رسالة في جواب مفتي بغداد عن شرح آيتين في القسامة و الرضاع
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني مولانا المرحوم
الحاج سيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي اللّه مقامه
[ص 2] بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين
الحمد للّه رب العالمين و الصلوة و السلم علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه علي اعدائهم اجمعين .
فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان ...
قال سلمه اللّه تعالي : حضرة مولانا فخر السادة القادة و القائم مقام الوصي في عالمي الغيب و الشهادة ذكر العلامة الثاني السعد التفتازاني في حواشيه علي الكشاف و الشهاب الخفاجي في حواشيه علي البيضاوي ان قوله تعالي يا ايها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر احدكم الموت حين الوصية الخ الآية ، اشكل آية في القرآن باجماع العلماء من كل وجه و ذكر الشهاب ان العلماء قد الفوا فيها رسائل عديدة و لميأتوا بشيء ثم ذكر فيها ما خطر بباله و اني اراه في ذلك كامثاله فالمرجو من حضرة كشاف المعضلات و مفاتح غيب المشكلات ان يحرر عليها بعض ما يخطر في ذهنه الشريف و تشرف بذلك هذا العبد الضعيف ، ثم مولاي قد ذكر الامام السيوطي في مقاماته المسماة بالدائر الفلكي علي ابن الكركي ان الحنفية استدلوا علي دعويهم ان الرضعة الواحدة بشرطها محرمة في باب النكاح و خالفهم في ذلك الشافعية فاشترطوا خمس رضعات و استدل الاولون بقوله تعالي في بيان عدد المحرمات و امهاتكم اللاتي ارضعنكم و تعقب ذلك بعض الآخرين بان الآية مفيدة لخمس رضعات و لو كان نظمها و اللاتي ارضعنكم امهاتكم لماافادت الا رضعة واحدة و لميبين الفرق بين النظمين مع ادعاء انه لو شاء لالف فيه خمس رسائل و ذكر ان علماء عصره و فضلاء مصره عجزوا عن صرف النظر عن الجواب و الفقير قد سألت جمعا من العلماء عن تبيين ذلك فلميسلك احد منهم في هاتيك المسالك و الي الماء يسعي الظمآن و بآل بيت النبوة يهتدي الحيران ،
[ص 3]سقط الطير حيث يلتقط الحب و يغشي منازل الكرماء
فمنوا بما افتخر به بين الاقران و احلّي به تفسيري .
اقول هذه الآية الشريفة كما امر جنابك العالي في غاية الصعوبة اعرابا و نظما و حكما و هي كما ذكر جنابك عن الفاضلين المذكورين مضافا الي ما ذكره النيشابوري في تفسيره و نقل عن المفسرين انها في غاية الصعوبة و روي عن الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب ان هذه الآية اعضل ما في هذه السورة من الاحكام و علة الاشكال عدم انطباقها علي القواعد المقررة فاشكل عليهم الامر بذلك فاختلفوا حسب متفاهمهم لبيان وجه الانطباق فاختلفوا في قرائتها و اعرابها و نظمها و معناه و مؤداها و احكامها و الي رد (كذا) بيان وجه اختلافهم و جهاته و ما يرد عليه من النقض و الابرام و النقص و الاتمام و المناقشات في وجوه النظر و الاستدلال لطال بنا الكلام مع اني في ذلك في هذا المقام كناقل التمر الي هجر و سايق الماء الي الفرات فان اقوالهم في مرآت ضميره الشريف منتقشة و اختلال كلماتهم عند ذلك النظر الصائب معلوم و خطائهم و صوابهم عند فكره الثاقب مفهوم و قد امتثلت الامر في رسم بعض الكلمات علي هذه الآية الشريفة مع اني لست من هذه السفن التي يسار بها في هذا البحر المتراكم و الطمطام المتلاطم و التيار المتعاظم الا ان المأمور معذور فان جاء علي طبق المراد فهو منه و اليه و الا فمن قصور باعي و قلة اطلاعي نسئل اللّه حسن التوفيق و الاهتداء الي سواء الطريق و ها نحن نبين ما في هذه الآية الشريفة من الدلالة علي المعاني المحكمة المتقنة و ما وقع عليه الحكم و العمل في زمن الرسول صلي اللّه عليه و آله و سلم فان دل دليل من الكتاب المجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي اللّه عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وجب الرجوع [ص 4] الي ذلك الدليل القطعي او الظني المعتبر و من لميتبين له لعدم الدليل لديه او لعدم دلالته عنده فينكر و قد كتب سيدنا الكاظم رواية عن ابيه الي هرون الرشيد لما سئله عن كتابة كلام له فروع و اصول و يكون سماعه عن ابيعبداللّه ان امور الاديان امران امر فيه اختلاف و امر ليس فيه اختلاف فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي (ص) لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله ضاق لمنتحل تلك الحجة الرد اليه و التسليم له و ما لميثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي اللّه عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له فما ثبت لك برهانه اصطفيته و ما خفي عليك بيانه نفيته هذا من التوحيد و ما دونه الي ارش الخدش فما فوقه ، و هو لعمري كلام مقبول عند جميع الامة معمول به عند جميع المسلمين بل عليه عمل كافة المليين فنقول ان اللّه سبحانه عليه الهداية و البيان و لايجوز ان يدع الخلق في ظلمة عمياء و لا في بهمة بكماء بل يجب عليه سبحانه ان يبين لهم و يرشدهم الي ما به قوام معاشهم و معاشهم (كذا) و قال عز من قائل و ماكان اللّه ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون فقد هدي الخلق و له الحمد و الشكر بكتابه المنزل علي نبيه المرسل (ص) الي جميع احكامهم و حلالهم و حرامهم فقال عز من قائل مافرطنا في الكتاب من شيء و قال ان علينا للهدي و علي اللّه قصد السبيل و امثالها و لما كانت جزئيات الاحكام من الحلال و الحرام غير متناهية و غير محصورة جعل سبحانه لهم اصولا و قواعد كلية تجمع جزئياتها تحتها و تندرج فيها بحيث كلما اراد جزئيا من تلك الجزئيات نظرا الي بيته و مأويه من [ص 5] تلك الكليات و ضم اليها صغري سهلة الحصول من الشكل الاول فيستخرجه منها و هي قوله تعالي و اوحي ربك الي النحل اي منتحل العلم ان اتخذي من الجبال بيوتا اي من عالم الشهادة قواعد كلية و اصولا حقيقية و من الشجر اي من عالم الغيب لكثرة تطورها و شعبها الناشية من الاصل الواحد الذي هو النفس او العقل ثم كلي من كل الثمرات و هي الجزئيات المستخرجة من تلك الكليات و تلك هي الكليات و القواعد التي يستنبط منها المجتهد المستوضح جزئياتها المندرجة تحتها ثم ربما يتفق ان بعض تلك الجزئيات و الافراد خارجة عن حكم ذلك الكلي بسابق علمه سبحانه و ليس للخلق قابلية ادراك اخراجها و العمل بخلاف حكم ما دل عليه الحكم الكلي فلو لميبينها سبحانه لهم برسول (كذا) الكريم و نبيه المقدم صلي اللّه عليه و سلم او بكتابه المجيد الحميد الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد لكان مغريا بالباطل و مبهما للحكم الذي عليه بيانه علي الوجه المجمل او المفصل و هو عليه سبحانه محال بنص الآيات المحكمات و الادلة الواضحات و لما بين علي الوجه الكلي ان محل الامانة و موضع الشهادة العادل و الفاسق لايقبل قوله و لايؤتمن الا بعد التبيّن و التثبت كما افصح عليه قوله تعالي ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا علي ما فعلتم نادمين و قد تقبل شهادة الكافر الذي هو الفاسق في عدة آيات في بعض المواضع و الموارد فقد خرج هذا الجزئي و الفرد من ذلك الكلي و الاصلي اراد اللّه سبحانه بيانه و ايضاح برهانه فخاطب سبحانه امة الاجابة بقوله الحق يا ايها الذين آمنوا و هم اهل اجابة النبي (ص) الذين آمنوا به في الخلق الاول و الثاني في الذر الاول و الثاني و الثالث في العوالم الالف الف انما قلنا لاهل الاجابة لان الامة اثنان امة الدعوة و هم الذين دعاهم النبي [ص 6] صلي اللّه عليه و سلم الي الايمان بادلة الثلثة بالحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن و هم كل الخلق في جميع العوالم فانه مبعوث علي العالمين كما قال عز من قائل تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و اما اهل الاجابة فهم الذين اجابوا و لبوا و آمنوا فخاطبهم و قال لهم شهادة بينكم بالرفع و الاضافة كما هو الاشهر و قرأ الشعبي بالتنوين و الحسن بالنصب و التنوين و هي و وجوهها كلها معلوم سعادتكم مما ذكروها في كتبهم و زبرهم مما بين ايديكم و الشهادة هو المؤدات عند الحاكم او الحضور كما في قوله تعالي و ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين او بمعني اليمين كما في ذيل الآية الشريفة لشهادتنا احق من شهادتهما و المعني الاول هو الاوفق بقوله تعالي اثنان و بقوله ذوا عدل و مغالب (كذا) الاطلاقات القرآنية بحيث ينصرف اليه الاطلاق عند الاطلاق و غيره يحتاج الي القرينة في المقام و المراد شهادة ما بينكم عند حصول التنازع و التشاجر اثنان و هي مصدر بمعني الفاعل اي الشاهد بينكم اذا احتجتم اليه اثنان و انما عبر عنه بالمصدر لبيان انه هو الاصل في اشتقاق اسم الفاعل و المفعول و هما فرعان منه ضرورة ان المشتق فرع للمبدء و لكن الشاهد من الشهادة بالمعني الاول ينافيه مجمل ما ذكروا في سبب نزول الآية من ان ابي مادية (كذا) المسلم اوصي الي تميم و عدي النصرانيين ان يوصلا ماله او ورثته (كذا) فاذا كانا هما الوصيان فمن الشاهدان الا ان يقال انهما ماكانا وصيين لكنهما شاهدان علي الوصي الذي عينه المتوفي و شاهدان علي المال الذي للميت اذا انكر الورثة او الوصي بعد ان قضاه و لما كان هذا الفرد الخارج من تلك الكلية ليس علي اطلاقه و انما هو مقيد بشروط اراد سبحانه ذكر تلك الشروط و القيود اتماما للحجة و اكمالا للنعمة فقال عز من قائل [ص 7] اذا حضر احدكم الموت حين الوصية اذا ظرف للشهادة و لايصح ان يكون متعلقا بالوصية لما ذكروا (كذا) فلانعيد و حين الوصية بدل منه و المراد حضور الموت باسبابه لا بذاته و الا لميبق للوصية اثر لقطع الحيوة و رفع الحرارة الغريزية اذا حضر الموت بذاته فكيف يوصي و سببه (ظ) شدة المرض و اختلال القوي و ظن توقعه بقرائن اخر و لعل وجود الطبايع الاربع مختلة النظام غير معتدل الاركان بحيث يغلب بعضها علي بعض من اسبابه الا ان في هذا الفرد الخاص لايراد به الاسباب البعيدة بل المراد الاسباب القريبة التي يظن معها حضوره بنفسه و مفارقته للدنيا و الحضور هذا هو الظهور و هو علي احد القسمين اما بذاته او باحواله و آثاره و علله و معداته و ذلك معلوم ثم لما ذكر سبحانه الشهود حين الوصية و ثبوت الشهادة اراد ان يذكر العدد و ان الشهادة تكفي في كم واحد هل هي مثل غير هذا الفرد ام قسم آخر فقال عز من قائل اثنان ذوا عدل منكم اي عدد الشهود حين حضور الموت و حين الوصية اثنان كغير تلك الحالة اذا كان اهل العدالة علي التفاسير المختلفة بين الامة و ضمير كم في منكم كاحدكم و بينكم يرجع الي المؤمنين لانهم المخاطبون دون غيرهم و صرفه الي غيرهم او بعضهم او واحد منهم بغير دليل ممنوع غير مسلم و المجاز خلاف الاصل و استبعاد ان الكافر لاتقبل شهادته ليس في محله اذا دل الدليل و عدم القبول علي هذا الوجه الخاص لايخلو من المصادرة مع ان رسول اللّه (ص) قبل شهادته (كذا) النصرانيين في الوصية اجماعا و لكم في رسول اللّه اسوة حسنة و قد فعل ابوموسي الاشعري و فعله يوافق القرآن و فعل الرسول عليه السلام و بالجملة فيقول قول الكافر قد حصل فان كان هناك دليل علي النسخ او انه انما فعل لقلة المسلمين في صدر الاسلام لان هذا هو الحكم الي يوم القيمة فموجه [ص 8] و قول متجه و الترجيح الي ذلك النظر الصائب و الفكر الثاقب و قال بعضهم ان الضمير المجرور في منكم يرجع الي الاقارب و قد وصل الي النظر العالي فرأيكم اصوب و الي الرشد اقرب و ما ذكره في اشهاد ذوي عدل ثابتة في جميع موارد الشهادة ثم اراد سبحانه ذكر موضع الحاجة و المقصود من ذكر الآية فقال عز من قائل او آخران من غيركم و او تفصيلية لا تخييرية اي ان لمتجدوا حين الموت ذوي عدل منكم فليكن آخران من غيركم و ظاهر غير المؤمنين و ان كان يشمل الكفار كلها كتابيا كان ام غيرهم من ساير الملل و الاديان الا انه يخرج منه كل من لايخلق (كذا) باللّه سبحانه او باسمائه من الذين لايعتقدونه كاصناف الدهرية و الثنوية و الزنادقة و عبدة الكواكب و الاوثان و اما ما سويهم و ان كانوا داخلين و لكنه يحتمل خروج غير الكتابي لندرة غيرهم و للاجماع المركب و الخلاف حاصل ثم ذكر سبحانه شرطا آخر و هو الثاني لاخراج هذا الفرد فقال عز من قائل ان انتم ضربتم في الارض الضرب في الارض تقسمها و تخصصها بالسعي فيها بالخطوات اما بنفسه او بمركوبه و المراد به السفر و كثيرا ما يعبر في الكلام الشريف عن السفر بالضرب في الارض و لما كان ما ذكره سبحانه سابقا بقوله اذا حضر احدكم الموت من اي ( اي من ظ ) اسبابه و آثاره اعم من الاسباب البعيدة و القريبة و الاولي غير مخرجة لهذا الفرد قطعا اراد سبحانه تعينه و تشخصه و تبين الاسباب القريبة التي يظن معها فراق الدنيا و الارتحال الي الاخري فقال عز من قائل فاصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان باللّه ان ارتبتم لانشتري به ثمنا و لو كان ذا قربي و لانكتم شهادة اللّه انا اذا لمن الآثمين و هو الشرط الاخير و بيانه بالاجماع ان الميت لايخلو اما ان يكون ورثته حضور كبار او غيب [ص 9] او صغار و علي الثاني اما ان يكون لهم ولي يقوم مقامهم اما بالوكالة او القيومية ام لا فان كان الثاني فالقاضي هو الولي عليهم و علي التقادير كلها لايخلو اما ان يكون الوارث او الوكيل او الولي او الحاكم الشرع الذي هو القاضي المنصوب من قبل ولي الامر مصدقين للشهود الكتابين (كذا) القاطعين بصحة ما يقولون و يشهدون ام لا بل يتهمونهما بخيانة او جناية فان كان الاول فلا كلام فيعملون بمقتضي ما يقولان كما هو صريح الآية الشريفة لمفهوم الشرط الحجة عند اكثر العلماء و ان كان الثاني فالحكم كما قال تعالي تحبسونهما من بعد الصلوة اي بعد صلوة الظهر كما عن بعض او العصر كما عن آخر او بعد الفريضة مطلقا كما هو ظاهر الاطلاق او بعد صلوة اهل الكتاب في اديانهم اما وقوفهما بعد الصلوة و هو المعبر عنه بالحبس فلأن الصلوة خير موضوع جامعة لجميع جوازب ( جوانب . ظ ) الخيرات من عمل الاركان و اللسان و القلب فعندها تنزل الرحمة و تستجاب الدعوة و تؤثر اليمين و كل صلوة يكون افضل ظهور الآثار معها اكثر و لذا اختلفوا فيها جمع عدم قيد فيها يوجب ذلك و الذي قال صلوة اديانهم نظر الي ما يعتقدون من نزول العقوبة عليهم ان كانوا كاذبين و كيف كان يجب حبسهما اي وقوفهما الي بعد الصلوة فيستحلفهما الحاكم باللّه او باسمائه و صفاته الغالبة لانشتري به اي بالقسم باللّه سبحانه ثمنا اي لا معوضة بعوض من اعواض الدنيا او بعوض من اعراضها فان المشتري يعوض البايع بالثمن و لو كان ذا قربي فان الميل اليهم اكثر اي لانكذب في يميننا و لو كان لاجل ذا قربي كما قال تعالي شهداء للّه و لو علي انفسكم ، و لانكتم شهادة اللّه و قرء بالتنوين في الشهادة و بالمد في اللّه نظرا الي انه قسم قد حذف حرفه و عوض همزة الاستفهام بدله و بغير المد ايضا بالحذف دون العوض و [ص 10] بالاضافة و المعني في الاولين ظاهر و اما الثالث فلانكتم و لاتستخفي الشهادة التي هي للّه و هو الذي امر بها و له قيامها و ادائها فالاضافة لامية و التقريب ما ذكرنا فاذا كتمنا الشهادة انا اذا لمن الآثمين اي عند كتمان الشهادة و عدم ادائها عن وجهها كما يراد بما يراد لما يراد و لما كان الكافر لايؤمن عليه الخيانة و المكر و الخديعة و اكل الحرام لاسيما مال المسلم جعل اللّه سبحانه لولي الميت من الوارث مخرجا اذا علم منهما الخيانة و لايكتفي منهما باليمين الاول كما في المسلم في مثل هذا المقام فذكر سبحانه المخرج لتحصيل حق الميت منهما فقال عز من قائل فان عثر علي انهما استحقا اثما بخيانتهم و اكلهما من مال المسلم فآخران يقومان مقامهما مبتدء لخبر محذوف اي فالشاهدان آخران يقومان مقامهما بعد الصلوة للحلف و القسم و لما كان الآخران مبهما محتملا لما لايمكن دخوله شرعا و عقلا صرح بهما سبحانه و عينهما بقوله جل شانه من الذين استحق عليهم بالبناء للمفعول قيل اي من الذين خين (ظ) عليهم و هم اهل الميت و عشيرته و قيل اي المال و انما وصف بولي الميت بذلك لانه قد اخذ مالهم و كل من اخذ مال غيره فقد حاول ان يكون مستعليا علي تعلقه بمالكه اي استحق ذلك مستعليا علي مالكه و ليس باهل الاستعلاء و لما كانت هذه الفقرة و ان كان فيها نوع ابهام و اجمال لشمولها علي اهل الميت و عشيرته مطلقا و لكنها ليست مصرحة كمال التصريح و اراد سبحانه تأكيد اولي الارحام بعضهم اولي ببعض فشرح سبحانه و بين و اوضح و افصح عن حقيقة المراد من الذين استحق عليهم هما الاوليان و هو خبر اي الاقربان الي الميت المختصان بالارث الحاجبان لكل من سويهما فان كان مستحقوا الميراث اكثر من اثنين يختارون اثنين اذا علموا يقينا ان المال مالهم و انهما قد خانا في اخذ مالهم و اذا حضر [ص 11] الاوليان عند الحاكم الشرعي فيقسمان باللّه لشهادتنا احق من شهادتهما و مااعتدينا انا اذا لمن الظالمين اي يقسمان باللّه انا مااطلعنا عليه و شهدنا انه حق و اولي من شهادتهما اي يمينهما او خبرهما و هذه صورة تفضيل و الا فلا حق لهما باعتقاد الاولين حتي يكونا احق اذ لو كان لهما حق لماجاز الاخذ منهما فان الحق الشرعي لايقبل التشكيك في محل واحد و انما اختار سبحانه مادة الحق لكون المقام مقام استيفاء الحق علي الوجه المخصوص الاتري الصيغ الجارية في المقام من لفظة استحقا و استحق و احق و لما ذكر النصرانيان في حلفهما انهما اذا كتما الحق و المال المستشهد له بهما كانا من الآثمين فبظهور الخيانة استحقا الاثم الذي هما اثبتاه لانفسهما و الظالم هو الذي يضع الشيء في غير موضعه و اهل الكتاب لكونهم اهل الجزية قد عصمت اموالهم و دماؤهم و فروجهم و دخلوا في الذمة فكان اخذ مالهم من غير استحقاق ظلما و اما هم فلايعتقدون في المسلم ذلك بل انما يتوجه الاثم عليهم لكذبهم و افترائهم و لذا عبر سبحانه عن قول الكتابيين انهما اذا خالفا و كتما كانا من الآثمين و عن المسلمين انهما اذا خالفا كانا من الظالمين هذا مختصر المقال في رفع الاشكال عن هذه الآية الشريفة اعرابا و نظما و حكما بالتلويح و الاشارة لا بتصريح العبارة لأن كلامي مع من يشق الشعر بغامض علمه متع اللّه المسلمين ببقائه بالنبي و آله و خلفائه صلي اللّه عليهم و اما باقي الامة فظاهر و اما باطنها و تأويلها و باطن تأويلها و ظاهر ظاهرها فلايسع المجال و علي اللّه الاعتصام في المبدء و المال .
[ص 12] و اما الفرق بين النظمين اي نظام و امهاتكم اللاتي ارضعنكم مع نظم و اللاتي ارضعنكم امهاتكم فان النظم الاول يفيد ان الرضاع الناشي للحرمة لايكون الا في خمس رضعات و الثاني يفيد انه رضعة واحدة فالذي يخطر بالبال العليل الكليل مع كمال التبلبل و الاختلال ان المجهول اذا ثبت لموضوع كان الموضوع ذلك المحمول مطلقا سواء كان الاثبات شرعا او لغة او عقلا او عرفا فاذا قيل مثلا الذي يداوي المريض طبيب علمنا انه هو الذي يداوي و لو مرة واحدة لأن هذا الاسم حاصل لكل من له الفعل مطلقا و اذا قيل اللاتي ارضعنكم امهاتكم علمنا ان الاسم اسم لمن ارضعت و لو مرة واحدة كان ناشرا للحرمة لأن الموضوع هو المحمول عندهم فكانت بالرضعة الواحدة امّا تجري عليها احكامها اذا (كذا) بالموضوع موصوفا و حمل عليه امرا آخر فالصفة لاتتحقق الموضوع الموصوف الا بعد صدق الموضوع اما في العقل او في الشرع او في اللغة او في العرف فان كان الموضوع سمي باسم من جهة الفعل فلايطلق في العرف موصوفا بذلك الفعل بمجرد صدوره عنه دفعة واحدة بل لا بد من صدوره دفعات متعددة حتي يستحق ذلك الاسم في العرف فاذا قيل الطبيب الذي يداوي المريض كذا امره و كذا حاله فلايطلق عليه اذا داوي مرة واحدة طبيبا فقوله تعالي و امهاتكم اللاتي ارضعنكم فالجملة توصيفية لا حملية خبرية فلا بد من تحقق الموضوع فلا ريب ان الام من جهة الرضاع ليست امّا حقيقية عقلية و لا لغوية و انما هي عرفية يرتب عليها الشارع احكام الام النسبية الحقيقية فلاتسمي في العرف بمجرد الرضعة الواحدة امّا قطعا كما لايسمي البقال و التمار من جهة الاسم ببيع التمر و البقل مرة واحدة و لا المكاري و الملاح اذا كاري دابته دفعة واحدة قطعا فلو قال و اللاتي ارضعنكم من غير ذكر الامهات مطلقا كان يفيد المرة الواحدة انطباقا و اما الامهات اللاتي ارضعنكم فلا بد من تكرار الرضعات [ص 13] حتي يطلق عليها في العرف امّا تترتب عليها احكام الرضاع فالنظمان احدهما يفيد التكرار و الآخر لايفيد و اما ان النظم الثاني لايفيد الا رضعة واحدة فبمحل من المنع لأن ذلك خلاف المعهود لاطلاق الرضاع و هو يشمل المرة كما هو ظاهر العبارة و لا احد من فقهاء الاسلام من ادعي الحصر بالرضعة الواحدة دون الزايد حتي يتكلف له ما ذكر نعم الحنفية اكتفوا في جانب الاقل بالرضعة الواحدة و اما في الاكثر فلا حد له و كذلك الشافعية حددوا الاقل في خمس رضعات و لا حد للاكثر و اما هذا الالتزام فلا موجب له في دلالة اللفظ و لا في الفتوي فان الحنفية استدلوا باطلاق ارضعنكم علي الرضعة الواحدة و ما زاد و ذلك واضح معلوم نعم الصيغة علي الوجه المذكور يفيد الوحدة و الفرق بينهما حينئذ واضح ظاهر و اما خصوص الخمسة من الآية الشريفة فغير ظاهر الا بتكلف عقلي و ملاحظة امر حقيقي و هي ان المنشأ في الرضاع لايكون الا بتأثير من اللبن حتي يكون داعيا لنشر الحرمة و التأثير في الوجود بحيث يكون منشأ حقيقة لايكون الا بتمام العناصر الاربعة و حصول الهيئة الاعتدالية التي هي الطبيعة الخامسة و هي الخمسة فهي اقل ما يحصل به النشر لحادث من الحوادث فاذا كان اقل من الخمسة لايحصل التأثير و النشر فلايكون منشأ للحرمة فأقل ما يوجب التأثير خمس مرات و هذا تكلف و تعسف نعم لو امر الشارع بخصوص الخمسة لكان هذا الوجه صالحا و الا فللحنفية ان يقولوا ان در اللبن لايكون الا بتمام الطبايع الاربع و حصول الطبيعة الخامسه فتكفي الرضعة الواحدة و الشافعية ان يقولوا ان المراد ليس في تكوين اللبن و دره بل المراد حصول التأثير في الولد علي النظم الطبيعي و بالجملة مقصودنا الفرق بين النظمين و اما ما سوي ذلك فموكول الي معرفة من يتوقف فتواه مهام المسلمين شيد اللّه به الدين و جعله كعبة لأهل الحب و اليقين ، و قد كتب هذه الكلمات في جلسة واحدة مع كمال الاختلال و اغتشاش الاحوال و تراكم الاشغال و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته .
( جديد شهريور ١٣٩٥ )