رسالة في تحقيق الحق في امهات المسائل الاصولية
في جواب الميرزا شفيع المازندراني
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم اللّه الرّحمن الرّحٖيم و هو حسبي و نعم الوكيل
الحمد للّه ربّ العالمٖين و صلّي اللّه علي محمّد و آله الطاهرين .
اما بَعْد فاعلم هداك اللّه انّك اذا اردت ان تعرف شيئا بالمعرفة التامة الحقٖيقية لاتنظر فيه الي الاقوال المختلفة و الآراۤء المتباينة فان تباين الاقوال دليل عدم ظهور حقٖيقة الحال لايقال قد يكُون ذلك لتباين جهات الشيء الواحد الراجعة الي الواحد في المآل لانا نقول نعم لكن بشرط عدم تكذٖيب هذا ذاك في الاستدلال و عدم تخطئته في المقال و ان كان يرجع الي النزاع اللفظي في اغلب الاحوال لكنهم لايشعرون بالحال لتوغلهم في القيل و القال و البحث و الجدال و الاَصْل في ذلك وقوفهم في مقام المجادلة بالّتي هي احسن الّذي هو مقام ظهور الكثرات و الاختلافات و وجود العوارض و المشخّصات فلايمكن للواقف في هذا المقام ان يري الشيء الواحد في المشخّصات الكثٖيرة كما هو حال الواقف في مقام القلب الّذي هو مقام المعاني المجردة عن الصّور الشخصيّة الصالحة لها و المتقيّدة بها و اختلاف اقوال هؤلاۤء يؤدي الي الامر الواحد الغير المختلف لانهم ينظرون الي جهات الشيء و يحكمون عليه بها ثم الي الجهة الاخري المباينة و المضادة فيحكمون عليه بها و في الحقٖيقة ليس الا الواحد فيري الجاهل بالامر و يظن الاختلاف و التعارض الموجب للطرح عند الوقوف علي الامرين او الامور و من هنا اختلفت اقوال العترة الطاهرة عليهم سلام اللّه ما دامت الدنيا و الآخرة و قالوا نحن اخلفنا بين الشيعة الواقفٖين في مقام المجادلة فانه اسلم لانهم [ص 3] مايعرفون الحقيقة لو خوطبُوا بها و لايقدرون علي الجهة الواحدة فينكرُون و الا فاهل الحقٖيقة من اهل دلٖيل الحكمة و الموعظة الحسنة لايرون الاختلاف ابداً و هو قول مولينا امٖيرالمؤمنين عليه السلم العلم نقطة كثرها الجاهلون ، و قال تعالي في امر القرآن لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فٖيه اختلافا كثٖيرا فانت اذا حاولت ادراك شيء فان كان مما يتعلق بالامور العقلية فطريقها ما ذكرنا مراراً عَديْدة و ان كان مما يتعلق بالامور النقلية فان كان في معرفة كلام الله و كلام المعصومين عليهم السلم فانظر فيه بعين بصيرتك معرضا عن الالتفات الي القاعدة المأخوذة عن غيرهم عليهم السلم و عما تأنس به نفسك و عن العناد و التعصب و الجحود و تفهم بعقلك المستنير بنور الله و عما يقتضيه حكم الكون و الوجود بما عرفته من احاديث آل الرسول عليهم السلم بالعيان و الشهود فتري كلاما واحدا غير مختلف اذ ما من كلام صدر عنهم عليهم السلم الا و فيه قرينة دالة علي المقصود من النفي و الاثبات ان قلت ان ذلك يلزم الدور قلت لايلزم ذلك لان الاخبار يفسر ( يصير خل ) بعضها بعضا و يشرح بعضها الآخر الا ان ادراك ذلك يحتاج الي لطف قريحة و حسن سريرة يعرف معاريض الكلام و يعرف لحن القول كما قالوا عليهم السلم انا لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يلحن له و هو يعرف ( له و يعرف خل ) اللحن و قوله عليه السلم انتم افقه الناس ما عرفتم معني كلامنا و قوله عليه السلم ما معناه انا لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يكون محدثا و المحدث المفهم انتهي ، فاذا كنت ( كان خل ) بهذه المثابة فاسلك سبيل ربك ذللا [ص 4] يخرج من بطن اشاراتك و عباراتك شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس و هدي و رحمة لقوم يؤمنون و الا فاياك و السلوك في الطريق المظلم من غير مصباح آل الرسول صلي الله عليهم و الخوض في تلك اللجة الغامرة من غير سفينة تنجيك و سباحة ( سياحة خل ) تغنيك فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و ان علمتم فقولوا و الا فها .
فاذا عرفت ما ذكرنا و وعيت ما القينا عليك فاعلم انا نذكر في هذا الكتاب المستطاب ابواب الفقه بعون الله الملك الوهاب و نستخرج الاحكام التكليفية الالهية الشرعية عن الادلة الالهية الشرعية علي ما نطق به الكتاب و احاديث اهل فصل الخطاب و كلما يرجع اليهما من الاصول و القواعد و نعرض عن كل شيء لايستند اليهما و لاينطبق عليهما و نعمل بظواهر الكتاب و السنة و ان لميفد القطع الجازم المطابق للواقع الاولي و ان يفد القطع الثانوي المطابق لنفس الامر فان الله سبحانه يقول ان بعض الظن اثم فالبعض الآخر ليس باثم و الا لكان التقييد لغوا مع انه سبحانه في مقام الارشاد و هداية العباد علي جهة العموم و الاحتمال المرجوح لايعارضه فان جاز العمل بالبعض الآخر فهو المطلوب و الا لكان اثما لايقال ان ذلك هو الدور المستحيل لانه اثبات ظن بظن آخر لانا نقول انه مقترن بالادلة القطعية من دليل الحكمة و الموعظة الحسنة و الاجماع من كل العقلاء من ارباب الملل و النحل اذ لمير و لميسمع من احد من امة محمد صلي الله عليه و آله و من غيرهم انهم تركوا و اعرضوا عما جاء به الانبياء بعد زمانهم مع انه قد جرت بذلك عادة الانبياء [ص 5] و الرسل و الاوصياء و الخلفاء و الرواة و المحدثين و العلماء و الفقهاء في تبليغ الاحكام و ايصال جزئيات الشرايع الي اطراف البلاد فضلا عن القري و الباد ( البواد خل ) مضافا الي ارسال المكاتبات و ابلاغ الصحف و الآيات بل يستحيل عادة نشر الشرايع كلياتها في الاوايل و جزئياتها في التوالي الا بذلك و لاينبغي ان يشك فيه عاقل و مارأينا الي الآن ان ( ان احدا خل ) حصل له الظن الراجح بالحق من كلام المعصوم عليه السلم و كلام الله تعالي و يكون خلافه مرجوحا عنده و لاتسكن نفسه لديه و لميكن لظنه معارض اقوي و لا مساو و مع ذلك يترك العمل بذلك الخبر او الآية و يعمل بخلافه و دعوي العلم العادي قول باللسان من غير تصديق في الجنان ( بالجنان خل ) و اقوالهم و عباراتهم و اعمالهم تكذبهم ( يكذبهم خل ) و قد حقق هذا في محله و المراد هنا الاشارة الي ذلك و المنكر للخبر الواحد ينكر الخبر الذي لايكون له قراين الصحة ابدا حتي ان الشيخ ادعي الاجماع علي العمل بالخبر الصحيح الذي يكون رواته ثقات عدول و هو كما تري فاذن تبطل كل ظن ماقام الدليل القاطع علي صحة العمل به و لايكون مستندا الي الكتاب و السنة لان احكام الله توقيفية لا مدخل للعقول ( للعقل خل ) الضعيفة فيها و ما هذا شأنه تكون ادلتها ايضا توقيفية فان الدليل ينتج منه المطلوب و هو تابع له فاذا استقل العقل في الدليل يستقل في المطلوب ايضا للتلازم الحقيقي و استحالة الانفكاك فثبتت ( فتثبت خل ) توقيفية الادلة و القول بعدم الفرق بين ظن و ظن ( ظن ظن خل ) غلط و ان قطعنا النظر عن الاجماع الذي لايرده الا المكابر فان ظنك و المنسوب ( ظنك المنسوب خل ) الي الشارع متصل به و مستند [ص 6] اليه و ان كان علي جهة الظن فهو اذن الشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء فانت اذن محسن و ما علي المحسنين من سبيل اذا اخطأوا و الا فالمحسن حاله ( حال خل ) الاصابة له الحسني و زيادة قال الله تعالي للذين احسنوا الحسني و زيادة و اما الظن الثاني ( اما الثاني خل ) الغير المستند منقطع منسوب الي نفسك فهو اذن الشجرة الخبيثة المجتثة التي ما لها من قرار و منع عموم الاجماع و اختصاصه بالكتاب و الاخبار المتواترة غلط ايضا كحصر حجية الاخبار بما في الكتب الاربعة لما ذكرنا آنفا فان المتواتر ليس الا القليل الذي لايفي بعشر من احكام الدين بل لاتثبت به مسئلة واحدة بجميع جهاتها كما لايخفي علي المتتبع المتصفح ( المتفحص خل ) فليس المعمول ( المعول خل ) الا علي غيره من الآحاد بالضرورة و دعوي تواتر ما في الكتب الاربعة ضرورية ( ضرورة خل ) البطلان و كذا حصر الحجية بما فيها اذ كثيرا ما يستدلون بما ليس فيها و لانريهم ( لاتريهم خل ) يتوقفون في العمل بما يحصل به الظن و لميكن في الكتب الاربعة ما يعارضه او اقوي منه و هذا ظاهر معلوم ان شاء الله تعالي .
و اما الاجماع الضروري بقسميه فلا اشكال في حجيته و كذا الاجماع المركب ان علم حصر قول المعصوم عليه السلم في احدهما و لميكن هناك ترجيح في التعيين و الا فان كان الترجيح ظنيا فيرجع اليه غير مدع للاجماع و ان كان قطعيا فليس بمركب بل هو بسيط محصل و ان لميحصل له القطع بالحصر و حصل له دليل اقوي يصير اليه و ان كان قولا ثالثا كما وقع في كثير من كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم و اما الاجماع المحصل الخاص او العام فلا شك في حجيته لقطعه [ص 7] بدخول قول المعصوم عليه السلم و ان خالفه مخالف و ان كان يدعي الاجماع فان راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه اعلم بمصالح غنمه فان شاء فرق بينها لتسلم و ان شاء جمع بينها لتسلم و تفصيل القول في ذلك في رسالة الاستاد ادام الله ظلاله علي رؤس العباد و اما الاجماع المنقول بالخبر المتواتر فلا شك في حجيته و اما المنقول بالخبر الواحد فان لميعارضه ما هو اقوي منه فهو حجة ايضا ( ايضا و خل ) لكونه بمنزلة الخبر الصحيح ان كان الناقل ثقة عدلا و الفرق بينه و بين الخبر تحكم و مكابرة الا ان المستوضح ينبغي له التأمل التام في تحقيق هذا الاجماع و اما الاجماع السكوتي فهو حجة ايضا و هو ان يفتي الفقيه بحكم و سكت عنه الباقون و لميتكلموا فيه بنفي و لا باثبات ( اثبات خل ) بوجه من الوجوه فيما يعلم و يستفرغ وسعه في الطلب و لميعثر علي القايل به او النافي له لانه ان سكت عنه الفقهاء فهل سكت عنه الامام عليه السلم الذي بين ظهرانيكم ام لا فان لميسكت عنه و هو يريد خلافه يجب نصب القرينة علي الخلاف و الا فاما ان يريده او يكون مغريا بالباطل او ان الدين لميكمل و الاول هو المطلوب و الثاني خلاف ما بعث الامام عليه السلم لاجله و الثالث خلاف قوله تعالي اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي فان سكت عنه الامام عليه السلم ايضا فما الوجه في ذلك اذ السكوت عن شيء لايخلو اما ان يكون للجهل به او للغفلة عنه او للخوف و التقية عن المخالف او للاتكال علي الغير للبيان و هو لميبين و كل ذلك لايصح علي الامام لانه عالم لايجهل و ذاكر لاينسي و متوجه لايغفل و القول [ص 8] باصالة الجهل في الامام عليه السلم دليل اصالة الجهل و عدم رفعه و جريان حكم الاستصحاب في القايل و اما الخوف و التقية فلا معني له بعد الغيبة و ايقاع الاختلاف كما حقق في محله و اما الاتكال علي الغير فلايصح ايضا لانه حجة الله علي الخلق فلايتكل في اجراء الاحكام الالهية علي الغير و كذا القول في ساير الاحتمالات البعيدة و الحاصل ان القطع حاصل بان الامام يقدر ان يوقف المستوضح المستنبط علي رشده و صوابه و تكليفه و تكليف تابعيه و المانع من قبله عليه السلم مرتفع و اما من جهة القصور فهو عليه السلم اجل من ذلك و اما من قبل المكلفين فبعد ايقاع الاختلاف و اجراء الحكمين الواقعي ان امكن و الظاهري ان لميمكن حسب حال المكلفين انقطع الكلام فلا فله عليه السلم لكل ولي اذن سامعة و هو الناظر و الشاهد علي الخلق و المطلع علي الضماير و بما في السراير و مقتضيات الاحوال و موجبات الاعمال ( الاحوال خل ) فالكل بين يديه يتصرف فيه ( بينه خل ) كما امر الله تعالي فالمقر المجتهد المستوضح يعطيه حقه من حكم الاجابة و الاقرار بالايصال الي ما هو الصواب الاولي او الثانوي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و المنكر المنافق المعرض يعطيه حقه من حكم الانكار و الاعراض بالايصال الي اسفل درك من الجحيم كل ميسر لما خلق له و كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا لانه عليه السلم وجه الله في الخلق و ظاهره و عينه و اذنه و لسانه و باب فيضه فلايغفل عن رعاياه و غنمه و قد دلت عليه الروايات الكثيرة المقبولة و قد ذكرناها في محله فاذا سكت [ص 9] الامام عليه السلم بعدم نصب قرينة صارفة من رواية او دليل عقل قاطع او اجماع او احتمال مساو و امثال ذلك فقد اقر المستوضح علي ذلك قطعا و القول بان العمومات الناهية عن القول لغير ( بغير خل ) العلم يدفع هذا القول مدفوع بان تلك العمومات لو بقيت علي عمومها لامكن ( لايمكن خل ) القول به لكنا نقطع بانها تخصص فانقلب العلم ظنا فاذن لايجوز التمسك بها الا بالقطع و هو لايحصل الا بعد الفحص الشديد عن المخصص و هو قد يكون قولا او فعلا و قد يكون تقريرا و انكار التقرير في هذه الازمنة غير ما ثبت بالنقل جهل بمقام الامامة و نسبته عليه السلم الي الرعية و تفصيل القول يطلب في ساير رسائلنا .
و اما الشهرة فهي علي ثلثة اوجه وجه هي اجماع و حجة و الآخر مرجحة و الآخر لا اصل له اما الاول فهو ما اذا اشتهر الحكم بين العلماء الفقهاء البالغين رتبة الاجتهاد و لمتكن قرينة تنافيها و تصرف عنها من كتاب او سنة او اجماع او دليل عقل قاطع او امثال ذلك فانها حينئذ حجة علي المستوضح لايعبأ بالمخالف الشاذ النادر فان الامام عليه السلم لما قال خذ ما اشتهر بين اصحابك و اترك الشاذ النادر فان المجمع عليه لا ريب فيه و يصدق علي هذا ( هذه خل ) الحكم انه المشتهر بين الاصحاب فاذا لميرد المشهور من المستنبط و لمينصب قرينة تصرف عنه كان مغريا بالباطل او لميكمل الدين و كلاهما محالان علي الله سبحانه فيجب ان يكون المراد هو المشهور و قوله عليه السلم معهم ان قلت ان قولك لايتم الا بعد تمام عموم الاخذ بالمشهور المستفاد من الحديث و هو ممنوع لان السائل انما سئل عن خصوص الرواية فيحمل علي [ص 10] ما اذا اشتهرت الرواية قلت الاصل في الكلام ان يجري علي الحقيقة الا اذا امتنع ذلك من القراين الحالية و المقالية و تكون القرينة قوية صالحة للتعارض و المنع و الصرف فان المانع خلاف الاصل و الاصل جريان الحكم علي المقتضي فاذا قوي حكم المانع يخفي اثر المقتضي و اما هذا المقام فالظاهر ان القرينة لاتصلح للصرف لاتيانه عليه السلم بما المفيدة للعموم سيما بعد تسمية هذا المشهور اجماعا و تعليله بذلك لضرورة ان الاجماع المتداول في كلمات اهل البيت عليهم السلم لايعتبر ( لايعبر خل ) فيه خصوص الرواية فاذا قالوا اجمعت الامة علي كذا و هو حجة حق لايريدون ( لايريد خل ) به اتفاقهم في الرواية قطعا كما يظهر للمتتبع المتصفح في الاخبار و حينئذ قرينة المقام لو سلم ان السؤال عن خصوص الرواية مع انه في معرض المنع معارض بان السائل قد يسئل عن امر خاص يجيبونه بما يشمل المسئول و غيره من الافراد بذكر امر كلي و به جرت عادتهم عليهم السلم لعلمهم بما يحتاجون اليه و ما اضطروا اليه من عدم التمكن عن السؤال عنهم عليهم السلم دائما فان قلت ان الاصل في الجواب مطابقته للسؤال قلت نعم اذا كملت ( اكملت خل ) شرايط السؤال و السائل و لميكن المجيب اعلي و اعلم و لميكن السائل جاهلا عما ( بما خل ) يقتضي مقامه و رتبته في سؤاله و اما اذا لميكن كما وصفنا كحال الرعية بالنسبة الي الامام عليه السلم سيما بالنسبة الي مقام عدم التمكن لاظهار الحق في كل وقت و اوان و شدة التقية و لذا قالوا عليهم السلم عليكم ان تسئلوا و ليس علينا ان نجيب و قولهم عليهم السلم انا لاندخلكم الا في ما يصلحكم [ص 11] فاذن فالعبرة بعموم المورد و خصوصه و مقتضي ما قالوا عليهم السلم فاذن ثبت ما قلنا و ادعينا من العموم مع انا نقول ان مجرد شهرة الرواية لاتكون مرجحة قطعا بل قد تكون مضعفة اذا لمتكن مقرونة بعمل الاصحاب فيجب طرحها او تأويلها اذ عمل الراوي بخلاف روايته دليل ضعفها فاذا كانت الشهرة منتسبة الي طائفة من الفقهاء الذين عرفوا احكام الله و كانوا بذلك الواسطة بين الائمة عليهم السلم و بين شيعتهم و حجة الله علي الخلق من قبلهم و النافين تحريف الغالين و انتحال المبطلين الذين شأنهم الاعراض عن الرأي و القياس و الاستحسان و ما لميستند الي الكتاب و السنة نحكم ( يحكم خل ) بان مقامهم اعلي من ان يفتوا من غير دليل و مستند شرعي الهي سيما اذا اتفق اكثرهم بذلك بحيث كان المخالف الشاذ النادر مع ان شأنهم و ديدنهم عدم التقليد و عدم تبعية احدهم الآخر و لذا كثر فيهم الاختلاف و انقطع بينهم الايتلاف و اكثر ما يطعنون بعضهم علي بعض مخالفة السنة و ( او خل ) الكتاب او الاعتماد علي خبر ضعيف او غيرها و مع ذلك كله اذا اتفقوا ( كله اتفقوا خل ) في حكم و لميظهر للمستوضح خلافه فلا شك و لا ريب ان ما قالوا مستند الي دليل شرعي و ان خفي علينا ذلك و في الحقيقة ترجع الشهرة الي الشهرة في الرواية و القول بان كلهم اخطأوا خروج عن الانصاف مع ان كلهم مستأهلون لذلك و ناظرون الي الدليل فكيف يخفي علي المستوضح الحجة و يضيق عليه المنهج فان خفي علي احد لميخف علي الاغلب الاكثر مع ان الامام عليه السلم بين ظهرانيهم نعم لايبعد ان يخطأوا حكم الله الواقعي الالهي [ص 12] و هو ليس بمناط اذ قد تقتضي المصلحة مراعاة الحكم الظاهري حفظا لرقاب الشيعة و ليس تكليفنا الآن ذلك الحكم الواحد الواقعي الغير المتعدد و هذا المقام و ان كان يقتضي البسط في الكلام الا ان هذه المقدمة المختصرة لاتقتضي ازيد من هذا فاذن الشهرة اذا لميكن لها معارض بوجه من الوجوه هي اجماع و قد سماه ( سماها خل ) الامام عليه السلم بذلك و الاصل فيه الحقيقة و لا شك في حجيتها لا لمجرد ( بمجرد خل ) الشهرة بل لاهمال الامام عليه السلم و تصريح الامر بالاخذ به و تعليله بانها المجمع عليه و هذا لا اشكال فيه ان شاء الله اما الوجه الثاني فيما اذا كانت رواية قد عمل بها اكثر الاصحاب و منعها الآخرون متمسكين بروايات اخر و ادلة اخري فاذا لميظهر للمستنبط ما يقوي الآخرين من الادلة و قراين الصحة من جهات اخر تكون حينئذ الشهرة مرجحة لتلك الرواية و هذا انما يكون بنظر الفقيه عند ملاحظة الدليل و اما الوجه الثالث فهو الشهرة التي لا اصل لها اذا قام الدليل علي خلافها و تظهر للفقيه قرينة من الحكم الالهي تنافيها فاذن لا بد له من متابعة الدليل و سلوك السبيل و ذلك لاقتضاء وصف المكلفين ذلك اذ الشهرة قد تنعكس في عصرين او في مكانين متباعدين لجواز ان يكون ذلك الزمان يقتضي العمل بالحكم الواقعي الخارجي و الزمان الآخر يقتضي العكس و العمل بالحكم الظاهري و يكون في الفرقة المحقة من يعمل بذلك الحكم الاول و يكون مستترا متروكا كامامه عليه السلم لئلايخرج الحق عن الفرقة المحقة لقوله صلي الله عليه و آله لاتزال طائفة من امتي علي الحق حتي تقوم الساعة ، [ص 13] فاذن لايجب العمل بالمشهور اذا ( و اذا خل ) دل الدليل علي خلاف ما ذهب اليه المشهور فالقول بان مخالفة الاصحاب مشكل و القول من غير دليل اشكل صحيح في الفقرة الثانية و اما الاولي فاذا لميظهر لك دليل ينافيها و قرينة تصرف عنها لاتجوز ( لايجوز خل ) لك المخالفة فانك حينئذ تخالف الاجماع و ترد قول المعصوم عليه السلم و ماذا بعد الحق الا الضلال فاذن ليس هذا قول من غير دليل بل هذا ( هذا هو خل ) ادل دليل علي المطلوب و اذا ظهر لك دليل ينافيها منسوب الي كتاب الله و سنة رسوله و الائمة عليهم السلم وجب لك ان تخالفه ( تخالف خل ) و لا اشكال فيها و لايلزم من ذلك بطلانهم لتعدد وصف المكلفين و تعدد الحكم الظاهري و نشأ ذلك من اقتضاء الصورة الشيطانية الممتزجة مع الصورة الانسانية فافهم ذلك ان شاء الله تعالي .
و اما العقل فانه علي قسمين احدهما ضروري و هو ان تحكم العقول الكثيرة السليمة من غير سبقها بشبهة ( لشبهة خل ) و تقليد و تعصب و عناد بفطرتها من غير نظر الي شيء ( شيء او خل ) غيرها من العادات و الاوضاع و الاضافات و الاقترانات و الامور الخارجية فاذا اتفقت بذلك فلا شك في حقيقته ( حقيته خل ) و هو الذي قال عليه السلم او قياس تعرف العقول عدله ، و حكم ذلك مثل الابصار فاذا اتفق جماعة كثيرة صحيحوا البصر علي لون فالمخالف مكابر يجب تكذيبه و الظاهر مثال الباطن و آيته قال مولينا الرضا عليه السلم قد علم اولوا الالباب ان ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و يعرف ذلك مما اذا عرضت عليهم المقدمات من غير نظر و التفات الي النتيجة تقبلها او تنكرها فان كثيرا من الناس ينكرون المقدمات و ان علموا انها حقة [ص 14] لما يلزم عليهم من اثبات النتيجة و في الضروريات لايسع الاختلاف الا لمكابرة و جحود و لذا نحكم بتعذيب الكفار و تخليدهم في النار و قتلهم و حرقهم و سبي اموالهم و ذراريهم بالشرايط المقررة لانهم انكروا ما لايسع العقول انكاره و شرح ما ذكرنا و ذكر الامثلة يطول به الكلام و الحاصل ان ما حكم به العقل الضروري يجب الاعتقاد و العمل بمضمونه كما دل عليه النقل و اما الثاني فهو العقل النظري و هذا الذي يسع فيه الاختلاف و الاضطراب و السر في ذلك ما برهن في الحكمة الالهية ان الانسان له جهتان جهة يمين و شمال فالجهة اليمني مستقر العقل و مهبط الملئكة و الانوار و الجهة اليسري مستقر النفس الامارة بالسوء و لا شك ان الحق و الباطل متماثلان اي متشابهان من جهة الصورة كالماء و البول الصافي و ظلك و غيرها و الانسان اذا كان معصوما او يكون اغلب نظره الي الجهة اليمني يأخذ عن النور و يستند اليه و يكون النظر الي الجهة الثانية مضمحلا نادرا فالاول يعتمد علي قوله قطعا لان قوله ناش عن صرف عقله الناظر بنور ربه و الثاني ايضا يعتمد اليه ( يعقد عليه خل ) و ان لميكن كالاول في الوثوق و الاعتماد و اما الذي اغلب نظره الي الجهة اليسري او لميستقر نظره الي الجهة اليسري فما يدريه الذي اتاه من الوارد من الجهة اليمني او الجهة اليسري و لايعتبر ( لايعسر خل ) قطعك بالامر فان مخالفك ايضا يقطع كما تقطع و دعوي التخلية متشاركة و فوق كل ذي علم عليم مسلمة فمن ( عليم فمن خل ) اين تقطع بحقية ( بحقيقة خل ) ما تقول و بطلان ما يقول مخالفك الا اذا كان قولك المتحصل من عقلك راجعا الي قبول ( قول خل ) العامة [ص 15] او الاجماع او الكتاب و السنة المحكمة فاذن يقال انك نظرت الي الجهة اليمني دون اليسري و يكون هذا التطبيق كاشفا عما في الواقع فصح ان العقل الذي يسع فيه الاختلاف لايجوز الاعتماد عليه و الاستناد اليه بل يجب ان يتطابق مع النقل المعلوم الحجية و اذ ( ان خل ) ليس فليس فعلي ما ذكرنا اندفع الدور المورود في هذا المقام فان العقل الضروري لايحتاج الي مستند للبداهة و عدم توقفها علي النظر فيه يثبت النقل و بالنقل يثبت الخصوصات ( الخصوصيات خل ) من النظريات و بالاثنين يقطع بالشيء و من هذه الجهة بطل القياس و الرأي و الاستحسان لعدم استنادها الي الشرع فما اعظم جرئة من معتمد ( جرأته من يعتمد خل ) علي عقله الناقص و ادراكه القاصر و يحكم ان كل ظن حجة و ان لميستند الي الشارع عليه السلم مع الاختلافات الكثيرة لان ما سوي العلم ليس بمحل القرار و الاستقرار و لما كان الظن اقوي المراتب اليه فاذا حصل له معين و مقو خارجي يلحقه بالعلم و اذ ليس فليس و ذلك المعين يجب ان يكون قطعي الحجية لا استحسان ( لاستحسان خل ) آخر و ظن مثله و قد علمت ان الدليل العقلي اذا جاز فيه الاختلاف و صح له لميعتمد عليه الا بدليل شرعي فهل الذي يزعمون من حجية مطلق الظن ان كان مستندا الي دليل الهي و قول معصومي و حكم شرعي نبوي فليست عاملا بالظن مطلقا فلمتنطبق ( فلمتطبق خل ) دعواك مدعاك و ان لميكن مستندا اليه فبمعزل عن القبول و يطرح في زاوية الخمول لو فرضنا بان الدليل تام في جميع مقدماته مع انه غير مسلم فان قصاري ما قيل ان الخلق مكلفون بالاجماع ( باجماع خل ) و ليس ما عندهم من الادلة تكفي بالاحكام الشرعية علي [ص 16] جهة القطع فحيث ثبت تكليفنا و التكليف بما لايطاق محال وجب ان نعمل بالذي يحصل من الظنون فيكون الظن من حيث هو عند انسداد باب العلم معمولا به و هو المطلوب و الجواب ان القول بان الخلق مكلفون ما المراد منه هل هذه التكاليف توقيفية ام لا فان اختير الثاني تم التقريب لكنه رفع الدين و هدم ما اتي به سيد المرسلين عليه و آله صلوة المصلين ابد الآبدين و الاول هل هي موقوفة بتوقيف الله تعالي ام لا و الثاني باطل بالضرورة و علي الاول هل طريق العلم بها و الدليل عليها موكول الي الخلق ام لا بل يكون الدليل و الطريق ايضا توقيفيان و الاول يورث عدم التوقيف لما مر من ان النتيجة لازمة للدليل فلاتنفك عنه بوجه من الوجوه فاذن اين التوقيفية و علي الثاني فلا معني لاختيار طريق لميكن راجعا الي الموقف و في الحقيقة في هذا القول مع القول بان الاحكام توقيفية لا سبيل للعقل القاصر اليها تدافع ظاهر و تناقض باهر فاذا كان كذلك فيقبح علي الحكيم التكليف بما لميجعل له طريقا اليه و لو فرضنا الاحتياج الي الظن في تحصيل الاحكام الالهية لا ريب انا لانحتاج الي كل ظن بل تكفي ( يكفي خل ) الظنون الحاصلة المنسوبة الي العترة الطاهرة الذي ( التي خل ) انعقد الاجماع علي اعتبارها و لانحتاج الي غيرها من الظنون المجتثة الباطلة لان الظن لايغني من الحق شيئا فاذا كان العمل بالظن من باب الضرورة و خلاف الاصل فالضرورات انما تتقدر بقدرها فنكتفي بما يحصل ( نحصل خل ) لنا التكليف ان قلت ان تلك الظنون المخصوصة لايفي بجملة ما كلفنا به قلت ان القائل بعموم المظنة شرذمة قليلون و الا [ص 17] فالعلماء جلهم بل مجمعون علي عدم اعتبار الظن المطلق و انما عملهم مقتصر علي الظنون المخصوصة فلميتعطلوا في تكليفاتهم و لميضطروا و لميخرجوا عن دينهم و هم في كمال الاطمينان في ديانتهم و معرفتهم فكيف يحصل ( لايحصل خل ) التكليف اللابد منه و هم قد حصلوا و افتوا مقلديهم الا ان تقول انهم ماحصلوا و انما قالوا من غير دليل فتحكم بفسقهم فاذن ليس لك عندنا جواب ان قلت ان هذا وارد عليكم حيث تردون علي الاخباريين القائلين بحرمة العمل بالظن و وجوب تحصيل العلم و القطع الواقعي و تقولون بانا ( بان خل ) لو اقتصرنا علي الادلة القطعية لزم الخروج عن الدين مع ان اولئك دونوا كل ابواب الفقه و لميخرجوا عن الدين حسب دعواهم قلت ان هذا القول منهم قول باللسان دون تصديق في القلب فانهم في اغلب استدلالاتهم في الاحكام يلجأون الي الاخبار الآحاد و يضطربون في دلالتها و يختلفون فيها و لايمكنهم الا الاخذ بالراجح و ترك المرجوح و قد سموا هذا الظن علما كما صرح به صاحب الحدايق و ان لمنقل ان النزاع لفظي و المراد بالقطع ان كان هو العقلي فلايجوز معه الاحتمال اصلا و هذا مستحيل في النقليات من حيث هي سيما في امور لا سبيل للعقل اليها و لا بد في معرفتها من الالفاظ و فهم المعاني منها و كم في الالفاظ من الاضطرابات و ان كان القطع عاديا كالمتواترات فلايحصل ايضا اذ ليست الاخبار كلها متواترة و كيف يسلمون عن الاخبار المتعارضة و الموضوعة و الواردة مورد التقية و التي نقل بالمعني و التي حذفوا بعضها و ذكروا البعض الآخر و امثال [ص 18] ذلك من الاختلال و شيوع استعمال المجاز و الاشتراك و التخصيص و الاضمار و الحذف و غيرها من الاحوال اللفظية و قد شرحنا هذا المقال في اجوبة بعض المسائل فلانعيد و بالجملة لايحصل لهم الا الظن و به تطمئن نفوسهم و يقولون ان العلم هو ما تطمئن ( يطمئن خل ) به النفس و قد حكموا بقطعية صدور الاخبار في الكتب الاربعة و اعتمدوا بشهادتهم في صحة رواياتهم مع ان احدهم يكذب الآخر في رواياته و مرادهم من التصحيح ليس الا ما صح عندهم بحسب جهدهم و اجتهادهم من القراين و الامور الخارجية و هذا ليس ما نريد من صحة الخبر ( الاخبار خل ) فاذا اردت ذلك انظر كتبهم لتري كيف يرد الصدوق الكليني و الشيخ الصدوق و بالجملة ليس هذا مقام استقصاء هذا الكلام ان قلت ان هذا قول من يزعم ان الحجة هو الظن المطلق و يدعي ان المنكرين يعملون به من حيث لايشعرون كما قلتم في الاخباريين لان اغلب استدلالاتهم بالشهرة و الاجماع المنقول بالخبر الواحد و الاستصحاب و امثال ذلك مما لميقم اجماع علي اعتباره و ليس هو الظن المخصوص قلت ان كل ذلك يرجع الي الظن المخصوص لان مرادنا بالظن المخصوص ما يرجع الي الكتاب و السنة و لو بوسايط و يحصل الظن بالمراد لا ما لايرجع و لا ما لايحصل الظن و لانقول بالتعبد بالخبر الصحيح و غيره و ان لميحصل لنا الظن بالمراد و يكون عندنا ما يعارضه و اقوي منه فان هذا لايجوز نعم لو بقيت الاخبار بصرافتها قطعية الصدور مأمونة عن تحريف الغالين و انتحال المبطلين غير متعارضة بالعموم و الخصوص و المحكم [ص 19] و المتشابه و غير الوارد مورد التقية امكن هذا القول و مع هذه كله لايمكن العمل بكل خبر ان ( فان خل ) اقتصر علي الاخبار الصحيحة فما تصغون ( تصنعون خل ) في قوله عليه السلم ان لنا اوعية من العلم نملأها علما لتنقلها الي شيعتنا فخذوها و صفوها تجدوها نقية صافية و اياكم و الاوعية فانها اوعية سوء فنكبوها ، و لا شك ان هذا هو الخبر الضعيف و اما توثيق الفطحية و الواقفية فلنا ( قلنا خل ) فيه كلام يأتي بيانه ان شاء الله و ان عمم الحكم فيلزم فساد الدين و ان خصص بما لميكن له معارض مثله او اقوي منه فهذا هو الظن بل لايبعد ان ندعي فيه العلم اذا علم تقرير المعصوم عليه السلم و بالجملة لايراد منا الا ما ادركته عقولنا و اشعرت به افهامنا علي الوجه الصحيح المعتبر قال الله تعالي و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون و قد دل الدليل القطعي الكاشف عن قول الحجة عليه السلم ان البيان اعم من العلم و الظن فلايعتمد علي غيرهما اللهم الا ان يقال انه قد دل الدليل القطعي المنتسب الي اهل العصمة عليهم السلم انه يصح العمل بكل خبر و ما ينسب اليهم و ان لميعلم ذلك و لو ظنا و دونه خرط القتاد و الاخبار و الآيات و الادلة العقلية المستندة اليهما مصرحة ببطلان التعبد بالخبر من حيث هو و الظن عند عدم العلم يجب اعتباره في الدلالة و في الورود جميعا لايكفي احدهما و اما الشهرة فانما جعلناها حجة في موارد مخصوصة لاستنادها الي اهل الشرع عليهم السلم كما مر و كذا الاجماع المنقول فانه خبر حقيقة فيرجع اليه بل اقوي من الخبر لصريح الدلالة بخلاف ما اذا كان خبر ( خبرا خل ) من [ص 20] غير جهة الاجماع فانه يحتمل الوجوه السبعين و لا كذلك ما ثبت بالاجماع فان دلالته صريحة فان كان منقولا بالخبر الواحد يكون الورود ظنيا لكنه اقوي من الاخبار الاخر لقلة الواسطة فيه و كثرتها فيها اذ من البين ان قلة الوسايط مما له دخل تام في رجحان الخبر لو لمتكن القراين و اما الاستصحاب في الموضوع فلا شك في حجيته اجماعا حتي من الاخباريين و اما في الحكم فانه ايضا حجة و منسوب الي الاخبار و هي في هذا المعني كثيرة لايخفي علي المتتبع الا ان يدل دليل علي عدم الاستمرار في بعض المواد كما وردت به بعض الاخبار و هو اقرب الي ارادة اليسر و عدم العسر و عموم الانتفاع و البصيرة فان الجزئيات لاتنضبط الا بعسر شديد بل يتعذر في اكثر الموارد و لو دار الامر مدار الشك و الوهم لضاق علي الخلق المنهج اذ ما من امر من احوالهم يخلو من الامرين و اليقين اقل ما قسم الله بين العباد فافهم ، ففي ما تعم به البلوي و ما تجب معرفته عينا علي كل ذكر و انثي يجب القاء الكليات ( الكلمات خل ) ليسهل عليهم تناوله ( تناوله تكليف خل ) فاذا خرج بعض الجزئيات عن الحكم الكلي بامور خارجية و عوارض زائدة ذاتية يبينها الشارع عليه السلم و ينصب ( فينصب خل ) قرينة علي اخراجها و قد ذكرنا هذا البحث بما ينبغي كما ينبغي في بعض ما كتبنا و ليس المقام لبسط الكلام .
و اما استصحاب ففي ( نفي خل ) الشرع الذي يسمونه باصالة البرائة فلا شك ايضا في حجيته لدلالة الاخبار الكثيرة و الآيات المحكمة و العقول القويمة المستقيمة و قد قال تعالي و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون و قال عليه السلم الناس في [ص 21] سعة ما لميعلموا و ما حجب الله علمه عن الخلق فهو موضوع عنهم كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه امر او نهي و امثال ذلك من الاخبار و دلالة صحيح الاعتبار الذي لا عليه غبار فان التكليف امر الهي يجري علي قوابل المكلفين فحيث لا مقبول لا قبول فلا تكليف فاذ لا تكليف فالعبد في سعة من ذلك فله التصرف في ما يشاء كما يشاء حينئذ و الا لكان مكلفا كما هو شأن الممنوع هف و قد قال تعالي خلق لكم ما في الارض جميعا فاذا فقد النص بجميع انحائه من الاطلاق و التقييد و العموم و الخصوص و التلويح و التصريح فقد التكليف كما هو المشهور المنصور فيجري فيه اصالة البرائة و اذا تعارضت الادلة و لا محيص بوجه من جهة الترجيح الا الاحتياط يجب لانه قد اتاك التكليف و قطعت به و حصل لك الترجيح اما الاول فلورود النص و عدم ما ينفيه اصلا و المعارض لميكن نافيا و الا لميكن معارضا و مااحتجت الي الترجيح بل كان اقوي فيجب المصير اليه و اما الثاني فلان الامام عليه السلم حاضر و مطلع علي ذلك بل هو ملقي الدليل فلو لميرده منك لنصب لك صارفا نافيا لانه عليه السلم لميهمل رعيته و قد قال عليه السلم في الدعاء بعد العصر يوم الجمعة في الصلوة علي محمد صلي الله عليه و آله قد اكملت به الدين و اتممت به النعيم الي ان قال عليه السلم و نهجت به لخلقك صراطك المستقيم و بينت به العلامات و النجوم الذي به يهتدون و لمتدعهم بعده في عمياء يهيمون و لا في شبهة يتيهون و لمتكلهم الي النظر لانفسهم في دينهم بآرائهم و لا التحير منهم باهوائهم فينشعبون في [ص 22] مدلهمات البدع و يتحيرون في مسطبقات ( مطبقات خل ) الظلم و تتفرق بهم السبل ( تنغرق بهم السبيل خل ) في ما يعلمون ( الدعاء خل ) ، و تصديق ذلك ما في توقيع الحجة عجل الله فرجه الي الشيخ المفيد علي ما في الاحتجاج فاذا نظرت و لمتجد نافيا و صارفا عن احد الدليلين فانت مطلوب بعدم تركهما قطعا و اما الثالث فلتحصيل البراءة اليقينية مع ما ورد في الاخبار خذ بالحايطة في دينك و عند تعارض الخبرين خذ ما يوافق الاحتياط و امثال ذلك فقد طابق العقل و النقل بوجوب الاحتياط في مثل هذا المقام فان لميكن الاحتياط او كلاهما موافقان له او مخالفان و لميتيسر الترجيح فان ضاق عليك الوقت للعمل فانت مخير بايهما اخذت من باب التسليم وسعك لانه غاية مجهودك و ليس في الدين من حرج و الا فعليك بالتوقف فارجه حتي تلق امامك او ( اما خل ) بملاقاة ظاهرة او ببينة ( بينة خل ) واضحة كما قال عليه السلم و ما لمتجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوه الينا علمه فنحن اولي بذلك و لاتقولوا فيه بآرائكم و عليكم الكف و التثبت ( الثبت خل ) و الوقوف و انتم طالبون باحثون حتي يأتيكم البيان من عندنا انتهي ، فاذن فالاحكام ثلثة اما بين رشده فيتبع و اما بين غيه فيجتنب و هما انما يتحققان اما بكتاب مجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله او قرائن اخر من الامارات و الادلة الشرعية التي تورث الرجحان و ان لمتوصل الي حد الايقان و منها عدم النص ( النظر خل ) في الاباحة و عدم وجدان المنافي و المخالف للخبر و ان كان ضعيفا بحسب الاصطلاح لادائه الي التقرير و امثال ذلك مما يجده المستوضح بتأييد الحجة عليه السلم .
[ص 23] و الظاهر ان عدم الدليل دليل علي العدم لا مطلقا بل للفاقد لان البيان لايكون الا بالبرهان و هو لايخلو عن احد الادلة الثلثة من دليل الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن بقوله تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة اه ( بالحكمة و الموعظة الحسنة خل ) فاذا انتفي الدليل انتفي المدلول او شبهات بين ذلك و هذه انما تكون عند تعارض الادلة و الاحوال و لايجد ترجيحا بحال لا ما اذا لميصل اليه دليل اذ الشبهة ليس لها اليه سبيل لعموم قوله تعالي خلق لكم ما في الارض جميعا و قوله عليه السلم ما حجب الله علمه عن الخلق فهو موضوع عنهم و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده و لايجوز العمل بالعام الا بعد الفحص البالغ عن المخصص فاذ لميجد فلايجوز له الافتراء علي الله تعالي بالتوقف او الاحتياط و التضييق في الملة السهلة السمحاء .
فظهر لك مما اشرنا اليك بالاجمال ان هذه الادلة التي يستعملونها كالشهرة بشروطها و الاجماع المنقول كذلك و الاستصحاب و اصالة البرائة ليس من الظنون المطلقة بل انما هي مستندة الي الاصل الثابت و هو الاخبار المقطوع الحجية و المتعين العمل ( للعمل خل ) بمضمونها فان قلت ان ما قررت من الاصل يقتضي ان يكون الظن من حيث هو اذا لميكن له معارض من الكتاب و السنة يجب العمل به كما قلت في الشهرة و هذا هو بعينه قول من يدعي حجية الظن مطلقا اذ لايقول به و لو كان له معارض لانه حينئذ راد لكتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و لايقول به الا اذا انتفي المعارض و حينئذ [ص 24] يكون تقريرا لان الامام عليه السلم حاضر و مطلع و لمينصب قرينة علي نفيه قلت ان ذلك قياس مع الفارق فانا نقول اذا سلكت سبيلا جعله الامام عليه السلم طريقا موصلا الي الحكم الشرعي يلزم عليه عليه السلم ان يسدده و اما اذ ( اذا خل ) لميسلك ذلك السبيل فهو مدبر معرض ( معرض مدبر خل ) يجري عليه حكم الادبار من عدم اصابة الحق لا الاصابة و قد قلنا ان الظن الغير المستند ليس طريقا جعله الشارع عليه السلم و لا دليلا عليه و انما هو مختار اصحاب الرأي و القياس و الاستحسان و ليس الظن المطلق الا استحسانا عقليا و رأيا اختراعيا و قد اجمعت الفرقة المحقة علي بطلان ذلك و انه ليس من طريقة اهل البيت عليهم السلم و ان لميكن مجرد الاستحسان العقلي بل يكون مستندا الي صاحب الشرع عليه السلم فليس اذن مطلقا فتبين مما ذكرنا ان العقل في الامور الخلافية لو لميكن له مستند لايصح التعويل عليه .
( الي هنا كان في النسخ )
[ص 25]