[ص 2] رسالة في بيان الشريعة و ادلتها الاربعة
[ص 3]رسالة في بيان الشريعة و ادلتها الاربعة
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 4] بسْم اللّه الرّحمن الرّحٖيم
اعلم انّ الشرٖيعة هي دواعي القابليّات و اقتضاء الكينونات و هي جهات تلقّي العباد من اللّه سبحانه الامْداد و ما به يتقوي للبقاء و الدّوام ابد الآباد امّا بنعمة متجدّدة ما لها من نفاد و اما بعذاب اليم اشدّها الطّرد و الابعاد اعاننا اللّه و اياكم لتحْصٖيل الزّاد ليَوْم المعاد اي زاد التقوي فانّها خَيْر زاد فهي روح الوجود الكوني و باطنه و سرّه و لبّه و لذا غمضت مسالكها و خفيت معالمها و مااهتدي الَيْها علي الواقع الا من اشهده اللّه خلق السّموات و الارض و لمّا انّك مااوتٖيت العلم الّا قلٖيلا و مااحطت بالواقع و المقتضيات خبراً وجب عليك ان تهتدي بالعلامات التي جعلها اللّه عزّ و جلّ لنا اذا خفي علينا المسلك و غاب عنّا المدرك و لمّا انّ الشّمس قد غيّبها السّحاب و انسدّ علينا ذلك الباب و لمنتمكن من الوُصُول الي ذلك الجناب وجب ان نسلك سَبٖيله و نطلب منه برهان ما يراد منّا و دَلٖيله فان شخصه و ان غاب لكن بنوره ينفتح الف باب فنجعله صلوات اللّه عليه و علي آبائه امامنا في كلّ مسئلة و كل مطلب و تأيٖيد اللّه سبحانه و نصره فوقنا فنسلك سبٖيل ربّنا ذللاً عسي ان يخرج اللّه سبحانه بفضله و كرمه من بطُون ما استفدنا من القواعد و الاصُول المستنبطة من آثار آل الرّسول سلام اللّه عليهم شرابا من العلم و المعرفة فٖيه شفاء للنّاس السّايرٖين الي معبُودهم بتوجههم الي ائمّتهم المنقطعين عنهم جمع اللّه تعالي شملهم بمحمّد و آله الطاهرٖين .
فنقول ان الوجود الشّرعي لما كان طبق الوجُود الكوني في كل ما لَهُمٰا و كان [ص 5] الوجود الكوني لوحاً جليّاً مكتوبا فٖيه كلّ الاحوال و الاقتضاءات و الاطوار و الحيثيّات و الاضافات و النسب و الجهات و الاعتبارات بل كلّ شيءٍ دلٖيل و مدلول علَيْه و سبب و مسبب و جوهر و عرض و ذات و صفة و اسم عين و اسم معني و قول و فعْل الي غير ذلك من الاحوال الوجوديّة و المقامات الكونية فمن عرف قراءة هذا النقش و احسن معرفة هذا اللّوح فقد عرف الاشياۤء مشروحا مبيّنا لايختلجه شكّ و لا ريبة و يعرف بذلك اسرار الشرٖيعة و احكامها و كيفيّة استنباط فرُوعها من اصولها و استخراج مفصّلها من مجملها و يعرف بذلك اكثر الاقتضاءات فيجري علَيْها مقتضاها من الاعمال علي حسب ما نطقت به الاخبار و هؤلاۤء لعمري لقد استراحُوا و طابوا و لمّا لميجد في نفسه العصمة و يجوز عليه الخطاء لايجوز علَيْه الاعتماد في مثل هذه المقامات الّا بالقطع الثابت البات فان هذا مسلك غرٖيب و طور عجٖيب ليس لكل عالم فٖيه نصٖيب و يجب ايضا ان يعتمد فيما يدركه و يقطع به من ذلك النقش الي كتاب اللّه تعالي و سنة رسوله صلي الله عليه و آله و اخبار العترة الطاهرة عليهم سلام الله ما دامت الدنيا و الآخرة فان الخلط و الاشتباه هنا كثير جدّا فان الحقّ لو خلص لميخف علي ذي حجي و لكن اخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان فمن هنا هلك من هلك و نجي من سبقت له العناية و لايجب ان يكون استناده الي الكتاب و السنة بشيء واضح الدلالة فيعرفها ( يعرفها خل ) كل احد اذ ليس كلما في الكتاب و السنة يعرف لانهما الصعب المستصعب لايهتدي اليه الا الاقلون و لايدركه ( لايدركونه خل ) الا المؤمنون [ص 6] الممتحنون اذ لايلزم الاستنباط من المفهوم الصريح بل قد يكون بغيره ( بغيرها خل ) من المراتب الاخر من الوجوه السبعة او المعاني السبعين الا ان المستنبط المستوضح يجب عليه القطع في الدلالة و هذا هو المجاهد في الله و لايخطو ان شاء الله فان اخطأ فما عليه من سبيل لان الله تعالي يقول ما علي المحسنين من سبيل .
فاذا وقفت علي هذا الطريق فلاتعدل الي غيره لانه دليل الحكمة و هو اعلي الادلة و مقام المعرفة و البصيرة فان لمتجد اليه سبيلا فان قدرت علي دليل الموعظة الحسنة و سلكت سبيل السلامة فعلت و الا فارجع الي المجادلة بالتي هي احسن و هو في الاحكام الشرعية اربعة :
الاول كتاب الله فمتشابهاته ليست بحجة اجماعا الا اذا رجعت الي المحكم و النصوص التي لايحتمل الخلاف حجة اجماعا و هو الكتاب المجمع علي تأويله علي ما في الحديث عن الكاظم عليه السلم و المراد به النصوص و اما الظواهر فقد خالف فيها جماعة قليلة و شرذمة يسيرة لايعبأ بهم و الحق انها حجة اذ لميثبت منع خاص علي حجيتها منه بخصوصه لا من الاجماع و لا من العقل الضروري و العمومات القرآنية الناهية عن العمل بالظن مطلقا فهي من الظواهر لغلبة اشتهار ما من عام الا و قد خص و وجوب اجراء اصل العدم فلاتكون ناصة فكيف صححتم العمل بها دون غيرها فان منعتم عن ذلك بقي مطلبكم بلا برهان و دليل مع كون الكتاب هو الثقل الاكبر و ميزان تصحيح الاخبار المتعارضة و المكذوبة الموضوعة و المأمور باتباعه في مسائل الحلال و الحرام و ما فيه من الاحكام و الاقتصار علي النصوص يلزم [ص 7] عدم ذلك كله اذ ما من آية في مسئلة من المسائل النظرية قد اتفقوا فيها و ليس ذلك عنادا لهم حاشا اهل الحق عن ذلك بل انما هو لتطرق الاحتمالات المساوية بل الراجحة فيها في نظرهم و الشارع عليه السلم كان عالما بذلك كله و ما يبتلون به الامة من الاختلافات و بالجملة لاينبغي التأمل في حجية الظواهر الكتابية .
الثاني السنة فالمتواتر منها لفظا حكمه حكم الكتاب و معني حكم النصوص الصريحة منه و اليه اشار ما في الحديث او سنة عن النبي لا اختلاف فيها و اما المحفوف بقراين القطع فكذلك و اما الآحاد المفيدة للظن كأن يكون رواته كلهم اماميون ثقات او غير ذلك فقد ادعي الشيخ الاجماع في صحة العمل به و هو الذي يظهر من الاخبار و يشهد له صحيح الاعتبار و اما ما كانت الروات كذوبا فساقا فلايطرح الا بعد التبين و التثبت لانهم قالوا عليهم السلم ان لنا اوعية من العلم نملأها لتنقله الي شيعتنا فخذوها و صفوها تجدوها نقية صافية و اياكم و الاوعية فانها اوعية سوء ، لعله يكون من تلك اوعية فينظر في الحديث فان عثر علي مخالف له مما هو اقوي منه من كتاب او سنة او اجماع او عقل ضروري فلايلتفت اليه ابدا فان لميجد له مخالفا و لا ( مخالفا او خل ) معارضا و قد ابهم في الاخبار و سكت عنه العلماء الاخيار فما تضمنه حجة علي المستوضح اذا كان مكلفا و يطلب تكليفه فان الامام عليه السلم لا شك انه مطلع عليه بسره ( مطلع بسره خل ) و علانيته و هو مستوضح و قد سكت الامام عليه السلم عنه بعدم نصب قرينة له علي تكليفه و ما اريد منه و بذل مجهوده في الطلب فلايخلو اما ان اقره الامام عليه السلم علي ذلك او اهمله [ص 8] فاما ان يكون مغريا بالباطل او لميكمل الدين و تعالي ربي و تقدس ان يجعل حجة و خليفة في الارض و هو يغفل عن رعيته و غنمه و قد دلت الاخبار بان الارض لاتخلو عن حجة كيما ان زاد المؤمنون ردهم و ان نقصوا اتمه لهم فان منعت عن ذلك اسئلك لم منعته هل الحجة علي الخلق في ظاهر الامر الا لاقامة الحجة و تقويم الزيغ و لم الشعث و سد الخلل عن الدين الذي تعبد الله خلقه ( الخلق خل ) به من الذين قبلوا ذلك الدين و تدينوا به فاذا كان كذلك فبعد ما غاب شخصه الشريف لمرض ابصارنا و ضعفها عن مشاهدة ذلك النير الاعظم صلي الله عليه و علي آبائه و احتجب عنا بسحاب الغيبة هل يمكنه ان يعطي من توجه اليه و انقطع اليه من الشيعة الفرقة المحقة حقه مما اراد الله منه من التكليف الخاص به علي مقتضي كينونته فان قلت لا فقد انكرت امامته و اخرجته عن المقام الذي هو عليه فان ( و ان خل ) قلت نعم قلت فما يمنعه عن نصرة رعيته و ملاحظة غنمه فان قلت لعله لمصلحة اخري لمندركها قلت ليست المصلحة في غيبته الا حفظ نفسه الشريفة و نفوس الخلق كلهم بل العالم بحذافيره لكون غيبة الحجة عن الخلق قبيح اذ مابعث الله الحجة الا للخلق لكن لما كان حضوره صلي الله عليه مستلزما لما هو اقبح من ذلك و اشد فارتكب اقل القبيحين للضرورة و هي انما ( انما هي خل ) تتقدر بقدرها فلميبق الا ملاحظة حال رعاياه و غنمه فيوصلهم الي ما هو تكليفهم و لايلزم ذلك المشاهدة بل يكون بنصب قرينة و اظهار مخالفة و التأييد بكتاب او بالقذف في القلب و امثال ذلك من التقدير و التثبيت [ص 9] ليعلم كل اناس مشربهم و لينال كل احد مطلبهم فان الابصار اذا ضعفت عن ملاحظة نور الشمس بلا حجاب جعل الله عليها حجابا لينتفعون بها لا لئلاينتفعون و كذا الامام صلوات الله عليه و عجل فرجه فانه ماغاب الا لينفعنا حيث لميمكن ان ننتفع منه صلوات الله عليه حال الظهور لا لأن يتركنا و يجعلنا عمياء في ظلمة دهماء مع هذه الاختلافات الشديدة و شيوع الباطل فوالله لولا حفظه لمااصاب احد حقا و قد قال مولينا اميرالمؤمنين (ع) في خطبته اللهم انه لا بد لك من حجج في ارضك حجة بعد حجة علي خلقك يهدونهم الي دينك و يعلمونهم علمك كيلايتفرق اتباع اولياءك ظاهر غير مطاع او مكتتم يترقب ان غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلميغب عنهم قديم مبثوث علمهم و آدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة فهم بها عاملون و قد قال عليه السلم في موضع آخر من هذه الخطبة فمن هذا يأرز العلم اذا لميوجد له حملة يحفظونه و يروونه كما سمعوا ( سمعوه خل ) من العلماء و يصدقون عليهم فيه اللهم اني لأعلم ان العلم لايأرز كله و لاينقطع مواده و انك لاتخلي ارضك من حجة لك علي خلقك طاهر ( ظاهر خل ) ليس بمطاع او خايف مغمور كيلاتبطل حجتك و لايضل اولياؤك بعد اذ هديتهم بل اين هم و كم هم اولئك الاقلون عددا الاعظمون عند الله قدرا و قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان عند كل بدعة تكون ( يكون خل ) من بعدي يكاد بها الايمان وليا من اهل بيتي موكلا به يذب عنه ينطق بالهام من الله تعالي و يعلن الحق و ينوره و يرد كيد الكايدين يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا اولي الابصار و توكلوا [ص 10] عليه و قد قال مولينا الصادق عليه السلم ان الارض لاتخلو من حجة كيما ان زاد المؤمنون ردهم و ان نقصوا شيئا اتمه لهم و قال ايضا مازالت الارض الا و لله فيها الحجة يعرف الحلال و الحرام و يدعو الناس الي سبيل الله و قال ايضا عليه السلم ان الله لميدع الارض بغير عالم و لولا ذلك لميعرف الحق من الباطل و قال الحجة المنتظر عجل الله فرجه و روحنا له الفداء في التوقيع الي الشيخ المفيد (ره) الي ان قال عليه السلم نحن و ان كنا ثارين ( ثاوين خل ) بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي اراناه الله تعالي لنا من الصلاح و لشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين فانا نحيط علما بانبائكم و لايعزب عنا شيء من اخباركم و معرفتنا بالامر الذي اصابكم الي ان قال عليه السلم انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لنزل بكم اللأواء و اصطلمكم الاعداء فاتقوا الله جل جلاله الحديث ، و امثال ما ذكرنا كثيرة في الاخبار و يشهد بذلك العقل القاطع فان قلت لو كان الامر كما تقول لم ( فلم خل ) لميرفع الاختلاف بين الشيعة و لا شك انه احسن و لا مانع له من ذلك قلت ان راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه هو ( فهو خل ) اعلم بمصالح غنمه فان شاء جمع بينها لتسلم و ان شاء فرق بينها لتسلم و لو اجتمعتم علي كلمة واحدة لاخذ برقابكم و الاختلاف ما دامت دولة المنافقين و الفاسقين احسن و اسلم لكن هنا شيء ( شيء آخر خل ) لماطلع عليه و هو ان الامام عليه السلم يقدر ان يجعل لكل من المكلفين قرينة يقطعون بها علي تكاليفهم من الله سبحانه و يكونون علي بصيرة من امرهم و اطمينان من قلوبهم مع وجود الاختلاف [ص 11] كما في الاجماعات المحصلة فانها تفيد القطع و ان كان مخالفا للآخر مع انه ( ان الامام خل ) عليه السلم ابقاهم في مقام الظن و ان كانوا قاطعين في مقام العمل الا ان في الاول يحصل لهم القطع اولا و لايحتاجون الي امر آخر بخلاف الثاني لكنا نؤمن بما فعل و نصدق و نقول كل من عند ربنا لأنهم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون .
لكنه قد يخطر بالبال القاصر في وجه المصلحة امران : احدهما عدم اقتضاء الاسباب ذلك لان الذي يفيد القطع اما حصول الاجماع او وقوع التواتر المعنوي او القراين القطعية و هي اما موافقة الاجماع و عمل الاصحاب او الضرورة او المتواتر او العقل القاطع او توارد الامارات الكثيرة بحيث يقطع العقل بصحة الخبر و كلها قد تكون المصلحة بخلافها فان الاجماع لايكون الا بالاتفاق و ان كان له مخالفا و هذا غير ممكن في كل المسائل اذ التكليف علي حسب اقتضاء المكلف فلايجري عليه الا ما يقتضيه بكينونته في ذلك الوقت و هذا الحكم قد يتخالف و قد يتوافق قد يكون هو حكم الرجل في مدة معينة و بعد انقضاء تلك المدة يتغير حكمه فيتغير ترجيحه و ما هذا شأنه لايجوز فيه الاتفاق بل لايمكن ( يمكن خل ) بوجه من الوجوه كما نري في الواقع و العيان ما ادركناه بالذوق و الوجدان و الحمد لله الملك المنان و كذلك القول في عمل الاصحاب و اتفاقهم و كذلك التواتر و حكم الضرورة اجلي و اظهر بقي الكلام في العقل القاطع و هو ايضا لايمكن في جميع المسائل اذ العقل لايستقل في الامور الشرعية الغيبية لانها اسرار باطنية و مشاهدات سرية فلايمكن للعقل الا ادراك بعض [ص 12] الجزئيات منها مما قامت به الضرورة و شهدت به البديهة كرد الوديعة و الاحسان و قبح الظلم و الطغيان و امثال ذلك فلايقطع العقل في بعض المسائل فضلا عن كلها او جلها او ( و خل ) اغلبها فان قلت يلهمه الامام السر فيه فيدرك و يقطع به كما قالوا عليهم السلم نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون قلت ابي الله ان يجري الاشياء الا علي اسبابها و نور الامام عليه السلم لايفقد بل هو موجود ابد الآبدين لانه وجه الله الذي يتوجه اليه الاولياء و الآية التي لا تعطيل لها في كل مكان كنور الشمس المنبث في العالم الا انه يحتاج الي قابل و مستنير فعلي حسبه الانارة و الاضاءة كاشراقها علي الجدار و علي المرآة و علي البلور فاذا اعطت الشمس الجدار بقدر ما في المرآة من النور لمتكن حكيما لوضعها الشيء في غير موضعه و كذا حكم المرآة بالنسبة الي البلور و هكذا حكم الامام عليه السلم بالنسبة الي العلماء من الشيعة في النسبة الخاصة دون العامة و الاستيهال لتعلم اسرار الشريعة انما يمكن اذا علم الاشياء كما هي و عرف اقتضاءاتها و دواعي قابلياتها و هذا مقام لايمكن علي التفصيل الا لمن سئل ذلك و طلب و قال اللهم ارني الاشياء كما هي صلي الله عليه و آله نعم قد يحصل لبعض الخواص من الشيعة بعض الكليات المجملة فهم في ذلك علي يقين و بصيرة و كذلك الكلام في توارد الامارات الكثيرة فتحقق لنا ان ما هو الواقع هو الواقع و لايمكن غير ذلك مع ان الذين كانوا في عصر الائمة عليهم السلم في الامكنة النائية و يتلقون الاحكام من المكاتبات و التوقيعات و الوسايط مااظنهم كانوا قاطعين بالامر مع شيوع [ص 13] الكذب عليهم عليهم السلم في تلك الاوقات و كثرة المعارضات و تعارض الاصول و يكفيك في حقية ما ذكرنا الاخبار العلاجية و سؤالهم عن شدة التعارض و تحيرهم بل كانوا يكتفون اذا اخبرهم راو عادل و لميكن له معارض و كانوا يعملون به كما يظهر من الاخبار و في هذه الازمنة و لله الحمد و الشكر قد سهل الخطب و هان الامر فان العلماء رضوان الله عليهم قد بذلوا مجهودهم في نقد الاخبار و جاسوا خلال تلك الديار و صفوها علي مقدار وسعهم عن الاكدار و منعوها عن ان تناله ايدي الاشرار و جمعوا خاصها و عامها و مطلقها و مقيدها و محكمها و متشابهها و نقحوها و ماكانت هكذا في سابق الازمان سيما في البلدان البعيدة سيما في شدة الاغتشاش في امر التقية فظهر السر في ذلك و الحمد لله رب العالمين . و ثانيهما الفتنة و الامتحان و الاختبار و التمحيص ليهلك من هلك و نجي من سبقت له من الله الحسني فافهم .
فاذا فهمت هذا الكلام علمت ان ما لمنجد له مخالفا من الاخبار الصحيحة و الآيات المحكمة المنصوصة و اجماع الاصحاب فان ذلك تقرير منه عليه السلم و سكوت عنه و تثبيت للمستوضح و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلم ما معناه ان رسول الله صلي الله عليه و آله احل حلالا و حرم حراما و سكت عن اشياء و لميكن سكوته عنها لغفلة فاسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله و تفصيل القول علي الاجمال هو ان نقول ان الخبر الوارد الغير الصحيح لايخلو عن احوال اما ان تكرر وروده في الكتب و عمل بخلافه الاصحاب فيترك و الا يلزم ان يكونوا علي باطل و هو [ص 14] لايصح لقوله صلي الله عليه و آله لايزال طائفة من امتي علي الحق حتي تقوم الساعة ، فان تكرر في الكتب و عمل به بعض الاصحاب و تركه الآخرون فحينئذ ينظر اما انهم صرحوا بخلافه و بطلان المصير اليه ام لميلتفتوا اليه و علي الثاني ينظر هل يجد له معارضا اقوي من الكتاب و السنة فيتبع الاقوي و لايتعين عليه العمل بذلك لوجود المقتضي و هو الخبر المعتضد بعمل الاصحاب و عدم وجود المعارض و لقوله عليه السلم ان لنا اوعية اه و هذا من التصفية كما ان الدم يصفي و يطهر اذا انتقل الي بطن البق و علي الاول حصل التعارض فيطلب دليلا آخر و يلتمس حجة اخري فان تكرر في الكتب و لميعمل به احد من الاصحاب و لميعملوا بخلافه ايضا بل سكتوا عنه و عما يقتضيه و هذا له صورتان الاولي ان يعمل به واحد منهم و سكت الباقي مع علمهم به و اطلاعهم عليه و الثانية ان لايعمل و لا واحد بل سكتوا عنه فعلي الاول يتعين العمل عليه لانه اجماع سكوتي و الامام عليه السلم احد الساكتين اذ لاتبقي بعد الغيبة و ايقاع الخلاف و لايتوقف لسعة علمه الشريف اذ ليس مأخوذا من الادلة حتي يتوقف عند تصادمها و لايجهل لكونه حجة الله علي كل الاكوار و الادوار و الاطوار مع اختلاف مقاماتهم و لايغفل لعدم التفاته الي نفسه و عدم وجدان انيته حتي يشتغل بها و يغفل عما امره الله و لايتكل علي غيره لاظهار الحق لانه اولي بذلك و ليس شخصه الشريف متعينا حتي يقتضي امرا آخر و لايخل بواجب لانه اولوا الامر و هو لايعرف الا بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر ( عن المنكر كما قال عليه السلام اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولوا الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر خل ) فاذا علم [ص 15] بباطل و لمينهه بنصب قرينة من القراين كان لاينهي عن المنكر و مغريا بالباطل العياذ بالله و لايقول بالتصويب لانه قد خطا المخطي و حكم بان الحق ليس الا واحدا ( واحد خل ) فليس الا لانه عليه السلم قد اقره علي ذلك فان قلت قد يكون ذلك حكما للقايل به فلايعم غيره قلت ان المعروف من المذهب و الشريعة ان يكون حكمها واحدا كما قال عليه السلم حكمي علي الواحد حكمي علي الجماعة فاذا خرج بعض الافراد عن هذه الكلية يجب التنصيص عليه بالخصوص و اذ ليس فليس و علي الثانية لايبعد ايضا القول بالمصير اليه لان الفرقة المحقة لميعلموا ( لميعملوا خل ) بخلافه حتي يستدل بقوله صلي الله عليه و آله لايزال طائفة من امتي اه فانهم ماكانوا علي الباطل قطعا و احتمال انهم ( بانهم خل ) اطلعوا علي الخبر و لميعملوا عليه لضعفه و بطلان القول به حتي جعلوه في معرض النسيان معارض باحتمال انه يجوز ان يطلعوا عليه و لميتوجهوا و لميلتفتوا اليه لعدم احتياجهم اليه او لكونه من الوقايع النادرة و الفقيه همه تنقيح المسائل الكلية لا الجزئيات و يؤيد ذلك انهم قد جرت عادتهم بقدح المخالف و الطعن فيه لغرض من الاغراض سيما اذا كان حديثا مذكورا في الكتب فاذا لمنجد له رادا من العلماء بوجه من الوجوه و لا عاملا بخلافه و نظرنا الي الكتاب و السنة فلمنجد فيهما معارضا و لا منافيا ( معارض و لا منافي خل ) و لا قرينة تدل علي ذلك و الامام عليه السلم بين اظهرنا و مطلع علينا و عالم بما فعلنا و ما كلفنا و سكت عنا فعلمنا ان السكوت ليس الا للتقرير و الا لكان مهملا لرعيته او مغريا بالباطل و هو [ص 16] لايجوز عليه عليه السلم مع ورود ان لنا اوعية اه و ان لميتكرر في الكتب المدونة للفقه و كان مذكورا في كتب الاعتقادات و الاخبار المروية فيها و لميطلع عليه الفقهاء لقصر نظرهم في الكتب الاربعة و لميكن له معارض و مناف بوجه اقوي او مساو له فالظاهر الحجية لما تقدم اذ لايخفي علي المستنبط جهة المعارضة .
الثالث الاجماع و هو الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم عليه السلم او تقريره و هو حجة بجميع اقسامه اما الاجماع الضروري و اجماع الفرقة المحقة و هو حجة بالاتفاق و مخالف الاول كافر و مخالف الثاني غير مؤمن مخلد في النار و الاجماع المركب حجة ايضا و لا خلاف في حجيته و بطلان احداث قول ثالث علي ( علي فرض خل ) تحقق العلم بدخول قول المعصوم عليه السلم في احدهما و الاجماع المنقول بخبر الواحد بحكم الخبر الصحيح بل اقوي منه من حيث الدلالة و الشبهات الواردة في هذا المقام ليس بشيء و السر في ذلك علي الاجمال هو ان الله سبحانه ابي ان يجري الاشياء الا علي اسبابها و اقتضاءاتها و الشريعة يجب ان تكون علي وفق تلك الاقتضاءات علي نهج محبة الله سبحانه لتجري علي المكلفين آثارها من الترقي الي الذروة الاعلي و المقصد الاسني و تلك المحبة لاتتم الا بامور ثلثة الاول وجود المتعلق اذ حال ارتفاعه يقبح التعلق و هو ظ و الثاني وجود المبلغ لذلك المتعلق لجهل الخلق بمصالحهم و مضارهم و هو لازم للاول غير منفك عنه كالروح للجسد و الثالث انقياد المكلفين للمبلغ باجمعهم فاذا تحققت الشروط الثلثة رجعت الاشياء علي مباديها و اصولها و صفائها و [ص 17] مقاماتها العالية لانه حينئذ سؤال و طلب علي مقتضي محبة الله سبحانه و ليس لمحبته سبحانه غاية و لا نهاية قال تعالي في الحديث القدسي كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، فاذا اختل احد من هذه الامور الثلثة يختل الامر علي حسب اختلال ذلك الشرط فاذا اختل الاولان عدمت الاشياء و فنيت و اذا اختل الثالث تخفي ( يخفي خل ) مقتضيات تلك الشريعة لحصول المانع ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و المانع ليس من تتمة المقتضي الا انه يحجب ظهور الاقتضاء فهي مخفية لاتظهر الا بزوال المانع لا انها ليست موجودة و لما كان عدم الانقياد ( انقياد خل ) المانع لظهور مقتضي الشريعة ليس كليا ليكون المنع و الحجب كليا كما في الكفار بل حصل بعض الانقياد و لما حصل الامتزاج و الاختلاط بين المنقادين و غيرهم من المنكرين المعاندين لميكن الحجب كليا و لا الاظهار كذلك ( الاظهار كليا خل ) فصار بعض الاحيان و الاحوال يظهر الحكم الاصلي و في بعضها مااقتضت المصلحة من جهة المانع علي اقتضاءه من اظهار الحكم الظاهري فاختلفت الاحكام و تغيرت مسائل الحلال و الحرام و تعطلت الحدود كشف الله هذه الغمة عن هذه الامة بمحمد و آله الطاهرين فاذا علمت الاختلاف الكلي في الشريعة كما قال عليه السلم و هو اسلم لنا و لكم و لو اتفقتم لاخذ برقابكم ، فافراد المسائل و الاحكام علي انحاء منها ما يقتضي اتفاق المنقادين علي العمل به و منها ما لايقتضي كذلك و الاول اما ان يكون كليا او له مدة ينقطع عند تمامها و الثاني لايخلو اما ان يقتضي الاختلاف ام لا و المجموع لايخلو اما [ص 18] ان يكون حكما واقعيا اوليا او ثانويا ظاهريا فيجري الامام عليه السلم حافظ الشريعة علي رعاياه هذه الاحكام علي حسب الاقتضاءات كما قال مولينا الصادق عليه السلم والله انا لاندخلكم الا فيما يصلحكم و قال ايضا عليه السلم لعبيد بن زرارة راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه هو اعلم بمصالح غنمه فان ( ان خل ) شاء فرق بينها لتسلم و ان شاء جمع بينها لتسلم ، فان اراد الاتفاق جعل قوله الشريف مع المتفق عليه و ينصب لك قرينة تدلك علي ان هذا ( هذه خل ) الاتفاق يكشف عن قوله او عن تقريره او ينفرد لك ( ذلك خل ) قسما من الاتفاق و يقول لك ان هذا ايضا مما يدخل قولي فيه كما قال في الشهرة خذ بما اشتهر بين اصحابك و اترك الشاذ النادر فان المجمع عليه لا ريب فيه ، فعلمنا ان قوله في المشهور حيث لا معارض لها و الا لكان مغريا بالباطل و هو محال منه صلي الله عليه و هذا الاتفاق الكاشف عن قوله عليه السلم هو الاجماع و قد يكون اتفاقا كليا يشمل كل المنقادين و المتدينين و هو الاجماع الضروري من الدين و قد يكون اتفاقيا في المذهب للفرقة ( الفرقة خل ) المحقة و هو ضروري المذهب و هذان من الاحكام الواقعية النفس الامرية و لا خلاف في كشفهما عن قول المعصوم عليه السلم و منكرهما كافر في الاول غير مؤمن بل هو مخلد في النار علي الاصح علي الثاني و الا فكثير منهم اطلق القول في ذلك بالكفر و في هذين لايعذر الجاهل و لايقبل قول لميثبت عندي فان الضروري لايحتاج الي ذلك بل علاجه السيف و قد يكون اتفاقا كليا لكن بين القولين اذا كان المذهب مستقرا علي القولين و لايحتمل القول الثالث فان [ص 19] هذا هو الاجماع المركب لايجوز العدول عن القولين لانه رد علي الامام عليه السلم اذ قوله الشريف منحصر فيهما لا غير و هذا اذا علم استقرار المذهب عليهما بدلالة القراين و التتبع الكامل و الاستقراء الوافي و ان لميعلم بذلك بل احتمل قولا ثالثا و ماقطع جزما ان قوله عليه السلم منحصر في القولين اذا حصل له دليل قطعي يرجح القولين يقول به غير مدع للاجماع و ان حصل له دليل قاطع علي قول ثالث يصح له القول به و لا محذور لانه حينئذ ليس ردا ( رادا خل ) لقول المعصوم عليه السلم بل هو طالب له و عامل به كما وقع لكثير من العلماء و الاكابر مثل السيد المرتضي (ره) و امثاله و الشهيد الثاني و لايناسب المقام ذكر ما قالوا فاذا فتشت وجدت و هذه المخالفة ليست لمخالفتهم الاجماع و حاشاهم عن ذلك بل لما قلنا فان مجرد الاتفاق ليس اجماعا بل الذي يكشف فاذا لميكشف و حصل له دليل اقوي فيتركه فقد رجح المرجوح و فضل المفضول و هو لايجوز عند اهل العقول و قد يتعاكس هذا الاجماع بالنسبة الي عصرين او مكانين بعيدين فافهم و قد يكون اتفاقا مشهوريا و يكون له نادر مخالف فهذا اذا فتشنا في دليل المسئلة و لمنجد لها ما يدل علي ترجيح القول النادر و لا صارف عن المشهور فان قول الامام عليه السلم حينئذ مع المشهور و هو يحب الاتفاق لقوله عليه السلم خذ ما اشتهر بين اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه ، و سماه اجماعا و الاصل في الاستعمال الحقيقة انما شرطنا الفحص و عدم القرينة المخالفة لما ورد رب ( و رب خل ) مشهور و لا اصل له و يتم الكلام بملاحظة ما تقدم في السنة من عدم [ص 20] اهمال الامام عليه السلم و اكمال الدين و هذا الاجماع لايكون في عصر او في مكان او امكنة متقاربة و لايبعد تحققه في مكانين متباعدين لميطلع اهل احد المكانين علي الآخر و يتعاكسان في عصرين و هو يجوز ان يكون حكم الله الظاهري او الواقعي فقاصر النظر الي احدهما قاصر النظر اذ قد يشتهر في المتقدمين ما يشتهر في المتأخرين بخلافه و لايجوز ان يكونا واقعيين و الا لمااختلفا فافهم و قد يكون اتفاقا سكوتيا و هو الذي يسمونه اجماعا سكوتيا و هو اذا قال فقيه بحكم و سكت عنه الباقون و لميخالفه احد من العلماء اذا فتش علي قدر الطاقة و هو يدل ايضا علي ان الامام عليه السلم ايضا من الساكتين و ليس سكوته خوفا او اثارة فتنة او تقية عن احد او اتكالا علي غيره او توقفا في دليل المسئلة او غفلة و جهلا بحقيقة الامر او اهمالا للدين كما سبق فيسكت للتقرير و هو حجة كالقول . . .
( الي هنا كان في النسختين ) .
[ص 21]