشاد .

اقول اما ظهور الحجة عليه السلام ففي الدنيا الا انه آخر يوم من الدنيا و اول يوم من البرزخ و اواخرها تنتهي الي الرجعة و بدؤ الرجعة من حين ظهور مولانا و سيدنا ابي‌عبدالله سيدالشهداء عليه آلاف التحية و الثناء ثم من بعده يرجع ساير الائمة صلوات الله عليهم و ماحضوا الايمان و ماحضوا الكفر من الناس و يجوز صدق اسم الرجعة علي زمان ظهور الحجة روحي فداه ايضا كما قال شيخنا و سنادنا اعلي الله مقامه علي معني الاياب بعد الغيبة و هو احد معاني الرجعة و ورد في الاخبار ايضا اسم الرجعة لزمانه و اما بالمعني الاول اي الرجوع بعد الموت بالنسبة اليه فغير صادق لانه لايقال انه رجع الي الدنيا لانه لم‌يمت بعد و هو الآن حي و موته بعد ظهوره بسبعين سنة او سبع سنوات هي كالسبعين ثم من بعد ذلك [ص 5] يرجع الي الدنيا مع اجداده الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين و يمكن تصحيح هذا المعني بملاحظة رجوع بعض الاموات الي الدنيا في زمانه و قبل ظهوره بشهور و اما ترديده سلمه الله بين هذا القول و بين ما حكاه من قول ابي (اع) الخ ، فلا وجه له اذ لا اختلاف بين القولين الا ان ابي بين في المقام محل الرجعة و وجه وصول الخلق الي وقتها و الا فلا شك في ان الرجعة هي رجوع الائمة و من يرجع من الناس بعد الموت الي الدنيا و توضيح مراده اعلي الله مقامه ان محل الرجعة فوق زماننا هذا و هو الطف من هذا الزمان و ارضه الطف و خلقه اصفي و الطف و الائمة صلوات الله عليهم واقفون في هذا المقام و نحن نسير اليهم حتي نصل اليهم بل الزمان برمته يسير اليهم و الخلق دايما في الترقية و بذلك يصل هذا العالم يوما ما الي البرزخ و يوما الي الآخرة فانه لا شك و لا ريب ان ارض البرزخ هذه الارض بعينها و ارض القيامة هي هذه و في يومنا هذا لايري فيها آثار وردت في الاخبار فان ارض الرجعة تجري منها عيون من عسل و لبن و لا شك ان هذه الارض الغليظة يومنا هذا لاتصلح لذلك فلا بد و ان تصعد الي مقام يخرج من كمونها ذلك و كذلك ورد ان في الرجعة يأكل المؤمنون من الجنتين المدهامتين و ذلك لايحصل لهم يومنا هذا بالبداهة و كذلك في القيامة ورد ان الارض تمد مد الاديم حتي تسع جميع الخلق و تصير خبزا يأكل [ص 6] الناس منها و يظهر فيها الجحيم و امثال ذلك بالجملة لا شك ان جميع ما ذكروا من هذه الارض و لكن يومنا هذا كله في قوتها فلا بد و ان تترقي الارض و الخلق حتي يبلغوا هذا المقام فلذا قال ابي (اع) ان العالم يسير الي زمان الرجعة لا ان الامام يرجع الينا و الموتي يرجعون الينا و لما كان العالم من يوم نزول آدم ابينا علي نبينا و آله و عليه السلام في حال الصعود و الترقية يقال ان كل قرن فوق ماضيه و كل يوم تحت آتيه فلو كشف الغطاء عن اعين الناس لرأوا الايام بعضها فوق بعض لا انها في عرض واحد و لكن هذا كلام صعب مستصعب لايؤمن به الا ممتحن و بالجملة فقول ابي (اع) لاينافي القول المعروف .

قال وفقه الله : و هل الرجوع بالابدان الدنيوية او المثالية او الاخروية فان الذي يظهر من كلامه اعلي الله مقامه ايضا الوسط و اهل البيت ادري بما في البيت و المأمول الكشف عن حقيقته .

اقول ما يظهر من كلمات مشايخنا ان الرجعة هي رجوع الارواح الي ابدانها البرزخية بعد ما طهرت من الاعراض العنصرية الدنيوية و لكن القشريين لايعرفون من ذلك شيئا بل ربما يستوحشون لانهم ربما يزعمون ان الابدان البرزخية لاتكون ابدانا اذ هي ابدان تخالف هذه الابدان كثيرا مع ما يرون في بعض الاخبار ان الرجعة الي الدنيا و اندفاع هذا [ص 7] الاشكال بان البدن البرزخي بدن مثل هذا البدن الا انه طاهر من اعراضه فانه اذا اخذ هذا البدن المحسوس الملموس و طهر من اعراضه يبقي البدن البرزخي فان مثل البدن البرزخي و العرض الدنيوي كالثوب الوسخ فانه اذا ازيل وسخه و غسل يصير طاهرا و هو الثوب الخالص و الوسخ عرضي زايل و كذلك البدن المثالي جسم برزخي بين الآخرة و الدنيا عرضه الاعراض الدنيوية كما ان السماء بعينه سماء البرزخ و الارض ارضه الا انه عرضهما الاعراض و بعد عروض الاعراض سميتا بالدنيا لانهما زالتا عن مقامهما و نزلتا و بعد ما شاهد آدم علي نبينا و آله و عليه السلام ذلك قال :

تغيرت البلاد و من عليها و وجه الارض مغبر قبيح

و بعد ما طهرت من هذه الاعراض ترجع الي حالها اولا فافهم فالبدن البرزخي جسم طاهر في غيب هذه الاعراض و بعد ما مات الانسان يزول عرضه و ينفي مرضه في قبره كما ينفي الكير خبث الحديد فيبقي طاهرا نقيا و لما ارتفع العرض الذي صار سبب الموت يرجع الروح الي البدن و لا مانع منه و اما البدن الاخروي فهو في غيب البدن البرزخي و لايستخلص من اعراض البرزخ الا بين النفختين علي التفصيل المقرر في ساير رسايلنا و لما لم‌يزد سلمه الله في السؤال علي ذلك لم‌نزد في الجواب عليه و اما شواهد كون عرصة الرجعة البرزخ ففي الاخبار موجودة حتي انه ورد [ص 8] ان الرجعة في السماء و المراد منها البرزخ بلا شك .

قال سلمه الله : الطينة الاصلية التي تبقي في القبر مستديرة هل هي المعبر عنها بالجسد الاصلي الذي هو غيب في هذا الجسد ام لا و هل له مشابهة بهذا الجسد ام مباين له و هل تلك الطينة هي الجسد الاخروي لانها معاده ام لا .

اقول بلي هي الجسد الاصلي اي الجوهري الذاتي و هي الجسد الاخروي الذي يقوم به الشخص في القيامة و التراب الذي يلقيه الملك بين النطفتين و عجب الذنب الذي ينبت منه ساير البدن و الجسم الحقيقي و القطرة التي تتقطر من المزن علي النبات او تصعد من الجحيم و امثال ذلك و هو شبيه بهذا البدن حتي ان من رأي زيدا في الدنيا يعرفه في الآخرة بالمشابهة فان الدار الآخرة تشبه دار الدنيا كما قال الله تعالي حكاية عن قول اهل الجنة كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اُتوا به متشابها و كذلك اشخاصها شبيهة بهذه الاشخاص نعم الاعراض الدنيوية غيرت الصور الاصلية في الجملة فان المؤمن في الدنيا ربما يكون في اقبح صورة و لكن تلك عرضية و في الآخرة يرجع الي صورة جميلة و لذا ورد ان المؤمنين في الجنة علي حسن يوسف و ميلاد عيسي و طول آدم و ربما يعرضه في الدنيا الجذام و البرص و يزول هذا العرض في الآخرة و كذلك في الدنيا اعراض لازمة لرتبتها [ص 9] و هي لاتأتي في عرصة القيامة فانها دار الخلود و العرض يعني الشئ الزايل الفاني فكيف تقوم هنا نعم لها اي الاعراض جواهر بحسبها و هي تقوم بانفسها في معرض الحساب في الآخرة لا انها تكون عارضة لغيرها كالبياض مثلا فانه في الدنيا يعرض الابدان و هو كيفية زايلة عارضية و في القيامة يأتي جوهريته بنفسها و لاتكون عارضة لشئ آخر بل يقوم في القيامة مثلا بياض ذاتي و هذا من باب التمثيل لتقريب الذهن بالجملة البدن الاخروي فرقه مع هذا البدن بحسب اعراض البدن و اما في الكليات فلا تفاوت في البين فان هذا البدن مثلا له رأس و للبدن الاخروي رأس و له يد و له يد و هكذا و امثل لك مثلا ان النحاس مثلا مغشوش بالاعراض الهبائية و المعدنية و هي التي عاقته عن الفضية بل عن الذهبية و الاكسيرية فاذا اخذ الحكيم نحاسا و طهره بالغسل و الاستنزال حتي لم‌يبق له عرض يعود في احسن صبغ و اطهر جسم و اذا دبره بالقواعد الميزانية او الاكسيرية يصير ذهبا خالصا فهذا الذهب هو ذلك النحاس بلا شك و يشابهه في الجسمية و المعدنية و لكن بينه و بينه تفاوت محسوس و كذلك الامر في البدن الاخروي و الدنيوي و لذلك قال الامام عليه السلام في بيان الفرق هو هو و هو غيره و مثل باللبنة المكسورة المصاغة ثانيا فافهم .

قال سلمه الله و ابقاه : المسألة الثالثة - ان تكشفوا لنا عن [ص 10] محل النزاع بين الاشاعرة و العدلية في ادراك العقل للحسن و القبح الذاتيين .

اقول يا اخي بعد ما عرفت الحق و وقفت عليه لاتحتاج الي معرفة اقوال اعداء الله و وجوه اختلافاتهم بآرائهم الفاسدة و اهوائهم الكاسدة و اتخذوا اهواءهم اربابا كما فعل المشركون في دينهم فكن هكذا يا اخي و لاتتبع آثار جماعة غاية فضلهم نقل اقوال اعداء آل‌محمد عليهم السلام و جرحها و تعديلها و ليكن نظرك مقصورا علي كلام مواليك و ان احتجت لفهمه الي اقوال العلماء فاستعن بكلام الشيعة و تفقههم و اجتنب من ملاحظة اقوال العامة العمياء فان ساداتك منعوا عن الرجوع الي كتبهم و بالجملة لم‌اكن محتاجا و الحمد لله الي مراجعة كتب الاشاعرة و المعتزلة لعنهم الله و لكن عثرت علي بعض كلماتهم في كتب اصحابنا فاذكر ما وجدته فيها و الله اعلم فاقول اصل عبارة السؤال مجملة تحتمل وجوها فيحتمل ان مراد جنابه سلمه الله بيان محل النزاع من وجوه تصاريف الحسن و القبح فانهما و ان كانا في اللغة بمعني الجمال و ضده و لكن الاصحاب و غيرهم صرفوهما في معاني في عرفهم و الا فلا شك مجملا في ان اغلب الاشاعرة قايلون بان حسن الاشياء شرعي و كذلك قبحها و ليس لها في نفسها حسن و قبح و المعتزلة قايلون بانهما عقليان و الشرع يكشف ذلك من الخارج اما من ذواتها او صفاتها [ص 11] اللازمة او الاضافات ثم هم مختلفون في الشقوق فبعضهم قايلون بذاتيتها و بعضهم قايلون بوصفيتها و بعضهم قايلون بالثالثة ثم لهم اختلافات ايضا و كل ذهب الي رأي و حكي بعض الاصوليين ان اختلاف الفرقتين في مقامين احدهما ان الحسن و القبح هل يكونان ذاتيين للافعال اي مقتضي ذواتها او مقتضي صفاتها اللازمة او يكون احدهما كذلك او لايكونان الا اضافيين و ثانيهما هل يكونان عقليين ام لا و اما وجوه تصاريفهما فمما صرح به جماعة ثمانية صفة الكمال و النقص و ملائمة الغرض و منافرته و قد يعبر عنهما بالمصلحة و المفسدة و ملائمة الطبع و منافرته و كون الفعل بحيث للعالم بحاله القادر عليه ان يفعله و كونه بحيث ليس له ان يفعله و كون الفعل مما لا حرج في فعله و ما فيه حرج و استحقاق فاعله او المتصف به المدح و الذم و استحقاق فاعله الثواب و العقاب و كونه بحيث امر الشارع بمدح فاعله او الذم و الاكثر اكتفوا بذكر بعض تلك المعاني لتداخل بعض في بعض و قيل ان نزاعهما في المعني السادس و السابع فان الاشاعرة صرحوا جميعا بان الحسن و القبح بغير هذين المعنيين لايتوقفان علي الشرع و وجهه ظاهر عندهم بان كون شئ ملايما للغرض او الطبع او منافرا له مما لاتعلق له بالشرع اصلا بل هذا مما يدركه العقل من غير توسط الشرع و خصص جماعة النزاع بالسادس و ان [ص 12] كان جاريا في السابع ايضا كما ذكر بعض و لكن اقوال الاصوليين اغلبها لايعتني به في مثل المقام لان اصل هذه الاقوال من المتكلمين و هم جاهلون بمذاهبهم و اقوالهم فاقتصر علي قول شارح التجريد قال ما حاصله الحسن و القبح يقال لمعان ثلثة الاول صفة الكمال و النقص و الثاني ملايمة الغرض و منافرته و الثالث ما تعلق به مدحه تعالي و ثوابه او ذمه و عقابه فما تعلق به مدحه تعالي في العاجل و ثوابه في الآجل يسمي حسناً و ما تعلق به ذمه تعالي في العاجل و عقابه في الآجل يسمي قبيحا و ما لايتعلق به شئ منهما فهو خارج عنهما هذا في اعمال العباد و ان اريد به ما يشمل افعال الله تعالي اكتفي بتعلق المدح و الذم و ترك الثواب و العقاب و قال هذا المعني هو محل النزاع و هذا عند الاشاعرة شرعي و عند المعتزلة عقلي و مآل هذا القول ايضا الي السادس و السابع الذين حكيناهما هذا قولهم و بيان الحق سنذكره .

قال سلمه الله : و عن معني الادراك .

اقول هذا ايضا كلام مجمل لعله اراد اختلافهم في المقام ان المراد حكم العقل الواقعي او الادراك او الايجاب الجزئي او الكلي و السلب الجزئي او الكلي فعلي الاحتمال الاول لا بد اولا من بيان فاقول اختلفوا في تطابق حكم العقل و الشرع اعني كل ما حكم العقل حكم به الشرع ام لا و بالعكس قالوا [ص 13] ان العقل في هذا المقام يقال لمعنيين احدهما الواقعي و نفس الامري و ثانيهما مرادف الادراك فالمراد في الحكمين اما الواقع او الادراك او في احدهما الواقع و في الآخر الادراك و هو علي قسمين اما القسم الثاني فلم‌يقل به احد و كذا كونه بمعني الادراك فبقي احتمالان ان يراد به الحكم الواقعي فالمراد من قولهم كل ما حكم به الشرع حكم به العقل و بالعكس ان ما حكم به الشرع له جهة مقتضية لهذا الحكم و ان لم‌يبلغها عقولنا و كلما كان في الواقع له جهة مقتضية لحكم فقد حكم به الشرع وصل الينا ذلك الحكم ام لم‌يصل و ثانيهما ان يراد به في قولهم كل ما حكم به الشرع يحكم به العقل الواقع و في عكسه الادراك و المعني ظاهر و كلا الاحتمالين مما وقع فيه النزاع و لكن النزاع بين الاشاعرة و المعتزلة فقط و اما غيرهم فاختلافاتهم كثيرة و هي مذكورة في كتب الاصول و العمر اعز من ذكرها و صرفه فيه و اما علي الثاني فاقول ان مراد المعتزلة الايجاب الجزئي اي العقل يدرك بعض المحاسن و القبايح و الاشاعرة يقولون بالسلب الكلي او يكون المراد من الايجاب اثبات ادراك العقل نوعا ان ما حكم به الشرع يكون لاجل حكمة في ذلك الشئ و بهذا المعني لا معني للسلب الكلي .

قال سلمه الله : و هل ادراكه حجة بحيث ينبعث عنه حكم شرعي ام لا ؟ فالمأمول من ذلك البحر الذي ليس له ساحل الجواب [ص 14] عما عرضناه لخدمتكم سريعا علي سبيل الكشف الشافي الكافي .

اقول هذه آخر سؤالاته سلمه الله اما اولا فلنا كلام عريض في حسن الاشياء و قبحها و لا بد من معرفته فاعلم ان الله سبحانه كان قبل الكون و الامكان و لم‌يكن معه شئ مما كان كاملا في ذاته بلا نقص جميلا بلا قبح و قد تجلي اول ما تجلي بمشية كاملة جميلة جليلة في وجودها دالة علي صفة كماله تعالي ثم خلق بتلك المشية ساير الخلق في حدودهم من شعاعها و نورها و لما كانت المشية جميلة كاملة فجميع آثارها و اشعتها علي صفتها فانه قد ثبت في الحكمة ان النور مشابه لصفة منيره الاتري ان نور السراج علي لونه و هيئته و نور الشمس علي صفتها و هيئتها و كذلك خلق الله كله علي صفة المشية فجميع الخلق جميل في حدهم و مقامهم و كل فرد من افرادهم دال علي صفة كمال فكلهم في ذواتهم و صفاتهم حسن كيف لا و هم آثار صنع الله الذي صنعهم بعلمه و حكمته ،

و في كل شئ له آية تدل علي انه واحد

و قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال الذي احسن كل شئ خلقه فبهذا النظر كل الخلق حسن و لا قبح في شئ و قد اخطأ الاشاعرة حيث نفوا الحسن عن الاشياء مع انها صفات الله و اسماؤه و بيان هذه المسألة يظهر من كتبنا الحكمية و بعبارة اخري نقول ان [ص 15] في الكون لايوجد قبيح بل جميع الخلق عباد لله اتوه طائعين و سبحوه بكلهم كما يشهد بذلك الكتاب و السنة و اما في نفس الخلق بالنسبة الي انفسهم يوجد حسن و قبح لا في الوصف اللازم فقط بل في الوصف اذا اضيف بعضها الي بعض مثال ذلك ان الماء في نفسه عبد لله و هو حسن جميل يدل علي الجميل و بوصفه اللازم ايضا هكذا و لكنه يضر للمستسقي فالطبيب الحاذق ينهاه عن شربه لا لاجل نفسه و هذا الامر يجري في جميع الملك و لما كان معرفة هذا النفع و الضرر مخصوصة بالله الذي خلقها اذ هو الواقف علي حقايقها لا غير و الخلق جاهلون بالمنافع و المضار مطلقا و كانوا في قوامهم و بقائهم و عباداتهم و تقرباتهم محتاجين الي معرفة المنافع و المضار بعث اليهم رسلا علمهم من طريق الوحي خواص الاشياء فقاموا بين الناس و هدوهم الي سواء السبيل و جميع ما ذكرت من البديهيات و لايحتاج الي دليل و لكن استحوذ الشيطان علي الناس و اغويهم فاشتبه عليهم البديهيات حتي بلغ امرهم الي وسوسة جماعة في انا نعرف بعض المحاسن و القبايح ان لم‌نعرف جميعها فاقول وجه الاشتباه انهم بعد بعث الرسل و تكميلهم المشاعر و العقول و تعليم الحسن و القبح يرون خواص بعض الاشياء فزعموا ان ذلك من قبل انفسهم و الحال ان ذلك من تعليم الانبياء و تكميل الاولياء فان اول الخلق آدم علي نبينا [ص 16] و آله و عليه السلام و قد خلقه الله و علمه الاسماء كلها و عرفه الحلال و الحرام و الاحكام ثم من بعده لم‌يخل زمان من حجة لله قايم و هم اي الحجج عرفوا الناس مصالحهم و مفاسدهم فحفظ من حفظ و ان قلت ان الاطفال ربما يعرفون الحسن و القبح و لم‌يشاهدوا حجة و لم‌يعرفوا كتابا و لا سنة اقول عرفوا ذلك بتربية الآباء و الامهات و هم عرفوها بهداية الانبياء و ان قلت ربما نعرف بالتجارب اقول لا شك ان الانسان مخلوق من تراب و هو جاهل ميت غير مدرك و بعد تولده لايعلم شيئا بالبداهة و قد قال الله اخرجكم من بطون امهاتكم لاتعلمون شيئا و اصل العقل الذي يحصل التجارب يحصل بعد الولادة بتربية المربين و مع ذلك تجاربه في النتايج و المقدمات مأخوذة من المربين فتدبر و انصف و تجسس عن حال جماعة تخلفوا عن الانبياء و الاولياء و رأوا القبايح محاسن و المحاسن قبايح حتي تتيقن بما نقول و بالجملة فالخلق بانفسهم جاهلون و لا شك ان الجاهل لايقدر علي اصلاح معاشه و معاده اذ لايعرف ما يصلحه مما يفسده و يهلك نفسه في اول قدم الاتري ان الطفل لايكاد يميز السم من الترياق و ربما يشرب السم و يهلك نفسه و الجاهل بخواص الادوية اذا عالج نفسه يهلكها و اذا كان العباد جاهلين بخواص المأكولات و المشروبات مع ان معرفة المفاسد و المصالح في المأكول و المشروب من طبايع الحيوانات [ص 17] فكيف بالاعمال التي هي سبب النجاة و الهلاك و ما يقرب من الله و يبعد فالخلق لايكادون يعرفون ذلك ابدا ابدا و لذلك نهاهم ربهم عن العمل بالرأي مطلقا و امرهم بمتابعة الرسول (ص) فقال قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و قال ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و قال ماكان لهم ان يتخلفوا عن رسول الله بل لم‌يأذن لهم بالخيرة في امرهم بعد امر الله و رسوله و لو كانوا يتمكنون من ذلك لمانهاهم عنه و قد ورد اخبار كثيرة في حرمة العمل بالرأي و الهوي و كتب الاصحاب بها مشحونة فاطلبها من مظانها فالعقل بنفسه لايتمكن من معرفة حسن الاشياء و قبحها الا بعد ما يأخذ من الانبياء و الاولياء و يتكمل بتكميلهم نعم بعد التكمل يتمكن من معرفة بعض الاشياء اجمالا و لكن لما كان عقولهم ناقصة و مغشوشة بالجهل لايكاد يطمئن الانسان بمعرفتها و لايحصل له اليقين بما عرفت فلذلك لايجوز لاحد من الناس الاستبداد برأيه و العمل بهويه نعم عقل النبي المعصوم يبلغ ذلك و يطلع علي مصالح العباد و مفاسدها فيقدر علي الحكم بعقله و لكن الامة ان عرفوا شيئا لايعرفون شيئا آخر و لايقدرون علي البت بشئ من الاشياء فتدبر فلاينبعث حكم شرعي من عقولنا و يحرم علينا الحكم بمقتضاها و ليس لنا الا التسليم لهم و اتباعهم صلي الله عليهم و اخبار ما ذكرناه كثيرة اطلبها من الكافي و الوسايل [ص 18] و الاصول الاصلية للحر العاملي و شاهد ان الحسن و القبح بالاضافة لا في ذوات الاشياء ايضا موجود فاطلبه من الوسايل في كتاب التجارات و هو حديث مفصل مشروح و السلام عليكم و رحمة الله .

تمت علي يد محمد بن كريم في الليلة الثانية من الربيع الثاني سنة ١٣٠٢ .