قال (ص) و جعفر بن محمد السايق الحديث .
قد بينا سابقا ان السايق من يسوقهم من خلف و القود خلاف السوق و المعني ان باقر العلوم عليه السلام الذي هو مبدؤ الرسوم ينشرهم من قبورهم فيسوقهم الامام بالحق جعفر الصادق عليه السلام الي الجنة و النعمة كما كان في الدنيا حرفا بحرف فان الباقر عليه السلام بث العلوم و اظهر الحكم و الشرايع و الصادق عليه السلام فصل مجملاته و بين معضلاته و اكمل الهداية و نشر اعلام النبوة و الولاية و في زمانه لميختف عن الناس خافية حتي انه بث جميع العلوم فكان الباقر (ع) آدم المسلمين اذ صار ابهم في الانسانية و الصادق كان ادريسهم و ظهر في زمانه امر الله و دينه فمحمد عليه السلام كان قايدهم فانه اخذ زمام الخلق و احياهم من قبورهم و هو عليه السلام قام بعده فساقهم الي ما دعاهم و لولا قايد و سايق لماسار هذا الخلق الي الله سبحانه و ساير التفاصيل فيه عليه السلام كما ذكرنا في آبائه عليهم السلام .
قال (ص) و موسي بن جعفر محض المحبين و المبغضين و قامع المنافقين الحديث ، و في رواية البرسي محصي المؤمنين و هو اصح .
بعد ما اقام جعفر الصادق عليه السلام ظهر الدين و اظهر العلم و الحكمة و شرايع الدين اجتمع حوله الخاص و العام و المؤمن و الكافر ليقتبسوا من انواره و يأخذوا من علومه و حكمته و لا شك انه [ص 183] اذا قام لواء و اجتمع جماعة و عززوا و كرموا يجتمع معهم اناسٌ من غير المؤمنين من الفساق و الفجار و الاشرار و الذين لايريدون الا زينة الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و الله سبحانه لايرضي بذلك ابدا فانه لايحب من عباده الا المحبين و لايجتبي للجنة الا المتقين فلايرضي بجماعة منافقين غير صالحين فيمتحنهم لا محالة و قد جعل الامتحان النبوي اللازم في كل مرتبة في الصادق عليه السلام و كان منه ما كان و امتحان موسي عليه السلام امتحان ولوي فبعد ما بث ابوه و جده عليهم السلام الشرايع و الاحكام كما فعل نبي الله صلي الله عليه و آله صدر الاسلام فصار امر الاسلام و الايمان في هذا الزمان ابده مما كان قام موسي عليه السلام فتنة عمياء هندس فكان امره كامر جده علي اميرالمؤمنين فمشي بين المعاندين مشيه مع اعدائه مع ان في زمانه عليه السلام قوي سلطان بنيعباس و هم كانوا شرا من بنيامية لجهات شتي ليس هنا محل ذكرها و بسطها و من اطلع علي السير و التواريخ يعرف حقيقة ذلك فصبر عليه السلام علي البأساء و الضراء و تفرق عنه جماعة كثيرة كما تفرقوا عن جده مع انهم كانوا مقرين في الظاهر باجداده الطاهرين فصار منهم فطحيا و اسمعيليا و غيرهم من الملل و الفرق الذين بين حالهم في الملل و النحل مع خوفه من فرعون زمانه و ملأه فحبسوه في مدة مديدة اختلف فيها الروايات اكثرها ثلثةعشر سنة مع ما وصل اليه من ظلم الرشيد و قد بلغ الامر [ص 184] الي ان الناس لميكونوا يعرفون اسمه حتي ان الشيعة كانوا يكنون عن اسمه خوفا و تقية فخرج بذلك عن دين جعفر من خرج و بقي من بقي و هذا طريق امتحان الولاية و الفرق بينه و بين امتحان النبوة دقيق و قد اشرنا اليه فان النبي او من حكي نوره يشيد امرا و يظهر سرا كما كان في الحسن عليه السلام و السجاد و الصادق و اما الولي فالامتحان في نفسه فمنهم من يؤمن به و منهم من يكفر كما كان في علي عليه السلام و الحسين و الباقر عليه السلام و موسي عليه السلام و شرح ذلك مما يطول به الكلام و علي اي حال ففي زمان موسي عليه السلام آل الامر الي امر عظيم فلميبق الا ماحض الايمان و خرج جماعة كثيرة و قد امتحن في نفسه ايضا جماعة حيث وقفوا عليه و قالوا انه حي و هو القايم المنتظر فهو الذي يحصي المؤمنين و المنافقين و يفرق بينهم في الدنيا و الآخرة كما وقف جماعة بعلي عليه السلام و آمنوا به بعد الخلفاء و اقروا بخلافته و وراثته عن رسول الله (ص) و لميؤمنوا بولده و لميقروا بامامتهم و بوجه آخر نقول انه موسي الائمة صلوات الله عليهم و هو الذي فلق بحر العلوم حتي جاوز ببني ابيه اي محمد اسرائيل الله صلي الله عليه و آله و هم المؤمنون البحر فاكمل العلوم بعد ابيه و جده و اتم ما بقي في زمانهما ناقصا و اغرق فراعنة القوم فاشتغلوا بالعلوم الباطلة و الاصول المبدعة و الشرايع المخترعة فان في زمانه عليه السلام شاع علوم كثيرة من الكلام و المنطق و الاصول [ص 185] بواسطة الخلفاء في الناس فاغرقوا فيها و نجي الصالحون فهو محصي المؤمنين و الكافرين في الدنيا و الآخرة و كما انه عليه السلام قمع و قلع اصول المنافقين في الدنيا بهذا الامتحان العجيب يقمعهم و يقلعهم في الآخرة ايضا و يلقيهم في نار جهنم .
قال صلي الله عليه و آله و علي بن موسي مزين المؤمنين الحديث .
اما في الظاهر فالامر معلوم فانه عليه السلام في الدنيا صار زينا لهم بحسب الظاهر بما قبل من لباس ولاية العهد و الدولة و الثروة فبذلك تزين المؤمنون و صاروا اعزاء بين الناس فان الناس عقولهم في اعينهم الاتري انهم عابوا علي رسول الله فقره و قالوا لولانزل هذا القرآن علي رجل من القريتين عظيم فبعد ما آل الامر اليه و صار واليا صار الامر في اعين الناس عظيما و لما كان الظاهر عنوان الباطن و صار عزهم الدنيوي بسببه صار العزة الاخروية ايضا بسببه فهو معزهم في الدنيا و الآخرة و العز الاخروي الذي حصل لهم بسببه عليه السلام ان الناس الي موسي بن جعفر عليهما السلام كانوا يفتنون بانواع الفتن و الوقف و الانكار الي ان وصل الامر الي الرضا عليه السلام فكل من اقر به عليه السلام اقر بالائمة من بعده اللهم الا من شذ و ندر و هم ليسوا محل اعتناء و نظر و العمدة هي المعظم فمعظم الشيعة اقروا من بعده الي امام الزمان عجل الله فرجه فصاروا بذلك مؤمنين و الله سبحانه خص العزة بنفسه و بمن يشاء من عباده و هم الرسل و [ص 186] الانبياء و الاولياء و المؤمنون قال الله تعالي يقولون لئن رجعنا الي المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و لكن المنافقين لايعلمون فبعد ما آمنوا بالرضا عليه السلام صاروا مؤمنين بالاولين و الآخرين فهو بمنزلة القلب للايمان و لذا صار الاقبال اليه و زيارته حيوة للايمان و اجر زيارته علي ما في بعض الروايات اكثر من زيارة جده عليه السلام لانه يجمع نور جده و ولده جميعا و كلهم و ان كان شأنهم ذلك الا ان العلة المذكورة سابقا جرت الي ان صار زيارته افضل من زيارة اجداده عليهم السلام فهو مزين الايمان في قلوبهم باطنا و في رواية البرسي مرتب المؤمنين و لعل الاول اصح .
قال صلي الله عليه و آله و محمد بن علي منزل اهل الجنة في منازلهم الحديث .
جميع ما ذكر من اول المقامات مقدمات دخول الجنة و محمد بن علي عليه السلام ينزلهم في منازلهم في الجنة و ذلك بانه عليه السلام ظهر بالتقوي و حمل الولاية و شرط دخول الجنة معرفة الله و معرفة الرسول و الائمة عليهم السلام و ولايتهم و الايتمام بهم و التقوي عن المحارم في الظاهر و البراءة من اعدائهم في الباطن فان باطن التقوي البراءة و قد عرفت مما مضي انهم صلوات الله عليهم قد كمل كل واحد منهم شيئا في زمانه و جميع تكميلاتهم كان في شئون الولاية و المعرفة و اما محمد التقي عليه السلام فظهر [ص 187] بالتقوي الحقيقي الواقعي مع ان كلهم متقون و ذلك صفة من صفاتهم و ما لميكمل التقوي الظاهري و الباطني في الانسان لاينزل منازل الجنة فانه قال عليه السلام كذب من زعم انه يحبنا و هو متمسك بعروة غيرنا ، فالواجب علي المؤمنين اكتساب التقوي و قد قال الله في كتابه و من يتق الله يجعل له مخرجا و قال من يتق الله يجعل له فرقانا و قال و العاقبة للمتقين و قال و ازلفت الجنة للمتقين فلا بد من اكتساب التقوي للوصول الي الدرجة العليا فظهر محمد بن علي عليهما السلام بهذه الصفة يعني انه اظهر هذه الصفة من صفاتهم فانزلهم بذلك في منازلهم و ابلغهم الي مبالغهم و اوقفهم في مقاماتهم و وجه آخر ان الامور الي علي بن موسي عليهما السلام كانت مترددة لان بموت كل امام كان يخرج جماعة عن الايمان و يتحير في دينه و في زمانه عليه السلام صار الامر محكما فلميخرج بعد احد من طاعة الائمة فصار الجنة محتومة بذلك و كل من صار من السابقين من اهل الجنة صار اهلها بولاية محمد التقي عليه السلام و آبائه و ولده و يشهد بذلك ما ورد في حديث اللوح في شأنه علي رواية محمد بن ابرهيم النعماني لاقرن عينه اي علي بن موسي بابنه محمد و خليفته من بعده و وارث علمه و هو معدن علمي و موضع سري و حجتي علي خلقي جعلت الجنة مثواه و شفعته في سبعين الفا من اهل بيته كلهم قد استوجبوا النار الحديث ، و لا شك ان جميع الائمة عليهم السلام مثويهم الجنة [ص 188] فوجه الاختصاص ما هو و هو ما ذكرناه ان امر انزال شيعته في منازلهم بيده فكأنه صاحب البيت او هو احد الوجوه فبعد ما كمل الناس مراتب الايمان في ما دعوهم اليه ساير الائمة عليهم السلام صاروا مستحقين لان ينزلوا في منازلهم و في زمن ساير الائمة عليهم السلام ان بلغوا هذا المقام فبتقوية الائمة عليهم السلام التقوي فيهم كما قلنا في ساير المراتب ثم بعد ما نزلوا منازلهم لا بد لهم من الحور العين فعلي بن محمد عليهما السلام خطيبهم كما يأتي .
قال صلي الله عليه و آله و علي بن محمد خطيب شيعته و مزوجهم الحور العين الحديث .
وجه ذلك من جهة في الظاهر ان بعد نزولهم منزلهم يطلبون الحور فهو يخطبها لهم لان اباه عليه السلام انزلهم في منازلهم اولا فهو يفعل ذلك ثانيا و وجه آخر ان الحور جزاء العمل بل هي باطن الاعمال الدنيوية و هي من التقوي و بعد ما حصل الناس التقوي ببركة ابيه عليه السلام و عبدوا ربهم فهو الذي يصور الاعمال لهم بصورة الحور و يسمي كلا لكل فان امر الجنة جميعها بيدهم و لما كان ذلك ايضا شأنا من التقدير و هو عليه السلام مظهر النبوة فهو ايضا يحكي الفارضية كما كان لسيد الساجدين عليه السلام و وجه آخر يظهر لك بادني تأمل و لا بد من ذكر مقدمة و هي ان اس اساس صناعة الاكسير التزويج فانك ما لمتزوج بين الاركان بحقيقة الازدواج لايحصل الاكسير فان الاكسير يحصل بعد اتحاد [ص 189] الاركان و الاتحاد لايحصل الا بتكميل التزويج و ذلك لايحصل الا بعد تطهير الاركان كمال التطهير فان حقايق الاركان واحدة في الواقع و الاختلاف حاصل من الاعراض المعدنية و السوقية فبعد ما اراد الحكيم تركيبها بتركيب الخلود شاهد ان حقايق الاركان لاتمتنع عن ذلك علي ما هو حق البيان فان جميعها من بخار و دخان و المانع الاعراض العارضة بطول الاوان فدبر في تطهيرها و ذلك اس اساس الاكسير و تطهيرها لايحصل الا بالتفكيك و التفكيك بالحل و الحل يلزم امورا من التصعيد و التعفين و التكليس و الغسل و التنقية و غير ذلك مما ذكر في محله ففعل ما فعل من باب المقدمة حتي حصل له روح حقيقي و نفس حقيقية و جسد حقيقي فالف بينها و لما كان حقايقها واحدة في اصل الطينة الا انه قد اختلف صورها بحسب الاختلاف في الميزان من البخار و الدخان تعانقت جميعها كأنها واحدة فصار التركيب تركيب خلود فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الحور في التأويل نفوس الشيعة و عقولهم الازواج الطيبة الطاهرة و معهم اجسادهم و المراد خلودهم في الجنة و ذلك لايحصل الا بتنزيه الاجزاء و تطهيرها و صانع هذا الاكسير الاعظم مولانا علي النقي عليه السلام و لذا صار موصوفا بالنقي اي النظيف الطاهر و هو المطهر لشدة كماله فهو الذي يطهر الاركان و في زمن آبائه سادات الانس و الجان حصل نفس الاركان بتربيتهم و تكميلهم فان المولود الشرعي الايمان حاصل [ص 190] بتأثيرهم و تكميلهم مادته منهم و صورته منهم فبعد ما اجتمع المادة و الصورة اخذ مولانا النقي عليه السلام في التكميل بالتطهير و كذلك الامر في الجنة فان كل ما يكون في الدنيا يكون لطيفه في الآخرة و التطهير الدنيوي ظاهر التطهير الاخروي و بعد ما كمل تركيب المولود يسقيه الحسن عليه السلام الماء الالهي و النور الذي كأنه كوكب دري و بعد ما كمل المولود يطرحه الامام المنتظر علي ما شاء و يفعل به ما يريد فيكون شيعته الفعالون في الملك الآمرون الناهون في الآخرة فافهم و تدبر .
قال صلي الله عليه و آله و الحسن بن علي سراج اهل الجنة يستضيئون به الحديث .
لا شك ان جميعهم نور الله في السماوات و الارض و جميع الجن و الانس من المؤمنين يستضيئون بجميعهم في الجنة و لكن في الحسن الزكي العسكري عليه السلام نحو خصوصية في هذا الامر كما في خبر عن محمد بن علي بن موسي عن آبائه عن الحسين بن علي عليهم السلام الي ان قال بعد ذكر علي بن محمد و دعائه و ان الله تعالي ركب في صلبه نطفة و سماها عنده الحسن فجعله نورا في بلاده و خليفة في ارضه و عزا لامة جده و هاديا لشيعته و شفيعا لهم عند ربه و نقمة علي من خالفه و حجة لمن والاه و برهانا لمن اتخذه اماما الحديث ، و وجه نورانيته عليه السلام للشيعة انه عليه السلام كان في آخر الدورة و اما ولده عليه السلام فامره ارفع من ذلك مع [ص 191] ان دولته وسيعة و مدته كثيرة و قد خفي عن الانظار من حين الولادة اللهم الا بقدر اظهار الحجة و اعلاء الكلمة فآخرهم الحسن العسكري عليه السلام في الظاهر و الباطن اما في الباطن فلأن مقام الحجة عليه السلام ارفع و هو من الاربعة الحرم و اما في الظاهر فلأن ظهور الائمة و دعوتهم علانية و تردد الشيعة اليهم الي زمانه عليه السلام فلما كان الامر هكذا اراد الله سبحانه اعلاء الكلمة به و اظهار الامر بسببه حتي يتقوي امر الولاية فلايضعف بعده بسبب الغيبة فاظهر امر التشيع و ربي شيعته فوق الباقين و اظهر الكلمة و اتم النعمة حتي انه اظهر الركن الرابع و الضياء اللامع رابع اركان الدين و كمال ايمان المؤمنين فصار سراجهم اي اضاء به قلوبهم و ظهر ايمانهم و هديهم و اعزهم الله بسببه عليه السلام فلذا صار سراجهم في الدنيا و الآخرة ايضا و وجه ابطن ما اشرنا اليه انه سقاهم الماء الالهي و النور السرمدي فاحياهم بنوره فان النور ما كان ظاهرا في نفسه مظهرا لغيره علي ما قالوا في تعريفه و بهذا السقي صار شيعته هكذا اذ كان ماؤه من نور المعرفة الربانية و ضياء الصمدانية فصاروا بذلك كاملين خالصين مخلصين متحدين و زكاهم بالعلم و العمل و لذا ظهر في زمانه عليه السلام من الشيعة اكابر اعاظم لميكن مثلهم في الازمنة السابقة الا قليل و جميع ذلك نتيجة زكائه عليه السلام فانه الزكي الطاهر المطهر فتدبر و ان عرفت ساير ما فصلناه في المقامات [ص 192] لانحتاج الي زيادة التفصيل و في حديث البرسي في صفته انه جامع المؤمنين قال و الحسن بن علي جامعهم حيث يأذن الله لمن يشاء و يرضي ، و جمعهم ايضا بنوره عليه السلام فانه عليه السلام جمعهم علي الهدي بالنور الذي افشاه بينهم و لولا نور لماجمع الناس ابدا غاية الامر ان نور كل عالم بحسبه و مقامه فالنور الدنيوي ما تشاهده ببصرك من ضياء الشمس و نور القمر و النار و النور الاخروي العلم و المعرفة و الولاية و ذلك بعد تزكيتهم عن الخبائث و الرذايل و ما لاينبغي لمواليهم و محبيهم فتدبر .
قال صلي الله عليه و آله و الهادي شفيعهم يوم القيامة حيث لايأذن الا لمن يشاء و يرضي و في رواية المهدي و في رواية علي ما في العوالم الهادي المهدي الحديث .
اما معني الشفاعة فقد مر سابقا علي نهج الاختصار و الاجمال و قد خص ذلك بامام الزمان عجل الله فرجه و سهل مخرجه لعلو منزلته و سمو درجته و قد خص هذا المنصب العلي باسم الهادي و المهدي دون ساير الاسماء لجهات عديدة منها ان دخول الجنة مخصوص بالمؤمنين و الموالين و لايدخلها اعداؤهم ابدا بل روي ما معناه انه لو شفع جميع الانبياء و المرسلين في ناصب ماقبل الله و ذلك ما قال تعالي لايشفعون الا لمن ارتضي فالشفاعة خاصة بمن احبهم من اهل المعاصي و ذلك بان يشفعهم الشافع فيضيئهم بفضل نوره و يذهب عنهم ما كان سبب بعدهم عن رحمة الله و معني [ص 193] ذلك علي الحقيقة هدايته الي سواء الصراط فان الامام عليه السلام علي الصراط المستقيم فكل من شفعه جعله علي الحق و سلك به في الصراط المستقيم و الدين القويم و ليس معني الشفاعة الاخروية ما تراه في الظاهر ان يدعو احد لاحد عند كبير و ان كانوا صلوات الله عليهم شفعاء بهذا المعني ايضا فانهم يدعون لعبيدهم عند ربهم و لكنهم في الآخرة يضمون انوارهم بشيعتهم فيضيئونهم بنور هدايتهم و دلالتهم الي ربهم فيهتدون اليه سبيلا و يسلكون فيه و يدخلون الجنة فالهادي المهدي هو الشفيع و وجه آخر ان جميع ما ذكر من اول المقامات الي آخرها غير الآمرية المذكورة في شأن سيدالشهداء و الشفاعة خاصة بمقاماتها و الآمرية و الشفاعة صفة عامة يحتاجون اليه في جميع المراتب اما الآمرية فلا بد منها من اول الحشر الي يوم الخلود بل بعده و قبله دايما في كل مقام فان الامر في جميعها بيد الله و ظهر امره في سيدالشهداء عليه آلاف التحية و الثناء و روحي له الفداء فالساقي يسقي بامره و الذايد يذود بامره و هكذا و الشفاعة ايضا مما يحتاج اليها في جميع المقامات فان الاولين و الآخرين لايستحقون نعمة من النعم الا بواسطة آلمحمد عليهم السلام و ذلك ان آلمحمد عليهم السلام هم مبادي العلل و اعظم الاسباب و ابي الله ان يجري شيئا الا بسبب و هم السبب الاعظم و هم الباب و الجناب و ليس احد يصل الي الله الا من سبيلهم و ليس يصل من الله شئ الي الخلق الا [ص 194] بسببهم فهم الوسايط فكل من اراد ان يسأل ربه شيئا و يستمد منه مددا و يستفيض منه فيضا لا بد له من ان يتصل بنورهم و يأخذ من ربه من سبيلهم من آدم الي يوم القيامة فكل يحتاجون الي شفاعتهم و لايحتاجون الي شفاعة غيرهم و ذلك لايخص بدخول الجنة فانك عرفت ان آلمحمد باب كل نعمة فاكل الناس و شربهم بسبب آلمحمد و شفاعتهم لا غير و هذه الشفاعة ظاهرة في جبين الهادي المهدي عليه السلام فانه المهدي المطلق يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و ذلك شفاعته و في جميع المراتب من السقي من الكوثر من حين الموت الي الخلود ما لميكن شفاعته لايفصل امر ابدا ابدا بل في الدنيا لولا شفاعته لايبقي متنفس ابدا و ذلك لانه عليه السلام حاكي غيب المحمدية الكبري و الاحمدية البيضاء و غيب العلوية الكبري و بواطن جميع الاسماء و نور الله الاحد الطاوي للاشياء و لذلك يظهر كلمة لايطيقها احد من اهل الارض و السماء الا من شاء الله من خواص الاولياء فله الشفاعة الكبري في جميع الانبياء و الاولياء و بالتمسك بحبله يقوم كل قايم .
هذا آخر ما اردنا ايراده استعجالا في شرح الحديثين الشريفين علي نحو الاختصار و لميمكنني التفصيل اكثر من ذلك فاني رأس واحد و لي معاملات كثيرة يطالبني كل احد بمراده فربي يطالبني بعبادته و معرفة نبيه و النبي يطالبني باطاعته و التمسك بحبل وليه و الائمة سلام الله عليهم يطالبونني بمعرفتهم و ولايتهم و ولاية شيعتهم [ص 195] و نشر فضايلهم و الشيعة يطالبونني بحقوقهم و الاخوان يطالبونني بحقوقهم في مالي و احوالي و يريدون مني ملازمتهم و خدمتهم و اعانة مظلومهم و اغاثة ملهوفهم و اجابة مجالسهم و الجواب عن مسائلهم و بث العلم فيهم و نشره بينهم و الاصدقاء يطالبونني بمرافقتهم و الاقرباء يطالبونني بصلتهم و الاولاد يطالبونني بتربيتهم و نفقاتهم و الاهل و العيال يطالبونني بنفقتهم و كسوتهم و حسن البشر اليهم و اجرائي يطالبونني باجرتهم و نفسي تطالبني باصلاحها بالخلوة عن الناس و ترك المراودة معهم و طول التفكر و العبرة و الندامة علي ما مضي من العصيان و التوبة و الشيطان يدعوني الي معصية ربي و نسيان عهده و ميثاقه الذي واثقني به و الاجل يحرسني من جميع جوانبي و لاادري متي يحل بي و الملكان معي يكتبان عملي و اعدائي يحسدونني و يعادونني و يطلبون زوال نعم الله عني و بقيت انا بين هؤلاء حيرانا متزلزلا خائفا اترقب امر ربي فكيف يجمع قلب عبد هكذا و متي يبقي له مجال يقدر علي اداء جميع الحقوق و ملاحظة جميع الشقوق في المسايل الواردة و انا اتوكل علي الله في جميع اموري و اخلصت نفسي من بين هؤلاء المنادين لربي بحوله و قوته بانقطاعي اليه فالاحظ في كل موطن مرضاة ربي و اؤدي حق كل داع من عنده بقدر وسعي و اهجر الشيطان و اترك الماكر الخوان متوكلا علي الله الرحمن علي ما قال الشاعر :
[ص 196]تركت للناس دنياهم و دينهم شغلا بذكرك يا ديني و دنيائي
و مع ذلك لماك اتمكن من زيادة البيان اكثر من قدر الحاجة و اعتذر الي جناب السايل (ره) اذ سألني ان اكتب له بالفارسية و بعد ما تعمق في مطاوي الكلمات يعرف ان بيان هذه الدقيقات بالعجمية من اصعب الامور و لايمكن ذلك لما فيه من القصور و لذا خالفت عن مسؤله و لايضرني اذ اتيت بمأموله و قد سألت الله ان يوفقني علي بيان مسايل لطيفة و فضايل شريفة مع الاشارة الي الاسرار مع عدم هتك الاستار و الاتقاء عن كل متكبر جبار و قد اجاب مسؤلي علي ما هو مظنوني و ربما يخطي الظنون و لا بد من السهو و الخطاء لكل ذي فنون اذ يشتغل بالتعمق في شأن عن ساير الشؤن و الذي لايشغله شأن عن شأن هو امام الانس و الجان عليه صلوات الله الملك المنان فانا سايل كل من نظر في هذا الشرح و وقف علي سهو قلم او خطاء ان يغمض عنه من عين الصفاء فان الانسان من النسيان و السهو مقسوم بين كل ذي بيان و اعلم ان جميع ما ذكرناه في تقسيم المناصب بين الائمة الاطايب في الحديث الثاني جميعه بملاحظة الظهور و الا فكل منهم يجمع جميع الفضايل التي لاتحصي طول الدهور قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و قد ذكرت سابقا و اكدت ذلك لاحقا ان كل واحد منهم صلوات الله عليهم يملك جميع الخصال الظاهرة من الابدان الطيبة الطاهرة فما قلت من التخصيص [ص 197] بعد ما شاهدت من التنصيص و روي في غير ما شرحت من الروايات و لميعرف حقيقتها اكثر اهل الدرايات تخصيص بالمحمدية و العلوية و الحسنية و هكذا ساير الصفات الزكية و كل شخص منهم يجمع هذه الكمالات العلية و قد ظهروا بكل صفة كل حين باذن ربهم فافهم و اتقن و صلي الله عليهم بافضل الصلوات و بارك الله عليهم بافضل البركات و السلام علي ارواحهم و اجسادهم و رحمة الله و بركاته .
و قد حصل الفراغ من تسويد هذه الاوراق علي يدي مصنفها محمد بن محمدكريم بن محمدابرهيم عفي الله عنهم و رزقهم شفاعة ساداتهم و تقبل الله منهم في الساعة الثانية من الليلة السابعة من جمدي الآخرة من السنة التاسعة من العشرة العاشرة من المائة الثالثعشرة من الهجرة النبوية المصطفوية علي مهاجرها آلاف التحية حامدا مصليا مستغفرا . تمت .