[ص 4] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عجزت الاحلام عن ادراك مائيته ، و قصرت الافهام عن الاحاطة بكيفيته ، و حسرت الاوهام عن البلوغ الي كنه حقيقته ، و كلت البصائر و الابصار عن اصابة ذاته و هويته ، و ذلت الرقاب لسطوته و عظمته ، و خشعت الاصوات لخيفته و جبروته ، و تدكدكت الجبال لاستشعار قدسه و قهاريته ، و تزلزلت الارض عند ظهور جلال قيوميته ، و تفطرت السموات دون تشعشع انوار كينونيته ، و انتشرت الكواكب و النجوم و البروج من خشيته ، و خضعت كينونات الكائنات لعزته ، و قامت النسمات و الذوات و الصفات بكلمته ، و وقفت فقراء القوابل و الاستعدادات بباب رحمته ، و استغرقت حقائق الخلايق في بحار نعمته ، و استنطقت السنة خرسات الكائنات لاظهار قدرته ، و اضمحلت الغرائز و الطبائع دون بروز نور لاهوتيته ، و وقفت سفينة الممكنات في ساحل بحر آيته ، و وجلت قلوب الخلائق من مخافته ، و توجهت الطلبات اليه باسمه و صفته ، و انصدت طرق الوصول اليه عن جميع بريته ، و انقطعت النسب و الاضافات بينه و بين خليقته ، و توجه اليه كل احد بصافي طويته ، و طلبه بكل مجهوده بعين حقيقته ، و نظر اليه سبحانه بلطف سريرته ، فلميقع نظره الا الي مقدار سم الابرة من نور عظمته ، فسبحان من عزيز جلت عزته عن الوصول اليه ، و عزت منعته عن البلوغ في ما لديه ، بل تجلي للخلق بهم بحقائقهم ، و ظهر لهم في ذواتهم و سرائرهم ، و عرفهم نفسه بكينونتهم ، و ابان عن نعته و صفته بذاته [ص 5] بذاتهم و طويتهم ، و القي مثاله في هويتهم ، و اوضح نوره و ظهوره في جبلتهم ، و وصف نفسه بهم بسر حقيقتهم ، و اشرق شمس ظهوره في باطن عقيدتهم ، فكانت معرفته عين معرفة انفسهم ، فوقعوا من الرسم الي الرسم و وقفوا بباب الوصف و الاسم فكانت الخلائق اسمائه و صفاته ، و الحقائق آلائه و سماته ، فاصبحوا لايرون سواه و لايجدون ما عداه و لايشاهدون سوي نوره ، و لايلاحظون غير ظهوره ، قد ملأت الآفاق و الانفس آياته ، و استولت علي الاشياء صفاته و سماته ، و استقهرت النسمات لما تجلي جماله و بهائه ، فلمتكن الآثار الا ضياء نوره و سنائه ، فلايري نور غير نوره ، و لايسمع صوت غير صوته ، و لايشاهد ظهور خلا ظهوره ، علا نوره فظهر ، و استعلي قدسه فخفي و استتر ، فكان خفاؤه لشدة ظهوره ، و استتاره لعظم نوره ، فسبحان من استوي برحمانيته علي العرش فصار العرش غيبا في رحمانيته كما صارت العوالم غيبا في عرشه ، محق الآثار بالآثار ، و محي الاغيار بمحيطات افلاك الانوار ، و اشهد ان لا اله الا هو العزيز الحكيم العليم الكريم الواحد الاحد الفرد الغني الذي لايعرف بالمثال ، و لايخطر بالبال ، و لايدرك بالبيان و المقال ، ليس اليه حد منسوب ، و لا له مثل مضروب ، تعالي عن ضرب الامثال له و الصفات المخلوقة علوا كبيرا ، و اشهد ان محمدا صلي الله عليه و آله عبده و رسوله و حبيبه و خليله و صفيه و صفته و خاصته و خالصته توجه بتاج الكرامة ، و حباه الوسيلة و دار المقامة ، اقام مراسم العبودية ، و عرفه سبحانه بالوحدانية و [ص 6] الصمدانية ، و نزهه عن الاضداد و قدسه عن الانداد ، و طهره عن الصفات الامكانية ، و صفاه عن الشوائب الكونية و الوجدانية ، و تغوص في طمطام يم وحدانيته ، فاستغرق في لجة بحر احديته ، و دك جبال انيته ، و ابطل شهود سره و سريرته ، و اعرض عن كلما سواه شوقا لفرط محبته ، فقام يسير وحده علي بساط مودته ، حتي اشرق له المحبوب مقدار سم الابرة بنور عظمته ، فغاب عن نفسه و فني عن شخصه و خر مغشيا عليه ساجدا تحت عرش ربه ، و تلألأ نور البهاء و الجمال في وجهه ، فناداه ربه و سيده و مولاه بلسان سره : انت الحبيب و انت المحبوب ، و انت الطالب و انت المطلوب ، و انت المراد و انت المريد ، اخترتك لغيبي ، و اصطنعتك لنفسي ، فاذهب انت و اخوك بآياتي و لاتنيا في ذكري ، فبعثه علي كافة الخلق رسولا بشيرا ، و قال تعالي تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا ، فاستخلصه و اقامه مقامه في سائر عالمه في الاداء و جعله سلطانا مطلقا علي كل من اقر بانه الله ، و شاهدا علي كل معترف له بملكة الربوبية ، و مقر له برقية العبودية ، فهناه الله علي هذا الفضل العظيم ، و المن الجسيم ، اذ اصبح وجه الله الباقي ، و حفظه الواقي ، و يده الباسطة ، و رحمته الواسعة ، و برهانه الجلي ، و عضده القوي ، و نوره الذي لايطفي ، و حجته التي لاتخفي ، و عينه الناظرة الي كل من في الارض و السماء ، و لسانه الناطق المعبر عنه في الخلاء و الملاء ، صلي الله عليه و آله مصابيح الدجي ، و اعلام الهدي ، و منار التقي ، و الانوار المضيئة لاهل الارض و السماء ، [ص 7] و ابواب الله لكل الخلق مما يري و مما لايري ، و السبل الواضحة ، و الانجم اللائحة ، و البدور المضيئة ، و السرج المنيرة ، اركان التوحيد ، و ارباب التفريد و التجريد ، و السن الحق المجيد ، و اوتاد الارض لئلاتبيد ، محال مشيته ، و مساكن ارادته ، و مهابط فيضه ، و خزنة رحمته ، و تراجمة وحيه ، و لعنة الله علي اعدائهم و ظالميهم و معانديهم و مبغضيهم و غاصبي حقوقهم اجمعين الي يوم الدين .
اما بعد عباد الله انصتوا ، فاذا انصتم فاسمعوا ، و اذا سمعتم فعوا ، و اذا اوعيتم فاحفظوا ، و اذا حفظتم فاعلموا ، و اذا علمتم فاعملوا ، فاني اوصيكم و نفسي الجانية الفانية الزائلة التابعة للهوي العاصية للمولي بتقوي الله فانها شفاء صدوركم ، و نوركم في لحودكم و قبوركم ، و لباسكم بستر عورات ذنوبكم و قبائحكم و فواحشكم ، اذا كشف المستور ، و بعث من في القبور ، و حصل ما في الصدور ، و اعلم واردات الضمير ، و ظهر العمل من الكبير و الصغير ، و الجليل و الحقير ، و لاتغتروا بهذه الدنيا الزائلة ، و لاترغبوا الي هذه الجيفة المنتنة الباطلة ، فانها مهلكة طلابها ، متلفة خطابها ، آخذة لما تعطي ، سلابة لمن تكسو ، واضعة لمن ترفع ، تاركة لمن يعشقها ، مغوية لمن اطاعها و اغتر بها ، غدارة بمن ائتمنها و ركن اليها ، هي المركب القموص و الصاحب الخؤن و الطريق الزلق و المهبط الهوي ، هي المكرمة التي لاتكرم احدا ، المحبوبة التي لاتحب احدا ، الملزومة التي لاتلزم احدا ، يوفي لها و تغدر ، و يصدق لها و تكذب ، و ينجز لها و تخلف ، هي المعوجة [ص 8] لمن استقام بها ، الملاعبة بمن استمكنت منه ، بينا هي تطعمه اذ جعلته مأكولا ، و بينا هي تخدمه اذ جعلته خادما ، و بينا هي تضحكه اذ ضحكت منه ، و بينا هي تبكيه اذ بكت عليه ، و بينا هي قد بسطت يده بالعطية اذ بسطتها بالمسئلة ، و بينا هو فيها عزيز اذ اذلته ، و بينا هو فيها مكرم اذ اهانته ، و بينا هو فيها معظم اذ صار محقورا ، و بينا هو فيها رفيع اذ اوضعته ، و بينا هو لها مطيع اذ عصته ، و بينا هو فيها مسرور اذ احزنته ، و بينا هو فيها شبعان اذ اجاعته ، و بينا هي فيها حي اذ اماتته ، فاف لها من دار كان هذه فعالها و هذه صفتها ، فكيف يغتر العاقل بها و بزخارفها ، و اعتبروا بمن مضي قبلكم كم من قصور شيدوها ، و كم من ابنية بنوها ، و كم من ارض عمروها ، و كم من لذائذ اكل اكلوها ، و كم من ملابس نفيسة لبسوها ، و كم من دور عالية سكنوها ، و كم من ديار و بلاد فتحوها و ملكوها ، كلهم صاروا الي التراب ، و خربت تلك القباب ، و عاد ما بنوها الي الخراب ، و فقدوا الاولاد و الاحباب و عدموا الاهل و الاصحاب ، و تلك مساكنهم لمتسكن بعد ان في ذلك لذكري لاولي الالباب ، و اذكروا الموت هادم اللذات ، و اقطعوا عن العلائق و الشهوات ، و انتهضوا الفرصة و اغتنموا المهلة ، و انتبهوا عن سنة الغفلة ، و تيقظوا عن رقدة الجهلة ، و ليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه ، و شيبته قبل هرمه ، و سعته قبل عدمه ، و خلوته قبل شغله ، و حضره قبل سفره ، و قبل ان يكبر و يهرم ، و يمرض و يسقم ، و يمله طبيبه ، و يعرض عنه حبيبه ، و يتغير [ص 9] عقله ، و ينقطع عمره و هو موعوك ، و جسمه منهوك ، قد جد في نزع شديد ، و حضره كل قريب و بعيد ، فشخص بصره ، فطمح بنظره ، و عرق جبينه ، و انقطع انينه ، و جذبت نفسه ، و نكب عرشه و حفر رمسه ، و يتم ولده ، و تفرق عنه عدده ، و قسم جمعه و ذهب بصره و سمعه و مدد و وجه و جرد و عري ، و غسل و نشف و سجي ، و بسط له و نشر عليه كفنه ، و شد منه ذقنه ، و قمص و عمم ، و لف و ودع و سلم ، و حمل فوق سرير ، و صلي عليه بتكبير ، و نقل من دور مزخرفة ، و قصور مشيدة ، و حجر منضدة ، فجعل في ضريح ملحود ، و ضيق مرصوص ، بلبن منضود ، مسقف بجلمود ، و هيل عليه حفره ، و جثي عليه مدده ، فتحقق حذره و نسي خبره ، و رجع عنه وليه و نسيبه ، و تبدل به قريبه و حبيبه ، و صفيه و قديمه ، فهو حشو قبر ، و رحين (كذا) قفر ، يسعي في جسمه دود قبره ، و يسيل صديده من منخره ، ينسحق ثوبه و لحمه ، و ينشف دمه ، و يرق عظمه ، حتي يوم حشره ، فينشره من قبره ، و يسئل عن حاله من مبدئه و مآله ، فليستعد للجواب ، اذ احضروه للحساب ، و نشروا عليه الكتاب ، و لايغفل لاخذ حظه من الدنيا للاستعداد ليوم الجزاء .
هذه الفقرات لعيد الاضحي :
و اعلموا عباد الله ان في هذا اليوم العظيم ينظر الله تعالي الي حجاج بيته الكريم و زوار ابيعبدالله الحسين سيد شباب اهل الجنة فيقول ملائكتي اماترون عبادي قد اقفروا الاوطان ، و هجر الاولاد و النسوان ، يحنون الي حنين الطير الي اوكارها ، و ينفدون علي فجاج الارض و اقطارها ، قد ملؤا البلاد تكبيرا و تهليلا ، و اتخذوا الوحدانية و [ص 10] زيارة الشهيد المظلوم الي سبيلا ، يصيحون بالتلبية لبيك اللهم لبيك ، قد اتيناك من الذنوب هاربين اليك ، فاشهدكم و انا معكم من الشاهدين اني قد وهبت العاصين و المسيئين للمحسنين ، و وهبتهم اجمعين لمحمد صلي الله عليه و آله سيد المرسلين ، عباد الله و هذا يوم محضره زكوة ، و لصالح عملكم منماة ، و لسالف زللكم منجاة ، فابتغوا فيه الجنة ، و اتبعوا فيه السنة ، باراقة دم سائل ، و اطعام القانع الخامل ، و المعتر السائل ، و اعلموا انه قد جاءت السنة باستحسانها و استسمانها و المغالاة في اثمانها و التجنب لنقصانها ، من كسر في اركانها ، او قطع في آذانها ، او هدم في اسنانها او نقص في ابدانها ، فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها و اطعموا القانع و المعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ، لنينال الله لحومها و لا دماؤها و لكن يناله التقوي منكم لتكبروا الله علي ما هديكم و بشر المحسنين ، ان افضل ما تلاه التالون ، و عمل به العاملون ، كلام من يقول للشيء كن فيكون ، قال الله تعالي فاذا قرئ القرآن فاستمعوا له و انصتوا لعلكم ترحمون ، اعوذ بالله من الشيطان الرجيم و اذن في الناس بالحج يأتوك رجالا و علي كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم و يذكروا اسم الله في ايام معلومات علي ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها و اطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم و ليطوفوا بالبيت العتيق .
[ص 11]