[ص 1] رسالة الصعودية و النزولية

[ص 2] رسالة الصعودية و النزولية

[ص 3]

رسالة الصعودية و النزولية

في كيفية الارتقاء الي حظيرة القدس

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 4] بسم اللّٰه الرّحمن الرّحٖيم و به ثقتي

الحمد للّه ربّ العالَمٖين و صلي اللّه علي سيّدنا خير خلقه محمد و آله الطاهرٖين .

امّا بَعْد فيقول العبد الفقٖير الحقٖير الفاني الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الموسوي الرّشتي ان بعض الاخوان و خالص الخلّان الّذي انار اللّه قلبه بنور التّوفيق و سقاه بفضله من رحيق التّحقٖيق و هداه بمنّه و جوده الي سواء الطّرٖيق قد سئلني عن مسئلة عظٖيمة جلٖيلة قلّ من عثر علَيْها و اهتدي الَيْها و ان كانت السنة الكل ناطقة بالوصول و كلّ يدّعي وصلا بلَيْلي و لكن

اذ انبجست دموع في خدود تبين من بكي ممن تباكا

اذ كثٖيرٌ منهم قد اخطأوا في معرفتها لدقّة مأخذها و صعوبة مسلكها و الاكثر حرموا عن الوصُول الَيْها اذ ما كل من عرف شيئا اتّصل به و هؤلاۤء و لعمري القلٖيلون اقل من الكبرٖيت الاحمر و هم المؤمنون الّذين امتحن اللّه قلوبهم للايمان و شرح صدورهم للاسلام و ازال عنهم الاغيار و صفّاهم عن كل الاكدار و هي كيفيّة الارتقاء الي حظٖيرة القدس عن حضٖيض التعلق و التدنّس و الصّعود الي اعلي مقامات العرفان عن مطمورة الزّمان و المكان و الوصُول الي مقام القرب و الاتّصال و التّخلص عن دركات الجَهْل و الغيّ و الضّلال و انّ ذلك هل يَحْصل بالخوض في هذه العلوم المتداولة بين الناس او بامر آخر و العلوم ايْضا لاتَحْصل الّا بالاكتساب علي ما هو المقرّر عند الاصحاب او بامر آخر قد انسدّ علينا ذلك الباب ، [ص 5] و الفقٖير سوّفت في الجواب لما اجد في نفسي من تصادم دواعي الاشتغال و بواعث الاختلال و تبلبل البال و موانع الاستقامة في الاَحْوال حتي عاد في الالتماس مرّة بعد اخري فكتبتُ هذه الاوراق علي الاستعْجال مع كمال عدم الاقبال لكن الميسور لايسقط بالمعسور و الي اللّه ترجع الامور .

فاقول واثقا باللّه الملك العلّام اعلم وفّقك اللّه لما يحبّ و يرضي و جعل آخرتك خيرا من الاولي انّ اللّه سبحانه لم‌يزل فردا واحدا متفرّدا في الازل و القدم و هو الآن علي ما عليه كان كما قال مولينا الرضا عليه السلام لعمران فلما احب ان يعرف و اراد ان يعبد لنشر ( نشر خ‌ل ) عوايد عطفه و بسط لطائف منه و بره خلق ما كان كما كان كما قال تعالي و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و لما كان الاضطرار في الايجاد مما يأباه و يقبحه اهل الاعتبار و لان الاختيار و الاضطرار كلاهما مقدوران فالاول اولي بالاختيار بل نفي المقدورية عن الاضطرار لم‌يكن عليه غبار فوجب الاختيار فلما صح ذلك امتنع اجراء الاحكام الالهية الا بالاسباب ليعطي كل ذي حق حقه من ذلك الباب و الا ماكان ما ( بما خ‌ل ) كان لما كان كما كان لكنه مايتذكر الا اولوا الالباب و هو قوله عليه السلام ابي الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب ( باسبابها خ‌ل ) و هو قوله تعالي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و لكن تلك الاسباب ليست مستقلة بحيث تجري علي مقتضاها بل هي في كل حال بيد الجبار ذي الجلال لايترتب عليها مقتضاها الا باذن و اجل و كتاب و مع ذلك يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب .

[ص 6] فاذا عرفت هذا فاعلم ان الله سبحانه لما خلقك لما خلقك من المعرفة لشهادة الحديث القدسي فاحببت ان اعرف و كان الامر كما وصفت لك من اجراء الاحكام من الوجودية و الشرعية علي الاسباب اقامك في مقامك في العالم الاول عالم المعرفة و المحبة لتحصيل الغاية و هو اول ذكرك في الكون و كنت في ذلك العالم مستغرقا في بحر المشاهدة و العيان و متوجها الي الله الملك الديان خائضا في لجة بحر الاحدية و سابحا في طمطام يم الوحدانية لم‌يكن لك ذكر للسوي و لم‌تعلم لك غير خالقك مبدء و لا منتهي و هو غاية ايجادك و ثمرة احداثك و اقرب مقاماتك الي ربك و اعلي درجاتك في الوصول و الاتصال و لم‌يكن فوقه مقام و لا اعلي منه مطلب و مرام و لما اراد الله اكمالك و تمام احسانه عليك و جميله لديك اراد ان يعرفك خلقه كما عرفك اولا نفسه بنفسك ليريك ملكه و عظمته و سطوته و سلطانه و قهاريته ازديادا لمعرفتك و اكمالا لنعمته عليك و يختبرك ايضا في ضمنه لتعرف نفسك انك هل تبقي علي العهد من القطع عن السوي او تقطع عن الحق و تشتغل بها و تظهر دنائة طبعك و خسة نفسك علي الملأ حيث اعرضت عن ربك بعد ان عرفته و ذقت حلاوة محبته مرة بعد اخري و كرة غب اولي مع ان بقائك في ذلك المقام ينافي الاختيار المطلوب و المرام فامرك بالسفر عن منزلك و موطنك الذي خلقت له لتشاهد الاسماء و الصفات في مظاهر التجليات بشرط المراجعة الي الوطن حب الوطن من الايمان و لما كنت في مقام اعلي ماتنزل الي الاسفل الا متدرجا من الاشرف الي الاسفل و كانت [ص 7] المراتب حسب اقتضاءات الاسباب مترتبة كثيرة لكنها تجمعها ثلثة ( ثلث خ‌ل ) مراتب و عوالم كان اول نزولك الي عالم الجبروت اول حجاب اللاهوت من الدرة البيضاء الصافية و مكثت في هذا العالم مدة طويلة و لايبعد ان يقال الف دهر و كل دهر مائة‌الف ( الف خ‌ل ) سنة و آنست باهل ذلك العالم و عرفت اطوارهم و احوالهم و شاهدت عظمة الحق و جلالته فيهم بحيث قد غشيهم نور الرحمة وجوههم مبيضة قائمون لعبادة معبودهم يسبحون له بالليل و النهار لايفترون و هو عالم وسيع بعيد المنال لقربه من العالم الاول عالم اللانهاية عالم الانوار و علومهم الاسرار و كلها ( و كل واحد منها خ‌ل ) باب ينفتح منه الف باب و قد اخذت منهم علوما جمة و اسرارا غريبة و مطالب كلية بقدر ما عندك من الاستعداد و ما في قلمك من المداد باذن الله رب العباد ( العالمين خ‌ل ) و اودعها الله سبحانه في خزانة قلبك و سد بابه و جعل مفتاحه بيد الملائكة العالين الذين هم علي ملائكة الحجب و بقي المفتاح عند ميكائيل و علي كل باب من ابواب بيوت قلبك ملك من جنود ميكائيل و لما كان التكليف علة الايجاد و هو مساوق للانوجاد و الداعي في كل العوالم هو رسول الله محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله لانه من النذر الاولي و كان علمه ما انزله اليه في القرآن و لقد اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان بعث الله سبحانه و تعالي رسوله اليك مع اهل ذلك العالم بشيرا و نذيرا فقال لكم عن الله تبارك و تعالي الست بربكم و محمد صلي الله عليه و آله نبيكم و علي عليه السلام وليكم و الائمة من ولده الاحدعشر ( الاحدي‌عشر من ولده و فاطمة الصديقة خ‌ل ) اوليائكم و قرء عليكم القرآن و عرفكم ما فيه من الحلال و [ص 8] الحرام فاجبتم داعي ربكم بقلوبكم و سرائركم و اختلفتم في بواطنكم و بقي ظاهركم علي الاجابة كان الناس امة واحدة فعرفتم بواطن القرآن حيث قرء عليكم داعي الرحمن عليه سلام الله الملك ( الملك الديان خ‌ل ) المنان و بقي كغيره مخزونا في قلوبكم مستورا في سرائركم و هي لعمري علوم يقينية لا شك فيها و لا ريب يعتريها ثم سافرت من ذلك العالم الي الملكوت حجاب الجبروت الزمردة الخضراء و عبرت في طريقك عن عالم الاظلة ورق الآس و عرفت ما فيه من العجايب و الغرايب و اتيت سايرا الي الحجاب الاخضر و مكثت في هذا العالم مدة طويلة بالمدة الذي ( التي خ‌ل ) ذكرنا الا ان هناك اوسع و اعظم و انست باهل ذلك العالم و عرفت احوالهم و اطوارهم ( اطوارهم و احوالهم خ‌ل ) و لغتهم و شاهدت عظمة الحق سبحانه فيهم لكنهم لما بعدوا عن العالم الاول تجلي الرب تكاسلوا عن الطاعة و طلبوا الراحة و مضطجعون علي القفا كانه ( كأنهم خ‌ل ) ما لهم ميل الي الطاعة و الزلفي و علومهم القشور و الظواهر و مايتحملون الاسرار و البواطن حين كانوا في ذلك العالم و كلها امور جزئية تحجب عن مشاهدة العلوم و المطالب الكلية الا انها لطيفة صافية و قد اخذت منهم علومهم حسب مقامك و مقدار حاجتك و مرامك باذن الله تعالي ربك و اودعها الله سبحانه في خزانة صدرك و جعل مفتاحه ( مفتاحها خ‌ل ) عند اسرافيل او ( و خ‌ل ) عزرائيل و ينزل منهم الي سيمون و زيتون و شمعون و علي كل باب من ابواب ذلك البيت ملك من جنود هذه الثلثة مفتاحه بيده منتظرا لامر الله و مترقبا لحكمه و لما بعث رسول الله صلي الله عليه و آله عليهم و قرأ القرآن و قال لهم عن ربهم [ص 9] الست بربكم و محمد نبيكم و علي و الائمة من ولده الاحدعشر و فاطمة عليه و عليهم و عليها السلام اوليائكم و ائمتكم فاقر من اقر و انكر من انكر و لزمتهم الحجة بذلك فخلق من خلق من طينة العليين و خلق من خلق من طينة السجين لكن كلا الفريقين عندهم من العلوم ثلثة ( الثلثة خ‌ل ) انحاء علم ربهم و صانعهم و معبودهم و علم العالم الاول هو العلم بكيفية العبادة و القيام بخدمة معبودهم و العمل بخدمته و علم العالم الثاني هو العلم باحوال الخلق بعضهم مع بعض و كيفية السلوك بينهم و مداراهم ( مدار امورهم خ‌ل ) و معاشرتهم و ما يترتب بذلك فالعلم الاول هو المخزون في فؤادك اعلي مشاعرك و هو مفتاحه عند الله سبحانه لايطلع عليه غيره و هو علم الحقيقة لاصحاب دليل الحكمة و العلم الثاني هو المخزون في قلبك و مفتاحه عند ميكائيل و جنوده و هو علم الطريقة و هو الفريضة العادلة و العلم الثالث مخزون في صدرك و مفتاحه عند اسرافيل او ( و خ‌ل ) عزرائيل و جنوده ( جنودهما خ‌ل ) الملئكة الثلاثة و جنودهم و هو علم الشريعة و هو السنة القائمة و دليله ( دليل خ‌ل ) المجادلة بالتي هي احسن فلما حصلت العلوم الثلثة التي هي احوال المبدء و المعاد من اول كونه الي نهاية اجله الي نهاية اكواره و ادواره و اطواره و استقرت في الخزائن المذكورة و تم به ( هذا خ‌ل ) الصوغ الاول انزلك الله سبحانه بلطيف حكمته و مقتضي ما ذكرنا من الاسباب و اجرائها علي المسببات برحمته و جوده الي عالم الاجسام و مقام النقش و الارتسام البحر المواج المتلاطم مظلم ( المظلم خ‌ل ) كالليل الدامس كثيرة ( كثير خ‌ل ) الحيات و الحيتان و لكنك في سيرك قد مررت علي عشرين مقاما و بقيت عنده الي [ص 10] ما شاء الله و علمت ما فيها من الآيات و الحكم و المصالح الي ان انتهيت الي العناصر و تصادمت فيك الطبايع الاربع و اضمحلت بعضها في الآخر ( الاخري خ‌ل ) و كان هذا آخر منزل من منازل سفرك ثم نوديت بالرجوع الي ربك فصعدت الي ان استجننت في النبات و اجريت في الغذاء الي ان خلصت ( حصلت خ‌ل ) من ثفل الكيلوس و تعفين الكيموس و اخرجت الي بطن الام و قدرت نطفتك بالتقدير المعلوم و اجريت فيك الرياح الاربعة بامر الملئكة الاربعة الدبور و الجنوب و الصبا و الشمال و قدر فيك القوي الاربعة من الجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة الي ان وصلت الي اول ظهور اجزاء ( آخر خ‌ل ) العوالم الثلثة المتقدمة فقويت اي في سيرك شيئا فشيئا الي ان نزلت هذه الدنيا الدنية فنسيت ما سبق عليك من الاحوال و الاوضاع و ما علمت و ما تعلمت من تلك العوالم من العلوم و المعارف و الاسرار و الحقايق و الانوار اما من جهة المخالطة و الاعراض ( مخالطة الاعراض خ‌ل ) و الغرايب المفسدة المصحوبة في سفرك في عالم الاجسام او من جهة زجر الملك في بطن الام او من جهة عدم التفاتك الي مراتبك او من جهة الحكمة في انسائك اياها لتتم به ( بها خ‌ل ) معيشتك في حال رضاعك و فطمك و صباك الي ان تصل حد المراهقة فعند ذلك في الاغلب تصل الي المنزل الثاني في وسط الطريق فاذا وصلت الي هذا المقام بعث الله انبياء و رسلا يدعونك الي العهد الاول الذي قد عهدت في العالم الاول ان لاتنظر الي الغير و لاتلتفت الي السوي فارجع الي كما ذهبت عني فاسر باهلك بقطع من الليل و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون فان اجبته باجابته داعيه ( باجابة داعية خ‌ل ) قل ان [ص 11] كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم و قطعت نظرك عن كل ما سواه و ( اي خ‌ل ) اخلصت قلبك عن كل ما عداه ( سواه خ‌ل ) و سلكت سبيله ذللا يخرج من بطن قواك ( اقوالك خ‌ل ) و مشاعرك و ادراكاتك شرابا مختلفا الوانه من العلوم الحقة ( الحقية خ‌ل ) الصورية في مقام الصدر و المعاني الحقيقة ( المعاني الحقية الحقيقية خ‌ل ) اليقينية في مقام القلب و المعرفة الكاملة و المحبة التامة في مقام الفؤاد فيه شفاء للناس من امراض جهلهم و داء باطنهم و هدي و رحمة و نور ( نورا خ‌ل ) لقوم يعلمون ( يؤمنون خ‌ل ) لانه سبحانه و تعالي يملكك الخزائن كلها و يعطي بيدك مفتاحها ( مفاتيحها خ‌ل ) و يخاطبك هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب و هو معني ما قال سيدالشهداء علي جده و ابيه و امه و اخيه و عليه و بنيه آلاف التحية و الثنا الهي امرتني بالرجوع الي الآثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شيء قدير . فاذا تكاسلت عن الاجابة و وفاء العهد المعهود المأخوذ بالالتفات الي نفسك و النظر الي الفاني الزائل فتبعد عن الله سبحانه فبقدر بعدك تحرم عن ( من خ‌ل ) العلم الحقيقي لان خزائنه بيده و بعدك يصير سببا لعدم استيهالك و قابليتك لان يسلم بيدك المفتاح فان اعرض الغافل عن حظه عن الحق سبحانه اعراضا كليا فهو بعيد لايفتح لهم الابواب ابواب العلوم و قد يفتح في بعض المواضع اتماما للحجة علي جهة الاستدراج و هو قوله تعالي سنستدرجهم من حيث لايعلمون . و لما كان لكل حق ظل مقابل و باطل مماثل و كان بازاء العلوم الثلثة في الخزائن العلوية في الخزائن السفلية من [ص 12] الباطل و السوء و يشبه الحق و ليس بحق و بازاء الملئكة الموكلين شياطين علي تلك الخزينة فالخزينة السوءي السفلي في مقابلة الاعلي في تحت الثري ( الثري و خ‌ل ) فيها من احكام الانكار و تلبيس الباطل علي الحق بقدر ما في الاولي الاعلي من المعرفة و المحبة و اظهار الحق و الخزينة السوءي السفلي في مقابلة الثانية في الثري و فيها من احكام الشكوك و الظنون و الوساوس بقدر ما في مقابلها من اليقين و مفتاحها بيد الجهل و الخزينة السوءي السفلي في مقابلة الثالثة الاعلي في الطمطام او جهنم و تمتد الي الارض الثانية ارض العادات و مفتاحها بيد الشياطين الثلاثة و لا منزلة بين الحق و الباطل فماذا بعد الحق الا الضلال فاذا اعرض عن الحق لا بد ان يميل الي الباطل فاذا مال اليه و استقر ميله و استمر و عمل بمقتضاه و قلل الاكل و الشرب و ساير المقتضيات اتصل باولئك الشياطين علي مقتضي عمله فمنهم من يتصل بشياطين الارض الثانية و منهم من يتنزل ( ينزل خ‌ل ) عنهم الي الطمطام جهنم و بئس المصير و منهم من يتنزل ( ينزل خ‌ل ) الي تحت الثري و هؤلاء سيما الآخرين منهم لا خير فيهم ظلمة محضة تجري عليهم احكام الانكار و الكفر لايرغبون الي الخير ابدا ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا ابصرنا و سمعنا و هؤلاء مثل فرق اهل الضلال من الكفار ( الكفر خ‌ل ) و الجمهور ( الجحود خ‌ل ) و الصوفية منهم تريهم يتكلمون بالاسرار و الحقايق و يفعلون خوارق العادات كل ذلك سراب يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و وجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب و هم الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا و ( و هم خ‌ل ) يحسبون انهم يحسنون صنعا . [ص 13] و اما اذا مال الي الباطل ميلا كليا و اعرض عن الحق اعراضا حقيقيا لكنه لم‌يعمل ما يقتضي اتصاله بالشياطين و هذا بقي حمارا لايعرف شيئا الا ما اكتسبه ببعض الكسب من الامور الصناعية اجراء للمسببات ( المسببات خ‌ل ) علي نهج الاسباب مثل حكام اهل الباطل و خلفاء الجور و قد يتوسط بين الامرين مع الميل الكلي الي الباطل و هو مثل علمائهم و قضاتهم و هؤلاء علي اقسام مختلفة حسب قربهم الي مبدئهم من الجهل الكلي و بعدهم عنه و قد يكتسب البعيد من احكام الباطل المنطبع في اسفل السافلين بالكسب و هو لايفتح له الا بعض الابواب الجزئية من تلك الخزينة السوءي كاكثر قضاتهم و علمائهم اذ ليس لهم يد طولي و باع طويل في باطلهم بخلاف المتشبثين باذيال الشياطين و المتمردين فان لهم باعا طويلا في باطلهم و لتشابه الحق يري الجاهل بالامر انهم علي شيء الا انهم يمارون في الساعة و انهم لفي ضلال بعيد . فمن اطلع علي هذيانات ابن‌عربي في الفتوحات يري صدق ما زبرنا و سطرنا و كذا اماتة العلوم للغزالي و امثالهما كالانسان الكامل الشيطان المضل لعبدالكريم الجيلاني .

فاذا عرفت هذه المقامات دركات الهالكين و مقامات الضالين المضلين فاعلم ان في طرق الحق مثل ذلك حرفا بحرف من غير زيادة و نقيصة لانه بعد ما اتاه التكاليف ( التكليف خ‌ل ) بعد البلوغ ان قبل او لم‌يقبل و الثاني ما ذكرنا و الاول اما ان رجع ( يرجع خ‌ل ) الي ربه و يمضي الي سبيله و لايلتفت الي غيره ابدا او يتخذ ( لم‌يتخذ خ‌ل ) الهوي الها في الاعمال البدنية دون الاعتقادات القلبية و الاول هو المقتصد بل السابق الي الخيرات الذي يحوم حول ربه لايعرف غيره و [ص 14] الثاني فان دام ( داوم خ‌ل ) نظره الي الهوي فهو الظالم لنفسه الذي يحوم حول نفسه فهذا ايضا تنسد اليه ابواب العلم لتدافع النظران اذ له بالعمل حين العمل نظر الي نفسه المجتثة الي اسفل السافلين و بالاعتقاد نظر الي ربه فيتدافعان و ان كان النظر الاول اقوي فبقيت الابواب منسدة عليه و العلوم مفتقدة لديه لانه رجع في سيره قهقري فلاتنفتح له الابواب و لايملك الخزائن و المفاتيح الا بالاقبال الي الله سبحانه و الاعراض عما سواه و القيام في خدمة مولاه و قطع النظر عن كل ما عداه و ذلك لايكون الا بفعل ما يوصل الي الله سبحانه من الاعمال الراجحة و لايقتصر علي الواجبات ( بالواجبات خ‌ل ) الصرفة فانه لايوصله الي مقامات العلم و المعرفة و درجات المحبة الا ان يكون بشرط الانقطاع الكلي فان المستحبات مما يحبها الله سبحانه و يحب صاحبها فلايترك المحب المنقطع عن نفسه ما يحبه المحبوب فاذا فعل ما يحبه المحبوب ،

عجبا للمحب كيف ينام كل نوم علي المحب حرام

قال الله تعالي في الحديث القدسي يا موسي كذب من زعم انه يحبني و اذا جاء الليل نام عني اتري المحب ينام عن محبوبه فالمحب لايترك ما يحبه المحبوب فاذا فعل ما يحبه المحبوب احبه المحبوب فاذا احبه المحبوب آثره علي اعز ما عنده مما يصلح للمحب و لا شيء اعز عند الله سبحانه من العلم لقد قال رسول الله صلي الله عليه و آله ليس العلم بكثرة التعلم بل هو نور من عند الله يقذفه في قلب من يحب فينفسح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاء قيل و هل لذلك من علامة يا رسول الله (ص) قال صلي الله عليه و آله التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد [ص 15] للموت قبل نزوله ه‍ ، و قال الله تعالي في الحديث القدسي مازال العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته و ان سكت عني ابتداته الحديث ، تأمل في هذا الحديث الشريف تجد ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و قال الله تعالي في الحديث القدسي يا ابن آدم اطعني اجعلك مثلي اقول للشيء كن فيكون تقول للشيء كن فيكون انا حي لااموت و تكون حيا لاتموت الحديث ، الحيوة ( الحي خ‌ل ) هو الذي لا موت له لقوله تعالي افمن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس و هو العلم و المراد باعطاء العلم هو تمليكك المفتاح علي حسب جهدك في العمل و يدل علي ذلك ما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام ليس العلم في السماء فينزل اليكم و لا في الارض فيصعد اليكم بل هو مكنون فيكم مخزون في قلوبكم تخلقوا باخلاق الروحانيين ( الروحانيين يظهر لكم و التخلق باخلاق الروحانيين خ‌ل ) هو الذي اشار اليه روحي فداه خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت اوايل جواهر عللها فاذا فارقت الاضداد فقد شاركت به السبع الشداد ه‍ ، و الاضداد هي التي لحقتك من الاعراض و الغرايب حين تنزلك ( تنزلت خ‌ل ) الي هذه الدنيا دار التكليف و مشقة علي خلاف مقتضي الهوي ( الهوي و حين خ‌ل ) المعاصي و الالتفات الي السوي فان الاغيار يستلزم ( تستلزم خ‌ل ) الاكدار و كيفية مفارقتها ان تذيب نفسك و تحللها بنار الاعمال ثم تعفنها بالتفكر و الحضور ثم تقطرها بالعمل مع الاخلاص فهناك يتم لك الاكسير [ص 16] و شرح ذلك بالعبارة الظاهرة هي انك تقطع بل تشاهد عيانا بانك لا شيء لا تذوت لك في حال من احوالك من حركاتك و سكناتك و خطراتك و بدواتك و لحظاتك و علومك و اعتقاداتك و كلما لك و بك و منك و اليك و فيك و معك و عنك و عندك و لديك كلها الا بالله و لا حول و لا قوة الا بالله و هذه الدنيا ليست بدار قرار و محل استقرار ليصح الركون اليها بل هي في كل آن في الزوال و الاضمحلال و الموت يأتيك في غفلة و هو اقرب اليك من كل شيء و انه يقبضك علي ما انت عليه من حال الطاعة و المعصية فيلزمك احكامهما من الحور و القصور او الحية و العقرب و ان مآل الاكل و الشرب الي اخس ما يكون في الدنيا مما يحصل منهما و يخرج من البطن و كل ما كان الاكل في الظاهر الذي يكون نتنه و خبثه اكثر و اشد فاذا تأملت في هذه الامور يحصل لك الاخلاص و ان لاتقصد بعملك الا الله سبحانه اذ كل ما سواه باطل فاذا حصل لك الاخلاص فاعمل و لاتري له شيئا فان عملك نعمة من الله سبحانه لاتستوجب به شيئا من الخير ( الله خ‌ل ) ابدا و انما هو تفضل ( بفضل خ‌ل ) من الله سبحانه عليك ان اعطاك و ان منعك فبعدله ( فانك عبد له خ‌ل ) لانك مقصر و لاتستحق ( لاتستحق به خ‌ل ) شيئا . فاذا ايست من عملك و رجوت الله سبحانه و عملت لانك عبد و العبد يقتضي ذلك فاقصد في مشيك في سلوكك عند نفسك و عند الناس اما الاول فلاتأكل حتي تجوع فاذا اكلت فلاتشبع و لاتشرب حتي تعطش فاذا شربت فلاترو و لاتتصور الصور ( بالصور خ‌ل ) الباطلة و الخيالات الفاسدة او الامور الماضية او المستقبلة او الآتية التي لايعنيك و لايوصلك الي الحق فليكن تصورك في عظمة الله سبحانه و ما خلق في [ص 17] بدايع صنعه و لاتهتم و لاتحزن لشيء فاتك فان الامور كلها بيد الله سبحانه انت و ذاك ( ذلك خ‌ل ) الذي فات عنك ملك لله ( الله تعالي خ‌ل ) و هو يتصرف في ملكه ما يشاء كما يشاء و لاتفرح بالذي اتاك اذ قد يكون من جهة الاستدراج و لاتحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خيرا لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب اليم و كذلك العلوم و المعارف و لاتركن الي شيء منها و كن بما عند الله اوثق مما عندك و عند الناس و لاتتكلم الا اذا سئلت او ( و خ‌ل ) ما هو يعينك في امر آخرتك فان المؤمن كلامه ذكر و صمته فكر و نظره اعتبار و اقرء القرآن كثيرا بالتدبر و النظرة و انزجر لمواعظه و اجعل همك في معرفة القرآن متعلما لا معلما و انظر كتب اخبار اهل البيت عليهم السلام و اتبع آثارهم فان من شذ عنهم شذ الي النار لان الحق لهم و معهم و فيهم و منهم و اليهم و بهم و عندهم و اخلص في ولايتهم بان لاتذهب الي عقوقهم و تميل الي كتب الضلال من كتب الحكماء و المتكلمين و الصوفية و امثالهم من المغضوب عليهم و الضالين ، قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام ذهب من ذهب الينا الي عيون صافية تجري بنور ( بامر خ‌ل ) الله و ذهب من ذهب الي غيرنا الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض و قد قال مولينا الباقر عليه السلام من احبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل مسئلة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسئلة ه‍ ، و هم الصادقون اذا قالوا و الموفون بعهدهم اذا عاهدوا سلام الله عليهم و من الاخلاص في حبهم الطاعة لله سبحانه بالاخلاص و اجعل لنفسك في اليوم و الليلة ساعة تنظر فيها الي العالم [ص 18] خالي القلب فانه مفتاح العلوم و منبع الخيرات و لاتمل اذا فكرت و نظرت مرة و مرتين فلم‌تجد فانك تعاود في النظر مرة بعد اولي و كرة بعد اخري فانك تجد فضل الله عليك و علي المؤمنين و تذكر ما سبق منك في العوالم الثلثة المتقدمة و في مقابلاتها و الحاصل اوصيك ان ( انك خ‌ل ) لاتترك النظر و التفكر فانه روح الاعمال و العلوم كلها و كرر النظر و عاود فان من قرع بابا و لج ولج و من طلب شيئا و جد وجد و الله سبحانه ارحم الراحمين و اكرم الاكرمين لايخيب راجيه و لايحرم آمليه سيما من اراد ان يتعلم لديه و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و كيفية هذه المجاهدة زايدا علي ما ذكرنا ان تجعل همك اولا ان تطلب المعرفة لله و لاخلاص ( الاخلاص في خ‌ل ) العمل له و ( و السلوك الي سبيله ثم لاتلتفت الي الاغراض النفسانية و الشهوات الطبعية و خ‌ل ) لاتطلب المراء و الجدال و تكثير القيل و القال فان العلم نقطة كثرها الجهال و لاتركن الي قاعدة كلية او ضابطة مقررة مأخوذة عن القوم من غير المعصومين سلام الله عليهم اجمعين من غير ان تزن بميزانهم و لاتأنس الي جماعة و طايفة لتحب نفسك ان يكون الحق معه بل انظر بفطرتك و سجيتك الي الكتاب و السنة و تجعلهما امامك و تأييد الله فوقك و الاعتصام بالله عن يمينك و الاستعاذة من الشيطان عن يسارك و لتسند ظهرك علي حول الله و قوته ثم تنظر اليها نظر المتعلم لا العالم المستقل بان تذري الروايات كذرو الريح الهشيم بان تأخذ و تقبل كل ما يطابق عقلك و يوافق فهمك و تأول كلما يخالف قاعدتك اليها او تطرح كلما تعجز عن التأويل فان [ص 19] ذلك يحجبك عن مرادك و مقصودك لاتنال الي شيء ( و لاتنال شيئا خ‌ل ) و لاتصل الي علم لم‌يزدد الا في جهلك العياذ بالله بخلاف ما اذا اردت العلم من الله بالنظر الي كلامه و كلام اوليائه متعلما جاهلا و معتقدا بان الحق انما هو في الكتاب و السنة و كل شيء فيهما و ان من شيء الا و فيه كتاب او سنة فحينئذ انت المجاهد في الله سبحانه فيعلمك من اسرار ملكه و ملكوته ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر علي قلب بشر اذ الفياض منزه عن البخل فكلما طلبت منه يعطيك و طريق الطلب كما ذكرنا ان تتوجه اليه و ترغب اليه و تطلب ما عنده منه و تعرض عمن سواه و اما اذا قلت ذلك بلسانك و قلبك يدور يمينا و شمالا فاذن ماطلبت منه بل هو العياذ بالله نوع استهزاء فسوف يأتيهم انباء ما كانوا به يستهزؤن و اما اذا صرت المجاهد في الله و المهاجر اليه فيهديه ( اردت المجاهدة في الله و المهاجرة اليه فيهديك خ‌ل ) البتة سبله اي سبيل سلوكك مع نفسك و مع الناس و مع الله و سبيل التجافي عن دار الغرور و سبيل العلوم الحقة و المعارف الدينية الالهية و سبيل التقوي و الزهد و الورع و الاجتهاد و سبيل السبيل الموصل الي السلسبيل لتكون من اصحاب الرجعة ( الرحيق خ‌ل ) قال الباقر عليه السلام ما معناه ما من مؤمن يؤمن بهذه الآية الا و له ميتة و قتلة و هو قوله تعالي و لئن قتلتم في سبيل الله او متم لالي الله تحشرون بان يعلم ان سبيل الله هو علي عليه السلام و القتل في سبيل الله هو القتل في سبيل علي عليه السلام و سبيل ( سبيل معرفة خ‌ل ) الاحاديث الصعبة المستصعبة علي ابوابها و معانيها و توحيدها و هذه السبل كلها ترجع الي سبيل واحد فالجمع للفرق و الفصل ليعرفه من [ص 20] سبقت له من الله العناية و اما الكثيرة فهي سبيل ( كثيرة خ‌ل ) الضلالة فانها لاتنضبط في حد و لاتحصر في عد لان الهوي في كل آن يتجدد ميله قال تعالي و ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فافهم و اشرب عذبا صافيا هذا مجمل كيفية الصعود الي اعلي مقامات العرفان عن مطمورة الزمان و المكان .

و اما قولك انه يحصل بهذه العلوم المتداولة بين الناس فهيهات هيهات لاتزيد هذه العلوم الا بعدا و لاتكثر الا قساوة القلب فان شئت ان اشرح لك ذلك فعلت و لكن الحوالة الي الوجدان ، بلي بعد ملاحظة ما ذكرنا ينفع هذه العلوم فيدرك صافٖيها و يعرض عن كدرها و لولا العجالة و كثرة الاشغال و تواتر الدّواعي لكنت اذكر في ذلك امورا عجٖيبة غَرٖيبة لكنه لا حاجة الي ذلك فانّ ما ذكرنا كفاية لمن اراد الحق و الصّواب و الحمد للّه في المبدء و المآب .

قد فرغ من تسوٖيد هذه العجالة مؤلفها يوم الجمعة من العشر الآخر من شهر رجب المرجب في سنة ١٢٣٣ .

[ص 21]