قوله يخاف الناس و لايخافون ، ذلك لانهم خافوا مقام ربهم في الدنيا و نهوا النفس عن الهوي و اطاعوا ربهم حتي جاءهم الهدي و ترقوا عن درجة الدنيا و وصلوا الي الجنة العليا و فازوا بالنعم العليا و تنعموا بكرامة الله و فازوا بالقدح الاعلي و سقوا من الكأس الاوفي و وصلوا الي فيض البقاء و خلصوا من التعب و الشقاء و المحنة و العناء و استناروا بنور المؤثر و اتصلوا بالغاية التي اهاجت المدبر في البدأ [ص 164] لصنعهم و علموا ان الحكم لايغير و الجنة لاتبدل و لايخرج منها خارج ابدا فمن دخل دار الولاية يكون آمنا من الخروج فلايخاف ان يعذب و ان علم من الله انه قادر علي ما يشاء و يفعل ما يريد و لكنه عرف منه انه لايخلف الميعاد و وعد الله الذين آمنوا الجنة الابدية و عرف ايضا انه تعالي لايفعل شيئا باقتضاء نفسه الا ان يقتضي احد من الخلق شيئا فيقضي بينهم بالحق و يري من نفسه انه لايقتضي النار بعد التنور بنور الاطهار فلذلك يطمئن و يسكن في جوار ربه هو الذي انزل السكينة في قلوب المؤمنين فافهم .

و قوله يظمأ الناس و لايظمأون ، و ذلك لمنعهم من شرب الكوثر و هو ماء ولاية اميرالمؤمنين (ع) من شرب منه لايظمأ و من منع منه لايرتوي و لايزيد الحميم و الغساق لهم الا عطشا و ورد في اخبار ان غير شيعة اميرالمؤمنين (ع) لايرتوون في القيامة فتدبر و ضيق المجال يمنعني من شرح هذه الفقرات علي ما ينبغي مع ان اشكال السائل كان في غيرها و قد شرحت محل الحاجة و الحمد لله .

قال صلي الله عليه و آله فاذا بلغت باب الجنة تلقتك اثناعشر الف حوراء لم‌يتلقين احدا قبلك و لايتلقين احدا كان بعدك بايديهم حراب من نور علي نجائب من نور جلالها من الذهب الاصفر و الياقوت ازمتها من لؤلؤ رطب علي كل نجيب نمرقة من سندس فاذا دخلت الجنة تباشر بك اهلها و وضع لشيعتك موايد من جوهر علي عمد من نور فيأكلون منها و الناس في الحساب و هم [ص 165] فيما اشتهت انفسهم خالدون الحديث ، و في نسخة عوالم و ناسخ التواريخ من سندس منضود و لعل ما في البحار اصح .

شرح : الي هنا رواه في البحار في باب الشفاعة قوله تلقتك اي استقبلتك و الحراب بكسر الحاء جمع حربة ككلبة و كلاب بمعني الرمح القصير و النجايب جمع نجيبة و مر شرحها و جلال جمع جل بضم الجيم و تفتح و هو ما يلبس علي الدابة لتصان به و النمرقة بمعني ميثرة السرج اي لبدته او الطنفسة التي فوق السرج و السندس ضرب من الديباج و المنضود ان كان صحيحا من نضد اي وضع بعضه علي بعض و تباشر بك اي يجعلونك مباشرهم اي متولي امرهم كقولك اللهم اني اسألك ايمانا تباشر به قلبي و الموايد جمع مايدة و هي الطعام و الخوان عليه الطعام و المراد في المقام منها المعني الثاني و العمد اما يكون جمع العمود و هو معروف و يراد ان الموائد موضوعة علي عمد لكونها مرتفعة من الارض او يكون كناية عن سرير يهيأ لوضع الخوان عليه في العرب و شاع بين اهل الافرنج ايضا و ذلك لان اهل الجنة ايضا يجلسون علي سرر فيوضع طعامهم علي سرر بحذائهم و اما يكون عمد بفتحتين جمع عماد بمعني ما يسند عليه او الابنية الرفيعة و لكل وجه و في بعض النسخ اعمدة بدل عمد و هي ايضا جمع عمود .

اذا عرفت ذلك فاعلم ان الجنة دار كرامة الله و جوار قربه و محل فيوضه و نعمه و شرحها مما يطول به الكلام مع انه لايمكن توضيح المرام و هي في السماء كما ان النار في الارض [ص 166] كما ورد في الاخبار و المراد من السماء غيب هذه السماوات الذي يظهر في الآخرة لا ظواهرها فانها دخان كما هو ظاهر لمن له عينان و كذلك المراد من الارض غيبها و ذلك قوله تعالي يوم تبدل الارض غير الارض و السماوات يعني تبدل الي ارض غيرها و سماء غيرها و هي ما ظهرت في الانسان الجامع للنشأتين الحاوي للمنزلتين سماؤها في سمائه و ارضها في ارضه و اهل الجنة يقومون في السماوات و اهل النار يحبسون في الارضين و مراتب الجنات بعدد الكرسي و السماوات و طبقات النيران بعدد الارضين و للجنة ثمانية ابواب كل سماء باب فسماء القمر الذي هو الحيوة باب و سماء العطارد الذي هو الفكر باب و سماء الزهرة الذي هو الخيال باب و سماء الشمس الذي هو المادة باب و سماء المريخ الذي هو الوهم باب و سماء المشتري الذي هو العلم باب و سماء الزحل الذي هو العاقلة باب و سماء الكرسي الذي هو النفس باب و هذه ثمانية ابواب يدخلون الناس منها و لكل باب جزء مقسوم و العرش الذي هو العقل فوق الكل و هو مقام الجمع و اما ابواب النيران فهي الاراضي السبعة ارض الموت و ارض العادة و ارض الطبيعة و ارض الشهوة و ارض الغضب و ارض الالحاد و ارض الشقاوة و لكل باب جزء مقسوم و هي انيات الافلاك و طبايعها بمعني ان كل فلك اذا اعتدل و خلص يسمي سماءا و يكون باب الجنة و اذا انحرف و كثف يسمي ارضا و تكون باب النيران و اما الكرسي فلا قرين [ص 167] له في النار لانه مقام الانسانية و الانسانية من نور الولي و اهل النار مبتلون في ظل ذي ثلث شعب الحيوانية و النباتية و الجمادية لايخرجون منها ابدا و اما في الباطن فالجنة مقام الولاية و هي مخلوقة من نور الولي المطلق و النار مخلوقة من ظلمة و اهل الولاية يدخلونها لانهم من طينة الجنان و اهل البراءة و الاعداء يدخلون النار لانهم من طينتها و زلت قدم من زعم ان العود الي الله فان الخلق لايلحقون بالله و سبحانه و تعالي عما يصفون و عنده لا جنة و لا نار و لا مسير و لا قرار و اياب الخلق الي الجنة و النار فافهم ان كنت من اهل الديار و الا فاسلم تسلم من ضلالة الكفار ثم اعلم ان ابواب الجنة هي مراتب مختلفة يدخل من كل باب طائفة كما ورد عن علي عليه السلام ان للجنة ثمانية ابواب باب يدخل منه النبيون و الصديقون و باب يدخل منه الشهداء و الصالحون و خمسة ابواب يدخل منها شيعتنا و محبونا الي ان قال و باب يدخل منه ساير المسلمين ممن يشهد ان لا اله الا الله و لم‌يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا اهل البيت و عن اميرالمؤمنين عليه السلام ان للجنة احدي و سبعين بابا يدخل من سبعين منها شيعتي و اهل بيتي و من باب واحد ساير الناس انتهي ، و لكل وجه طوينا عن بيانها الكشح طلب الايجاز و روي عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث الا و من احب عليا فتحت له ابواب الجنة الثمانية يدخل من اي باب شاء بغير حساب ، و له ايضا وجه و لا تعارض بينها عند اولي [ص 168] الالباب ثم ان باب الجنة الذي يدخل منه فاطمة يحتمل ان يكون باب الجنة التي تخصهم و هي جنة الفردوس اعلي الجنان او الرضوان او يكون باب آخر الجنات و ادونها لانها تدخل في كل جنة و تصعد منها لانها مقامات لا بد للسالك ان يتجاوزها و يسير فيها فاذا وصلت مع شيعتها باب الجنة تستقبلها الحور العين تكريما لها و قد عرفت ان الحور ايضا خلقن من انوارهم سلام الله عليهم و هي ثواب اعمال المؤمنين فان الاعمال هي صور الثواب و العقاب و هي اذا صعدت من الدنيا و لحقت النفوس تتصور بصورة ثواب الجنة و نعمها لانها الحاصلة من الاعمال و مثال ذلك ما يحصل في المولود الهرمسي من الحل و العقد و التكليس و التنكيس و التشميع و غيرها فانها في الظاهر تدابير يدبر بها المولود و يكمل بها فما يحصل في المولود هو نتايج ما دبر فيها و هي عين ما عمل فيها من جهة و غيرها من جهة و مر سابقا بيان ذلك في الجملة و لما كانت نعم الجنة هي نتايج الاعمال فكل ثواب يخص عامله و لايصل هو بعينه غيره الا ان يدرك شبيهه و شكيله و العامل ان كان يعمل عملا فوق عمل كل عامل يدرك ثوابا لايليق بغيره و آل‌محمد عليهم السلام عملوا بعمل لم‌يعمل احد قبلهم و لايعمل عامل بعدهم مثلهم فثوابهم يخصهم و لايصل اليه احد غيرهم بل لايدرك احد شبيهه كما ورد في آدم عليه السلام ان سبب خروجه من الجنة طمعه في شجرة كانت شبيهة بشجرة علم آل‌محمد [ص 169] عليهم السلام لا عينها فتدبر و لذلك قال (ص) تلقتك اثناعشر الف حوراء لم‌يتلقين احدا قبلك و لايتلقين احدا بعدك و هن من شرفاء الحور المخصوصات بها فافهم .

قوله بايديهم ، في جميع النسخ هكذا و الصحيح بايديهن حراب من نور ، قد مر ان الحراب رماح قصيرة و هي آلة الحرب مع انه ليس في الجنة حرب و لا نزاع و لكنها اسلحة حملتها و الله اعلم لدفع الاغيار عن الوصول الي الديار و اصلها من نور الله و نفس هذا النور يدفع غيره عن الوصول اليه لغلبته كما ان نور الشمس يدفع العين المرمودة الضعيفة عن النظر و هن علي نجائب من نور اذ جميع الجنة و نعمها و اهلها مخلوقون من نور الله و مادة الكل واحدة و صورها ايضا غير مختلفة اذ المادة الواحدة لاتقتضي غير صورة واحدة و اختلاف المواد سبب اختلاف الصور اذ ثبت في الحكمة ان الصور نهايات المادة فلكل مادة نهايات بحسبها فاذا كانت مادة واحدة يكون نهاياتها واحدة بلا اختلاف و ان قلت انا نري جماعات نوريين في الدنيا علي صور مختلفة اقول ان اختلافهم من جهة طبايعهم لا من جهة صورهم الذاتية و الطبايع هي معدن الاختلافات و اذا خرجوا منها آبوا الي الايتلاف و ذهب الاختلاف و لذلك يجتمع جميع الاخوان في مثل سم ابرة من دون مزاحمة و لو اختلفوا في الجنة لذهب عيشهم و بطل سرورهم و بالجملة فنعم الجنة بعضها شبيهة ببعض و ذلك تأويل قوله تعالي كل ما رزقوا منها من ثمرة رزقا [ص 170] قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اتوا به متشابها و هو في تأويل يأول الي تشابه بعضها ببعض فافهم فحور الجنة و جمالها و جلالها و ثمارها و قصورها و غلمانها كلها علي هيئة واحدة الا ان التعبير عنها يختلف في كل مقام فافهم هذه الدقيقة و اما سر كونهن راكبات علي نجائب فان لها ايضا ظواهر و بواطن و ارواح و ابدان و الارواح تركب الابدان و البواطن تركب الظواهر فسميت بالنجايب لمناسبات مر ذكرها و لكنها من نور الله تعالي لا من الحيوانات الدنياوية جلالها من الذهب بمناسبة الوانها اذ هي روحانية من عرصة الملكوت و شرافتها و خلودها لاتحاد اجزائها في تركيبها و الياقوت لصلابتها و حرارتها و لما مر سابقا و اصل النجيبة من النفس و جلها الروح فوقها ازمتها من اللؤلؤ لما مر سابقا فراجع ، علي كل نجيبة ميثرة او طنفسة من الديباج لان جميع الجنة من فضل الحي و الديباج من فضول الحيوان و تلك الميثرة ايضا من الروح فان جلها و ميثرتها من عرض واحد البتة .

قوله فاذا دخلت الجنة تباشر بك اهلها ، اي يجعلونك مباشر امورهم و متوليها اذ جميع الامور في الجنة بل في القيامة بل في الدنيا في يدهم و هم الذين فوض الله اليهم الامر في النشأتين لا بمعني انه تعالي اخلي الامر او جعلهم شركاءه نعوذ بالله بل بمعني انهم اياديه في الصنع فيفعلون ما يشاؤن قال الله تعالي لهم ما يشاؤن عند ربهم ، قال علي بن الحسين [ص 171] عليهما السلام اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال ان الله خلق محمدا صلي الله عليه و آله عبدا فادبه حتي اذا بلغ اربعين سنة اوحي اليه و فوض اليه الاشياء فقال ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ، و الاخبار الواردة في انهم قسيم الجنة و النار و المتولي امر الخلق يوم الحساب و غير ذلك عديدة فهم الذين يتولون امر الجنة و ينزلون كل احد منزله و ينعمون كل احد بما ينعمون فافهم ذلك ان شاء الله .

قوله و وضع لشيعتك الخ ، خص الشيعة بالموايد لحكم منها ان شأنهم ارفع من الاكل و الشرب في الجنة فان الجنة اسفلها اكل و شرب و اوسطها علم و ذكر و اعلاها النظر الي وجه الله كما قال الله تعالي وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة ، و قال عليه السلام اذا تنعم اهل الجنة بالجنة تنعم اهل الله بلقاء الله ، فالشيعة اذا دخلوا الجنة يتنعمون و لكنهم يتنعمون علي موايد من جوهر موضوعة علي عمد من نور و الموايد ايضا من نور اي نور آل‌محمد عليهم السلام الا انه يعبر عنه بالجوهر و ذلك ان كل احد يستمد من منبع مادته لان تحقق الصورة بالمادة و اذا قويت المادة تقوي المادة الصورة الاتري انك تقوي النباتات بالماء و التراب و الحيوانات بالنباتات و لكن صورها تستمد من تلك المادة و كذلك الانسان يستمد من سنخ مادته و مادته تأييد العقل و هو النور فغذاؤه من النور لا غير و اصل العقل [ص 172] هو شعاع محمد و آل‌محمد عليهم السلام فغذاؤ الانسان في القيامة من نور اهل البيت فسمه ان شئت خبزا و ان شئت ماءا و ان شئت ثمرا و ان شئت غير ذلك هو نور يمد النور البتة و اما آل‌محمد فهم من نور الله بلا واسطة و استمدادهم من نفس الله و تنعمهم بلقائه و هو امر واحد و فيض واحد لا غير ثم اعلم انه عليه السلام لم‌يعين الجوهر انه ياقوت او زبرجد او در بل اطلقه و الذي يخطر بالبال انه يتفاوت بحسب درجات الجنة و يحتمل انه عليه السلام اراد نفس الاطلاق بملاحظة اطلاق نعم الجنة و لكل وجه .

قوله يأكلون منها و الناس في الحساب ، و ذلك لان الشيعة لايحاسبون لان ولاية آل‌محمد عليهم السلام يطهرهم من كل ذنب و يثبت لهم كل خير و الحساب في مقام يثبت للشخص حسنة و سيئة فيراجع الي اعماله و ينصب له الميزان و اما من يغفر له مطلقا او يعذب مطلقا فلا حساب له قال الله تعالي يومئذ لايسأل عن ذنبه انس و لا جان و ورد في الخبر انس منكم و لا جان ، فالحساب مخصوص بالمسلمين الذين لم‌يبلغوا حد الايمان و لا درجة النصب فهم واقفون في مقام الحساب و الشيعة مخلدون في الجنة و النصاب مخلدون في النار و ذلك بشارة للمؤمنين و الحمد لله رب العالمين و ورد ان سيدالشهداء عليه السلام و روحي له الفداء يتكفل حساب شيعته في الرجعة فبعد الحشر هم فارغون و يدخلون الجنة .

قوله و هم فيما اشتهت انفسهم خالدون ، و ذلك لانهم وصلوا الي مقام فوض الله [ص 173] اليهم المشية فلهم ما يشاؤن كما روي عن جابر بن يزيد قال قال لي ابوجعفر عليه السلام ان المؤمن ليفوض الله اليه يوم القيامة فيصنع ما شاء قلت حدثني في كتاب الله اين قال قوله لهم ما يشاؤن فيها و لدينا مزيد فمشية الله مفوضة اليه و المزيد من الله ما لايحصي انتهي ، بل ورد انه في الجنة يقول للشئ كن فيكون و ذلك لان الآخرة دار الجزاء و ان المؤمن قد عمل في الدنيا حق العمل و اطاع حق الاطاعة و جزاء عمله ان يصل الي هذه الدرجة الرفيعة و المنزلة المنيعة كما ورد في القدسي يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون يا ابن آدم انا حي لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حيا لاتموت يا ابن آدم انا حيث ما اشاء اكن اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حيث ما تشاء تكن ، فجزاء عمل المؤمنين في الدنيا ان يخلدوا فيما يشتهون حتي انهم اذا ارادوا ان يطأوا جميع السماوات و الارض بقدم يسهل لهم ذلك لقوله لهم ما يشاؤن و لقوله انا حيث ما اشاء اكن افهم و انا ابكم لااقدر علي البيان و مثالي ما قال ابي :

انا ابكم رائي الرؤي و اخلتي صم فمن ينطق و من‌ذا يسمع

و لايمكنني شرح الجنة في الدنيا الا بالاشارة علي نحو الايماء .

قال صلي الله عليه و آله و اذا استقر اولياء الله في الجنة زارك آدم و من دونه من النبيين .

شرح : من هنا رويت من العوالم الي آخر الخبر ، قوله اذا استقر [ص 174] اولياء الله الخ ، اعلم ان الله خلق اول ما خلق محمدا و آل‌محمد حيث لا احد سواهم و كانوا يعبدون الله و يسبحونه و يحمدونه و يكبرونه و يهللونه حيث لا عابد سواهم و قد بينا حقيقة ذلك في ساير رسايلنا و هذا المقام مقام حقايقهم و كما بدأوا من هذا المقام يعودون اليه فان معني المعاد عود كل شئ الي اصله و مبدئه بل لا عود في الواقع اذ لاينزل شئ علي الحقيقة من منزله و لكن الحقايق تتجلي من مقاماتها بظواهرها و مجاليها ثم ترفع النظر و يعبر عن مبدأ التجلي بالنزول و البدأ و من قطع النظر بالعود و مثال ذلك ان الشمس ثابتة في سمائها و لاتنزل منها و لاتصعد و لكن اذا اخذت مرآة في الارض تظهر و اذا كسرتها لاتظهر فيعبر عن الظهور بالبدأ و عن قطعه بالعود فافهم فحقيقة آل‌محمد عليهم السلام ثابتة في مقامها و لم‌تخل مكانها عنها ابدا و ذلك مقام المؤثرية و العلية للاشياء و الله تعالي خلق جميع ما خلق من نورهم و شعاعهم و اول نور صدر من وجوههم نور الانبياء سلام الله عليهم كما ورد في الاخبار فحقايق الانبياء من شعاع نور آل‌محمد عليهم السلام لاتتجاوزه ابدا و قد بدأوا من هذا الشعاع و يعودون اليه و نعيمهم و جنتهم هنا ثم خلق الله الشيعة من شعاع الانبياء و بدؤهم منه و عودهم اليه و جميع حظهم و سيبهم من هذا المقام ثم ان النور لايكاد يصل مقام المؤثر ابدا بل لايقف معه و حيث هو لا اثر و حيث الاثر لا مؤثر و وجود الاثر في مقامه لا غير و جميع ما يدركه و يعرفه من المؤثر يكون من نفسه و ذلك ما نقول ان علم الداني بالعالي علمه [ص 175] بنفسه لا غير و نفسه حيث معلوميته للعالي و معلومية العالي له و اما الذات فهي محجوبة عن الداني فالانبياء حيث كون حقايقهم من نور آل‌محمد عليهم السلام لايكادون يصلون الي حقايقهم بل مقام دون درجة آل‌محمد و اذ ثبت في الحكمة ان الاثر من المؤثر جزء من سبعين يكون درجتهم دون درجة آل‌محمد بسبعين درجة فلايكادون يدركون حقايق آل‌محمد عليهم السلام و لكنهم يدركون من تلك الحقايق ما ظهر لهم في عرصتهم بل في انفسهم فمعني زيارة الانبياء سلام الله عليهم لفاطمة عليها السلام زيارتهم لنورانيتهم نعم كل من كان منهم اعلي و اكمل و اجمع يكون نورانيته اقوي فيستضيء به من هو ادني و يظهر منه نور المؤثر اكثر فالآثار يشاهدون هذا النور الاعظم منه اكثر بل يصير بابا للائمة فيهم فكل ما اشتاقوا زيارة المؤثر يزورونه فيهم كما انك كل ما اشتقت الي لقاء الانسان المطلق تري الي من هو كامل في الانسانية مع انك ايضا فرد من افراد الانسان و كذلك الامر في الشيعة فانهم لايتجاوزون ما وراء مبدئهم و لايدركون حقايق الانبياء و الائمة الا ما ظهر منهم لهم و الله قد نصب بينهم شيعة كاملين بلغوا في النورانية منتهي الكمال حتي ربما لحقوا بالاعلي فصاروا برازخ بين الناس و الانبياء فصار منزلتهم كصابون الحكماء و النفس في المولود الكريم و هم جلوة الانبياء بين الناس و جلوة الامام اذ هم نوره و جلوة الله اذ هو نوره فكل ما اشتاق احد من الناس الي لقاء الانبياء يلقاهم و كل ما اشتاق الي لقاء الامام [ص 176] ينظر اليهم و كل ما اشتاق الي زيارة الله يتوجه بهم فافهم ذلك و اتقنه و لذلك قال عليه السلام سبيل الله شيعتنا و قال سلمان باب الله في الارض من عرفه كان مؤمنا و من انكره كان كافرا ، ففي الدنيا و الآخرة لا سبيل للداني الي العالي الا من عرضه و غير ذلك خطاء و لاينافي ما ذكرناه ما ورد في وجه زيارة الاداني للاعالي في الجنة انها كما تري الكوكب في السماء فانك لاتكاد تري نفس الكوكب و ما تراه هو نوره الظاهر في الهباء بل ما تراه هو شبحه الظاهر في العين و قد اثبتنا في المناظر و المرايا ان الرؤية ليست بخروج الشعاع و لا باختراع النفس و لكنها بالانطباع فالشبح يدخل عينك و يتصور العصبة بصورته فتدركه في عينك فالمرئي شبح الكوكب في العين لا غير فافهم و الله المستعان و امر الله في كل شئ واحد و حكمته لاتتغير و الظاهر طبق الباطن و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هاهنا فزيارة الانبياء لفاطمة عليها السلام زيارتهم آيتها فيهم لا غير فتدبر .

قال صلي الله عليه و آله و ان في بطنان الفردوس لؤلؤتان من عرق واحد لؤلؤة بيضاء و لؤلؤة صفراء فيها قصور و دور في كل واحدة سبعون الف دار فالبيضاء منازل لنا و لشيعتنا و الصفراء منازل لابرهيم و آل ابرهيم صلوات الله عليهم اجمعين .

شرح : ما يظهر من بعض الاخبار ان مقام محمد و آل‌محمد (ص) في جنة عدن كما روي عن علي عليه السلام في جواب مسايل اليهودي [ص 177] و اما منزل محمد (ص) من الجنة في جنة عدن و هي وسط الجنان و اقربها من عرش الرحمن و في خبر آخر عنه و اما منزل نبينا (ص) في الجنة في افضلها و اشرفها جنة عدن و في خبر عن الصادق عن آبائه عن رسول الله (ص) عن جبرئيل عن الله عز و جل انه قال يا محمد انني حظرت الفردوس علي جميع النبيين حتي تدخلها انت و علي و شيعتكما الا من اقترف منهم كبيرة ، و في بعض الاخبار انهم في حظيرة القدس و ظاهر الآية يدل علي انهم يتبوأون حيث شاؤا و ورد في صفة المؤمن ذلك ايضا قال ابي اعلي الله مقامه في ترتيب الجنات و اسمائها : و قد ذكر بعضهم في اسماء الجنان ان اعلاها الفردوس ثم العالية ثم النعيم ثم العدن ثم المقام ثم الخلد ثم المأوي ثم دار السلام و هذه الاسماء موجودة في الكتاب و السنة الا اني لم‌اجد علي هذا الترتيب الخاص دليلا و روي ان منزل محمد و آل‌محمد عليهم السلام جنة عدن و هي وسط الجنان و اقربها من عرش الرحمن و في رواية هي اعلاها درجة و اشرفها مكانا و هو ينافي ما ذكروه من ان الفردوس اعلاها و في الكتاب ان جنة المأوي عند سدرة المنتهي و هي في الكرسي و لعلها تسمي بالعدن ايضا بالجملة لم‌اجد لهذا الترتيب دليلا فالمعول اليهم سلام الله عليهم و يكفي في صحة الاعتقاد وجودها و تعددها انتهي كلامه علا مقامه ، و قال في المجمع الفردوس هي البستان بلغة الروم و قال الفراء هو عربي و يقال الفردوس حديقة في [ص 178] الجنة و يقال الفردوس اوسط الجنة و اعلاها و منها يتفجر انهارها و قال في معني جنات عدن جنات اقامة انتهي ، و لايبعد بحسب المعني اللغوي ان يكون جنة عدن ايضا فوق الجنان و تكون هي جنة المأوي ايضا لانه لايتجاوز منها احد و كل من وصل اليها يقوم فتدبر فاذا عرفت ذلك فاعلم ان بطنان الفردوس بضم الباء يعني وسطه و داخله فان كان مقام محمد و آل‌محمد عليهم السلام الفردوس كما ربما يستفاد من الحديث و من نفس هذا الخبر يريد (ص) ان في قلبها و قطبها لؤلؤتين و ان كان منزلهم و مقامهم جنة عدن و هي فوق الفردوس نقول ان مراده من بطنانها غيبها و باطنها فان احد معنييه الداخل بل الوسط يأول بذلك ايضا كما ورد في العدن انها وسط الجنات فان المراد من الوسط الاعدل و الاصفي و يجوز ان يقال ان لآل‌محمد عليهم السلام مقاما مع كل مؤمن في كل جنة و مقام فانهم الحجة لاهل الآخرة و الدنيا و لهم جلوات لجميع العالمين و لولا ذلك لماصدق حشر جماعة من المؤمنين معهم في عليين فانه لا شك ان احدا لايصل مقامهم الخاص بهم لانهم اول ما خلق الله و لكنهم ينزلون في تجلياتهم في المنازل و ورد بهذا المعني حديث ما معناه ان العالين يقدرون علي النزول في درجة الادنين و الادنين لايقدرون علي الصعود و لكنهم يرون من هو ارفع منهم مثل الكوكب في السماء و مر شرحه و يحتمل ان يكون المراد من الفردوس هنا مطلق الجنة فانها [ص 179] بمعني الحديقة و ربما يحمل علي ذلك ما ورد عن القدسي و قد مر و لعل هذا الوجه هو اقرب لان درجات الانبياء و الشيعة متفاوتة بلا شك و لايقومون في مقام واحد اجماعا و بالجملة قال ان في بطنان الفردوس لؤلؤتين ، كناية عن ان قصور الجنة و دورها من الجواهر ثم قال ان اللؤلؤتين من عرق واحد ، يحتمل ان يكون العرق بكسر العين و سكون الراء بملاحظة ان اللؤلؤة في الاول تحدث في الحيوان ثم ينقلب الحيوان الي النبات فيصير نباتا و تجلب من قعر البحر و سمعت بعض السياحين ان لها شجرا و الاصداف ثماره و يحتمل ان يكون عرق بفتحتين بمعني رشحات البدن كناية عن انها مخلوقة من ماء و لما كانت من فضل محمد و آل‌محمد عبر عنها بالعرق كما في حديث خلق الانبياء و الشيعة هذا و اللؤلؤة مخلوقة من ماء المطر و هو عرق السحاب و الحاصل ان هاتين اللؤلؤتين من مادة واحدة الا انهما مختلفتان في الصورة فواحدة بيضاء و واحدة صفراء اما البيضاء فهي من عالم العقل فانه مر سابقا انه النور الابيض عن يمين العرش و منه ابيض البياض و اما الصفراء فهي من عالم الروح النور الاصفر من اركان عرش الله و الاول مقام محمد و آل‌محمد سلام الله عليهم و الثاني مقام الانبياء سلام الله عليهم و من باب ان مرجع كل احد الي حيث بدء منه يعود الانبياء الي الروح و آل‌محمد الي العقل و لكن الاشكال في انه قال ان البيضاء منازل لنا و لشيعتنا مع ان مقام الشيعة دون [ص 180] درجة ابرهيم و ذلك مشكل جدا و لكن له وجه بيان يجمع به الاخبار و هو ان نقول ان كل مقام له فسحة وجود من الاعلي الي الاسفل فان الجنة العقلية مترامية من الاعلي الي الادني و الجنة الروحية هكذا و المراتب العقلية تسمي بالعقل و ان كانت في المرتبة دون الروح فاصحاب العقول الجزئية يسكنون الجنة البيضاء في مقامهم و هي و ان كانت معنوية عقلانية و لكنها دون درجة الروح مثال ذلك في الدنيا ان لزحل متعلقات و في الارض مواليد زحلية و كلها علي طبعه و لونه و جميعها دون فلك القمر مع ان الزحل بحقيقته فوقه و كذلك في درجة الاناسي رجال عقلاء و عقولهم بيضاء مع انهم دون درجة الانبياء فبهذا المعني نقول ان اولي العقول في جنات بيضاء و اولي الارواح في جنات صفراء مع ان اداني العقلاء اخس من اعالي الروحانيين فافهم فانه دقيق و اما وجه السبعين فمر نظيره في عدد الملئكة فان نعم الجنة بعدد مراتب الانسان و سيجزيهم وصفهم و لكل انسان مشاعر سبعة و لكل درجة مراتب عشرة فيحصل من ضربها سبعون و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون و ذلك يحصل من تكمل المراتب الغيبية و الشهادية فان الجنة عرصة الفعليات و النفوس فوق القوي و لذلك يكون النعمة هنا تامة و لا تنعم في القوة و قال عليه السلام في صفة العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد ، ففي الجنة جميع القوي بالفعل فلكل مرتبة من [ص 181] المراتب السبعين عشر مراتب من الجسم الي مقام المسمي و لكل واحدة منها عشر مراتب من الجمادية الي اعلي المواليد و كل منها مركب من قبضات عشر فان لهم ما يشاؤن عند ربهم و لدينا مزيد و ورد ما معناه ان الله يعطي اضعف المؤمنين ما اذا اراد ان يضيف اشرف النبيين لامكنه ذلك فافهم فانه كلام جليل رزقنا الله الجنة بحق محمد و آل‌محمد عليهم السلام ففي كل لؤلؤة سبعون الف دار بل في كل دار سبعون الف قصر و في كل قصر سبعون الف سرير و هكذا ثم ان تخصيص اللؤلؤة الصفراء بابرهيم و آل ابرهيم لايدل علي عدم كون ساير الانبياء فيها فان اثبات الشئ لاينفي ما عداه و مثل ذلك في الاخبار كثير لايخفي علي المتأمل فجميعهم في هذا المقام ساكنون البتة .

قال صلي الله عليه قالت يا ابة فماكنت احب ان اري يومك و لا ابقي بعدك قال يا ابنتي لقد اخبرني جبرئيل عليه السلام من الله انك اول من يلحقني من اهل بيتي فالويل كله لمن ظلمك و الفوز العظيم لمن نصرك .

شرح : بعد ما ذكر صلي الله عليه و آله حال الحشر و النشر و ما يعطي الله فاطمة عليها السلام دخلها من السرور ما الله اعلم به و لما رأت ان هذه النعم و هذا السرور بسبب النبي (ص) و رأت انه ولي النعمة قالت مااحب ان اري يومك اي يوم موتك يعني احب ان اموت قبلك و لا ابقي بعدك عطف علي قولها ماكنت و هو دعاء [ص 182] و كان في المقام لايفسر بالمعني الماضي بل هو بمعني الثبوت و الدوام يعني لااحب ابدا هذا اليوم او ذكرت من هذا الحديث حتمية الموت فذكرت موتها فقالت مااحب ان اري موتك فدعت ربها ان يميتها قبل ابيها و لم‌تدع له بالبقاء الدايم لانها علمت ان ذلك من المحال بعد قوله تعالي انك ميت و انهم ميتون مع انها علمت ان سرور النبي صلي الله عليه و آله و راحته و لذته في الموت كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام حين ورد عليه الضربة فزت برب الكعبة و قال عليه السلام والله ان ابن ابي‌طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امه ، فاولياء الله سرورهم بالموت و لذلك لم‌تدع لابيها (ظ) بالبقاء الدايم و لكنها دعت ان تموت قبله فقال رسول الله (ص) لقد اخبرني جبرئيل عن الله انك اول من يلحقني من اهل بيتي ، سلاها بذلك و بشرها بانها لاتبقي بعده في الدنيا الا قليلا فسرت بذلك و استأنست ، فالويل كله لمن ظلمك دعا علي ظالميها بالويل و هو بئر في جهنم مخصوص بالاول و الثاني ، و الفوز العظيم لمن نصرك اي نصرها لدفع ظلم اعدائها او بوجه آخر من وجوه النصرة و من انواعها البكاء لها و نشر فضايلها .

قال عطاء كان ابن‌عباس اذا ذكر هذا الحديث تلا هذه الآية و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم و ماالتناهم من عملهم من شئ كل امرأ بما كسب رهين .

شرح : اراد الاستدلال بهذه الآية علي ان ذرية رسول الله صلي [ص 183] الله عليه و آله يلحقون به لانه آمن بالله و اتبعته ذريته بايمان حق المتابعة و قد عصمهم الله عن الخطاء و العصيان و عبدوا الله حق العبادة و الطاعة كما فعل رسول الله صلي الله عليه و آله فالله يلحقهم بالنبي في درجته و مقامه و ماالتناهم اي مانقصناهم من عملهم اي لحوقهم بدرجة الآباء لايكون سبب النقص في درجتهم اي لايأخذ حق الآباء فيعطيها الاولاد و لكن كل احد يجزي بعمله فلاينقص من جزاء غيره و كل امرأ بما كسب رهين و الاخبار الواردة في شرح الآية الكريمة كثيرة تركناها لانها خارجة من نفس الحديث و المراد شرح الخبر و قد اتينا بقدر ما يقتضيه الحال و الحمد لله المتعال و اعتذر الي جنابه من اجمال هذا الشرح فان تطويل المقال مع ما انا فيه من الاحوال من المحال و لكني اتيت بما يكتفي به المكتفي و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين .

و قد حصل الفراغ من تسويد هذه الاوراق بعد العصر يوم الاربعاء التاسع و العشرين من شهر ذي‌الحجة الحرام من شهور سنة ثماني بعد ثلثمأة و الالف علي يد مصنفها محمد بن كريم حامدا مصليا مستغفرا . تمت .