فصل - في فصل الخطاب قال ابوعبدالله عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم من زعم ان الله يأمر بالسوء و الفحشاء فقد كذب علي الله و من زعم ان الخير و الشر بغير مشية الله فقد اخرج الله من سلطانه و من زعم ان المعاصي بغير قوة الله فقد كذب علي الله و من كذب علي الله ادخله الله النار و قال ابوعبدالله عليه السلام الله اكرم من ان يكلف الناس ما لايطيقون و الله اعز من ان يكون في سلطانه ( ما لايريد ظ ) ، اقول لا دلالة في قوله صلي الله عليه و آله من زعم ان المعاصي بغير قوة الله فقد كذب علي الله علي الجبر فانه قد اثبت بذلك عدل الله سبحانه فانظر تجده كما اقول لك فان جميع ما كان و ما يكون بقوة الله سبحانه غاية الامر ان بعضها محبوبة له و بعضها مبغوضة و سئل الرضا عليه السلام الله فوض الامر الي العباد قال الله اعز من ذلك قيل فجبرهم علي المعاصي قال الله اعدل و احكم من ذلك ثم قال قال الله عز و جل يا ابن آدم انا اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك مني عملت المعاصي ( بقوتي التي ظ ) جعلتها فيك و عن يونس قال قال لي ابوالحسن الرضا عليه السلام يا يونس لاتقل بقول القدرية فان القدرية لم‌يقولوا بقول اهل الجنة و لا بقول اهل النار و لا بقول ابليس فان اهل الجنة قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا [ص 24] الله و قال اهل النار ربنا غلبت علينا شقوتنا و كنا قوما ضالين و قال ابليس رب بما اغويتني فقلت والله مااقول بقولهم و لكني اقول لايكون الا بما شاء الله و اراد و قضي و قدر فقال يا يونس ليس هكذا لايكون الا ما شاء الله و اراد و قدر و قضي يا يونس تعلم ما المشية قلت لا قال هي الذكر الاول فتعلم ما الارادة قلت لا قال هي العزيمة علي ما يشاء فتعلم ما القدر قلت لا قال هو الهندسة و وضع الحدود من البقاء و الفناء قال ثم قال و القضاء هو الابرام و اقامة العين قال فاستأذنته ان اقبل رأسه قلت فتحت لي شيئا كنت عنه في غفلة و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله خلق الخلق فعلم ما هم صائرون اليه و امرهم و نهاهم فما امرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل الي تركه و لايكونون آخذين و لا تاركين الا باذن الله و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام أجبر الله العباد علي المعاصي قال لا قيل ففوض اليهم الامر قال لا قيل فماذا قال لطف من ربك بين ( ذلك ) و سئل عن الجبر و القدر فقال لا جبر و لا قدر و لكن منزلة بينهما فيها الحق التي بينهما لايعلمها الا العالم و من علمها اياه العالم ، اقول ليس من المراد من المنزلة بينهما ان الله سبحانه قد اخذ برزخا بين الجبر و التفويض اي قد اخذ من الجبر ضغثا و من التفويض ضغثا و ركبهما بل المراد من تلك المنزلة انه لا جبر بوجه من الوجوه و لا تفويض بوجه من الوجوه بل امر بين الامرين و هو عين العدل و الاخبار في هذا المضمار (ظ) [ص 25] كثيرة لاتحصي ناصة في اثبات المنزلة بين المنزلتين فقد ثبتت المطالب و الحمد لله رب العالمين .

فصل - و لما ذكرنا في الفصل السابق امر القدر ناسب ان نروي بعض الاخبار الواردة فيه و شرح مشكلاتها و حل مبهماتها لئلايخلو كتابنا عن ذلك ايضا و نروي ما تيسر منها اولا ثم نتبع بالشرح و لا قوة الا بالله العلي العظيم ففي فصل الخطاب قيل لابي‌عبدالله عليه السلام جعلت فداك ما تقول في القضاء و القدر قال اقول ان الله تبارك و تعالي اذا جمع العباد يوم القيمة سألهم عما عهد اليهم و لم‌يسألهم عما قضي عليهم انتهي ، اقول انه صلي الله عليه اشار بقوله هذا الي سبق القدر علي القضاء و انه مقام الاضمحلال و الحل النوعي و القضاء مقام العقد و هو نفس القدر من حيث التعلق بالمقضيات لو امضي لكان امضاءا و الا فلا و فيه اشارة اخري الي ان القدر لا خصوصية له باحد دون احد فان كل احد قد قدر له الكفر و الايمان و الفسوق و العصيان فان جميع اجزاء بدنه هندسة لكل منها و لله فيه البداء و قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام جعلني الله فداك أبقدر يصيب الناس ما اصابهم ام بعمل فقال ان القدر و العمل بمنزلة الروح و الجسد فالروح بغير جسد لايحس و الجسد بغير صورة لا حراك بها فاذا اجتمعا قويا و صلحا كذلك العمل [ص 26] و القدر فلو لم‌يكن القدر واقعا علي العمل لم‌يعرف الخالق من المخلوق و كان القدر شيئا لايحس و لو لم‌يكن العمل بموافقة من القدر لم‌يمض و لم‌يتم و لكن باجتماعهما قويا و لله فيه العون لعباده الصالحين الحديث ، فبعد ورود هذا الخبر لايبقي ريب لاحد انه لا شئ الا بقدر من الله سبحانه و من لم‌يقل بذلك فقد كفر بالله و اشرك من حيث لايعلم و قال بقول المجوس اذ قالوا ان الخيرات خلق لله و الشرور خلق لاهريمن و قد كفروا بذلك و لكن معذلك كله الخيرات من الله سبحانه و الشرور من نفسك كما قال تعالي لآدم نورك من نوري و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، و كذلك يدل علي ذلك الادعية و الاخبار الواردة و قد ظهر لنا من الخبر بطلان القائلين بان الله قد قدر لنا العصيان فلم يعذبنا بذنوبنا و ذلك من تسويلات الشيطان و وساوسه يريد بها اضلال العوام فان القدر روح و الروح قبل التعلق بالبدن لا خصوصية لها باحد دون احد و لما وصل الكلام هنا احب ان افصل لك امر الروح و ماوجدته في كتاب و لاسمعته في خطاب فاعلم ان الله سبحانه بعد خلق العقل خلقه كليا معنويا لا تعين فيه لشئ و لا خصوصية له بشئ دون شئ بل خلقه دهريا فوق جميع الدهريات لانه اول نور سطع من شمس الازل و عين الكافور و اول اشراق فيجب ان يكون علي هيئتها و بساطتها و احديتها و لما خلقه اتم خلقته و اكمله و ادبه فاحبه فامره [ص 27] بالاقبال اليه فقبضه اليه و سافر في الحق ثم امره بالادبار فشرع في الادبار بامر الملك الجبار و تنزل في كل مرتبة لا بذاته بل بالتوجه و الاشراق فاول اشراقه الروح الملكوتي و هي اول اثر من العقل و اول نور منه و فعله و شعاعه صدر منه بلا كيف فلما استضاء لنا قلنا قد اضاء و ان شئت ان تقول انها تنزله لصدقت فانه الذي ظهر في كل عالم بكل صورة حتي في الجماد و من هذا الباب القيافة بالجملة و الروح لكونه اول ظهور من العقل و اول شعاع و لا فصل بينه و بين العقل لا بد و ان يكون علي صورة العقل و علي وحدته و بساطته و لو لم‌يكن الامر كذلك لمادل علي العقل و ماكان اثره فان كل اثر يشابه صفة مؤثره فالروح عقل منخفض في عرصة الملكوت فهي لا اختصاص لها باحد دون احد فان الروح روح العالم لا روح زيد فصارت روحا دهريا كليا مطلقا و تحتها اشخاص بعدد ما خلق الله سبحانه من الارواح و جميعها بدؤها منها و عودها اليها كما ان افراد الجسم منه و اليه و كما انه لا تعين للحجر و المدر و الارض و السماء في الجسم المطلق كذلك في الروح فهي ثابتة قائمة في الدهر سابقة علي الاجسام باربعة آلاف سنة او اربعمأة سنة علي اختلاف الانظار كلما صنع جسم في عالم الاجسام نفخ فيه من عالم الروح و قد اشار الي ذلك الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في رسالته شرحا للعرشية علي نحو الرمز فخذه حقا و ذلك [ص 28] تأويل قوله تعالي و حشر لسليمان جنوده و ان قلنا ان العقل مقام الامر فانه تحت المشية و اول صادر منه و الامر سابق علي الكل لقوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فهذا هو الروح من امر بالجملة فلا تعين في عرصة الروح لاحد دون احد و كلما صنع مرآة صافية تحتها ظهر فيها و نظرت من عينها و سمعت من اذنها و شمت من انفها مثال ذلك الشمس في رابعة النهار فانها واحدة كلما صنعت مرآة في الارض ظهرت فيها و ان كانت من الكثرة كمثل لابتيها و لاتزعم من كلامي هذا اني لااقول بالمعاد حاشا و حاشا لعن الله من لايقر بجميع ما جاء به محمد صلي الله عليه و آله قولي في جميع الاشياء قوله و ديني ما دان و لكني اقول لك انه لا شك و لا ريب ان النباتات و الحيوانات كلها محشورة في القيامة الكبري و الجمادات و قد يسألها الله عن افعال العباد و قد تشهد كل قطعة من الارض بصلوة من صلي عليها و ذلك امر لاينكر و قد يحشر الله الحيوانات لتقاص الجماء من القرناء ثم يأمرها بان تصير ترابا و ذلك في عرصة مطلقاتها و كذلك الامر هنا و الفرق ان الاناسي باقية دائما و اهل الجنة مخلدة فيها و اهل النار مخلدة و الامر في المطلقات و لكل في مقامه ذكر و لكل منا مقام معلوم و ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله حين الامضاء و ذلك امر مبهم و سر منمنم بالجملة فوق الارواح روح كلي لا خصوصية له و لا صورة خاصة بل [ص 29] لها مادة نوعية و صورة نوعية و الصور الشخصية من المرايا العرضية باقية ببقائها فانية بفنائها فلو لم‌يخلق مرآت قابلية زيد لماظهر الروح بصورة زيد ابدا ابدا فلا حس لروح زيد بالبداهة فلاتصير منشأ امر في الملك الا بواسطة المرآة فجميع ثواب زيد و عقابه و مدحه و ذمه كلها مما اكتسبه من المرآة لا من حيث الروح فانها حين النزول مجردة غير متصفة بصفة و حين الصعود كاملة بما اكتسبته من المرآة في سعادتها او شقاوتها لا بمعني لحوق السعادة بالروح او الشقاوة حاشا و حاشا فان الروح لا كثرة فيها و لا اختلاف و لما ان بين الحجة عليه السلام ان القدر في اعمال العباد كالروح في الجسد عرفنا ان التقدير من حيث الربوبية لا اختلاف فيه و لا كثرة و لا تشخص و لا اختصاص له باحد دون احد بل هو في غاية البساطة النسبية و الاحدية النسبية فانه فعل الله و فعله اقرب الخلق اليه فيجب ان يكون اصفي الخلق و اوحدها و اشرفها فلايخص احدا دون احد و لايقرب احدا دون احد فلو قدر الله لعباده البلاء لايقدره لزيد خاصة بل تقديره سبحانه تقدير كلي عام و كلما كان قابلية مستعدة للبلاء تشتعل بنور التقدير و الا فلاتتأثر من التقدير ابدا لا بمعني عدم اطاعته تحت قدر الله حاشا فان جميع ما سواه بمشيته دون قدره مؤتمرة و بارادتك منزجرة بل يفر من قدر الله الي رحمة الله و كما ان الله سبحانه قد قدر البلاء قدر الرحمة فكل قابل للرحمة يقبلها و كل قابل للبلاء يشتعل به و يقبله و ان عرفت ذلك فمن [ص 30] هذا الباب الامر بالصدقات و العبادات و الا فلو قدر الله لاحد امرا خاصا دون لماتمكن من دفعه ابدا فان بالصدقات تقوي النفوس و تقرب من الرب الودود بحيث قد تصير في نفسها قدر الله فلاتتأثر من النجوم و القرانات و البلايا ابدا ابدا فاذا عرفت ذلك تعرف ان زيدية زيد خاصة لم‌تقدر في عرصة التقدير فان التقدير بالنسبة الي المقدرات في عرصة الدهر فهو كلي فالقدر اولا خلق كلي لا اختصاص له باحد دون احد فكل قابلية صعدت عرصة الجمادية و النباتية اشتعلت بنور الحيوانية و صارت دراكة حساسة و كل قابلية لم‌تصعد لم‌تشتعل فان بلغت اول مرتبة من الحيوانية و لم‌تصعدها اشتعلت بنورها في اخس مراتبها و ان صعدت مرتبة اشتعلت بمرتبة فوق تلك المرتبة حتي بلغت مرتبة الانسانية و فيها مراتب و منازل فزيد هو الجماد الذي قد لبي نداء الله في كل مرتبة حتي قام في مرتبته فلم‌يجب نداء الله فليس له علي الله سبحانه حجة بعد قيامه فانك ان اردت مرتبة فوق مرتبتك فاقرء القرآن و ارق فان الله سبحانه بفعله لايريد الا صنع امر عظيم و خلق جسيم لعلو همته سبحانه و لكن الخلق قد اجابوا شيئا بعد شئ و رقوا مرتبة بعد مرتبة فمن صعد الي المرتبة الاولي من مراتب التوحيد و صار مسلما ليس له علي الله حجة ان يقول لم ماصعدت الثانية فان صعودك بيدك بحول الله و قوته فان قابليتك اليد اليسري لله سبحانه و فعله يده اليمني و هي اليد السفلي و تلك اليد [ص 31] العلياء و امثل لك مثالا و هو ان الشمس مشرقة مضيئة علي جميع الدنيا و لكن لايشايع نورها الاحجار و الانهار و المياه و الصخور و قد شايعها الابخرة و الادخنة مع ان اشراقها علي الجميع علي السواء ثم ان الابخرة مختلفة علي حسب لطافتها و كثافتها و غلظتها و رقتها فاللطيف يقوم في اعلي مراتب الابخرة و اغلظ منه حتي ينتهي الي اسفل مراتب الغلظة و ليس عدم صعوده الا لاجل كثرة رطوباته و اتربته و ليس له ان يقول لما ماوصلت الي اعلي مراتب اللطافة فان الغليظ لايبلغ اللطيف ابدا ابدا و لو قال للشمس لم مااصعدتني حد اللطيف تقول له انا ماجذبته الي الا لاجل لطافته و ان صعوده الي لصلاحه و انت فاسد فاقرأ و ارق بالجملة قد مضي منا ما يكفي من ذلك فراجع .

فصل - لا بد لنا من شرح مطلب عويص في المقام ليظهر المرام و ان لايجترأ بعد احد ان يقول لم خلقتني هكذا . فاعلم ان جميع الخلاف و النزاع و الفضل و الخساسة و الشرافة و العزة و القرب و البعد كلها في الشرع اما الكون المطلق بمعني مطلق الوجود فلا فضل فيه و لا قرب و لا بعد بل لا خلاف فان جميع الاشياء موجودة و هي في وجودها نور الله و شعاعه و ظله و فعله منسوبة اليه و لا نسبة قريبة منه فالحجر في وجوده نور الله و العقل نور الله فلا صوت الا صوته و لا نور الا نوره ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل [ص 32] يدل عليك فليس الا الله و صفاته و اسماؤه و كمال التوحيد نفي الصفات عنه لا بمعني انك تجد ذاتا في المرتبة العلياء ثم الصفات فتنفيها عنها حاشا و حاشا فان الذات لاتقوم مع الصفات و هي لاتقوم مع الذات فان الذات عدم الصفات و الصفات عدم الذات و انك لو وجدتها مع الذات ماوجدت ذات الله بل عرفت الموصوف و هو غير الذات فالمراد مع النفي الامتناع مثال ذلك و لله المثل الاعلي ان النار الغيبية قد اعطت تمام الشعلات في الدنيا اسمها و رسمها و حدها و صفاتها فظهرت منها و نطق من لسانها و بطشت من يدها و مشت برجلها فان شاءت ان تعطي اعطت منها و ان ارادت احراق شئ احرقت منها فلا محرك في الشعلات و لا ظاهر و لا نور و لا كلام و لا سكوت الا منها اذ ليس لشئ حكم الا لها و لا نور الا نورها و لا صوت الا صوتها عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا فانك ان نظرت الي الشعلات و ماوجدت الا النار الغيبية الظاهرة في كونها بحيث كأنها قد امتنعت فقد وجدت النار الغيبية و لكنك لو وجدت الشعلة الحمراء فماوجدت النار ابدا ابدا فان الشعلة غير النار بالبداهة و لايمكن رؤية الشعلة اولا ثم رؤية النار بعدها و نفيها فانك ما دام ذكرك للشعلة و لو بطرف عين لماتري النار الغيبية فانه لايجتمع المنير و النور ابدا ابدا و ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه بالجملة فلاتجد في الكون غير آية الله سبحانه قد ملأت الاصقاع و ظهرت في جميع المواطن [ص 33] بحيث لاتري غيره حتي ان لشدة ظهوره يراه المجانين و الاطفال و الحيوانات حتي انه يظهر لك بلا تأمل و ان اردت معرفة امر آخر تحتاج الي التدبر و التفكر الا الوجود و لكن اكثرهم لايعقلون لشدة ظهوره و هذا الوجود هو آية الرب سبحانه و نوره و شعاعه و ظله في الارض و السماء و العرش و الكرسي و جميع المراتب العلوية و السفلية و البرازخ كلها و من عرف سر ذلك عرف الله سبحانه و قد قال تعالي في كتابه كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و المراد من الفناء الامتناع في احد المعاني و انك لاتكاد تدرك وجه الرب سبحانه و تعالي الا بان يمتنع في خيالك نفسك و غيرك و لو وجدت في نفسك شيئا غير الله و لو بادق المعاني لماادركت ربك و لذا قال اعرفوا الله بالله ، فلايكاد يعرف الرب الخلق فما دام تجد نفسك او خاصة من خواصك او غيرك لماعرفت الله و كيف يعرف الرب من هو ممتنع فيه حاشا و حاشا بالجملة كل هذا في الكون المطلق و ليس فيه قرب و لا بعد و لا نور و لا ظلمة و لا شيطان و لا ولي و لا امام و لا نبي و لا حجة و لا فضل و لا ذخر و لكن الكلام في الشرع و الشرع شرعان فمرة نقوله و نريد منه الشريعة المحمدية صلوات الله عليه و آله فانها هي الصفة الانسانية التي اراد الله سبحانه من خلق الخلق اياها و لذا خلق آدم علي صورته اي صفته فلم‌يرد من الخلق الا ذاك و تلك الصورة هي ظل الشارع و فعله و نوره و شعاعه و صفته و قد تجلي صلي الله عليه و آله بنوره [ص 34] علي الناس اجمعين فاشتعلت القوابل بنوره و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله و اظهر منها افعاله و هذا النور بدؤه منه و عوده اليه اذ هو اثره و شعاعه و الاثر تابع للمؤثر في جميع الحالات بل لا ذكر للآثار معه و لو دعوته لكفي دعوته من دعوة الجميع كما انك لو دعوت الجسم لدعوت جميع اشعته و انواره بالجملة ليس مرادنا تحقيق ذلك فامر الله سبحانه نبيه ان يتجلي الي تلك القوابل المنتشرة في الارض فظهر النور المطلق و الشعاع الاول في كل قابلية اعدت لظهوره و اما القوابل التي لم‌تقابل النور فلايظهر النور فيها ابدا و ذلك امر اختياري لا جبر فيه فانك ان اردت ظهور النور فيك فقابل مرآت قابليتك لهذا النور لكي يظهر النور فيك و ليس لك ان ادبرت عنه ان تقول لم لم‌يظهر النور في فان الشارع صلوات الله عليه و آله امرك بالصلوة و قد خلقك الله و سواك فتقدر علي الصلوة و تركها فان اردت ان تكون مع الصالحين فصل و ان اردت ان تكون فاسقا فاترك الصلوة و اما من لايقدر علي الصلوة فالله اعذر فالامر في الشرعيات علي الاختيار و لم‌يجبر الله احدا علي المعصية و لا علي الطاعة هذا في الشرع الظاهر المعبر عنه بالصورة الانسانية و اما ساير الشرعيات المراد منها مطلق الصور و الامتيازات فقد خلق الله كل صورة بها لا لغيرك و ذلك ان الشئ في وجوده يحتاج الي ركنين فعل و مفعول لايمكن وجوده بدونهما اذ ليس فاعلا حتي لايحتاج [ص 35] الي ركنين و اذ صار مفعولا فيحتاج الي فعل و لا بد من المجانسة بين الفعل و المفعول بالبداهة فلا كل مفعول يصلح لكل فعل كما في النحو الظاهر فانك تري ان مفعول نصر نصرا لا الضرب و مفعول كرم كرما لا الاكرام و لا مناسبة بينهما و لا مجانسة و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هاهنا ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فكل مفعول في كل عالم لا بد بينه و بين فعله من المناسبة من جميع الجهات كما تري بين الضرب و ضرب الا ان المفعول قلبه ساكن و الفعل متحرك اذ هو من العالي و لا بد له من حركة و حرارة و انك لن‌تجد شيئين في العالم مناسبا من جميع الجهات الا نفس الشئ و لذلك جعل الله نفس كل شئ آلة وجوده و انوجاده فكل شئ من حيث الاعلي فعل الله سبحانه و من حيث الادني مفعول لله اذ اعلاه ملحق بالعالي و واحد متفرد حار و اسفله بارد يابس ملحق بالاسفل و لا حراك له فكل شئ به هو هو لا بدونه فالاحمر احمر باحمره الله و الابيض ابيض بابيضه الله سبحانه و الجسم جسم بالجسم غاية الامر ان حيثه الاعلي فعله و الاسفل مفعول و قد فرق بينهما في عالم الاجسام لغلظتها كما تري ان السموات آية الفعل بل هي فعل و الارض مفعوله بالجملة فكل مصنوع مصنوع بنفسه اي جعل الله اياه آلة وجوده و صنعه و ذلك ما قاله الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه ان كل شئ مخلوق بنفسه عند مؤثره القريب و لايمكن الآن كشف الغطاء عن هذه (ظ) [ص 36] المسألة العويصة علي ما يتضح المراد للخاص و العام و مرادنا محض ظهور ان كل شئ مخلوق بنفسه و امثل لك مثالا ليظهر المراد فان الحق يعرف بالمثل و الباطل بالجدل فاعلم ان الشمس في السماء الرابعة واحدة علي لون واحد و شكل واحد لا خصوصية لها بشئ دون شئ و لا بمرآة دون مرآة فاراد الله سبحانه ان يشرق بها علي المرايا المعدة تحت السماء فظهرت في كل مرآة مع وحدتها و لكن المرايا تختلف علي حسب الوانها و اشكالها فمنها ما غلب عليه حمرته فيظهر النور فيه احمر مع انه لا حمرة له في السماء و منها ما غلب خضرته فيظهر النور فيه ازرق لصفرة النور و خضرة المرآة و هكذا في كل مرآة علي حسبه و لتلك الصورة في المرآة حيثان حيث الي الاعلي و حيث الي الاسفل فحيثه الي الاعلي فعل و الثاني انفعال فتلك الصورة مخلوقة بنفسها لا بنفس الشمس فانها لاتصير آلة لشئ و من عرف سر ذلك عرف خلق الخلق و ان عرفت ذلك فليس لك بعد ان تقول فمن اصبغ القابلية حتي صارت سبب صبغ الشعاع فان القابليات مخلوقة بها كما ان الصور مخلوقة بها و من عرف التوحيد و سر التفريد عرف الجبر و التفويض بحذافيره و سبب الاشكال ان الناس يزعمون ان الله سبحانه كان سابق الايام وحيدا فريدا بلا خلق في فلاة فاراد خلق الخلق فقال كن فخلق بذلك خلق كثير و كل ذلك باقتضاء من الله سبحانه و ذلك كفر بالله ناشئ من عدم المعرفة بل الله سبحانه كان واحدا احدا [ص 37] متفردا و لم‌يكن خلوا من خلقه ابدا و لم‌يكن خلقه خلو منه ابدا ابدا و لو مضي طرفة عين لم‌يكن لله خلق لماخلق ابدا ابدا اذ ليس شئ حتي يقتضي شيئا و هو سبحانه لا اقتضاء له فلا خلق و مذهب آل‌محمد ان الله سبحانه كان عالما بخلقه دائما معهم و بعدهم و قبلهم علي ما لو خلق خلق لمازيد علي علمه مثقال ذرة في السماوات و لا في الارض هذا هو مذهب آل‌محمد وفقنا الله و اياكم بالطاعات و العمل بما علمنا الله في جميع الحالات و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطيبين .

تمت الرسالة علي يد مصنفه العبد الاثيم محمد بن كريم في سلخ شهر شعبان المعظم ١٢٨٥ من الهجرة علي مهاجرها آلاف التحية في قرية ترجكان من متعلقات دار الامان كرمان مع تبلبل البال و اختلال الحال و كثرة الاعراض و تواتر البلايا حامدا مصليا مستغفرا و ارجوا الناظر فيها ان يعفو من كل نقص و خطيئة و سهو لاني مبتدء في هذا العلم مع اغتشاش الحواس و عدم التمكن من التفكر و التدبر . تمت .