رسالة في جواب الشيخ ضيفالله القطيفي
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان هذه كلمات كتبتها جوابا لمسائل اتت من الجناب المقدس العالم العامل الاواه الشيخ ضيفالله ابن المرحوم المبرور العالم الفاضل الشيخ احمد بن طوق القطيفي ايده الله و سدده في كمال اغتشاش البال و اختلال الاحوال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال نسئل الله ان يلهمنا الصواب في المبدء و المآب .
قال سلمه الله تعالي : الاولي من المسائل - ما يقول سيدنا في معني ما ورد في دعاء الصباح المروي عن اميرالمؤمنين عليه السلم يا من دل علي ذاته بذاته فما الذات الثانية .
اقول الذات لها اطلاقان كالنفس مرة يطلق و يراد به ( بها خل ) ما يقابل الصفات و مرة يطلق و يراد به ( بها خل ) ما يقابل العين ( الغير خل ) كما تقول انا بنفسي قلت و فعلت و انا ( اما خل ) بذاتي اتيت و لا ريب ان القول و الفعل و الاتيان آثار لايكون الا بالاثر و الفعل و المراد بالذات هنا الاطلاق الثاني دون الاول فانه لما ثبت ان بين المدرك و المدرك بالفتح و الكسر لا بد من مناسبة و النسب بين الواجب و الممكن و القديم و الحادث بكل وجه ممتنعة فامتنع الادراك و المعرفة و لما انه سبحانه خلق الخلق لمعرفته و هي ممتنعة لامتناع نزول الواجب الي الامكان و صعود الممكن الي الواجب و الخلق ايضا جهال لايعلمون ما يليق بجلال قدسه و عظم ( عظيم خل ) جبروته فوجب عليه [ص 3] سبحانه في الحكمة ان يصف نفسه لهم بالبيانين البيان الحالي و البيان المقالي فماعرفه الخلق الا بما وصف به نفسه و هو قوله عليه السلم بك عرفتك و انت دللتني عليك و دعوتني اليك و لولا انت لمادر ما انت ، فدل علي ذاته بذاته لا بغيره يعني لولا بيانه و تعريفه لماعرفه احد من الخلق كما انك اذا دخلت بلدة لميعرفك اهلها تعرفهم نفسك بنفسك فتقول انا فلان بن فلان صفتي كذا و صنعتي ( صفتي خل ) كذا و امثال ذلك من التعريفات و كل ذلك تعريف رسم لا تعريف ذات قد وصفت نفسك به فقد دللت علي ذاتك بذاتك و اعلم ان بعض الذوات الحادثة ينسبها الله سبحانه الي نفسه تشريفا و تعظيما و تكريما كما نسب الروح الي نفسه فقال و نفخت فيه من روحي و لا ريب ان الروح المنفوخ ليس هو ذاته سبحانه و لا جزئه و نسب البيت الي نفسه فقال و طهر بيتي للطائفين و كذا ( كذلك خل ) هو سبحانه خلق ذاتا طاهرة ( ظاهرة خل ) شريفة نسبها الي نفسه تكريما و تعظيما كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم في النفس الملكوتية الالهية و هي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لميشق ابدا و من جهلها ضل و غوي و لا شك انها ليست ( ليست هي خل ) ذاته سبحانه و تعالي فهي ذات حادثة اشرف الذوات و الحوادث نسبها الي نفسه تعظيما و لما كان اشرف الحوادث و الكائنات آلمحمد عليهم السلم و اشرفهم محمد و علي عليهما السلم و هم سلام الله عليهم مع تعددهم حقيقة واحدة فكانوا هم الذات الواحدة التي لله سبحانه و لما كان الخلق جاهلين معرفتهم عرفهم الله سبحانه فدل بذاته لا بغيره علي تلك الذات [ص 4] الحادثة الشريفة المخلوقة المنسوبة اليه سبحانه تشريفا و تعظيما كما قال عليه السلم في الزيارة الجامعة حتي لايبقي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا صديق و لا شهيد الي ان قال عليه السلم الا عرفهم جلالة امركم و عظم خطركم و كبر شأنكم الخ ، فهو الذي عرف الخلق تلك الذات الشريفة و في زيارة الحجة عليه السلام سلام من عرفك بما ( مما خل ) عرفك به الله و نعتك ببعض نعوتك التي انت اهلها و فوقها و حيث كانوا سلام الله عليهم هم الادلاء علي الله تعالي كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا ، فهو سبحانه دل بتلك الذوات المنسوبة اليه تعالي ذاته فدل بذاته الحادثة علي ذاته القديمة كما دل بذاته القديمة علي ذاته الحادثة كما ( علي ما خل ) شرحنا لك و لما كان الله سبحانه هو الذي وصف نفسه فكان وصفه لايشبه وصف المخلوقين و الا لكان له سبحانه شبه فيجب ان تعرف الله سبحانه بوصفه اللائق له و وصفه لايشبه وصف غيره فقد عرفت الله بالله اي بما هو عليه من وصفه اللائق لجناب قدسه و عظم شأنه و هذا التعريف حيث كان به سبحانه فقد دل علي نفسه و ذاته بذاته اي بما هو عليه من صفاته اللائقة لجلاله و جماله فتبين لك مما ذكرنا في معني الدعاء اوجه : الاول انه تعالي دل علي ذاته القديمة بذاته اي بنفسه دون غيره فان الله اجل ان يعرف بخلقه الثاني انه تعالي دل علي ذاته القديمة بذاته الحادثة كما قال نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا الثالث انه تعالي دل علي ذاته الحادثة بذاته القديمة كما ذكرنا الرابع انه تعالي دل علي ذاته بما هو عليه من [ص 5] وصفه اللائق بجلال قدسه الخامس انه تعالي دل علي ذاته الحادثة بذاته الحادثة بعين ما ذكرنا في الدلالة علي ذاته القديمة لان الادوات انما تحد انفسها و الآلات انما تشير الي نظايرها فهم الادلة علي انفسهم و علي الله سبحانه و لولا انهم بينوا لنا مقاماتهم ماعرفناهم و في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلم السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و معني ذلك هو الذي ذكرنا في معني ذات الله و علي هذا فافهم معني قوله تعالي و يحذركم الله نفسه و كن به ضنينا .
قال سلمه الله تعالي : ( و الثانية خل ) ما معني قولهم عليهم السلم لولانزداد لنفد ما عندنا فما هذه الزيادة مع انهم عليهم السلم آثار الله و انواره و مظاهره و اسراره و انهم احاطوا بعلم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و ما وجه الجمع بين هذا و بين ما ورد عن سفير الله المنعم بعد الله لو كشف الغطاء ماازددت يقينا .
اقول اما زيادتهم فلأنهم محتاجون مربوبون مخلوقون لايملكون لانفسهم نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و هم اشد احتياجا الي الله تعالي من كل شيء و هم الواقفون علي باب الفيض و القدر يستمدون منه سبحانه المدد آنا فآنا و لولا ذلك المدد لماكانوا شيئا فشيئيتهم بذلك و هذه زيادة كينونية تعم كل شيء في كل حال و لذا ماخصصوها بالعلم و هذا لبيان فقرهم و حاجتهم و الرد علي من زعم استقلالهم و تذوتهم لانفسهم و هذا لاينافي كونهم آثار الله و انواره و مظاهره و اسراره فانهم في كل هذه الاحوال فقراء محتاجون اليه سبحانه [ص 6] و هو سبحانه يمدهم بهم عليهم السلم بالمدد الجديد فلولا ذلك المدد لنفد ما عندهم و انعدموا و اضمحلوا الاتري في المثال الحسي الجسماني ان الانسان اذا مااكل يومين يذبل الي ان يموت فلما لميزدد نفد ما عنده فمات و السراج اذا قطع عنه الدهن نفد ما عنده من الدخان المكلس فينطفي و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الا العالمون و كذلك هم ( هم ايضا خل ) عليهم السلم لو لميزدادوا بمدده ( لو لميزداد خل ) سبحانه نفد ما عندهم فانعدموا و اضمحلوا و هذا في كل مقام في اسرارهم و ارواحهم و اشباحهم و غيرها من مقاماتهم سلام الله عليهم و اما انهم احاطوا بعلم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة فلاينافي ايضا اما اولا فلأنهم في حال الاحاطة و العلم لايخرجون عن الامكان و الحدوث فهم في كل حال محتاجون الي المدد من الله سبحانه و هذا المدد و ان كان زيادة الا ان الزيادة علي قسمين قسم مدد يحفظ ما ظهرت به القابلية الاولي و هذا المدد و ان كان حافظا و زايدا الا انه بتحليل ما سبق و الاتيان ببدل ما يتحلل لمتتبين زيادة كالشعلة اذا سقيت دهنا علي حد ما كان قبل و القسم الثاني زيادة مدد توجب زيادة متبينة كما اذا زيد الدهن في السراج ليكون كالمشعل و غيره و عدم الزيادة الثانية لايوجب عدم الزيادة الاولي فافهم و اما ثانيا فلأن معني انهم احاطوا بعلم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة ليس انهم يساوي علمهم علم الله سبحانه و تعالي عما يقولون بل المراد انهم يحيطون بعلم ما كان علي جهة الاطلاق مما جري عليه قلم التقدير في جميع العوالم لانهم الواسطة في الابداع فلايوجد شيء الا من [ص 7] شعاع انوارهم او من عكوسات آثارهم و هذا ظاهر معلوم في المذهب لاينكره الا مكابر لحسه او معاند لربه و اما ما يكون فان كان محتوما بجميع اقسامه فانهم عليهم السلم يعلمونه بتعليم الله سبحانه و اما ما كان مشروطا غير محتوم او لميدخل عالم الكون و هو بعد في عالم الامكان و لميوجد و لميلبس حلة الكون فانهم لايعلمونه و يزدادون بذلك فمنه ما يأتيهم في ليلة القدر من محتومات ما كان مشروطا من احوال السنة و منه ما يأتيهم في ليالي الجمع من محتومات احوال الاسبوع و منه ما يأتيهم في كل آن و دقيقة من فوارة القدر بامر مستقر فان الله سبحانه لميفرغ من الامر و الخلق بل هو سبحانه كل يوم في شأن فاذا تجدد شيء من ذلك يعلم ( يعلمهم خل ) الله سبحانه و لما كان هذا الفيض لا انقطاع له فتكون زيادتهم لا انقطاع لها و لاينافي ذلك ما قدمنا من ان الشيء لايوجد الا بواسطتهم ( بوساطتهم خل ) فانهم عليهم السلم ايضا يزدادون فما كان بذلك المدد الجديد ذاتا و شعاعا لايعلمون ذلك الا عند تجدده فهم سلام الله عليهم يعلمون كلما في الكون و اما ما في الامكان فلايعلمونه الا اذا دخل في عالم الكون و الا لكانوا واجبين مستغنين عن المدد و كل ممكن لايستغني عنه ابدا في حال من الاحوال و اما وجه الجمع بين ما ورد من زيادتهم و كلام اميرالمؤمنين عليه السلم لو كشف الغطاء ماازددت يقينا ، فمن وجوه احسنها و اعلاها ان المراد من كشف الغطاء كشف حجاب الجسم فان الله سبحانه يقول يوم تأتي كل نفس معها سائق و شهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك [ص 8] اليوم حديد و مراده عليه السلم ان احوال الآخرة و نعيمها و جحيمها و اهوالها و شدايدها و امر الحساب و الميزان و تطاير الكتب و الوسيلة و الصراط و حشر الناس و غيرها من الاهوال و الاحوال كل ذلك لديه عليه السلم ظاهر مكشوف بحيث اذا كشف حجاب الجسم و غطاء العوارض و الغرايب لميزدد يقينا و علما لان تلك الامور خلقها الله تعالي لاجله و صادرة بامره و هو عليه السلم ولي الحساب و اليه الاياب و هو قسيم الجنة و النار و موصل الثواب و العقاب فلايخاطب عليه السلام كغيره ( عليه كغيره خل ) فبصرك اليوم حديد و اما العلوم و الواردات الغيبية و الشهودية فهي دائمة الورود متجددة آنا فآنا شيئا بعد شيء ( شيء و وقتا بعد وقت خل ) لانهم عليهم السلم علي فوارة القدر بامر مستقر قالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء و هم اليد المبسوطة و العين الناظرة و الانفس الشاهدة و الذي لايتجدد و لايزيد و لاينقص و لايتغير و لايتبدل هو الله سبحانه الواجب القديم الحي القيوم انظر كتاب الكافي باب علومهم رواية ابيبصير تجد الامر كما ذكرنا واضحا ظاهرا و اما انهم يعلمون ما كان و ما يكون علي التفصيل الذي ذكرنا لك فافهم .
قال سلمه الله تعالي : الثالثة - ما معني قوله تعالي ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا ، و ورد عن رسول الله صلي الله عليه و آله كما تضمنه حديث العيون انه قال انت يا ابابكر السمع و انت يا عمر البصر و انت يا عثمان الفؤاد فما وجه شبه الاول بالسمع مع انه قلب اهل ض و بالثالث الفؤاد .
[ص 9] اقول لان الاول كان يكذب علي رسول الله صلي الله عليه و آله من جهة السمع يقول سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله قال كذا و لميسمع اماسمعت قوله سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله قال نحن معاشر الانبياء لانورث و اما الثاني فانه كان يكذب علي رسول الله صلي الله عليه و آله من جهة البصر يقول رأيته فعل كذا و امر بكذا و لميرو ذلك الا لترويج ( لميروا ذلك لترويج خل ) باطله و تشييد ضلاله و الثالث كان يكذب عليه صلي الله عليه و آله من جهة الفؤاد و الفهم و الاستنباط يقول فهمت عنه كذا و لميفهم و لما انهم ادعوا خلافته و الانتساب اليه و الاخبار عنه فكان النسبة اليه صلي الله عليه و آله من جهة الحواس الظاهرة اولي و اقرب و من هذه الجهة تري العلماء اختلفوا في الشهادة العلمية بخلاف الحسية باحدي الحواس الظاهرة و ذلك ظاهر معلوم و لما كان الاثنان اعلي رتبة من الثالث في مقامهم فانتسبا اليه صلي الله عليه و آله من جهة الحواس الظاهرة ليكون ادل و اظهر في التصديق بخلاف الثالث فانه ينتسب الي الفهم و الاستنباط و هذا شأن العاجز الضعيف اذ تطرق الخطأ و الغلط في الفهم اكثر و اعظم من تطرقه في السمع و البصر و لما كان السمع اقوي الحواس الظاهرة و اشدها علي ما هو التحقيق و الاول اقدم و اعلي رتبة من الثاني اختص بالسمع لقوته و لما كان البصر بعد السمع في الشرف و القوة اختص به الثاني نعم لو ادعوا الاستقلال و الاستبداد بانفسهم لكان التعبير عن الاول بالفؤاد و الثاني بالسمع و الثالث بالبصر هو المتعين و حيث انهم ادعوا التلقي عن الغير و الانتساب الي الغير [ص 10] فحينئذ المنتسب الي الفؤاد يوهم الاستقلال و هو خلاف المفروض فكان اضعف المقامات و المراتب و من هذه الجهة خالف سبحانه في الترتيب فانه لاينطبق علي الترتيب الصعودي و لا علي النزولي فانه علي الاول يجب ان يقول ان البصر و السمع و الفؤاد و علي الثاني يجب ان يقول ان الفؤاد و السمع و البصر لكنه رتب سبحانه هكذا لبيان ان ( انه خل ) الترتيب النزولي في مقام الاستناد الي الغير و التلقي عنه .
قال سلمه الله تعالي : الرابعة - ما يقول مولينا في جمع الشريفتين هل هو حرام ام حلال مع كراهة او بلا كراهة .
اقول الاصح الاظهر ما عليه المشهور من الجواز و ان الحرمة ماكان لها ذكر عند قدماء الاصحاب و متأخريهم الي زمان الشيخ الحر صاحب الوسايل فعمل بمضمون رواية اعرض عنها الاصحاب مع تكررها و ورودها و لميعملوا بها و استقر العمل علي عموم قوله تعالي و احل لكم ما وراء ذلكم و لميذكروا من محرمات النكاح الجمع بين العلويتين كما ذكروا الجمع بين الاختين و غيرها من ساير المحرمات بالنسب و الرضاع و المصاهرة و ساير العوارض مثل اللعان و العقد او الدخول في العدة الرجعية و الزناء بالمحصنة و امثالها فلو كان هذا القسم ايضا عندهم من المحرمات لذكروها فان تأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز عند جميع العقلاء و لميزل ديدن المسلمين الجمع و عدم الفحص و عدم التجنب و الخاص انما يعارض العام ليحمل عليه عند التكافؤ و اما اذا كان العام هو المعمول به الذي قد استقر [ص 11] العمل عليه الي ان وصل الي حد الاجماع و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله لاتزال طائفة من امتي علي الحق حتي تقوم الساعة و لا شك ان اولئك هم الفرقة الناجية فلو فرض ان الحرمة هو الحق يلزم خلوهم عن الحق اذ لمينقل ذلك من احد قبل الشيخ الحر و القول بان عدم الوجدان لايدل علي عدم الوجود لايصح في الامور النقلية خصوصا الاحكام الفرعية فعلي هذا لايعادل هذا الخاص ذلك العام حتي يورث الحمل عليه و لو فرضنا التعادل و التعارض لايجوز الجمع و الحمل الا بدليل شرعي من كتاب او سنة او اجماع او عقل قاطع فاذا فقد لايجوز الجمع لانه تشريع محرم و الشريعة توقيفية فوجب الرجوع الي القواعد الشرعية و بالجملة فهذا القول ساقط من اصله و اما الكراهة فاعتبارها لايخلو من الاحتياط .
قال سلمه الله تعالي : الخامسة - ما تقول ايدك الله تعالي في تقليد الاموات هل هو جائز ابتداء و استدامة مطلقا او استدامة خاصة او لايجوز مطلقا .
اقول اما تقليد الاموات فالمعروف من مذهب اهل البيت عليهم السلم عدم جوازه مطلقا ابتداء و استدامة علي كل حال و لميزل ذلك ديدن المخالفين و طريقتهم و قد استقر عليه مذهبهم من تقليد الاموات و رفع الاجتهاد الي ان وقع التشاجر بينهم و بين اصحابنا فمال اليهم من كان فيه لطخ من عادتهم لبعض الاستحسانات و كان القول عندهم اثنين بعد حدوث القول بالجواز فهم بين ناف علي ما استقر عليه مذهبهم و بين مثبت تشبثا ببعض الشبهات التي هو ( هي خل ) اوهن من بيت العنكبوت و انه [ص 12] لمن اوهن البيوت و استمر بهم الحال الي قريب زماننا فحدث قول ثالث بالتفصيل بين الابتداء و الاستدامة فجوز في الثاني دون الاول و هم ايضا بين معين و محرم العدول الي الحي في الصورة الثانية و بين مجوز و هذه اقوال حادثة لميكن لها ذكر في الاولين و لا شبه بمذهب ساداتنا الاطيبين و هو لعمري يفتح باب القول بعدم لزوم الحجة في كل عصر او يلزمهم القول بان المجتهد اقوي من الامام الاصل عليه السلم فان الامام عليه السلم اذا مات و لميكن امام مثله يقوم مقامه لميتحفظ ( لمينحفظ خل ) ما اتي به الامام السابق عن الله تعالي بل تسيخ الارض باهلها و تعدم الحركات و تبطل نظم السكنات كما تواترت بذلك الاخبار عن الائمة الاطهار و معلوم ايضا بالضرورة من المذهب و يقولون ان المجتهد اذا مات يبقي ما اتي به و عرف من استنباطه و ادراكه و فهمه تلك اذا قسمة ضيزي و بالجملة ان الاصل عدم جواز التقليد كما هو مذهب الحلبيين و لما قامت الادلة علي جوازه للضرورة فالضرورات تتقدر بقدرها و غاية ما استفيد منها تقليد الاحياء و اما غيره فيحتاج الي دليل قاطع و اذ ليس فليس مع ان ذلك مذهب القوم و خذ ما خالف القوم فان الرشد في خلافهم و قد روي عنهم عليهم السلم بعدة طرق صحيحة ان الله لاينتزع العلم انتزاعات ( انتزاعا خل ) و انما ينتزعه بموت العلماء و ( و ان خل ) العلم يموت بموت حامليه و نقل جماعة من اصحابنا الاجماع علي عدم الجواز و اما القول بحصول الظن بقول الميت فباطل لمنع حجية كل ظن الا ما قام عليه الدليل و لميقم دليل علي حجية الظن الحاصل من قول الميت و كذا القول باستصحاب [ص 13] البقاء لان الاستصحاب قد انقطع بتغيير الموضوع مع ان الاستصحاب لايجري في ما ثبت بالاجماع فان تقليد الاموات انما استفيد من الاجماع المحقق العام فيقتصر في محله و لايحتج به في محل الخلاف و اما ما سوي الاجماع من بعض الروايات فهي مدخولة و تصلح للتأييد و لولا الاجماع لكان للكلام فيها مجال و بالجملة فالمستفاد من الادلة ليس الا القول بتقليد الاحياء خاصة و قد شرحنا هذه المسئلة في اجوبة المسائل التي اتت الينا من اصفهان و ليس لي الآن اقبال اكثر مما ذكر و فيه ان شاء الله تعالي كفاية للمستوضح المسترشد .
قال سلمه الله تعالي : ما يقول فقيهنا امد الله ظله في اعراب صلي الله عليه و آله يجب الجر او يجوز النصب و الجر .
اقول المانع من الجر نظر الي ما ذكره جماعة من النحويين و هم البصريون بان العطف علي الضمير المجرور من غير اعادة الجار قبيح لاستلزام ذلك العطف علي بعض الكلمة فان الضمير المجرور اشد اتصالا بالكلمة من الضمير المرفوع فانه ينفصل و يستقل كالضمير المنصوب بخلاف المجرور فيكون بمنزلة جزء الكلمة فالعطف عليه يستلزم العطف علي بعض الكلمة و هو غير جايز فاذا بطل العطف بطل الجر لعدم العامل فالتجأوا الي النصب اما بالعطف علي المحل او بالحمل علي المعية فيكون مفعولا معه فيجب النصب عندهم و لايجوز الجر للمحذور الذي ذكرنا و اما الكوفيون فجوزوا العطف المذكور لوقوعه في القرآن الذي هو افصح كل لغة و كل كلام مثل قوله تعالي و كفر به و المسجد الحرام و قوله [ص 14] تعالي و اتقوا الله الذي تسائلون به و الارحام علي قراءة الجر فعندهم هذا العطف سايغ جايز و يؤيده ورود الجر في الادعية و الزيارات و لمينقل بالفتح الا نادرا فيكون قراءة الجر جائزة بل راجحة و اما النصب فيجوز ايضا لما ذكر و اما وجوب الجر و عدم جواز النصب فلماجد له وجها و لا قائلا .
قال سلمه الله تعالي : السابعة - ما معني قوله تعالي ان عدة الشهور عند الله اثناعشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الارض منها اربعة حرم فما الاربعة الحرم منهم عليهم السلم و بما اختصوا بالحرم و ما معني وصفهم به من بالجواب ادام الله فوايدكم و من علي العالم بادامة ظلكم .
اقول يريد سلمه الله تعالي المعني الباطني كما يشير اليه قوله فما الاربعة الحرم منهم عليهم السلم اعلم ان الشمس لاتكمل دورة و لاتتمها الا بعد ان يكمل القمر اثنيعشرة دورة و يتمها و تمام الدورة الشمسية يسمي سنة و القمرية يسمي شهرا و لما كانت الشمس مثالا للنبوة و القمر مثالا للامامة و الخلافة و الوصاية و الولاية كانت نبوة نبي من اولي الشرايع بانقضاء شريعته لاتكون الا بانقضاء اثنيعشر وصيا فيكون كل وصي شهرا من سني النبوة فتكون السنون ستة و كل سنة مشتملة علي اثنيعشر شهرا فالسنة الاولي سنة آدم انقضت باثنيعشر وصيا و الثانية سنة نوح و السادسة سنة محمد صلي الله عليه و آله و شهور هذه السنة اوصيائه و قمر الولاية يسري في هذه الاشهر و تمام الدورة عبارة عن انقضاء خلافة [ص 15] الوصي و انتهاء عمره الشريف و هي الشهور الاثناعشر ( الاثنيعشر خل ) المتحققة الموجودة عند خلق سماء النبوة و ارض الولاية قبل خلق الخلق في العوالم الاول بل قبلها و هو قوله صلي الله عليه و آله كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين و هو آدم الاول بين ماء الوجود و طين المهية و الانية قبل كمال التركيب فظهر لك من هذا البيان التام ان الشهور هم الاوصياء عليهم السلم و السنين هم الانبياء و هو قول مولانا الجواد عليه السلم في زيارة ابيه عليهما السلم السلام علي شهور الحول و عدد الساعات و حروف لا اله الا الله في الرقوم المسطرات ، و اما الاربعة الحرم ففي الاشهر المعروفة ثلثة سرد و واحد فرد و هو ذوالقعدة و ذوالحجة و محرم و الفرد هو رجب المرجب و منهم عليهم السلم اميرالمؤمنين عليه السلم و الحسن و الحسين و سيدنا القائم عجل الله فرجه و اختصاصهم بالحرم لزيادة احترامهم و مزيتهم بالنسبة الي غيرهم سلام الله عليهم فان الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة فدل علي افضليتهما علي الكل ثم استثني اباهما و قال صلي الله عليه و آله و ابوهما خير منهما ثم خص الحسن عليه السلم بالافضلية في دعاء العديلة المروي عن اميرالمؤمنين عليه السلم في قوله ثم من بعده سيد اولاده الحسن بن علي ثم اخوه السبط التابع لمرضات الله الحسين ثم فضل القائم عليه السلم علي باقي التسعة في قوله صلي الله عليه و آله تاسعهم قائمهم افضلهم اعلمهم و بالجملة فهؤلاء الاربعة افضل الاثنيعشر عليهم السلم فاختصوا بمزيد الاحترام سلام الله عليهم مدي الدهور و الشهور و الاعوام و هذا [ص 16] مجمل الكلام في هذا المقام و التفصيل يطلب في ساير رسائلنا و اجوبتنا للمسائل .
قال سلمه الله تعالي : الثامنة - ما تقول كفاك الله كل محذور في الصلوة في فضلة غير مأكول اللحم هل تصح فيها ام لا .
اقول اما الصلوة في فضلة الغير المأكول اللحم مما له نفس سائلة فلاتصح بلا اشكال الا في فضلات الانسان ماعدا البول و الغايط و المني سواء كان لنفسه او لغيره للعسر و الحرج المنفيين آية و رواية و قد اختلفوا في زرق الغير المأكول اللحم من الطيور و ابوالها في انها طاهرة او نجسة فعلي الاول تصح الصلوة فيها و علي الثاني لاتصح و هو المشهور و الاحوط و اما فضلات غير مأكول اللحم مما ليس له نفس سائلة كالبعوضة و الذباب و الزنبور و غيرها فالظاهر ان الادلة الدالة علي المنع في الصلوة في غير مأكول اللحم لاتشمله ( لاتشتمله خل ) لعدم التبادر العرفي و قولهم عليهم السلم انا لانخاطب الناس الا بما يعرفون و اصالة الجواز الي ان يقوم دليل قاطع اقوي مستمسك و اذ ليس فليس ( فليس و خل ) كلزوم العسر و الحرج فحينئذ لا بأس بالصلوة ( فالصلوة خل ) في الحرير المختلط بالقطن المنسوج او ما اذا لميكن ساترا و الثوب و البدن اذا وقع عليهما العسل و الشمع و الفص الذي تحته الشمع و امثال ذلك فان ذلك خارج عما دلت عليه الادلة المانعة من الصلوة في فضلة الغير المأكول اللحم .
قال سلمه الله تعالي : ثم ما يقول سيدنا في ابوال الدواب الثلث اكرم الله وجهه و اعلي قدره هل هي طاهرة ام نجسة .
[ص 17] اقول الاصح انها طاهرة و القول بالنجاسة مردود و الروايات الدالة عليها محمولة علي التقية لانها المعروف من مذهبهم و الرشد في خلافهم مع دلالة الادلة القاطعة علي الطهارة .
هذا آخر مسائله اجزل الله عليه جزيل نواله كتبتها في بعض الاسفار مع كمال الاختلال و الحمد لله اولا و آخرا و صلي الله علي محمد و آله و قد فرغ من تسويدها مؤلفها في يوم ( اليوم خل ) الاربعاء ٢٨ شهر رجب المرجب من شهور سنة ١٢٥٢ حامدا مصليا مسلما مستغفرا .