رسالة في جواب السيد امجدعلي الطبيب الهندي
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلم علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و اهل بيته الطيبين الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد الفقير الحقير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي انه قد وردت علي كلمات من الجناب الانجد و الحبر الامجد المؤيد المسدد الاسعد الارشد الولي السيد امجدعلي اعلي الله مقامه بمحمد و علي عليهما السلم يريد جوابها و كشف نقابها بالاستعجال و انا في غاية الاشتغال و بلبال البال بمعاناة ( و معاناة خل ) الحل و الارتحال لكنه لايسعني الا اجابته و اسعاف طلبته لانه اهل للجواب فاتيت بما هو الميسور لانه لايسقط بالمعسور و اكتفيت بالاشارة و اعرضت عن تطويل العبارة اعتمادا علي فهمه الشريف و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
قال سلمه الله تعالي : الحمد لله الذي هدانا الي جنابكم الذي كان لمعالجة امراض الاديان طبيبا جعل الله مدادكم في كف ثقلت موازينه علي دم الشهداء .
اقول اعلم ان الدين عبد من عبيد الله مخلص لله مستوي الرحمن و حقيقة الانسان الذي علمه الله البيان و مقوم برج كيوان معتدل الطبايع و الاركان و تساوي فيه الميزان فالحرارة فيه حد الكمال حتي كان عرشا ممدا فاعلا في كل السفليات و العلويات قال تعالي و كان عرشه علي الماء قال عليه السلم ان العرش هو الدين و الماء هو العلم و اليبوسة فيه علي اقصي المراتب حيث بقي و استقر في مقامه و ماتعدي و ماانتشر الي غيره [ص 3] و هو الاسم المكنون المستقر في ظله فلايخرج الي غيره و بذلك صار فاعل فعل اللازم الغير المتعدي الي المفعول و الرطوبة فيه تامة بحيث ظهر نوره و انتشر بحيث ملأ الاكوان و الاعيان بل الامكان و تلقي من الله سبحانه جميع الفيوضات التي لايسعها الزمان و المكان كما قال ماوسعني ارضي و لا سمائي بل وسعني قلب عبدي المؤمن ، و البرودة فيه بالغة حد التمام و الكمال بحيث خضع و سكن فخضع بخضوعه و سكن بسكونه كل البريات و ظهر ذلك الانكسار في كل الارضين و السموات و سري في كل الجهات و المقامات و له طبيعة خامسة جامعة لكلها من غير استيلاء احدها علي الآخر بل ظهر فيه سر الوحدة و استولي نورها بحيث اضمحل تمايز الطبايع بعضها عن بعض فهو بوحدته يفعل فعل النار الكاملة المطلقة بصرافتها و شدة حرارتها و يفعل فعل ساير الطبايع هكذا و هو الاعتدال الحقيقي التام الكامل الذي انكره الاطباء زاعمين عدم تحقق المزاج و عدم تعقل وجوده في المكان و لميدروا ان مزاج الشيء من حيث نفسه غير مزاجه من حيث ربه فانه سبحانه يعادي المتؤالفات و يؤالف المتعاديات و المكان في مركز الاعتدال علي سرير الوصال و هذه الطبيعة هي الطبيعة الالهية التي لايتطرق عليها الامراض و لاتفسدها الاعراض لان المرض انما يكون هو الفساد الظاهر في الطبيعة بسبب مداخلة الغرائب و الاعراض الغير الملايمة و تلك الغرائب ماتعرض الا بمناسبة الطبيعة و تلك المناسبة لمتتحقق الا لضعف التركيب و ضعف التركيب انما يتحقق بعدم المزج التام و عدم المزج التام انما يكون [ص 4] لعدم التلايم التام و عدم التلايم انما يكون لعدم الاعتدال الحقيقي لانه اذا غلب جزء من الطبايع فيميل الي ما يناسبه من الاعراض الخارجة فتتصل به و تؤثر في المجموع فتفسد البنية و اما الاعتدال فلايناسبه الا المعتدل و لا مضرة فيه لانها اما افراط او تفريط و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلم من اعتدل طباعه صفي مزاجه و من صفي مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه فقد تخلق بالاخلاق الملكوتية فصار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان و قال ايضا عليه السلم خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد انتهي ، و السبع الشداد انما انتفي عنهن الغرائب و الاضداد و بقين علي حال الاعتدال لظهور اعتدال الماء الذي اكتسب الاعتدال من العرش المستوي عليه الذي هو الدين فالدين اولي بان لاتتطرق عليه الامراض او تصيبه الاعراض و لكن لما كان الايجاد علي وجه القابليات في الذوات و الصفات و لايتحقق ذلك الا باظهار مظاهر الدين و امثلته في هويات الكاينات و تلك المظاهر و الامثال انما ظهرت في القابليات بنوع امزجتها فاذا صح المزاج ظهر الدين تاما كاملا و اذا اختلف المزاج و تلون باختلاف الاغذية المتضادة الظاهرة و الباطنة يظهر الدين هكذا مختلفا متلونا فيطرء عليه النسخ و الاختلاف و التقية و الظهور و الخفاء و البطون و الظهور و هو قوله تعالي ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم الي ان يرفع التضاد فيرتفع الاختلاف و رفع [ص 5] التضاد المستلزم لصحة البنية و دفع الامراض المستلزم لعدم اختلاف الدين قد يكون كليا و قد يكون جزئيا فيظهر علي حسبه فاول صحة المزاج في العالم الكلي انما هو عند ظهور القائم عليه السلم عجل الله فرجه و تمام الاعتدال انما هو اذا رجع رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم و قتل ابليس لعنه الله و هلك الجبت و الطاغوت و هناك يرتفع اختلاف الدين اصلا و رأسا لاعتدال الطبايع و رفع التضاد الموجب للامراض فيصفو الامر لله الواحد القهار فهناك يظهر قوله تعالي الا لله الدين الخالص و هو قوله عز و جل ليظهره علي الدين كله و لو كره المشركون فافهم ان شاء الله تعالي و اما الجزئي فهو افراد العارفين المختفين في الارض تبعا لائمتهم الطاهرين سلم الله عليهم اجمعين قال الله عز و جل فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و قال اميرالمؤمنين عليه السلم المتبعون لقادة الدين الائمة الهادين الذين نهجوا منهجهم و سلكوا مسلكهم فهجم بهم العلم علي حقيقة الايمان فيستلينون من احاديثهم ما استوعر علي غيرهم و يأنسون بما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون اولئك اتباع العلماء حقا فعلماؤهم و اتباعهم خرس صمت في دولة الباطل و نقلت بعض معني الحديث اذ لماحفظ كله فهؤلاء الافراد و الابدال هم الذين صفت طويتهم و اعتدلت بنيتهم فظهروا علي الدين كله بمقتضي مقامهم و سوء المزاج انما يكون في هذا المقام بغلبة الرطوبات الفضلية و التي ( الفضلية التي خل ) هي الميل الي كل ما لايعنيه و تغلظها باليبوسة السوداوية [ص 6] التي هي انجماد القريحة و اجتماع المواد و السدد المتولدة من الامرين المذكورين بالحرارة الغريبية دون الغريزية و هي هيجان النفس و انبعاثها للامور الدنيوية او الاخروية لا لصفاء الاخلاص فتصاعدت ابخرتها اي شعبها و فروعها الي الدماغ فاورث الصداع و وجع الرأس و الشقيقة فضعفت المدارك الكلية و الجزئية و قلت الرغبة الي المآكل الطيبة و هكذا ساير الاوجاع و الاسقام الظاهرية و الباطنية كلها قد تولدت مما ذكرنا و شرح كيفية التولد مما يطول به الكلام و العاقل يكتفي بادني اشارة و العلاج انضاج الطبيعة اولا بالعقاقير المنضجة التي لها مناسبة الي الجهتين مع الاخلاط و مع الطبيعة اما في العبد الكلي فكما فعل الاطباء الماهرون صلي الله عليهم بالله و باذنه و بامره من ادارة الليل علي النهار و النهار علي الليل و وقوع الكسف و الخسف و الغيم و الصحو و الظلمة و النور و الحلاوة و المرارة و مرارة الثمار قبل نضجها و امثال ذلك و وقوع الاختلاف في الآراء و الاهواء و العقول و الميولات و الالفاظ ( الالفاظ و العبارات خل ) و اللغات و وقوع الشك و الوهم و النجوي و السفسطة و الظن و الوسوسة و الريبة و العلم و اليقين و المعرفة و خلط بعضها مع بعض و اما في العبد الاصغر اي الانسان فالمنضج له هو التفكر في فناء العالم و دثوره و ابادته و خرابه و عدم استدامة حال لاحد و عدم استقلال احد في امر و كثرة التقصيرات التي وقعت منه و امثال ذلك من الاحوال ثم استفراغ الطبيعة عن تلك المواد الغليظة و الاخلاط الغير الملايمة المهيجة للابخرة المستدعية لاختلال المزاج الموجبة لضعف القوي و ظهور الروح [ص 7] التي هي الدين اما في الكلي فكما يفعل مولينا القائم عليه السلم و سيدنا الحسين عليه السلم و سيدنا علي عليه السلم و السيد الاكبر رسول الله صلي الله عليه و آله من قتل الكفار و المنافقين و تطهير الارض عن كل رجس نجس لعين و اما في الجزئي فبالاقبال الي الطاعات و العبادات و الاجتناب عن كل المحرمات و المكروهات ( المكروهات و المحرمات خل ) و الاعراض عن كل البريات و سلب الرذايل عن نفسه و الدناءات ثم تقوية الطبيعة بانواع الترياقات و المقويات و تفريحها بانحاء ( بانواع خل ) المعاجين و ساير المفرحات اما في الكلي فما يظهر في العالم بعد قتل ابليس من الانوار المشرقة من صبح الازل لتقوية بنية العالم و تفريح كربه و تعديل طبعه اما في الجزئي فبالتوجه التام الي الله سبحانه و تعالي و خلوص القلب له و رفع الكثرات عن وجدانه و دوام النظر في ملكوت السموات و الارض و مشاهدة الاشياء بسر الوحدة و رفع الكثرات بالمرة و النظر الي الاشياء بدليل الحكمة فهناك يصح المزاج و تعتدل الطبيعة و يظهر الدين كله بجميع انحاءه و مراتبه اما في الكلي فيظهر الجنتان المدهامتان في الكوفة و ما ورائها الي ما شاء الله و اما في الجزئي فمختصر ( ما شاء الله فمختصر خل ) القول فيه انه يدخل تلك الجنة في هذه الدنيا قال عليه السلم موتوا قبل ان تموتوا و حاسبوا قبل ان تحاسبوا قال عليه السلم من مات قامت قيامته و هي القيمة الصغري فيرجع الاختلاف الي الايتلاف و الحركة الي السكون و التلوين الي التمكين فيتمكن للدين قال الله عز و جل وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض و ليمكنن لهم دينهم الذي [ص 8] ارتضي لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لايشركون بي شيئا فالعارف العامل لايجد في الدين و لا في شيء مما اتي به سيد المرسلين صلي الله عليه و آله الطاهرين اختلافا ابدا لانه عرف الله و عرف خلقه و عرف مقتضي الحق و مقتضي الخلق و مقتضي سلوك الحق مع الخلق قال عز و جل و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فافهم ما القينا اليك بالاشارة .
قال سلمه الله تعالي : لهذا اظهر احوال مرضي و هو الحيرة سكنه الله بكم و ازاله ( ازال الله خل ) بظهور صاحبنا عليه السلم و عجل الله فرجه .
اقول اعلم ان الله سبحانه خلق قلب الانسان و له اذنان اذن عليها ملك مسدد و الاخري عليها شيطان مقيض و له عينان باحديهما ناظر الي عليين و بالاخري الي سجين و ان استمر نظره الي السجين ( سجين خل ) و قطع نظره عن العليين صحبته الشياطين علي حسب نظره فان كان في الارض الاولي فالشياطين الدنياوية الجسدانية يأمرونه بالخبائث و الرذايل الجسدانية و يزينون له حب الشهوات من انواع المعاصي و السيئات و انحاء المحرمات كالزنا و اللواط و شرب الخمر و قتل النفس و امثالها و ان كان نظره الي الارض الثانية فالشياطين الذين يوحون الي اوليائهم ليجادلوا اهل الحق فيلقون اليه من الصور الباطلة و الاوهام الكاذبة المشابهة بصورة الحق و هكذا كلما تسافل نظره تغلظ الظلمة لا الغلظة الجسمانية بل الغلظة الروحانية الي ان يشابههم فيكون من شياطين الانس و علي كل جزء من اجزاء بدنه شيطان يغويه و يلعنه كما قال مولينا [ص 9] اميرالمؤمنين عليه السلم لمن سئله عن عدد شعر لحيته ان علي كل شعرة شيطان ( شيطانا خل ) يلعنك ه ، فيبلغ به الامر الي ان يصدر منه ما يصدر عن الشياطين مما يوهم الكرامات و خوارق العادات و ان كان نظره الي العليين و استمر ذلك النظر صحبته الملئكة في الدنيا و الآخرة كما اخبر الله عنهم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اوليائكم في الحيوة الدنيا و في الآخرة و الاستقامة ان كانت في جميع مراتبها فهو معتدل الطبيعة علي ما وصفت لك سابقا و الا فعلي حسب مقامها و هو مؤيد بنور الله و مسدد بروح الله و اليهم الاشارة بقوله عز و جل لاتجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم او ابنائهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه و يدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم و رضوا عنه اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون و ان كان نظره الي العليين مرة و الي السجين اخري فهناك محل الظن و الوهم و الشك و الريب و الوسوسة و الجهل و كل هذه جهات الحيرة و انما تنشأ من تعارض النظرين و عدم الاستمرار و قد يبقي حال التميز فيتميز بين النظرين و قد يخفي فهناك الحيرة اذ تأتيه صورة و قبل الاستقرار و التمكين اتته ( يأتيه خل ) اخري فلايدري من الالتباس ( الاشتباه خل ) و التشابه ايهما من الاعلي و ايهما من الاسفل فيبقي واقفا متحيرا و لما كان الله سبحانه انما خلق الخلق مشروح العلل مبين الاسباب رفع الابهام [ص 10] و دفع التحير باقامة الدليل و ارائة السبيل لئلايكون للناس علي الله حجة و اقام ( فاقام خل ) سبحانه لكل شيء دليل حق يصل اليه طالب الحق بعد ما ذكر الامر اولا بحيث يحتمل الوجهين و لذا قال عز و جل و ماارسلنا من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم و ان الله لهادي الذين آمنوا الي صراط مستقيم و الامنية هي القراءة و القاء الشيطان هو الاحتمالات الباطلة الغير المرادة المشابهة للمراد الصور المجتثة الكاذبة الصاعدة من الابخرة المتراكمة في اسفل السافلين فكل الكلمات و العبارات بل كل الموجودات لها جهة الي الحق يناسب اهل الحق و جهة الي الباطل يناسب اهله فاهل الحق يتمسكون بجهتهم و اهل الباطل يتمسكون بجهتهم و من هنا يأتي الاختلاف قال تعالي و اما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه و لكن الله سبحانه لئلايغري بالباطل و لايجعل الخلق في الشبهة و لايدعهم في الحيرة نصب القراين المحكمة المعينة للحق و النافية للباطل و هو نسخ الله القاء الشيطان فيحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المشركون ثم ارشد الي هذه الهداية و هدي الي هذه الدلالة و صرح بالامر و اكده بالتأكيدات البالغة فقال عز و جل الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و ان الله لمع المحسنين فجعل المجاهد في الله محسنا و قال و ما علي المحسنين من سبيل و قال ايضا عز و جل فلما بلغ اشده و استوي آتيناه حكما و علما و كذلك نجزي المحسنين و [ص 11] قال ايضا كما ذكرنا فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم فسمي الله سبحانه المستوضح المسترشد مرة مجاهدا و مرة محسنا و مرة مؤمنا فقال عز و جل تثبيتا لهدايته و ارشاده يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله و رسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به و يغفر لكم و الله غفور رحيم لئلايعلم اهل الكتاب الايقدرون علي شيء من فضل الله و ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم و سمي سبحانه المحسن محبوبا حيث قال ليس علي الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و احسنوا و الله يحب المحسنين ثم فسر المحبوب الذي هو ( هو المحسن الذي هو خل ) المجاهد في الحديث القدسي مازال العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سئلني اعطيته و ان سكت عني ابتدأته و قال رسول الله صلي الله عليه و آله ليس العلم بكثرة التعلم بل هو ( و انما خل ) نور من عند الله يقذفه في قلب من يحب ( يحبه خل ) فينفسح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاء قيل هل لذلك من علامة يا رسول الله قال صلي الله عليه و آله التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله ، فجعل سبحانه و تعالي ثمرة المحبة ان يكون هو سبحانه سمعه و بصره و يده و يستجيب دعائه و يتفضل عليه قبل السؤال و فسره رسول الله صلي الله [ص 12] عليه و آله بالعلم اللدني و انشراح القلب الذي في الصدر و انفساح الباطن لمشاهدة الغيوب فاثبت ان المحبة التي ثمرتها ما ذكرنا من كلام الله و رسوله هي ثمرة الاحسان و فسر الاحسان بالمجاهدة في الله و فسر المجاهدة بفعل النوافل ثم ابان سبحانه عن حقيقة الايمان المستدعي للهداية الي الحق في الآراء المختلفة و يكون فعل النوافل المقتضي للمحبة من فروعه و آثاره بقوله الحق حيث خاطب اميرالمؤمنين عليه السلم و لو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤك يا علي فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا و ربك يا علي لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما فجعل الايمان هو التسليم لامير المؤمنين عليه السلم و عدم الخروج عن حكمه و قوله في حكم من الاحكام المختلف فيه ( المختلفة فيها خل ) كما قال عز و جل فما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الي الله و عمم الحكم في ذلك مولينا الصادق عليه السلم حيث قال ذروة الامر و سنامه و باب الاشياء و رضي الرحمن الطاعة للامام و قال عز و جل و لو ردوه الي الله و الي رسوله لعلمه الذين يستنبطونه منهم فاذا صح لاحد الاخلاص في محبة الامام عليه السلم و يعتقد انه الحامي لحوزة الاسلام و عين الله الشاهدة علي الانام و وجه ( وجه الله خل ) الذي لايخلو منه مكان فيسلم الامر اليه و يطلب الحق من الله بواسطته خاصة و يلتجأ في كل جزئي و كلي عليه لانهم قالوا عليهم السلم لنا مع كل ولي اذن سامعة و لايقول اذا وصل اليه حديث من احاديثهم او خبر من اخبارهم ان هذا [ص 13] من الاخبار الآحاد التي لاتوجب علما و لا عملا بل يعتقد انه حين وصل اليه الحديث امامه عليه السلم حاضر لديه و ناظر اليه و عليه تسديد رعيته و عدم اهمال غنمه فان لميرده منك يجب ان يردعك عنه بنصب قرينة عقلية او نقلية مصرحة او اشارة او ملوحة و امثال ذلك من انواع الهاماتهم و تسديداتهم و ارشاداتهم هو و لايجعلونك البتة في حيرة و لا شدة اذن لا فرق بين طريق الحق و طريق الباطل و طريق الرحمن و طريق الشيطان فمن اعتقد الذي قلنا و عمل به فهو المسلم لامير المؤمنين عليه السلم و هو المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان فيؤتيه الله سبحانه كفلين من رحمته و يجعل له نورا يمشي به في الناس و يهديه الله الي الحق عند الاختلاف و يحبه الله و تقذف ( يقذف خل ) في قلبه نور اليقين و في صدره نور العلم و في فؤاده نور المحبة فينشرح فيشاهد الغيب و ينفتح فيحتمل البلاء و يكون الله سمعه و بصره و يده فلايسمع الا الحق و لايري الا الحق و لايعمل الا الحق و لايسعي الا في الحق و يعرض عن الباطل اصلا و رأسا اتري تبقي بعد ذلك حيرة و اضطراب حاشا و كلا لان الله عز و جل اجل من ان يطرق بابه فلايفتح له او يدخل البيت من بابه فيخيبه و يحرمه كلا ما هكذا الظن به و هذا الذي ذكرنا هو مسكن المرض لا بل هو مزيل له ان شاء الله و الازالة لاتتوقف علي ظهور صاحبنا عليه السلم لانه عليه السلم ماغاب بل هو اظهر من الشمس في رابعة النهار و لو فرض ذلك اذا غاب عنك فانت مااغبت ( ماغبت خل ) عنه روحي فداه بل انت بمرأي منه و مسمع و ( بمسمع خل ) يدبرك حيث [ص 14] ما يشاء المتلتفت الي باطن قوله تعالي و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته و هذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته علي الذي من عدوه فوكزه موسي فقضي عليه و قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين ام تري انه عليه السلم غافل من رعاياه و تسديده كيف و قد قال عليه السلم انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء و قال عز و جل و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال نعم ان الذي تحت الغيم لايقع عليه نور الشمس مثل من كان خارجا عن الغيم و قد قلنا لكم في المسئلة الاولي ان العارفين يصح مزاجهم نعم صحة المزاج الكلي يتوقف علي ظهوره عجل الله فرجه و روحنا له الفداء كما ذكرنا غير مرة و هذا هو العلاج لمرض الحيرة و هو مرض مركب من الصفراء و السوداء المحترقة فافهم ان شاء الله تعالي .
قال سلمه الله تعالي : و اقول ان غرض السائل سلمه الله تعالي عن المعايب مطلقا من الاسؤلة الاربعة الاول ان يمتاز طريقتكم من الاخباري و الاصولي الفريقين من فرق ثلثة و سبعين و لما كان جنابكم تابعا للمتبوع الحقيقي بواسطة قول المعصوم عليه السلم تضرب للسائل الحق و الباطل اقتضاء لقوله تعالي كذلك يضرب الله الحق و الباطل الي آخر الآية .
اقول انما قال ذلك لانه سلمه الله تعالي رأي ما كتبنا في جواب من سئلنا عن الادلة هل هي اربعة ام لا و عن حكم ما لا نص فيه و عن سبب [ص 15] حصر المكلفين في زمان الغيبة في القسمين مجتهد و مقلد و عن غير ذلك من المسائل المتفرقة و لما كان الكلام علي وفق المجادلة كما هو المعروف في هذا الزمان لايخلص عن شوايب الشكوك و الشبهات لان دليل المجادلة اقل الدلالات فلاتفي لبيان كل الوجوه و الاشارات فتبقي الوجوه الكثيرة خارجة عن الدلالة فالواقف في هذا المقام اذ ( اذا خل ) التفت الي تلك الوجوه و خروجها عن الدليل فيعترض و يورد البحث و ينفي ما ثبت بالدليل الاول و هكذا غيره بالنسبة اليه و لايمكن الخلوص من الشبهات الا بدليل الحكمة من قوله عز و جل ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و ذلك الدليل الكلي الالهي ايضا غير معروف عند عامة الناس فيتسارعون ( فيتنازعون خل ) الي الانكار جعلت الكلام في جواب تلك المسائل علي الامر بين الامرين و خلطت العالمين ليعلم كل اناس مشربهم و يعرف كل احد مطلبهم و هذا هو المراد من قوله ايده الله تعالي و لما كان جنابكم تابعا ، الي آخر كلامه .
و اما جعلكم الاخباري و الاصولي ( الاصولي و الاخباري خل ) فريقين من الفرق الثلثة و السبعين و جعل طريقتنا ممتازة عنهما ليكون فرقة ثالثة فغير صحيح كيف و قد حكم رسول الله صلي الله عليه و آله علي الكل بالنار و الهلاك و الكفر الا فرقة واحدة منهم كما قال صلي الله عليه و آله اتفاقا من المسلمين ستفترق امتي علي ثلثة و سبعين فرقة فرقة في الجنة و الباقون كلهم في النار ، و كيف يمكن ان يجعل الاخباري او الاصولي من هذه الفرق المختلفة التي نجاة احديهما مستلزمة لهلاك الاخري مع ان ربهم واحد و نبيهم واحد و كتابهم [ص 16] واحد و قبلتهم واحدة و ائمتهم واحدة هم الائمة الاثنيعشر عليهم السلم و كذا ساير اعمالهم و عباداتهم و لميخالف الاخباري و لا الاصولي شيئا يخالف اجماع المسلمين ليكفروا او اجماع الفرقة الاثنيعشرية ليخرجوا عن مسلكهم و بعض الاختلافات الواقعة فيهم لايخرجهم عن وحدتهم بل كلهم فرقة ناجية واحدة من الفرقة الشيعة الاثنيعشرية و اختلافهم في بعض الجزئيات انما هو من جهة عيب السفينة كما قال عز و جل حكاية عن الخضر فاردت ان اعيبها و كان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا و قال عليه السلم انا الذي خالفت بينكم و قال عليه السلم راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه اعلم بمصالح غنمه ان شاء فرق بينها لتسلم و ان شاء جمع بينها لتسلم ، و ليس اختلافهم في الضروريات حتي يؤدي الي ما قلت و اقرار الاصولي بالاجماع ليس كما زعمه مخالفونا من اجتماع اهل الحل و العقد و الا لماساغ لهم مخالفتهم و انما اجماعهم هو الاتفاق الموجب للقطع بدخول المعصوم عليه السلم بين المتفقين او رضاه و هذا هو الدين المبين و كذا انكار الاخباري للاجماع ليس من جهة انه كاشف عن قول المعصوم عليه السلم و يعاندون فينكرون قول المعصوم عليه السلم حاشاهم عن ذلك و انما الكلام بينهم في الموضوع و تحقق هذا الاجماع الكاشف عن قول المعصوم عليه السلم و يقولون ( فيقولون خل ) بعد ما فرض الكشف فالعمدة و الاعتبار بقول المعصوم عليه السلم لا الاجماع فاذن لا حجة الا الكتاب و السنة و الاصوليون يقولون طرق السنة مختلفة منها طرق قطعية و هي ما يحصل من التواتر المعنوي [ص 17] و الاخبار المحفوفة بقراين القطع و الاجماع و منها طرق ظنية و هي بخلاف ما ذكرنا فمآل الاجماع الي السنة لكن بشرط عدم تمايز قول المعصوم عليه السلم عن قول المجمعين و الا يكون ظنيا لقولهم عليهم السلم اني لاتكلم بكلمة و اريد منها احد ( احد و خل ) سبعين وجها لي لكل ( وجها لكل خل ) منها المخرج فصح ان نزاعهم ليس من جهة ردهم لقول الامام عليه السلم و انما هو في اصل التحقق و كذا نزاعهم في العمل بالظن فان الاصوليين مايعملون ( لايعملون خل ) بالظن من حيث هو ظن و حاشاهم عن ذلك و انما يعملون به حيث ما دل الدليل القطعي عندهم علي صحة العمل بذلك فح يعملون بالقطع و لايعملون بالظن كما دل الدليل علي العمل علي الشك في الصلوة و الوهم في الاشياء التي دل الدليل القطع علي ان الاصل فيها الطهارة فلو ظن النجاسة و يحتمل الطهارة احتمالا مرجوحا يعمل علي الاحتمال المرجوح لا الراجح الا اذا قطع بالنجاسة و الظن كما في شهادة العدلين و امثال ذلك و بالجملة فالنزاع و الخلاف بينهم ليس في الامور الكلية حتي يورث تباين المسلكين و انما هو لبعض الجزئيات لعدم الدليل عليه لبعض و وجوده البعض الآخر ( لبعض آخر خل ) و قد اذن لهم مولينا الكاظم عليه السلم بذلك حيث قال عليه السلم ما معناه امور الاديان امران امر لا اختلاف فيه و امر فيه اختلاف فما ثبت لمنتحليه ( لمنتحليه من كتاب خل ) مجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله ضاق لمستوضح تلك الحجة الرد اليه و التسليم له و ما لميثبت لمنتحليه من كتاب مجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله [ص 18] عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له فما ثبت لك برهانه اثبتته و ما خفي لك بيانه نفيته ه ، و هذا الاختلاف انما ساغ لهم ليسلم رقابهم عن شر الاعادي فكلهم فرقة واحدة من الفرقة الناجية التي في الجنة الا بسوء اعمالهم و فساد ضمايرهم ( ضميرهم خل ) و عقايدهم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و اما طريقتنا في استنباط الاحكام الالهية هي كما ( الالهية كما خل ) اختاره الاصوليون من الاستدلال بالادلة الاربعة من الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل و الشهرة و الاستصحاب و اصالة البرائة و امثالها من الادلة و الاحوال الا ان في كل واحد من هذه الامور لنا ادلة من الحكمة تحتار ( تختار خل ) عندها العقول و تذهل لديها النفوس فمن وصل اليها فهي الرشد و الهداية و من لميصل اليها فهذه الطريقة التي عليها فقهائنا المجتهدون هي المعمول بها و تلك الطريقة لاتخالف ما ذكروا رحمهم الله و بذلوا مجهودهم الا ان اهل الاستنباط لهم اذواق و حركات سريعة و بطيئة و متوسطة ،
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكلام مما يطول
و السلم .
قال سلمه الله تعالي : و من المسئلة الخامسة رفع الايهام ( الابهام خل ) من طبخ الحكماء الفلسفية و انا اعرفكم من الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله الا بذكر الله تطمئن القلوب و لو انكم في اشد التقية و انا كك .
اقول طبخ الحكماء الفلسفية انما ينضج بعد حلين و عقدين كما قالوا :
و حلان مع عقدين لا بد منهما و حلله و اعقده و احلله و اعقد
و لكن هذا الطبخ في هذه المراتب الاربعة لايبلغ حد الكمال الا في اربعة [ص 19] ادوار الدور الاول طبخ العناصر و هو العمل المكتوم و هنا تنعقد النطفتان و يجتمع الزوجاة اي زوج واحد مع اربع ( اربعة خل ) زوجات الي ان تحصل النطفة من مني يمني من صلب الرجل و ترائب المرأة قال الله عز و جل خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب و الترائب الدور الثاني دور النبات من العلقة و المضغة و العظام و اكتساء اللحم و تمايز الصور باخراج المياه الخمسة الدور الثالث دور الحيوان و مقام ( مقام انا خل ) انشاناه خلقا آخر و هو اذا ظهر القمر في فلكه الجوزهر و يخرج ثلثة من القوم المفسدين من المدينة الطيبة و القوم الجبارين من الارض المقدسة الدور الرابع دور الانسان و مقام البلوغ و وقوع التكليف و محل و لاتنس نصيبك من الدنيا و احسن كما احسن الله اليك و هو اذا طلعت الشمس حاكية لجسد اميرالمؤمنين عليه السلم و يخرج القوم المفسدون من المدينة الطيبة قال عز و جل و كان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض و لايصلحون الذين عقروا ناقة صالح فاذا دارت هذه الادوار علي الادوار الاربعة الاول فهناك تتم العوالم الستةعشر و يظهر الوفق في المربع العددي و الحرفي و يخبر عن الغايب و الدفاين و الخزاين عند تمام بيوت الرمل و اما رفع الايهام ( الابهام خل ) فهو مما لايجوز لان الله سبحانه ابي الا ان يستر هذه ( هذا خل ) العلم الا عن المستدرجين من الدين ( الذين خل ) قال عز و جل فيهم و لايحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خيرا لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب اليم او عن العارفين الكاملين المعرضين عن الدنيا الدنية و ليس غرضهم الا مشاهدة جلال الحق سبحانه و عظمته في [ص 20] كل شيء و هذا عالم مختصر من العالم الكلي فيه كل ما في العالم مشروحا مفصلا و فيه حقيقة الصنع من احوال البدو و العود و معرفة الصانع بصفاته و افعاله و كيفية عبادته و حقايق الوجود و اسرار الحق المعبود و هو الباطن الذي اشار اليه مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم لما سئل عن ذلك و انه كائن ام لا فقال عليه السلم سألتموني عن اخت النبوة و عصمة المروة الناس يعلمون ظاهرها و انا اعلم ظاهرها و باطنها و انه كان و كائن الي يوم القيمة و ان من شيء الا و فيه منه اصل او فرع قالوا بين لنا يا اميرالمؤمنين قال عليه السلم ان في الاسرب و الزاج و الزيبق الرجراج و الحديد المزعفر و زنجار النحاس الاخضر لكنوز ( لكنوزا خل ) لايؤتي عن آخرها قالوا زدنا يا اميرالمؤمنين قال عليه السلم و ما هو الا ماء جامد و هواء راكد و ارض سائلة و نار حائلة قالوا زدنا يا اميرالمؤمنين قال عليه السلم اجعلوا البعض ارضا و اجعلوا البعض ماء و افلحوا الارض بالماء و قد تم قالوا زدنا يا اميرالمؤمنين قال عليه السلم لا زيادة علي هذا فان الحكماء مازادوا عليه و لولا ان النفس امارة بالسوء لبينت ذلك حتي تعلمته الصبيان في المكاتيب ه ، و ائمتنا عليهم السلم ماذكروا هذا العلم الا مرموزا و لو جاز البيان لماابهموا و هم الحجج البالغة علي جميع الخلق نعم ذكروا لاهله بالاشارة و الرمز فمن وفق لفك الرمز وصل الي حقيقة الكنز فلا بيان له الا مرموزا مع اني ما ذكرت في جواب تلك المسئلة هناك كله علي الحقيقة و مارمزت فيه بشيء فيما سئل لانه سئل عن كيفية تبييض الثفل و اخراج الجسد الجديد [ص 21] و كلما ذكرت فيه محكم الا ان العمل صعب لما قلنا لكم .
و قوله سلمه الله و تطمئن قلوبهم بذكر الله ، اشارة الي قصة ابرهيم علي نبينا و آله و عليه السلم حيث قال رب ارني كيف تحيي الموتي اي الاجسام الكثيفة الفاسقة ( الغاسقة خل ) المدلهمة الميتة التي لا حراك لها و لا تأثير و لا صنع و لا تدبير كثيف ( تدبير كيف خل ) تعطيها القوة و النشاط و الحركة فيتحيي ( فتتحيي خل ) و تحيي الاموات و تجعلها ( تجعل خل ) ذهبا صافيا و فضة بالغة قال الله تعالي اولمتؤمن تقريرا و تثبيتا لابرهيم عليه السلم ليقول بلي و لكن ليطمئن قلبي بالمشاهدة و المعرفة و العلم و رؤية ذلك التدبير قال تعالي فخذ اربعة من الطير و هي الطاووس اي النار الحائلة و الديك اي الهواء الراكد و الحمامة اي الماء الجامد و الغراب اي الارض السائلة فصرهن اليك اي اخلطهن و ضم بعضهن مع بعض بانواع التعفين و التقطير ثم الرد الي التعفين بعد التقطير و هكذا الي تمام الدور الثالث ثم اجعل علي كل جبل منهن جزء و الجبال عشرة و خلف كل جبل قوم من المفسدين الا العاشر اذ ليس له خلف و لا قدام يري ظاهره من باطنه و باطنه من ظاهره فلا مقام للاختفاء و تلك الجبال هي التساقي التسع و المسقي ،
و ذلك معني قولهم ان واحدا سيغلب تسعا من بنات البطارق
و يريد ايده الله بذكر الله هو ذكر الله و هو الاسم الاعظم في عالم الاجسام كما ان رسول الله صلي الله عليه و آله هو ذكر الله و الاسم الاعظم في كل العوالم قال تعالي و انزلنا اليكم ذكرا رسولا و قال اميرالمؤمنين عليه السلم علي ما تقدم سألتموني عن اخت النبوة فيكون هذا المولود العزيز ذكر الله في هذا العالم لان ذكر [ص 22] الله حسن في كل حال و اليه في هذا العالم اشار اميرالمؤمنين عليه السلم خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا فارقت الاضداد شارك بها ( الاضداد فقد شاركت به خل ) السبع الشداد ه ، و هذا المولود قد فارق الغرائب و الاعراض حتي شارك في الصفا و النورانية الافلاك فيؤثر تأثيرها لانه ذكر الله و حامل ولاية الله المنقطع عن نفسه الي الله و لذا سميته انا عبدالله و القوم سموه عبدالواسع و عبدالكريم .
قال سلمه الله تعالي : فها انا ذا اعرض عليكم مسئلتين قد استنبطتهما لتحكم لي بالصواب او الخطاء احديهما مسئلة العلم استنبطتها من دعاء العديلة و لااعرف قائله بهذا الطريق الا شيخنا المصلح للمجتهدين اطال الله بقاه .
اقول قد اصبت في هذه المسئلة و اجدت و فقرة الدعاء كما فهمت ايدك الله صريحة في هذا المدعا حيث يقول عليه السلم كان قويا قبل ايجاد القدرة و القوة و كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة اذ لا شك ان هذه القدرة هي القدرة المتعلقة المرتبطة بالمقدورات و هي الاضافة و الوقوع و كذا العلم المتعلق بالمعلوم و هذا هو الوقوع الواقع في كلام مولينا الصادق عليه السلم كما في الكافي قال عليه السلم لميزل ربنا عز و جل عالما و العلم ذاته و لا معلوم و القدرة ذاته و لا مقدور و السمع ذاته و لا مسموع فلما وجدت الموجودات و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي [ص 23] المقدور و لايستريب جاهل ان الواقع ليس هو الذات البحت و الا لتغيرت حالتاها و هو مستحيل فاذا بطل كون التعلق عين الذات ثبت حدوثه اذ لا واسطة بين القدم و الحدوث معقولة فالعلم المتعلق بالمعلوم ليس الا ظهور المعلوم للعالم و لايعقل له معني الا هذا و هذا الظهور انما هو قائم بالمعلوم لا العالم فالعالم هو الذات بالاشياء في الحدوث لا في الازل و الا لكانت الاشياء ازلية كالمتكلم فان المتكلم هو الشخص لكن الكلام ليس واقعا في ذات الشخص و انما هو قائم في الهواء بفعل الشخص و العلم الحقيقي هو الذات البحت جل و علا فذاته علم و ذاته عالم كالقدرة و السمع و البصر لكن علمه الذاتي لايقتضي معلوما كما صرح عليه السلم بانه عالم و لا معلوم و لاندرك كيف ذلك و لانعلم بما هنالك الطريق مسدود و الطلب مردود فالعلم علمان علم هو ذاته و علم هو خلقه و هو الواح الموجودات كاللوح و القلم و امثال ذلك فكان ( و كان خل ) عز و جل عليما في ذاته قبل ايجاد العلم الحادثة ( الحادث خل ) و العلة اي القدرة قال اميرالمؤمنين عليه السلم علة ما صنع فعله و هو لا علة له و قولكم لااعرف قائله بهذا الطريق اه نظر بظاهر الامر و اذا امعنت النظر وجدت اجماع الفرقة المحقة عليه و اجماع اهل البيت عليهم السلم عليه و القرآن مشحون بذلك بين نص و ظاهر و ذكر كلما ( كلما كان خل ) في القرآن و الاخبار مما يدل علي هذا المعني يؤدي الي التطويل و مختصر القول فيه قوله عز و جل علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و قوله عز و جل قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قوله عز و جل الله يعلم ما [ص 24] في السماء و الارض ان ذلك في كتاب و قوله عز و جل ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب و قوله عز و جل فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين و قوله عز و جل و لمايعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين و قوله عليه السلم اللهم اني اسئلك من علمك بانفذه و كل علمك نافذ اللهم اني اسئلك بعلمك كلها و قوله عليه السلم علي ما في الكافي و علم الله السابق المشية و قوله عليه السلم اما المعاني فنحن معانيه و نحن علمه و نحن حقه و قوله عليه السلم علي ما تقدم في دعاء العديلة و قوله المتقدم ايضا فلما وجدت الموجودات و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم الحديث كما مر و حديث عمران الصابي صريح بالامر و بالجملة فمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و اعرض عن الجدال و العصبية و حمية الجاهلية لاينظر الي حديث الا و يجده شاهدا واضحا لهذا المعني و هذا كله لاينافي قولهم المنعقد عليه اجماعهم ان علمه سبحانه بالاشياء قبل كونها كعلمه بها بعد كونها و اما اجماع اهل الحق اي الفرقة الناجية فاعلم انهم اجمعوا و اتفقوا تبعا لاتفاق ائمتهم عليهم السلم و دلالة العقول المستنيرة بنور الله علي ان علم الله سبحانه هو ذاته من غير فرض مغايرة و لو اعتبارا هو ذات هو علم بعين ما هو ذات بعين ما هو علم و لايشكون فيه ابدا و الشاك فيه خارج عن الفرقة الناجية و كذا اجمعوا و اجمع كل عاقل من اهل الملل و النحل ان الاضافة لا قوام لها و لا تحقق الا بالمضاف و المضاف اليه فيستحيل عقلا و وجدانا بل احساسا ان يوجد الاضافة من غير [ص 25] الطرفين و ان الاضافة لا استقلال لها الا بالطرفين و لايشك عاقل ان العلم بالمعلوم اضافة و ارتباط و لايشكون علي ان ( لايشكون ان خل ) العلم الذاتي هو الذات فعلي هذا يجب ان تكون ذات الله اضافة فتبطل استقلالها فبطل ان تكون الذات اضافة اجماعا و العلم المتعلق ( المتعلق بالمعلوم خل ) اضافة اجماعا من العقلاء فكان العلم المتعلق غير الذات اجماعا و لا قوام له الا بالذات اجماعا فصح ان ذات الله عالم و لا معلوم اجماعا و هذا العلم هو الذي يقبل التشكيك ليصح قوله عليه السلام من علمك بانفذه و يقبل التعدد ليصح قوله و كل علمك نافذ و في مقام الذات لا تعدد و لا اضافة و لا تشكيك ثم انهم اجمعوا ايضا علي ان العلم يجب ان يكون مطابقا للمعلوم و الا لميكن علما اذ لايعلم السواد بالبياض و البياض بالسواد و اجمعوا علي ان الله سبحانه يعلم ذاته علي ما هو عليه و يعلم خلقه فان ( و ان خل ) كان علمه بذاته عين علمه بخلقه و العلم يجب ان يكون مطابقا للمعلوم فيكون خلقه عين ذاته و ذاته عين خلقه اذ يعلم ذاته بانه واجب غني و يعلم خلقه بانه ممكن فقير فاذا قلنا ان هذا العلم هو عين العلم الآخر وجب ان يكون الغني الواجب من حيث هو كذلك عين الممكن الفقير من حيث هو كذلك و هذا كفر اجماعا فوجب ان يكون العلم بذاته عز و جل غير العلم بخلقه فهل العلم الآخر حادث او قديم فان كان الثاني فهو الكفر الصريح لتعدد القدماء و تركيب الذات و زيادة الصفات فمابقي الا القول الاول فاذا كانت المقدمات اجماعية فالنتيجة ( و النتيجة خل ) اجماعية بالطريق الاولي الا ان الناس غير ملتفتين الي هذه الدقيقة و يتوهمون انهم اذا ارادوا [ص 26] ان يصنعوا شيئا يتصورون صورة ذلك الشيء اولا فيعلمونه بتلك الصورة التي عندهم و يزعمون ان هذه الصورة هي ذاتهم فيقولون ان الله سبحانه كذلك نعم هذا آية صنعه لكنهم مااحسنوا مشاهدة الآية و ماعرفوا ان تلك الصورة و ذلك الخاطر امر حادث بهم متأخر عن ذاتهم لانهم في مقام ذاتهم لايذكرون شيئا سوي ذواتهم و بالجملة شرح القول في هذه المسئلة موكول الي شرح شيخنا و استادنا جعلني الله فداه لرسالة الملا محسن في العلم فان ما ذكره اطال الله بقاه شاف واف للاحياء و المرضي و اما الاموات فما انت بمسمع من في القبور و مع هذا نقول ان علم الله بالاشياء قبل كونها كعلمه بها بعد كونها و لا منافاة في المقامين و بيان وجه عدم المنافاة و شرحه يحتاج الي ذكر مقدمات طويلة و لايسعني الآن بيانه لما في قلبي من الملل و الكسل ( الكسل و الملل خل ) .
قال ايده الله تعالي : و الثانية مسئلة شرب الغليان من عمومات الوجوه اكتفيت علي احدها و هي ان التتن من الاشياء المرة الحنظلية قطعا و كلها انكرت ولاية ائمتنا عليهم السلم و انا اعرض عنه من هذه الجهة و لااحكم بالحرمة مثل بعض الاخباريين و لا علي الوجوب مثل بعض المجتهدين اجركم علي الله .
اقول اعلم ان كلما برز في الوجود مما هو تحت مقام العصمة لما عرضت عليهم ولاية ائمتنا صلي الله عليهم ظهر فيهم اقرار من جهة و انكار من جهة اخري و لايخلو شيء من غير المعصومين عليهم السلم عنهما الا ان حكم الاقرار و الانكار مختلف بالذاتية و العرضية و الظاهرية [ص 27] و الباطنية و الحقيقية و المجازية و الدوام و الاستمرار و الزوال و الانقطاع و الاضمحلال اي الاستقرار و الاستيداع فكل شيء بقدر اقراره لولاية اهل البيت عليهم السلم ترتبت عليه المنافع و المحاسن و بقدر انكاره ترتبت عليه المضار فان غلب مضاره علي منافعه يحرمه الله سبحانه من جهة المضرة اي في تلك الجهة خاصة لا مطلقا الاتري ان شرب السم حرام اما استعماله من دونه ما لمتترتب عليه المضرة ليس بحرام فان لمتغلب مضاره علي منافعه و ان كان فيه من نوع مقتضيات الانكار كمرارة الطعم او قبح الرايحة فلاتقتضي الحكمة تحريمه اذ هذه الدنيا ليست بدار الخلوص عن الشوايب و اهلها كنفسها فلايلايم طباعهم الاشياء الخالصة بل لا بد فيه من نوع شوب ليتم النضج و لذا تدور الظلمة علي النور و النور علي الظلمة نعم اذا صفت الدنيا باهلها فهناك تصفو الاغذية و الاحوال الواردة علي الاشياء فاذا كان كك فلاتدل مرارة طعم شيء علي تحرٖيمه او كراهته اذ قد يكون هذا الطعم من جهة الانكار العرضي الغَيْر الذاتي و يكون باطن ذلك الشيء طيّبا طاهراً مستلزما للمنافع الكثيرة التي اقوي من مضاره التي هي مقتضيات انكاره العرضي فلايتعادل فضلا عن الرّجحان حتي يستلزم الحرمة او الكراهة الاتري ماء زمزم فيه مرارة و كذا البئار الواقعة في الكوفة و كربلا علي مشرفهما آلاف السلام و اغلب العقاقير التي يداون بها الاطباء كلّها مرّة كالقاسني ( الهندباء ) و الصّبر و بعض الحناظل مع انها ليست بمحرّمة و لا مكروهة الا اذ استلزمت المضرّة الكلية فتكون حرمتها اذن خاصة لا عامة و لمّا كانت تلك [ص 28] المضار المورثة لهدم البنية الغالبة لمقتضي الاقرار امور غيبية لايعلمها الّا اللّه سبحانه و من اشهده الله خلق السّموات و الارض وجب علي اللّه سبحانه البيان فحيث لميبيّن علمنا ان ليس فيه تلك المضرة الغالبة و تكون ( يكون ) حال تلك العقاقير المرّة كحال الشّيعي العاصي ظاهرا الطيب الطاهر باطنا و لذا وردت الاخبار ان الاصل في الاشياۤء الحلّية و الطّهارة الّا الامور المخصوصة التي غلبت مضارّها علي منافعها و هو قوله عز و جل و يسئلونك عن الخمر و الميسر قل فيهما اثم كبير و منافع للناس و اثمهُما اكبر من نفعهما و هذه قاعدة كلية اجراها سبحانه لاهلها في الاحكام الكثٖيرة و علي هذا فلاينهض ما ذكرتم للحجّية اذ لو كان هذا هو سبب الاجتناب فعليكم ان تجتنبوا من مياه الآبار و تتبرؤا من مياه الكوفة و تحبّوا ماء الدّجلة و ماء بلخ و قد دلّت الاخبار علي ان نهر الدجلة و نهر البلخ كافران و نهر الفرات و نهر النٖيل مؤمنان و الكوفة روضة من رياض الجنّة و كذا كربلا علي مشرفهما الثناء و التّحية و تحقيق المقال و شرح حقيقة الحال يحتاج الي بَسْط طويل في المقال لانه من اسرار الخليقة الا ان العاقل تكفيه الاشارة و قولكم لااحكم بالحرمة كالاخباريين فٖيه انه ليس كلهم يحرّمون و لا اغلبهم و المحرمون شرذمة منهم قد تمسّكوا باخبار عامّية لاتقاوم الاجماع القائم علي الاباحة و لايصلح لتخصٖيص خلق لكم ما في الارض جميعا و كل شيء لكم مطلق حتي يرد فٖيه نهي ، و امثال ذلك و بالجملة فالّذي اخترتم هو الصّواب لكن لا للدّلٖيل الذي ذكرتم بل لاجل امُور كثٖيرة اخر لايناسب المقام لقول [ص 29] مولينا الصّادق عليه السلم لا كلّما يعلم يقال و لا كلما يقال حان وقته و لا كلما حان وقته حضر اهله ، و السلام علي تابع الهدي و خشي عواقب الرّدي و صلي اللّه علي محمّد و آله الطاهرين .