ثم اني اقول ان ما تنوله السنتهم و تقوله افواههم من ان باب العلم كان مفتوحا في زمن الحضور للمشافهين الحاضرين و لما حصلت الغيبة انسد باب العلم و انفتح باب الظن لست ادري ما يريدون من متعلق العلم و الظن بل هو ( هل هو خل ) العلم بالاحكام الواقعية الاولية التي نقيضه ( تقتضي خل ) كينونة الاولي العليا ام العلم بالاحكام الثانوية التي نقيضه الكينونة الثانية فان كان الاول اي العلم بالاحكام الواقعية الاولية فذلك الباب قد انسد لما اهبط ( هبط خل ) الادم (ع) و الحوا الي الارض و قتل قابيل هابيل و وقعت الفتنة و ظهر الفساد و شاعت المعاصي و برز القبايح و حصل الخلط باللطخ بين [ص 41] الطينتين و فقد التميز من البين فسد الله سبحانه باب العلم بها اذ لمتكن المصلحة في ابرازها و اظهارها الا نادرا و لذا وقع النسخ في الشرايع و ظهر الاختلاف في الاحكام و تغير امر الحلال و الحرام فصار الشيء حلالا في وقت بالنسبة الي شخص او اشخاص ثم انقلب و صار حراما و هكذا ساير الامور و الاوضاع كلها يجري علي هذا المنوال فاذا حكم النبي او الامام صلي الله عليهما بحكم لميحصل القطع بان هذا هو ثابت لميتغير و لميتبدل نعم كان عندهم القطع بان هذا هو حكم الله في حقهم فاذا تغير و اختلف كانوا يعدلون من حق الي حق و من خير الي خير و من حكم الله تعالي الي حكم الله تعالي فان كان مرادهم بسد باب العلم بالاحكام الشرعية الاولية هذا فذلك الباب ماانفتحت ابدا في هذه الدنيا و تبقي مسدودة الي ان يظهر القائم من آلمحمد عليه و عليهم السلام لامور يطول الكلام بذكرها و قد شرحناها و فصلناها في ساير رسائلنا و مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل و ان كان مرادهم بالاحكام الثانوية فهي ماانسدت منذ فتحت و لايسدها ايضا الا مولانا و سيدنا الامام المنتظر عجل الله فرجه و جعلني الله فداه و عليه و علي آبائه افضل التحية و السلام مع انهم يقولون انا نعمل بالقطع و اليقين ( اليقين علي ان هذا هو حكم الله في حقي فاذا حصل لهم العلم و اليقين خل ) فاي شيء انسد عليهم الا ان يقولوا ان هذا ليس بحكم الله تعالي لانه تعالي مااراد لعباده و ان الامام عليه السلام لو كان متمكنا بالمشاهدة ماكان يرضي لهم بهذا الحكم و انه ليس بعالم بذلك الحكم المخصوص او ليس بقادر [ص 42] علي الرد و المنع او انه غضب عليهم او انه تركهم سدي مهملين ما دامت الغيبة و هم نظروا الي الكتاب و السنة مع كمال الاضطراب اما الكتاب فانه لفظ و لايحصل القطع الا بنفي عشرة مقدمات كلها ظنية اي نفيها ( نفسها خل ) ظني كاصل عدم المجاز و عدم التخصيص و عدم النقل و عدم الاشتراك و هكذا امثالها و مع ذلك مشتمل علي وجوه و معاني كثيرة و بطون و تأويلات و اشارات و تلويحات و تصريحات و كنايات و استعارات و تشبيهات و فحوي الخطاب و لحن الخطاب و دليل الخطاب و الخطاب من قبيل اياك اعني و اسمعي يا جارة و غيرها من امثالها فاني يحصل العلم مع هذا الامور بان المراد ليس الا هذا حتي ذهب جماعة من اهل العلم الي ان القرآن ليس بحجة و كله متشابه يتوقف علمه علي بيان الامام المعصوم عليه السلام و اما الاحاديث ففيها هذه الوجوه و زيادة السند و الطرق الموصلة الي الامام عليه السلام و الاحتمالات الجارية عليه من كذب و وضع و دس و فسق و لمنعلم و امثال ذلك مما سطروه في مبحث حجية الظن و مبحث الاجتهاد و التقليد و لانطول الكلام بذكرها .
ثم انهم لما رأوا ان الاجماع قام علي بقاء التكليف و رأوا ان العلم بالمكلف به مع غيبة الامام عليه السلام و شيوع هذه الاضطرابات و الاختلالات ( الاختلافات خل ) في الكتاب و السنة حتي ان كل فرقة يتمسك بهما في حقية مذهبهم لايحصل فالتكليف به و الحال هذه تكليف بما لايطاق و سقوط التكليف بالمرة مخالف لاجماع المسلمين و مستلزم للخروج من الدين فالتجاؤا الي المرجحات الظنية فاذا قوي الظن و لميجدوا ( فلايجدوا خل ) اقوي منه و وقفوا عنده و قالوا ان هذا غاية [ص 43] الوسع فوجب ان لايريد الله سبحانه منا ازيد من هذا فحتموا علي الله بالقبول فامضي الله حتمهم مع عدم رضاه به و عدم جريه لهم في الحقيقة و انما صار هذا حكمهم من باب اكل الجيفة عند الاضطرار فالحكم في الواقعي الاولي الثانوي ( و الثانوي خل ) خطاء محض و باطل صرف الا انه سبحانه اجري لهم ذلك حيث كان غاية ادراكهم و مبلغ علمهم و ردوا ( و رووا خل ) في ذلك رواية رواها عمرو بن العاص ( عن النبي ص خل ) لتصحيح اجتهاد الخلفاء و حرب معاوية مع اميرالمؤمنين عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و آله ان المجتهد اذا اصاب فله اجران و ان اخطأ فله اجر واحد فيكون حاصل الكلام في الحكمين ان الحكم الواقعي هو الذي يدركه عند مواجهة الامام عليه السلام مواجهة ظاهرية او ما دل عليه الدليل القطعي و ان كان مختلفا متغيرا متعددا و الحكم الثانوي الظاهري هو الحكم الذي يحصله المجتهد بظنه بعد استفراغ وسعه و هو ليس حكم الامام عليه السلام الا من باب الرضا الجاء حيث لميجد ملجأ الي غير هذا بحيث لو تمكن من اعلامهم لماكان هذا حكمهم و انما كان ذلك من باب الالجاء و الضرورة و هذا القول لايصح علي اصول الامامية و لايجتمع مع مذهب الاثنيعشرية لانه انما يصح اذا قلنا بان الامام عليه السلام لميتصرف في زمن الغيبة و الخلق ليس لهم راع يرعيهم و لا سائس يسيسهم فوجوده في ايصال الاحكام الشرعية و عدمه سواء فان الامر فيها موكول الي ظنونهم الكاذبة و ارائهم الفاسدة و احلامهم الكاسدة فلا فرق علي هذا القول من الشيعة ( بين الشيعة خل ) و العامة في تجويزهم خلو [ص 44] الارض من حجة فان الفريقين مستغنيين عنه عليه السلام في الاحكام الشرعية و ان كان الله ببركته يقيم هذا الخلق عن الاضمحلال و الدثور و اما الاحكام الشرعية فلا و قد سمعت من بعض من يدعي انه من اكابر المجتهدين و الناس كانوا يصدقونه في دعواه و هو علي المنبر في مجلس الدرس سمعته سمعت باذني و الا صمتا يقول لولا الاحكام الشرعية مااحتجنا الي نبي و لا امام لان ( فان خل ) العقليات لايجوز فيها التقليد و الكون بقيمة ( تقيمه خل ) الله تعالي و لايحتاج الي احد نعم في الشرعيات حيث ان العقول لاتصل الي دقائقها احتجنا الي الامام عليه السلام و هو ايضا من ( ممن خل ) يقول بسد باب العلم و فتح باب الظن المطلق فعلي مذهبه لا فرق بين الشيعة و العامة في جواز خلو الارض من الحجة فان الحجة للاظهار و البيان و الا فاي فائدة فيه و اني لعمري متحير في جواب ترهاتهم و الكلام علي شبهاتهم فالسكوت اولي و الاعراض احسن و قد بينا سابقا وجوب ( في وجوب خل ) تصرف الامام عليه السلام و انه هو الناظر في رعيته و الحامي لهم عن الزيادة ( علي الزيادة خل ) و النقصان و عن الوقوع في الحيرة و الاختلاف و الحافظ لهذا ( حافظ هذا خل ) الدين عن ( من خل ) تحريف الغالين و انتحال المبطلين و لايعجزه عن الهداية شيء و لايعيقه عن الارشاد واحد ( احد خل ) و هو الحجة البالغة و قد قال تعالي لما نصب اميرالمؤمنين عليه السلام للخلافة و ابان امره للناس اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا الآية فاذا كان الكفار قد يئسوا من ديننا بنصب امام حافظ و ولي ناصح فلايضرنا ح الاختلافات الواقعة في الكتاب و السنة من الامور التي ذكروها فانهما من دون حافظ مبين لايكفيان لقد كذب من قال حسبنا كتاب الله و كذب ايضا من قال حسبنا الكتاب و السنة عن الامام ( عن الائمة خل ) الماضين سلام الله عليهم [ص 45] فلانحتاج الي الامام الحي الحاضر للارشاد و التبيين بل الكتاب و العترة مقرونان لنيفترقا حتي يردا علي الحوض فيؤل اتصال الي اتصال و يظهر كل منهما علي الحقيقة علي احسن الاحوال فاذا كان الكتاب و العترة لايفترقان و يجب وجود الامام عليه السلام فلانبالي بدس الداسين و وضع المفترين و تحريف المبطلين ( المفترين خل ) و تغيير الظالمين و ان الامام عليه السلام يرد عن الزيادة و النقصان و يبين الصلاح من الفساد و يعرف الحق من الضلال و يصفي كلام آبائه و حكمه عن شبهات اهل الجدال و قد نص الله سبحانه عليه في كتابه بقوله و ماارسلنا من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم و في بعض الروايات ماارسلنا من رسول و لا نبي و لا محدث الا اذا تمني الآية ، و المحدث هو الامام عليه السلام يقينا و تمني بمعني قرء و القاء الشيطان الاحتمالات الباطلة و التغيرات الحاصلة و نسخها ابطالها بنصب القرائن و ايضاح الدلائل بالحجة علي الخلق و الحافظ لهذا الدين و هو المعصوم عليه السلام فاذن كلما ذكروا من الامور المانعة عن العلم انما تجري اذا لميوجد الامام ( عليه السلام خل ) القادر العالم او انه لميتصرف فاذا وجد و تصرف كما سمعت منا و من الفاضلين اللذين ذكرت كلامهما و ما اوردنا من الروايات المستفيضة بل المتواترة و ان ذلك مقتضي حكمة الحكيم و بلاغ الحجة و اكمال الدين و اتمام النعمة فهو (ع) يبينها و يوضحها و يوصل الينا صافية نقية و يهدي الكل الي حكمه اللائق به و علي مقتضي كينونته [ص 46] و حقيقته فالكل علي البصيرة و اليقين في حكم الله تعالي الا منهم من حيث يشعر و منهم من حيث لايشعر و علي الله قصد السبيل .
فظهر لك من هذا البيان التام ان التقرير في هذا الزمان هو العمدة في استنباط الحلال و الحرام و استيضاح الاحكام من امناء ملك العلام و انه يجري لكل فقيه مستوضح بطرق الاستيضاح بصير بمواقع جهات الاستنباط في الاجماع و الاختلاف و في كل حال هو المحفوظ بعين الله التي لاينام ( لاتنام خل ) و المستمد بركنه الذي لايرام و ما ربك بغافل عما يعملون و الاخباري ان ادعي العلم علي وفق ما ذكرنا و شرحنا فقد اصاب الحق و نطق بالصواب و الا فقد خبط ( فقد خطأ خل ) خبط عشواء و المجتهد ان انكر ما ذكرناه فما الذي يبقي له من الطريق الالهي في وجه الاستنباط الا ان الكل اذا سلكوا سبيل ربهم ذللا يمدون و يوقفون علي ما هو تكليفهم من عند الله بالرعي ( بالراعي خل ) الذي استرعاه الله امر غنمه فان شاء فرق بينها لتسلم و ان شاء جمع بينها لتسلم و الكل بمرئي منه و مسمع و هو صلوات الله عليه صاحب المرئي و المسمع فهم في العمل ( العلم خل ) مصيبون احكامهم الظاهرية و ان اخطأوا في العلم و لذا تريهم يخالفون قواعدهم في كثير من المواضع و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال و فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية و قد احببت ان ابسط الكلام في هذا المقام و لكني في وقت قد مد الجور باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فلبوه من كل جانب و مكان فلايستطيعون صبرا علي الحق الصريح و البيان التام الصحيح فاكتفيت بالاشارة لاهلها فاشرت الي نمط الاستدلال و اوضحت السبيل و دللت علي [ص 47] ما كان مختفيا علي اصحاب القال و القيل و علي الله قصد السبيل و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
و فيما ذكرنا كفاية لكل عاقل منصف و اما الجاهل المتعسف فلايكفيه البيان و ان كان مع الف برهان و قد ذكرت ما كان مخفيا علي اغلب الناس و لميحم حولهما معرفته ( حولها معرفة خل ) الا الخواص فافهم راشدا و اشرب صافيا .
قال سلمه الله تعالي : و هو عليه السلام ان غاب عن الناس شخصه لميغب عنهم علمه و آدابه في قلوب شيعته مثبتة و بتقصير الناس سد باب العلم علي الخواص مغاير للطف ( لللطف خل ) ام لا و كيف تكون طريقه ( طريقته خل ) المبتنية علي الظن بحيث يختلف و تتكرر ( يتكرر خل ) قضية واحدة شخصية منها بانظار متكررة الصراط المستقيم غير ذي عوج مع انه لايتصور خط المستقيم من الواحدي التشخصي ( الشخص خل ) الي الواحد الحقيقي غير واحد و قال الله تعالي اعبدوا الله مخلصا له الدين و الاخلاص تمحيض العبادة و لايمكن الاخلاص من غير ( علي غير خل ) اليقين و المعرفة و العلم بامر المعبود و العمل متفرع علي العلم .
اقول اما قوله سلمه الله تعالي : ان غاب عن الناس شخصه عليه السلام الي آخره ( آخر كلامه خل ) فكلام متين و جوهر ثمين يليق ان يكتب بالنور علي وجنات الحور و قد شرحت فيما تقدم في المسئلة الاولي حقيقة الامر و ماابقيت لذي مقال مقالا نعم بنوره عليه السلام معرفتنا و ادراكنا و هدايتنا و استبصارنا فلولاه و لو ( لولا خل ) تسديده (ع) لكنا من الهالكين و قول القائل وجوده لطف و تصرفه لطف آخر و عدمه منا ليس بصحيح لان وجودهم لاينفك عنه فهم (ع) الا ان التصرف علي انحاء و اطوار اشرنا الي بعضها فيما تقدم فراجع ، قوله و بتقصير الناس الي آخره ، فاعلم ان الله تبارك [ص 48] ( و تعالي خل ) يقول و اتقوا فتنة لاتصيبن الذي ظلموا منكم خاصة و هذا التعميم لمن هو راض بفعل الظالم لا مطلقا و اما غير الظالم المخلص في الولاء فلايعمه ابدا كيف و قد اخبر الامام عليه السلام ان لنا مع كل ولي اذن سامعة و قال عليه السلام ما من عبد احبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل مسئلة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسئلة و قال الحجة عليه السلام انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء ، فلايمنعون الطالب عن مطلبه و لايترددون ( و لايذودون خل ) الوارد عن مورده فلايتفاوت الحال بالنسبة اليهم في تدبير رعيتهم في الغيبة و الحضور و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام اين يتاه بكم و فيكم عترة نبيكم ام اين تذهبون و رايات الحق واضحة و اعلام الهداية منصوبة فالعلم لايخرج عن مقره و لايتعدي عن اهله و اللطف لمن طلبه و اراده عام غير ممنوع و قوله كيف يكون طريقته المبتنية علي الظن الي آخره ، اعلم ان الاختلاف في الحكم الثانوي ( الثانوي دون الحكم الاولي فانه لايسع فيه الاختلاف و هو في الحكم الثانوي خل ) ثابت محتوم و ليس مناطه الظن كما زعموا بل الاختلاف سنة سنوها عليهم السلام ما دام دولة الباطل كما قالوا عليهم السلام نحن اوقعنا الخلاف بينكم و راعيكم الذي استرعاه الله تعالي امر غنمه اعلم بمصالح غنمه ان شاء فرق بينها لتسلم و ان شاء جمع بينهما لتسلم ، فاذا كان المناط ما ذكرناه فلا بد من الاختلاف فاذن هو الصراط المستقيم غير ذي عوج و الاتفاق و الحال هذه هو الطريق المعوج فان الحكيم وضع كل شيء في موضعه نعم ليس [ص 49] هو الحكم الواقعي الاولي و انما هو حكم ( الحكم خل ) الثانوي و لذا تري الذين يزعمون حصول العلم في الاحكام مختلفين غاية الاختلاف و لو اردنا احصائها لطال بنا الكلام و هذا الاختلاف ليس بمذموم في الشرع بل الاختلاف المذموم هو الاختلاف مع العمد و العناد نعوذ بالله كما قال عز و جل فمااختلفوا الا من بعد ما جائهم العلم بغيا بينهم ففي الحقيقة سبيل الاختلافات بين علمائنا في الاحكام الشرعية الفرعية سبيل جداول المنشعبة عن عين واحد و الكل يجري من تلك ( ذلك خل ) العين و ليس فيه قصور و لا باس فليس كل اختلاف ينافي استقامة الصراط انظر الي قوله عز و جل فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و هذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يعقلون و قال تعالي اعبدوا الله مخلصا له الدين الي آخره هذا الاعتراض لايرد ( لميرد خل ) عليهم لانهم لايعملون بالظن ابتداءا حتي يصح ( حتي لايصح خل ) الامتثال و لايتحقق العبادة و انما يعملون به بعد ما قام الدليل القاطع بان الله سبحانه اراد منكم ذلك فيكون العمل ح علي العلم و اليقين دون الظن و التخمين الاتري انه بعد ما قامت الادلة علي اعتبار قبول قول العدلين في الشهادة فيكفي به و ان لميحصل العلم بل و لا الظن ايضا و كذلك يحكم علي الشيء بالطهارة عند عدم القطع و العلم و ان حصل الظن بالنجاسة فلايقال ح انا نعمل بالموهوم حيث ان الطهارة موهومة و النجاسة مظنونة فرجحنا الوهم علي الظن و ذلك عند الفضلاء ( العقلاء خل ) [ص 50] كافة لان العمل ليس علي الوهم و الظن و انما هو علي ما دل الدليل بان كل شيء نظيف حتي تعلم انه قذر و امثال ذلك في الشريعة كثيرة جدا و الجواب الجواب فاذا تم دليلهم الذين ( الذي خل ) يزعمون انه الدليل الرابع في اثبات حجية الظن و ثبت ان ذلك هو الذي يريد الله سبحانه منهم تمت دعويهم فلايرد عليهم انهم زكوا العمل بالقطع و عملوا بالظن بل يكون عملهم ايضا علي القطع فيصح اخلاصهم في العبادة و تمحيض الطاعة لان المطاع اذا رضي بالظن فلا كلام فان كان اعتراض فانما هو علي اصل الدليل و تماميته و اعتباره لا علي انهم يعملون بالظن و جميع الآيات و الروايات الناهية عن العمل بالظن غير واردة عليهم فانهم علي قطع و بصيرة و هم يقولون بموجبها و يعملون بمضمونها و قد صدر هذا الاعتراض عن كثير من الاخباريين غفلة منهم عن حقيقة الامر .
قال سلمه الله تعالي : و ان جاز في عدل الله تكليف العباد بظنونهم في الشرعيات و صاروا بذلك معذورين ( معذورين في عدل الله خل ) في الخطاء بعد الاجتهادات فلم لميجز في عدله الاكتفاء بالظن في الاعتقادات و ان نصب الدليل القطعي في الاصول فلم لمينصبه ( لمينصب خل ) في الفروع من منقول او معقول مع ان الامر يمكن ( ممكن خل ) ان يتعلق به قدرة الله سبحانه ان ارادوا نسبة قبح التعبد بالخطاء و الاختلاف و الفساد و منافاته لغرض تكليف العباد سواء اليه اصولا و فروعا مع انه عليه السلام قال الايمان كله عمل و ان صار اختلاف الدليل و تفاوت الانظار علة لاعذار المخطي في الفروع فهذا موجود في المخطي في الاصول و هناك الاختلافات و تصادم الادلة موجودة فكيف يخص مخطي الاصول بالتقصير دون مخطي الفروع و قال عليه السلام فاما ( و اما خل ) الهالكون فحائر حار معتمدا و مجتهد اخطأ و هل تقبل العبادة مع ريب و تردد بينوا توجروا .
[ص 51] اقول لايجوز في عدل الله و حكمته تكليف عباده بالظنون مطلقا اصولا و فروعا فان الظن لايغني من الحق شيئا و الظن لايصح معه التوجه و الاقبال و لا العمل و الامتثال لان جهة المخالف و ان كان ضعيفة تمنعه عن الاستقرار و الثبات المقصود في العبادة و هذا لا اشكال فيه و لميكلف الله سبحانه عبدا بشيء الا و نصب له الدليل القاطع لئلايكون علي حيرة و تردد الا ان الاصول لما كانت ادلتها واضحة ظاهرة يعرفها كل ( كلها خل ) من نظر اليها اذا لميكن مسبوقا بشبهة اكتفي بها و الفروع لما كانت شعبتها و جهاتها و احوالها و صفات احوال المكلفين و ذواتهم صعبة الوصول عزيزة المنال و هي منوطة علي تلك الصفات و تتغير بتغيراتها و كانت معرفتها لايتيسر لكل احد و مبني الدين علي السهولة و اليسر لا علي الصعوبة و العسر جعل الله سبحانه و له الحمد و الشكر بلطف حكمته و نافذ مشيته للخلق امينا عالما عارفا بمواقع تلك الاحكام و مطلعا علي مبادي الحلال و الحرام و ناظرا الي تلك الصفات و شاهدا علي ارتباطاتها في اطوارها بالذوات و مؤيدا من عنده تعالي بالنفس اللاهوتية و الملكة الالهية معصوما مطهرا عن جميع الصفات الردية و الاخلاق الغير المرضية و امر الخلق باتباعه فهو الدليل القاطع و البرهان الساطع لجميع الاحكام الشرعية الفرعية التكليفية ثم ندب الخلق اليه و امرهم بالطاعة له بقوله الحق ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا فوجب علي الخلق ان يأخذوا احكامهم و حلالهم و حرامهم من ذلك الدليل الجليل و يقلدوه في كل ما يقول و لا بد ان لايكون الارض خالية منه و [ص 52] من بدله و من مثله و الا لكان الله سبحانه معرفا ( مغريا خل ) بالباطل و في ذلك فساد النظام و انهدام الاكوان و الاعيان و ذلك الدليل اما ظاهر مشهور او خائف مغمور مستور و ( و هو خل ) علي كل الاحوال يدل علي سبيل الحق و الصواب و يهدي الي طريق النور و الرشاد و لاتنقطع موارد العلم و لاتنمحي الحكم و الله سبحانه يقول انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون و قد فصلت هذه المسئلة فيما سبق فراجع .
فالفرق بين الاصول و الفروع ليس بجواز الاكتفاء بالظن و عدمه كما سبق الي بعض الاوهام و انما الفرق بجواز التقليد و عدمه و جواز الاختلاف و عدمه فان الفروع يجوز فيه تقليد النبي و الامام عليه السلام في كل ما يقول من غير سؤال دليل زائد بخلاف الاصول فانه لايكفي فيه التقليد اذ لايسع لاحد ان يقول ان الله واحد لان النبي (ص) قال هكذا او ان الله ليس بجسم لان الامام (ع) قال هكذا بل لا بد من برهان و ميزان و شرح ذلك و بيان اسبابه يطول به الكلام بخلاف احكام التكليفية فانهم في سعة منها و يكفي منهم بان يقولوا انما صلينا لان النبي (ص) امرنا و هكذا في باقي الاحوال و يجب ان يكونوا في الجميع علي بصيرة و يقين ان اليقين في الفروع بدليل اجمالي و في الاصول بدليل تفصيلي ( الاصول بتفصيلي خل ) الا ان الفروع يجوز فيها الاكتفاء بالظن دون الاصول فان هذا الكلام لايصدر عن محصل فضلا عن عالم محقق الا ان اهل الاصول الذين فتحوا باب الظن لهم ان يدفعوا عن انفسهم هذا الاعراض ( الاعتراض خل ) بانا في جميع الاحكام الفرعية علي قطع و يقين و نعلم ان هذا هو حكم الله في حقنا لكن هذا الظن من [ص 53] الاسباب التي تستنبط ( يستنبط خل ) منها الحكم الشرعي كشهادة العدلين فانها سبب جعله الشارع لاداء الحقوق و الحكم في المقامين ( المقابلين خل ) واحد فلولا امر الشارع مااكتفينا بمحض الشهادة الي ان يثبت و يتحقق العلم و كذلك في حكم الطهارة و النجاسة و الحلية و الحرمة و تصرفات المسلم و اخبار ذي اليد و كون الولد للفراش و امثالها كلها يكتفي بمجرد الظن بل الشك بل الوهم بخلاف مسايل الاصول الدينية فانها لايكتفي فيها بامثال هذه المذكورات و كذلك حكم العقل القاطع بجواز العمل بالظن في الفروع فهو ح عالم في الاحكام الفرعية من غير فرق بينها و بين الاصولية لان ( الا ان خل ) الشارع اعتبر الظن في الفروع دون الاصول و امثال هذه الاعتراضات لاترد عليه نعم يجري الكلام في الملتهم في اثبات هذا الظن و ان الامام عليه السلام هو الذي امرهم بالعمل علي هذه الظنون كما امر في احكام الشهادة و الطهارة و النجاسة و الحلية و الحرمة فان اتوا ببرهان قاطع ساد لجميع الاحتمالات تم لهم الامر فلايعترض عليهم بمثل ما ذكر و غيره و الا فهو في البطلان غني عن اقامة البرهان فان الظن من سبل الشيطان و اما المخطي في الفروع فليس خطاؤه في الحكم الظاهري التكليفي الذي يجب ان يعمل في هذا الوقت و انما خطائه في الحكم الواقعي الاولي و ذلك لايضر اذا اصاب بدله و لا بد من ان يصيب بتسديد الامام عليه السلام الدليل و هذا لايقال انه اخطأ ( خطاء خل ) و ان صح ذلك بالنسبة الي الاولي فهذا مثاب مأجور قد جري عليه الحكم في الورقة السفلي من اللوح المحفوظ لان زمان التقية لايسع فيه الاتفاق قطعا فكيف يكون الاختلاف حكم الله الواقعي الاولي و اذا كان الاختلاف بامر الامام عليه السلام و حكمه فيكون ذلك حكم الله الثانوي [ص 54] فالمجتهد المستوضح ان سلك سبيل ذللا ( سبيل ذلك خل ) و لميخرج عن الاصول قررها الشارع عليه السلام له فلا بد ان يصيب حكمه الظاهري الثانوي فاذا اصاب لماذا يعاقب بل انما يثاب و يوجر و اما اذا اجتهد علي خلاف وجه ( وجهه خل ) الذي امره الامام عليه السلام و خلاف الاصول التي قررها له فذلك الذي ورد في حقه ان اصبت لمتوجر و ان اخطأت عاقبك الله و هو المجتهد المذكور في الحديث الذي في السؤال فاما الهالكون فحائر حار معتمدا و مجتهد اخطأ و اما اذا اجتهد علي القواعد التي قررت و اصلت عنهم عليهم السلام كما قالوا علينا ان نلقي اليكم الاصول و عليكم ان تفرعوا فذلك لايخطي حكمه الثانوي الظاهري لانه ح محفوظ بعين الله التي لاتنام و مكلوءا بحفظ الله الذي لايرام فسبيل هذه الاحكام في زمان ( زمن خل ) الغيبة و اختلاف المجتهدين فيها سبيل احكام التقية في زمان الحضور و اختلاف الاصحاب و الروايات فيها حرفا بحرف كما قررنا سابقا و قلنا ان هذا ليس تصويبا باطلا كما زعمه فرقة من العامة العمياء و اما المخطي في الاصول فلايخطي الا اذا خالف ما نصبه الله تعالي من الادلة كالفروع حرفا بحرف فلا شك انه لايعذر في الفروع اذا خالف فافهم و خذ صريح الحق و لاتذهب يمينا و شمالا فتكون من الهالكين و اما العبادة فاذا وقعت مع ريب و تردد فلا شك انها باطلة ترد علي صاحبها و هذا لا اشكال فيه .
قال سلمه الله ( تعالي خل ) في السؤال ( السؤال الثاني خل ) لا خلاف بين الامامية في اشتراط العصمة في الخليفة و انحصار طريق العلم في نص المعصوم (ع) و كذلك لا خلاف عندهم في وجوب العلل و الاعراض ( الاغراض خل ) بفعل الله تعالي سبحانه و [ص 55] اشتراطهم اعتبار العصمة اما ليس لغرض فهو نقص لمذهبهم و ان كان هو فهو يحفظ دين الله القويم ام لا و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الارض لاتخلو الا و فيها امام كيما ان زاد المؤمنون شيئا ردهم و ان نقصوا شيئا اتمه لهم و قال عليه السلام ان لنا في كل خلف عدولا ينفون عن ديننا تحريف الغالين و انتحال المبطلين ، و الله تعالي اراد حفظ الدين الكامل و اكمله و اتم نعمته كرامة لرسول الله صلي الله عليه و آله و الرسول (ص) جاهد في اظهاره و الائمة عليهم السلام قتلوا و غابوا لاظهار الدين و القائم عجل الله فرجه يتصرف و يحفظه مع هذه المقدمات كون الدين غير محفوظ بحيث لايحصل العلم للمكلف بتكاليفه هل هو نقص للدين الكامل ام لا و ان كان الدين كاملا بحقيقته من غير ان يكون بابا للمكلفين لتحصيل العلم بتكاليف الله تعالي فاتمت النعمة عليهم و الظن بالتكاليف كيف جري في هذه الامة المرحومة دون الامم الماضية مع ان الله سبحانه و تعالي اكمل دين نبيه الخاتم صلي الله عليه و آله و سلم .
اقول المقدمات المذكورة كلها مسلمة لا شك فيها و لا ريب يعتريها و الامام عليه السلام حاضر موجود بين ظهراني الخلق يسددهم و يحفظهم و يتصرف فيهم كيف شاء الله و اراد و لايدع الخلق في ظلمة بهماء و لا في ظلمة عمياء بل يدلهم علي السبيل و يوضح لهم الدليل و يردعهم عن الباطل و يوصلهم الي الحق علي ما قررنا سابقا فاذا لا سبيل للظن و الشك و الوهم فانما هو العلم فان الله عز و جل يقول اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و لا شك ان اكمال [ص 56] الدين ينافي عدم ايصالهم الي اليقين و حصول هذا اليقين انما يكون بتقرير الامام عليه السلام و عدم ردعه كما فصلنا سابقا فلانعيدها لاحقا اذ ليس دونه كلام و انقطع عنده كل نقض و ابرام و علي من يفهم الكلام السلام .
قال سلمه الله : و هل يكون القواعد الاصولية كلها مسلمة عندكم او بعضها مردودة و صرحوا بالقواعد المردودة و اذكروا اساميها بالاجمال و اخاف من تطويل السؤال الظني ( لظني خل ) ان في هذه الايام لايكون لكم الفراغ و المجال .
اقول القواعد الاصولية المعروفة مشتبهة غثها بثمينها و خفيفها بوزينها و لو اردنا ان نبين و نميز لطال زمام الكلام بل يحتاج الي تصنيف كتاب كبير الحجم فنذكر لكم اسماء القواعد المقبولة عليها بناء علمنا من دون التفصيل و التبيين و اثبات القال و القيل و هي محكمات الكتاب و السنة و الاجماع المحقق العام و الخاص و المركب و السكوتي ان ثبت و الضروريات و المنقول عن المحقق العام و المشهوري دون المنقول عن المركب و المحقق الخاص و السكوتي و اما الضروريات فلا نقل فيها و الاستصحاب و اصالة البرائة و اصالة الاباحة و الشهرة بشروطها و العقل المعتضد بالنقل او بالاجماع و ملاحظة القرائن التي هي من تسديد حافظ الشريعة علي ما يجب بما يجب و تفصيل الامر يطلب من ساير رسائلنا و اجوبتنا للمسائل في هذا العلم و لولا خوفي ان تقولوا جن او ارتد لاخبرتكم بامور عجيبة غريبة يقصر دونها الاحلام و يحسر عن ادراكها الافهام و لكن قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما كل ما يعلم العالم يقدر ان يفسره فان من العلوم ما تحتمل و منها ما لاتحتمل [ص 57] و من الناس من يحتمل و منهم من لايحتمل و الا ان فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية و الله الموفق للصواب . ( تمت الرسالة التسديدية بعون الله الملك الوهاب خل ) .
[ص 58]