فاقول قال شيخنا اطال الله بقاءه في جواب سائل سئله عن العلم و قال :
قد سمعنا من مشايخنا و قرأنا في اكثر كتب المحققين ان علم الله سبحانه بالكائنات كان قبل وجودها فلا حادث الا و قد سبق علمه الازلي به و لاينكر هذا المعني احد من اهل الاسلام .
قال ادام الله حراسته في جوابه : اقول هذا المعني لاينكره احد من اهل الملل من زمان آدم عليه السلام الي انقضاء زمان التكليف الا من ابتدع في الاسلام و مثل هذا لايعدّ من المسلمين نعم يكون المراد بهذا العلم العلم الازلي الذي هو ذات الله و اما العلوم الحادثة كالقلم و اللوح و العرش و الكرسي و انفس الملئكة و الخلق فان الكلام فيها مختلف و يأتي الاشارة الي ذلك .
قال السائل و لكن علي قولكم كل في زمانه و مكانه و هيئته فالمعلوم الذي يتعلق به العلم الحادث اي شيء هو غير الذي سبق علمه الازلي به او عينه .
قال ادام الله حراسته في الجواب : اقول اعلم ان المعلوم الذي يتعلق به العلم الحادث هو المعلوم الحادث فيه ثلثة اقوال لعلماء الاسلام ثم ذكر الاقوال و قال و الحاصل ان العلم الحادث يتعلق بالمعلوم الحادث و العلم الحادث هو كاللوح المحفوظ قال تعالي فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي فقوله تعالي علمها عند ربي في كتاب [ص 60] مثل قولك الحساب الذي بيننا علمه عندي في الدفتر و هذا ظاهر و الحاصل ان العلم الحادث لايتعلق الا بالمعلوم الحادث و اما العلم القديم الذي هو ذات الله يحيط بكل شيء الحادث و القديم و لكن من غير تعلق لأنه ذات الله و ذات الله لاتتعلق بشيء و لا كيف لذلك فهو قبل كل شيء بلا قبل و بعد كل شيء بلا بعد و مع كل شيء بلا مع لأن العلم القديم هو الله و الله سبحانه لايوصف بقبل و لا بعد و لا مع لأن القبل و البعد و المع صفات الخلق و يصح ان تقول علمه بكل شيء قبل كل شيء و بعد كل شيء و مع كل شيء و لايعرف حقيقة ذلك الا هو تعالي فعلمه الحادث لا بد ان يكون واقعا علي المعلوم و مطابقا له و مقترنا به و اما علمه القديم فهو محيط بكل شيء من غير وقوع و لا مطابقة و لا اقتران و لا كيف لذلك و لايعلم ذلك الا هو عز و جل و هو عالم بها حين كانت قبل ان تكون و قبل كل شيء لأنه لايفقد في الازل شيئا من معلوماته في اماكنها الحادثة قبل ان يحدثها لأنه لاينتظر و لايستقبل بل هو في ازله كل شيء معلوم عنده في اماكنها من ملكه و هذا عنده قبل ان تكون فافهم هذه العبارات المرددة المكررة .
قال السائل : و ايضا فنقول هل معني الحادث انه تعالي يعلم الاشياء بعد وجودها بمعني انه تعالي يوجد لنفسه علما بها ثم يوجدها .
قال ادام الله حراسته : اقول معني العلم الحادث انه يثبت عنده في ملكه ضبط الاشياء و حفظ صفاتها و مقاديرها و هيئاتها و آجالها و ارزاقها [ص 61] و ما اشبه ذلك مع وجودها لا بعد وجودها بمعني انه يوجد في ملكه العلم بها و ضبط حدودها حين يوجدها لا انه يوجد لنفسه علما بها لأنه عالم بها قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها فكيف يوجد لنفسه علما بها و اي حاجة له بذلك اذ لميفقد من جميع حدودها و احوالها من ملكه شيئا قبل ان يوجدها و قبل ان تكون شيئا مذكورا و مثال ذلك انك يكون بينك و بين زيد حسابٌ في بعض المعاملة فتكتبه في الدفتر و ان كنت انت غير ناسٍ للحساب و لكن لاحتمال ان ينسي زيد او يتناسي توصّلا الي انكارك او ليهتمّ بالوفاء اذا علم انك ضابطه عليه بحيث لو صدر منه ما يوهم الانكار او الاستفهام قلت له انا عندي علم الحساب الذي بيننا في الدفتر فيكون اردع له عن الانكار من قولك انا اعلم بالحساب فانه يشكّك في الكلام الثاني دون الكلام الاول و لهذا لما قال فرعون فما بال القرون الاولي قال له موسي علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و هذا هو السر و النكتة في التقييد بقوله في كتاب فافهم . و معني قولنا ان لله علما حادثا انه حين خلقها خلق لوازمها و ملزوماتها و كل ما تترتب علي حدوثها فما كان منها شرطا خلقه تعالي مع خلقه لها لأن الشرط من لوازم المشروط و لايكون اللازم قبل الملزوم لأنه في الحقيقة صفة للملزوم و لاتكون الصفة قبل الملزوم و لا بعده لأنها شرط و المشروط متوقف علي شرطه فلا بد ان يكون معه كالكسر و الانكسار و هو سبحانه عالم بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها فلايكون محتاجا في علمه بها الي ان يخلق له علما بها و [ص 62] الا لكان قبل ان يخلق ذلك العلم جاهلا بها و هذا اعتقاد الجاهل به تعالي لأنه لميفقد شيئا منها من ملكه فعلمه في الازل بحيث لايحتمل الزيادة و النقصان بها في الامكان و لأنه لايستقبل و لاينتظر لأن المستقبل و المنتظر فاقد في الماضي و الحال و تعالي العظيم المتعال عن تغيّر الاحوال فعلمه بكل شيء من خلقه ذاته البسيطة المجرّدة فلو فقد من علمه ذرّة نقصت ذاته تعالي لكن المعلومات ليست في الازل لأن الازل هو الله سبحانه و لايكون في ذاته شيء و انما المعلومات في اماكن حدودها من الحدوث و اوقات وجودها من الامكان و هو بكل شيء محيط فيا مسلم صحّح اسلامك باتباعي و اياك و ان تحترق بنار الكفر من مخالفتي فاني ماانطق بهوي نفسي و انما انطق بهدي من الله باتباعي لائمة الهدي عليهم السلام ،
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لميكن له فهم فيأخذه عنا
فما ثَمَّ الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا
فمِنه الينا ما تلونا عليكم و منا اليكم ما وهبناكم عنّا
و ساق الكلام الي ان قال اطال الله بقاه : و الحاصل العلم الازلي سبق كل شيء و احاط بكل شيء في رتبة كونه حين كونه مع كونه و بعد كونه قبل كل شيء اي في ازل الآزال من غير انتقال و لا زوال و لا تحوّل حال و هو تعالي كما هو و الاشياء كما هي اي كل شيء منها في رتبة تحقّقه من الامكان كما قال صلي الله عليه و آله في خطبة يوم الغدير قال و احاط بكل شيء علما و هو في مكانه ه ، الي ان قال اطال الله بقاه و من قال ان علمه [ص 63] بها لميكن سابقا بها قبل كونها فهو كافر بل علمه بها قبل ايجادها و وجودها كعلمه بها بعد ايجادها و وجودها الي ان قال و اما اذا اردت بالعلم الحادث فالمراد منه كما ذكرنا سابقا انه حدود خلقه فانه اذا خلق زيدا مثلا خلق رزقه و مدّة عمره و فنائه و بقائه و كتب ذلك في اللوح المحفوظ و انفس الملئكة و سمّي هذه الكتابة علماً له فاذا سمعت من يقول علم الله الحادث فالمراد به القلم و اللوح المحفوظ و نفوس الملئكة الموكلين بالخلق في مراتب الوجود الاربع الخلق و الرزق و الموت و الحيوة و اذا سمعت منا نقول انه العلم الاشراقي نريد انه صادر عن فعل الله و مشيته قائم بفعل الله قيام صدور لأنه اثره و قائم بشعاع المفعول الاول قيام تحقّق فهذا الفعل هو المشية و هذا المفعول الاول هو نور محمد صلي الله عليه و آله و الفعل و المفعول يطلق عليهما امر الله الي ان قال فالفعل و النور المحمدي صلي الله عليه و آله اعلي العلوم الحادثة خلقهما الله و سمّاهما علماً باعتبار و معلوماً باعتبار فمعني العلم الاشراقي باعتبار تقوّم المعلومات بأمره كما قلنا فافهم و تدبر و لاتشتبه عليك العبارات فان مراداتنا هي هذه كما سمعت . انتهي كلامه اطال الله بقائه و جعلني في كل مكروه فدائه .
انظر هل بقي لأحد مع هذا الكلام التام الواضح الدلالة مجال القول بأنه اطال الله بقائه ينكر علم الله بالاشياء قبل وجودها او ان يكون له تعالي حالتان او صدر المخلوقات عنه تعالي عن جهل تعالي ربي و تقدّس عن كلما يقولون علوا كبيرا فاذا قال القائل مرادي من هذا القول هذا [ص 64] المعني و اللفظ يحتمل ذلك المعني و لو بعيدا ايجوز في المذهب ان يكذّب و يقال له ليس هذا مرادك لأن كلامك يحتمل غير هذا مع ان ما نقله المعترض من كلامه ادام الله حراسته صريح فيما ذكرنا و نقلنا عنه لأنه قال هناك و العلم الحادث هو فعله و من جملة مخلوقاته و سميناه علماً لله تعالي تبعاً لائمتنا عليهم السلام و اقتداء بكتاب الله تعالي حيث قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي ه ، و الحاصل ان العلم الحادث هو الحوادث و كينوناتها و ذواتها و صفاتها و اطوارها و حدودها و احوالها و اوضاعها باعتبار حضورها و ظهورها عند الفعل و المفعول المطلق الاول و انفس الملئكة و العلماء و غيرهم فان العلم عند المحقّقين كما صرّحوا هو ظهور المعلوم للعالم و هذا الظهور الخاص قائم بالمعلوم لا بالعالم و لذا قبل وجود المعلوم صورة كان ام ذاتا لميكن العلم في الامكان و الحدوث عند الممكن الحادث لا القديم فانه بخلاف صفة الممكنات كما قال الرضا عليه السلام كلما في المخلوق يمتنع في خالقه و قد تواردت الاخبار عنهم عليهم السلام انه لايجري عليه ما هو اجراه فاذا كان العلم هو ظهور المعلوم للعالم و قلنا ان الظهور قائم بالمعلوم فالشيء له جهتان و اعتباران من جهة ظهوره للعالم علم و من جهة كونه ظاهرا معلوم و لا بد من الاقتران بين الجهتين و المطابقة و الوقوع و تعدد الاحكام في الشيء الواحد باعتبار تعدد جهاته مما لا ريب فيه و لا شك و لا ريب ان قبل وجود المعلوم اما بنفسه كما في زيد الخارجي او بصورته و شبحه كما في شبح زيد عند غيبته لايتحقق [ص 65] العلم الذي هو الظهور فهذا الظهور انما يكون و يوجد مع المعلوم مساوقا للعين او للشبح فانك قبل ان تتصور شيئا لمتكن تعلمها كما ان الشيء اذا لميوجد عندك لميكن يظهر لك بالحضور و الوجود و هذا ظاهر و لما كان بين الحضور و الحاضر و الظهور و الظاهر و الحصول و الحاصل تساوق و تضايف قلنا ان العلم الحادث يوجد و يحدث بحدوث المعلوم و انما نسبنا هذا العلم الي الله تعالي حيث ان الله سبحانه اوجد الاشياء و حدودها و اظهرها لخواصّه و حملة علومه كما يقال ان علم الجفر و علم الحروف و علم صنعة المكتوم علم الانبياء يعني انهم عليهم السلام اظهروها و بينوها للناس و كذلك الله سبحانه و تعالي اظهر تلك الحقايق و الحدود للاوضاع للانبياء و الملئكة عليهم السلام فبمقدار ما اظهر لهم علموا حين ما اظهر لهم و ما اخفي عنهم ماعلموا كما قالت الملئكة لا علم لنا الا ما علّمتنا و قال تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الا بما شاء و تقدّم ما في الحديث ان لله علمين علم علّمه الملئكة و هذا العلم الذي علّمه ملئكته هو ما في الواح المحو و الاثبات من حدود اوضاع الخلق و نسبه الي نفسه و سمّاه علمه كما قال الكعبة بيتي و نفخت فيه من روحي و ليست هذه الروح من ذات الله و لا هو سبحانه يحويه شيء حتي يحتاج الي البيت فكذلك هذا العلم هو خلق من خلق الله سبحانه اظهره للانبياء و الملئكة و الصدّيقين و جعله في اللوح المحفوظ و فرّقه في لوح المحو و الاثبات و اجمله في القلم فنسبه الي نفسه و سماه علمه و الله سبحانه عالم بجميع احوالها و [ص 66] اوضاعها و حقايقها و ذواتها و كينوناتها و مقتضياتها و صفاتها و كلياتها و جزئياتها و علوياتها و سفلياتها و مجرداتها و مادياتها و فلكياتها و عنصرياتها و جميع ما لها و منها و بها و لها و عليها و فيها و عنها و لديها قبل وجودها و بعد وجودها و حين وجودها بلا تغير حال و لا مضي و لا استقبال لايعزب عن علمه مثقال ذرة في الارض و لا في السماء فمن انكر شيئا من هذا فقد خالف ضرورة الاسلام و انكر ما ثبت عن سيد الانام و جاء بما احالته العقول و الاحلام فهو كافر مشرك خارج عن الذمة هذا اعتقاد الشيخ جعلني الله ( فداه ظ ) و اعتقادي بذلك ندين فمن نسب غير ذلك الينا فهو كاذب مفتر علينا نبرء الي الله من هذا الاعتقاد ببراءة الله و رسوله صلي الله عليه و آله و قد بيّنا معني ما نعتقده و نقول و الله شاهد علي ما اقول و هو حسبي و نعم الوكيل فاذا عرفت هذا القدر من الكلام فاعلم انه سلمه الله بعد ما نقل عن الشيخ اطال الله بقاه في العلم و انه قسمان حادث و قديم .
قال سلمه الله : اقول هذا ايضا غفلة عن اقسام العلم لأن العلم قد يكون حصوليا يحصل بحصول صورة المعلوم في العالم و قد يكون حضوريا حاصلا بحضور المعلوم بنفسه عند العالم مع المغايرة بينهما او بدونها بمعني عدم الغيبوبة و قد يكون حضوريا حاصلا بحضور علة المعلوم عند العالم مع المغايرة كما في العلم بالنار الحاضرة بالنسبة الي الحرارة التي لمتحسّ فانه اذا علم كنه النار يعلم حرارتها و غيرها من لوازمها و معلولاتها او بدون المغايرة كما اذا علمنا نفسنا بكنهها علما موجبا للعلم بمقتضياتها بمعني عدم الغيبوبة .
[ص 67] اقول العلم هو ظهور المعلوم للعالم و هو ينقسم بالقسمة الاولية بالتقسيم اللفظي الغير الحقيقي الي العلم القديم و العلم الحادث اما العلم القديم فهو ذات الله تعالي فهناك انقطع الكلام و خاب المرام و فحم البيان فلايجوز لأحد ممن اقرّ بالاسلام الخوض و التأمل و التكلم فيه لأنه لايزداد صاحبه الا بعدا و ضلالا كما تواترت به الاخبار و شهدت بذلك العلماء الاخيار و انعقد علي ذلك اجماعهم في جميع الاعصار و الامصار و اما العلم الحادث اي العلم الذي في المخلوق و للمخلوق فلعلماء الاسلام فيه ثلثة اقوال احدها ان العلم عين المعلوم مثل الصورة الذهنية التي هي علمك بالشيء و لا شك انت تعلمها فان علمتها بنفسها فهو المطلوب و ان علمتها بغيرها فننقل الكلام في الغير ان علمته بنفسه ثبت المطلوب و ان علمته بغيره ننقل الكلام اليه فيدور او يتسلسل فثبت ان تلك الصورة هي علمك بها فاتحد العلم و المعلوم و ثانيها ان العلم غير المعلوم و ثالثها ان العلم بعضه عين المعلوم كالصور الذهنية في العلم بها و بعضه غير المعلوم كالصور الذهنية في العلم بالخارج بها و لا شك ان المعلوم هو الخارج و العلم هو الصورة و كل واحد غير الآخر و نحن الآن لسنا بصدد تحقيق القول في هذه المسئلة و علي اي تقادير ينقسم عندهم الي الحصولي و الحضوري فالحصولي عندهم حصول صورة الشيء و شبحه في الذهن و الحضوري هو حضور المعلوم بنفسه فعلي القول بأن العلم عين المعلوم ففي العلم الحصولي [ص 68] يكون المعلوم نفس الصورة لا الامر الخارجي و في العلم الحضوري يكون المعلوم هو العين الخارجي لا الصورة و لك ان تقول في الحصولي علي زعمهم انه حضور الصورة و في الحضوري انه حصول العين اذ لا نص من الله و لا من رسوله علي اصطلاحهم ذلك فاذن فالتعميم اولي لأهل الخصوص كاولوية التخصيص لأهل العموم .
فاذا عرفت ما ذكرنا لك عرفت ان ما ذكره اطال الله بقاه هو حصر لاقسام العلم كلها لأن كل الاقسام انما تشعّبت من العلم الحادث لا العلم القديم فانه هو ذات الله سبحانه لا تعدد فيه و لا قسمة هناك و انما القسمة في العلم الحادث فجميع الاقسام لاتخلو منه لو فرضت صحة هذه الاقسام مع انه في محل المنع و لميتعلق غرضنا بالبحث عن هذه الاشياء .
قوله بحصول صورة المعلوم فيه ان تلك الصورة هي المعلومة خاصة لا العين الخارجي لأنك اذا رأيت زيدا في السوق ثم غبت عنه فكلما تلتفت اليه فانما عندك تلك الصورة و لاتعلم سواها لأن زيدا ربما يخرج و يمرض و يموت و يتبدّل عليه الاحوال فلو ان المعلوم هو العين الخارجي لكان عندك علمه بكل احواله لضرورة التطابق و التوافق بين العلم و المعلوم و لما علمنا انه ليس عندنا الا العلم بتلك الصورة و الصفة خاصة علمنا انه ليس معلومنا حينئذ سواها فلايقال صورة المعلوم لأن المعلوم هو الذي تعلّق به العلم فعند التعلق وجبت المطابقة فزيد الخارجي ماتعلق علمك بذاته بعد غيبته و انما تعلق علمك بصورته فاذن فالمعلوم هو تلك الصورة و الكلام عليه في هذا [ص 69] المقام كثير لكن الاغماض عنه اولي و قوله مع المغايرة بينهما او بدونها فيه ان بين العلم و المعلوم من حيث هما لا بد فيهما من المغايرة لتغاير مفهوميهما الا ان الذي يقول بالعينية يقول ان الشيء الواحد جامع الحكمين و هما صفتان للشيء الواحد بالاعتبارين فاذن لا فرق بين علم الشيء بنفسه او علمه بغيره فان الشيء من جهة كونه علما غير جهة كونه معلوما و غير جهة كونه عالما فمعني الاتحاد اجتماع المراتب في الشيء الواحد باعتبار الجهات هذا في المخلوق و اما القديم فيجب تنزيهه عن كل ذلك لأن الطريق اليه مسدود و الطلب مردود و كذلك الحكم في العلم (ظ) بالغير لأن الشخص هو العالم لكن مبدء الاشتقاق قائم بالمعلوم كما هو الحق في المسئلة عند الامامية ان في صدق المشتق لايشترط قيام المبدء بالمشتق مثل الضارب فانه قد اشتق من الضرب الثابت الحال القائم في الشخص مثلا و كالمتكلم فانه قد اشتق من الكلام القائم بالهواء الحالّ فيه خلافا للاشاعرة فاذن صح ان تقول ان زيدا عالم بالشيء الفلاني و العلم قائم بذلك الشيء حالّ فيه و لا نكر فيه بوجه .
و قوله و قد يكون حضوريا حاصلا بحضور علة المعلوم الخ فيه ان هذا انما يتّجه اذا كانت المعلولات كلها حاضرة موجودة و اما قبل وجود المعلول فلا حضور الا بالاستلزام و الصلوح لا بالوجود فيكون عند العالم حينئذ صور المعلولات لا اعيانها فلايكون علمه حضوريا و انما هو حصولي علي الاصطلاح الذي ذكر .
و قوله كما في العلم بالنار الخ فيه ان هذا الاستلزام لكون النار عندهم فاعلا موجبا او ان الحرارة لازمة لها من [ص 70] حيث العين و اما في الحقيقة فليست الحرارة لازمة لمهية النار بحيث لايتعقل النار بدونها بل اللوازم من حيث هي في مرتبة ذات الملزوم منتفية فالعلم بذاته من حيث هي لايستلزم شيئا الا ان تلاحظه من حيث الملازمة و هذه هي الرتبة الثانية للذات فان الملحوظ هنا الذات من حيث اللزوم و في الاولي الذات البحت فالنظر الاول نظر وحدة و اتحاد و النظر الثاني نظر كثرة و اختلاف و قد اشار الي نوع ما ذكرنا بعض شرّاح التجريد و قال ما لفظه : تعلّق العلم بالعلة اما بمهيّتها من حيث هي لا باعتبار امر آخر فهو لايستلزم تعلق العلم بالمعلول اصلا اللهم الا ان يكون المعلول لازما بيّنا لمهية ● العلة بمعني انه يلزم من تصور مهية العلة تصور مهيّة المعلول انتهي ، اقول هذا ايضا اذا نُظر الي العلة من حيث اللزوم و الا فلا لأن النظر الي صرف الشيء لايستدعي النظر الي غيره الا بالارتباط و الربط للوجه الاسفل في الشيء كما شرحنا في ساير رسايلنا و اجوبتنا للمسائل .
قال سلمه الله تعالي : و علم الواجب بالنسبة الي الممكن قبل الايجاد من هذا القبيل فيكفي وجود ذات العلة في حصول العلم بالمعلول و اطلاق العلة عليه تعالي صحيح اما الناقصة فلنقص المعلول لا العلة و اما التامة فبملاحظة المشية و الارادة .
اقول مراده ان علم الواجب بالنسبة الي الممكن قبل الايجاد من قبيل علم العلة بمعلولاتها قبل ايجادها و علم النفس بمقتضياتها و احوالها و آثارها اقول هل المعلول مذكور في رتبة ذات العلة او في رتبة ملكها او [ص 71] ليس بمذكور لا في الذات و لا في الفعل و الملك فان كان الاخير فلا علم فانه ذكر الشيء الثابت الجازم فحيث لا ذكر لا علم و ان كان الاول فهل هذا الذكر شيء ام لا فان كان الثاني فلا علم لأن العدم المحض لايصلح للعلمية و ان كان الاول فهل هو قديم او حادث فان كان الاول فهل هو ذكر واحد او متعدد فان كان واحدا فهو العلم بالشيء الواحد و علي هذا القول يلزم ان لايعلم الله سبحانه قبل ايجاد الاشياء الا شيئا واحدا او يعلم الكلي و لايعلم الجزئيات المفصلة و هذا لايقول به مسلم فان قيل ان الذكر واحد و المتعلقات مختلفة فيتعلق ذلك الواحد بالامور المختلفة قلنا هل المتعلقات موجودة ام لا فان كان الاول لزم قدم الاشياء كلها و لايقول به مسلم و ان كان الثاني لميصح التعلق ضرورة ان التعلق يستدعي الطرفين و القول بوجود التعلق مع عدم المتعلق لميتفوّه به عاقل فضلا عن فاضل كامل فعلي هذا فقبل التعلق ليس الا ذكر واحد لشيء مجمل فيعود ما اجمع المسلمون علي بطلانه كما مر و ان كان الذكر متعددا مختلفا فتتعدد القدماء و قد ابطلها التوحيد مطلقا و ان كان الذكر حادثا مع انه يلزم ان يكون الحق سبحانه محلا للحوادث ننقل الكلام في ذلك الحادث و في تعلق العلم به قبل وجوده لما تحقق عندهم و عند العقلاء باجمعهم ان كل حادث مسبوق بالعدم و لاتتوهّم من كلامي ان هذا ابطال و نفي لعلم الله تعالي بالحوادث قبل ايجادها لأنا قد ذكرنا سابقا انه تعالي يعلم الاشياء صغيرها و كبيرها و دقيقها و جليلها قبل الحوادث و بعدها و معها بلا تغيّر حال و لاتدرك [ص 72] كيفية تلك الاحاطة و لايعلم ذلك العلم و الادراك لا سبيل لأحد الي ذلك لا ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن لأنه كلام في ذات الله و هو حرام اجماعا من المسلمين و لكن الكلام في ابطال قول جناب الماتن المعترض سلمه الله تعالي حيث كيّف علم الله الازلي بالاشياء و مثل له و زعم انه مثل علم العلة بذاتها قبل وجود المعلول و الله تعالي يقول فلاتضربوا لله الامثال و الله يعلم و انتم لاتعلمون و قد اجمع اهل البيت عليهم السلام بأن كلما في المخلوق يمتنع في خالقه و لايوصف الله سبحانه بشيء من صفات المخلوقين و الحاصل ان العلة لها لحاظان احدهما ملاحظة الذات البحت الصرف مطلقا بلا ملاحظة جهة من الجهات و حيث من الحيثيات و اعتبار من الاعتبارات فالذات بهذه الملاحظة و النظر لاتوصف بصفة العلية و لا بصفة الفاعلية و لا الخالقية لضرورة ان الخالق و الفاعل ليسا من الصفات الذاتية كما صرّح بذلك جماعة من اكابر العلماء و المحدثين كالكليني و الصدوق في اكثر كتبه و العلامة المجلسي في اكثر كتبه حتي في الكتب الفارسية التي رسمها للعوام في ذكر الاعتقادات ليعتقدوها و الثانية ملاحظة الصنع و الايجاد و الفعل و الاحداث اي الذات من حيث ظهورها بالصنع و الاحداث يصير لها اسم الفاعل و العلة ففي النظر الاول و الملاحظة الاولي لا ذكر للاشياء فيها ابدا لما ذكرنا آنفا و الا لتكثرت فكيف يذكر معها المعلولات الغير المتناهية حتي يلزم من علمها علمها و في النظر الثاني فان كان الحكم علي الذات يلزم تغييرها لأنه حدث فيها ما لميكن عندها لأن حكم [ص 73] الفاعلية و الخالقية عند الفعل و الخلق و اما قبلهما فليس الا العلم و القدرة علي الايجاد بلا كيف و لذا قال عليه السلام له معني الخالقية اذ لا مخلوق و معناها العلم و القدرة نعم ربما تطلق علي الذات مجردة عن الوصفية و التعلق الخاص فمؤداها حينئذ مؤدي الذات كما بيّنا في اجوبتنا و مباحثاتنا و يلزم من هذا مع هذا كله ان لايكون سبحانه و تعالي عالما في الرتبة الاولي بالاشياء و هو خلاف معتقد اهل الاسلام اذ لميفقد الله سبحانه العلم بحالٍ من الاحوال و هذا الذي ذكر بعينه هو القول باستجنان الماهيات و الاعيان في الذات الاقدس و ان الاعيان الثابتة قديمة لميتعلّق بها الجعل و يريدون منها هذا الذكر كذكر المعلول في العلة قبل المعلول و قد اجمع اهل البيت عليهم السلام و قاطبة اهل الشرائع علي بطلان هذا القول و انه يستلزم مفاسد قبيحة كما اشرنا الي بعضها و قد قال بعضهم ان الاعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات و مندرجة فيها اندراج اللوازم في ملزوماتها .
و قوله فيكفي وجود ذات العلة في حصول العلم بالمعلول ، كيف يكفي هل وجود ذات العلة بعينه هو العلم بالمعلول او ان العلم بالعلة يستدعي بالالتزام العلم بالمعلول فان كان الاول و وجبت المطابقة بين العلم و المعلوم باتفاق العقلاء اجمع يلزم ان يكون ذات العلة متكثرة بتكثر المعلولات الغير المتناهية لأجل التطابق فاذا كان ذات العلة علماً للمعلول لميكن علما لنفسه لامتناع تعدد الجهات في ذات الله بكل اعتبار اذ لايصح ان يكون العلم بالبياض بعينه هو العلم بالسواد الا بتغير الجهات و ان كان [ص 74] الثاني كما هو الظاهر من كلامه فنقول ان العلم بالعلة لايصح ان يكون عين العلم بالمعلول لما ذكرنا و للدلالة الالتزامية المتحقّقة بالدلالة علي الخارج اللازم فقبل الايجاد اذن عندكم علمان علم هو الملزوم و هو العلم بالعلة و علم هو اللازم و هو العلم بالمعلول فهل العلمان وجوديّان ام عدميّان ام احدهما وجودي و الثاني عدمي فان كان الثاني فلا علم اذ العدم ليس بشيء حتي يكون علما و الاضافيات وجوديات و ان كان الثالث بطلت الملازمة لأنها مستدعية لوجود الطرفين فان كان العلم بالعلة عدميا فالعلم بالمعلول بالطريق الاولي فانتفي العلم رأساً و ان كان العلم بالمعلول عدميا فلاتكون العلة عالمة بالمعلول قبل كونه هذا خلف و ان كان الاول اي العلمان وجوديان قبل خلق الخلق هل هما قديمان ام حادثان ام احدهما قديم و الآخر حادث او لا قديم و لا حادث فانحصرت الاقسام فان كان الاول تعدّدت القدماء و ادلة التوحيد تبطلها و المسلم لايقول بها و ان كان الثاني فقبل حدوثهما ماكانت الذات عالمة بها ثم ننقل الكلام في حدوثهما ابعلم ام بغير علم حتي يتسلسل او يدور و ان كان الثالث فلايصح ان يكون العلم بالعلة حادثة لكونه ذاتها فيستدعي حدوث ذاتها و هو محال و ان كان العلم بالمعلول حادثا بقي العلة لا علم لها بالمعلول قبل وجوده و هو كرّ بما قد فرّ منه و ان كان الرابع فهو بعينه قول الصوفية الملاحدة الذين يقولون بالوجود المنبسط و انه لا موجود و لا معدوم و لا حادث و لا قديم و لا شيء و لا لاشيء و امثالها من الخرافات و هذا القول مع انه يشبه الهذيان [ص 75] فلااظن جناب الماتن قائلا به حتي نذكر ابطاله و لايحتاج ايضا الي ذكر الدليل فانه في البطلان بمكان فأين تذهبون اذا بطلت الاقسام كلها . و بالجملة هذا القول باطل جدا ينافي مذاهب اهل التوحيد و قواعدهم و اذا اردت السلامة فقل كما نقول فان قولنا والله هو قول ائمتنا عليهم السلام لايخالف قولهم ابدا بأن الله سبحانه بذاته عالم بالاشياء قبل كونها و بعد كونها و مع كونها بلا تغيّر حال و لا تحول و لا انتقال و لا مضيّ و لا استقبال و لايشغله علم شيء عن علم شيء و لا خلق شيء عن خلق شيء و لايعرف كيف ذلك اذ لا كيف لذات الله تعالي و لاتتكلّف هذه التكلفات و لاتقلد الحكماء و الفلاسفة الذين اعرضوا عن باب الهدي و ماالتفتوا الي اقوال آلمحمد المصطفي عليه و عليهم سلام الله ابدا ابدا و هذا الذي ذكر هو قول الحكماء و الفلاسفة و ان كان لهذا القول معني صحيح اشار اليه اهل البيت عليهم السلام لكن لا علي ما عرف المتكلمون و الماتن مااراده بل ماتنبّه له فلانتعرّض لبيانه لأن مرادنا ابطال الباطل بالحق و تحقيق الحق بدليل المجادلة بالتي هي احسن لا ذكر خفايا الاشارات و بيان دقايق الحكم في تلويحات العبارات فان لذكرها مقاما آخر .
قوله سلمه الله تعالي و اطلاق العلة عليه تعالي صحيح الخ ، اقول من تتبّع احاديث اهل البيت عليهم السلام و قواعدهم و دينهم و عرف مذهبهم علم انهم عليهم السلام مااطلقوا علي الله تعالي العلة بل ربما يظهر من كلماتهم عليهم السلام نفيها عنه تعالي كما في الخطبة اليتيمية التي تشهد جودة بيانها و اشتمالها علي تنزيه الله سبحانه و توحيده و نفي صفات الخلايق [ص 76] عنه بما لايمكن لأحد من غير المعصومين عليهم السلام بصحة ورودها عن اميرالمؤمنين عليه السلام كما هي المنسوبة اليه الي ان قال عليه السلام علة ما صنع فعله او صنعه و هو لا علة له و في دعاء عديلة ايضا ما يؤيد ذلك كما في قوله و كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة ، و لميعهد منهم عليهم السلام اطلاق هذا اللفظ عليه تعالي فيما وصل الينا الا ما يشير الي المنع نعم الحكماء قد اطلقوا عليه تعالي هذا اللفظ فأنت اذن اتبع من اردت ثم اذا اطلقت عليه تعالي العلة فهل الاطلاق حقيقة ام مجاز فان كان الثاني مع انه لايصح اصلا لأدلة قطعية قد ذكرت في محلها نقول ان المجاز لايكون الا لعلاقة و مناسبة بين المعنيين فان كانت العلة حقيقة في المخلوق و تطلق علي ذات الله سبحانه للعلاقة كانت ذات الله مناسبة و مشابهة لذوات المخلوقين و قد اجمع المسلمون علي ان الله سبحانه لا شبه له و لا مثل له و لا نظير له مع ان مجرد المناسبة مستلزمة للتركيب فان المتناسبين كل واحد منهما له ذات و نسبة و ارتباط الي الآخر او قل جهة مغايرة و جهة موافقة و هذا هو التركيب فان قلت هذه الجهات اعتبارية لاتؤثر في الخارج نقول ان حكم الاطلاق في الخارج لا الذهن فانك لاتسمي الله الموجود في الذهن تعالي الله علة او تسمي الخارجي و تفرض المناسبة في الذهن نقول هل المناسبة الموجودة في الذهن كذب او صدق فان كان الاول بطلت المجازية لأنها تحققت بدون المناسبة و ان كان الثاني فهي متحققة في الخارج لأن الصدق مطابقة ما في الذهن الذي يقع به الاخبار مع الخارج و ذلك واضح [ص 77] لمن له عينان و ان كان الاطلاق حقيقة فعلي مقتضي قواعدهم يكون هذا الاطلاق بالتشكيك و يحتمل بعيدا التواطي و ذلك من باب الوضع العام و الموضوع له العام مثل واجب الوجود فانه منحصر في الفرد و هذا افراده موجودة كما قالوا في الوجود و انه مشترك معنوي بين الواجب و الممكن و الكلام علي الجميع واحد و قد ابطلنا هذا القول الفاسد الباطل بما لا مزيد عليه في كتابنا اللوامع الحسينية و غيرها من اجوبة المسائل خصوصا في اجوبة المسائل البهبهانية فان الاشتراك المعنوي انما يصح ان يكون معني واحد في افراد قد تشخصت من ذلك المعني كالانسان في افراده مثلا و كل فرد مركب و هذا لايختلفون فيه لكنهم يقولون ان الاشتراك في المفهوم لا في المصداق و نحن بيّنا ان المفهوم هو المتحصّل في الذهن فان كان مخالفا للخارج عند الحكم عليه كان كذبا مثلا اذا نسبت القيام الي زيد في الخارج فان لميكن في الخارج كذلك فهو كذب و ان نسبته اليه في الذهن و لميكن في الخارج لميكن كذبا فاذا قلت العلة او الوجود يطلقان علي الله من حيث الوجود الذهني فلا كلام لأن الله تعالي لايحويه ذهن و لا فكر و ان كانت الذات الحقيقية المتأصّلة في الوجود جاء ما قلنا و بطل ما كانوا يعملون و ليس هذا الموضع موضع استقصاء هذه المسائل و ذكر ما يرد من النقض و الابرام لكنها في محلها مشروحة مفصلة و مرادنا هنا نوع الاشارة فقط .
و اما كون الاطلاق حقيقة في الله و مجازا في الغير فلايصح ايضا لمكان العلاقة الموجبة للتركيب و علي تقدير الحقيقة علي التقادير المذكورة و [ص 78] الاشتراك اللفظي فهذا اسم لله فالقول منه مبنيّ علي ان اسماء الله توقيفية كما عليه اكثر الامامية و الحق المنصور بالادلة القطعية من العقلية و النقلية فكيف يجوز ان تسمي الله سبحانه بما لميسم به نفسه بل ورد من اهل البيت عليهم السلام نفي هذا الاسم عن ذات الله سبحانه مما سمعت و ما لمتسمع .
هذا الذي ذكرنا هو من جهة اللفظ اما من جهة المعني فالكلام فيه طويل الا اني اختصر المقال بكلمة واحدة اعتمادا علي دقة فهم ذلك الجناب اذا تنبّه فنقول ان العلة لا شك انها بمعني الفاعل اجماعا و الفاعل و الخالق من الصفات الفعلية للنصوص المتكاثرة و تصريح العلماء رضوان الله عليهم و لصحة السلب عنه تعالي و الاثبات تقول خلق و لميخلق و فعل و لميفعل و لاتقول علم و لميعلم و قدر و لميقدر لأن الصفة الذاتية هي الذات بلا فرض مغايرة فسلبها سلب الذات و اثباتها اثباتها فما تراه من الصفات تسلب و تثبت فهي غير الذات و لايجوز ان تكون طارية علي الذات و الا لتغيّرت بالنفي و الاثبات فوجب ان تكون من صفات الافعال تثبت بثبوت الفعل و تنفي بنفيه في خصوص الموارد و لذا قالوا عليهم السلام انها اسماء الافعال و صفات الافعال فاذا كان كذلك فالخالق لا شك انه من الصفات التي تثبت و تمحي كالفاعل فوجب ان لايكونا من الصفات الذاتية فالذات من حيث هي لاتوصف بهما نعم هما من صفات الله من جهة الفعل فاذن لايصح ان تطلق العلة التي بمعني الفاعل علي الذات قال المجلسي (ره) في حقاليقين : و مجمل سخن درين باب آن است كه آنچه از صفات [ص 79] كماليه الهي است حادث نتواند بود و ازو منفك نتواند شد مانند علم و قدرت الي ان قال آنچه از صفات ذات نيست و صفت فعل است حادث ميتواند بود مانند خالق و رازق و محيي و مميت زيرا كه حق تعالي در ازل رازق نبود و الا بايد كه عالم قديم باشد و خلق الهي هميشه باشد و اين صفت كمال حق تعالي نيست كه از عدم آن نقص لازم آيد بلكه آنچه صفت كمال است قادر بودن بر ايجاد است الي آخر ما قال . انظر كيف صرح ان الخالق من الصفات الحادثة الفعلية فالعلة بهذا المعني كما هو المعروف اذا اطلقتها علي الذات كانت الذات حادثة و محلا للحوادث و هو كما تري و ان كان معني آخر علي الاصطلاح الخاص به فصحته و فساده علي حسب ذلك المعني مع توقيفية الاسماء فافهم و الكلام علي باقي كلماته سلمه الله تعالي كثير تركناه خوفا للتطويل .
قال سلمه الله تعالي : و علي ما ذكره يلزم ايجاد المصنوع جهلا و وقوع العلم بعد ذلك تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا .
اقول قد تقدم منا ما يكون جوابا لهذا القول و كيف ينسب هذا القول الي من يقول ان الله سبحانه عالم بالاشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها و انه ليست له حالتان فاذا قال انه عالم بالاشياء قبل وجودها هل يتصور الاحتمال في حقه انه يزعم ما نسبه اليه سبحانك سبحانك سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا و محض القول بأن لله علما حادثا هل يوجب ذلك لاسيما بعد تفسيره ان المراد به اللوح و القلم و نفوس الملائكة و حقايق الخلايق و كلها حادثة و [ص 80] هذا العلم خلقه الله سبحانه لغيره و نسبه الي نفسه تعظيما و تشريفا كما قال ليعلم الله من ينصره اي ليعلم رسول الله (ص) فان الله تعالي علمه عليه سابق و لايجوز التجدد فيه و لكنه لما اختار نبيه صلي الله عليه و آله فجعل فعله فعله و قوله قوله و امره امره و نهيه نهيه و محبته محبته و بغضه بغضه و بيعته بيعته كما قال تعالي ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله و قال تعالي من يطع الرسول فقد اطاع الله و من احبّكم فقد احب الله و من ابغضكم فقد ابغض الله مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و غير ذلك من الآيات و الروايات و لما كان هذا العلم ملك الله و خلقه و هو اعطاه غيره و غيره ملكه و خلقه متمحض في طاعته نسبه الي نفسه فقيل علم الله علمه ملائكته و رسوله و لما كانت الملائكة و الرسل ليس فيهم جهة المخالفة فجعل علمهم علمه و قولهم قوله و فعلهم فعله و طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته و الاخبار بهذا المعني عن الائمة الاطهار كثيرة خصوصا في تفسير قوله تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم كما عن الصادق عليه السلام و بالجملة هذا القول بهذا التفسير ايّ دلالة له علي ان الله لايعلم الاشياء قبل وجودها و انما يعلمها بعد وجودها تعالي الله عن ذلك و عما ينسبون اليه من الافتراء و الكذب فان الله تعالي يقول من آذي وليا لي فقد بارزني بالمحاربة نقلت بالمعني و قد غفل سلمه الله تعالي عما يرد علي ما ذكره من القول باستجنان الاعيان الثابتة او جهله تعالي في مرتبة او تغير في ذات الله او تعدد و اختلاف جهة و تركيب و غير [ص 81] ذلك من الامور العظام و التي لاتتحمل كما اشرنا الي شيء منها فراجع تفهّم .
قال سلمه الله : و مضافا الي ان القول بأن العلم نفس المعلوم ينافي قوله انه حادث بحدوثه و ان شرطه ان يكون مطابقا للمعلوم و مقترنا به و واقعا عليه لعدم تصوّر مطابقة الشيء لنفسه و اقترانه بها و وقوعه عليها فهذا ايضا يوهم التدليس و الطفرة .
اقول اما القول بأن العلم نفس المعلوم فهو يؤيّد و يشيّد القول بأن العلم الحادث حادث بحدوث المعلوم بل هو العلة لذلك لأن المعلوم اذا كان حادثا و العلم عينه فبالضرورة يكون العلم حادثا فلا تنافي بين الكلامين بل كمال التوافق نعم اذا قيل ان العلم غير المعلوم ربما لايستلزم حدوث احدهما حدوث الآخر او تساوقهما في الوجود و قد قلنا مكررا ان العلم الذي هو نفس المعلوم هو في الممكن المخلوق و اما القديم سبحانه فعلمه ذاته و معلوماته الممكنات في مراتبها و اماكنها و اوقاتها فكيف يسوغ القول بأن العلم الازلي القديم عين المعلوم الحادث الممكن و لايقول به مسلم موحد الا من ابتدع في الدين مثل بعض الصوفية القائلين بوحدة الوجود و ان الاشياء كلها هي حدود ذات الله و ان الاعيان الثابتة قديمة و هي عين ذاته تعالي و القول بهذا كفر علي اليقين فالقول بأن العلم عين المعلوم هو في الحوادث و المخلوقات و اما القديم الحق سبحانه فلايدري كيفية علمه و كيفية احاطته بالاشياء سواه تعالي فلاتنعته بتمثيل و لاتشبّهه بنظير اذا [ص 82] بلغ الكلام الي الله فامسكوا .
و قوله لعدم تصور مطابقة الشيء لنفسه و اقترانه بها و وقوعه عليها ، جوابه انه قد سبق منا ان بينهما اي بين المعلوم و العلم تغاير بالجهات و تلك الجهات حالّة في الشيء الواحد فان كون الشيء علما و معلوما و عالما صفات له و الصفة تغاير الذات لكن الذات الواحدة قد تكون محلا لصفات كثيرة متغايرة متخالفة الاحكام فمن حيث المغايرة بين العلم و المعلوم يشترط بينهما المقارنة و الوقوع و المطابقة و من جهة كونهما في شيء واحد و موضوع واحد قلنا ان العلم هو نفس المعلوم يعني ان الشيء من حيث ظهوره للعالم علم و من حيث كونه ظاهرا له معلوم و لأن العلم هو ظهور المعلوم للعالم و هو يشمل حصوله له و حضوره عنده و انكشافه لديه و هذا الظهور قائم بالمعلوم كما سبق و ليس كما يزعمون العلم هو الصورة الحاصلة في النفس و المعلوم هو العين الخارجي حتي يكون كل واحد له موضوع و محل آخر و قد تقرر عند اهل العلم ان الجهات و الاضافات و الصفات اذا كانت في محل واحد متعدد الجهات فيحكمون عليها بالوحدة و الاتحاد و ان كانت في محال متعددة يحكمون عليها بالكثرة و الاختلاف فاذا حكمنا علي العلم و المعلوم بأنهما متغايران بالاعتبار صح القول بالمطابقة و الاقتران و الوقوع لأن التغاير الاعتباري الاضافي كاف في امثال هذه المقامات و قد صرّح العلماء بذلك عند قولهم في العلم انه اضافة و اعترضوا علي القول بالاضافة في علم الشيء بنفسه و اجابوا بمثل ما ذكرنا و هو مذكور في اكثر الكتب الكلامية لاسيما التجريد و شروحه و [ص 83] المحصل و شرحه و غيرهما .
و اما قوله فهذا ايضا يوهم التدليس فليس له عندنا جواب و الله ولي الحساب و اليه المرجع و المآب .
قال سلمه الله تعالي : فالعاقل ان عجز عما ذكرنا لا بد ان يعتقد انه عالم بالاشياء قبلها و ان لميعلم كيفية علمها لا ان يقول بمقالته فان ذلك لو لميكن بيّن الفساد بعيدا عن الصواب فلا اقل من كونه محل الارتياب .
اقول العاقل هو الذي يتبع ائمة الهدي عليهم السلام لكون قولهم قول الله و حكمهم حكم الله و يدع اقوال غيرهم عليهم السلام لأن الحق منحصر فيهم و ماذا بعد الحق الا الضلال و ائمتنا عليهم السلام ماعلم و ماعرف منهم عليهم السلام ان ذهبوا و قالوا ان علم الله بالاشياء مثل علم العلة بمعلولاتها قبل وجود معلولاتها بمعني الالتزام او العينية او الحضور بل ماعهد منهم تكييف علم الله الذاتي و شرحه و بيانه انه بأيّ نحو بل المعروف عندهم و المعلوم من مذهبهم ان العلم عين ذاته تعالي و ذاته تعالي لايُدرك و لايكيّف و ثبوت هذا المعني منهم عليهم السلام ضروري و ان الله تعالي عالم بالاشياء قبل وجودها و بعد وجودها و مع وجودها و انه تعالي لاينتظر و لايستقبل و انه لميسبق له حال حالا ليكون اولا قبل ان يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا و لاتعلم كيفية هذه الاحاطة احد سواه هذا هو المعروف من مذهبهم و مذهب خواص شيعتهم الذين مااختلطوا بالحكماء و الفلاسفة و الصوفية فالعاقل يجب عليه اعتقاد هذا لا ان علم الله الذاتي له كيفية كما ان قوله ان عجز عما ذكرنا و ان لميعلم كيفيته يشهد انه عرف علم الله الذاتي و علم كيفية [ص 84] التعلق فان كان العلم علم الحادث فهو لايقول به و ان كان القديم فهو تعالي كيف يكيّف و يقترن و كيف يحيط به الادراك سبحانه سبحانه عما يقولون علوا كبيرا .
قوله لا ان يقول بمقالته الخ ، قد عرفت ان مقالته جعلني الله فداه هو الحق الذي نطق بتصديقه الكتاب المستطاب و السنة المعصومية عن الائمة الاطياب عليهم سلام الله في المبدء و المآب و اتفقت عليه عقول اولي الالباب فماذا بعد الحق الا الضلال فأني تصرفون و باقي تشنيعاته فالاعراض عنه اولي و الله حسبنا و نعم الوكيل نعم المولي و نعم النصير غفر الله لنا و لكم و لجميع المؤمنين و لقد كتبت هذه العجالة مع كمال توزّع البال و اختلال الاحوال و عدم الكتب و الاسباب عسي الله ان ينفع بها المؤمنين و ينبّههم الي الحق القويم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و الحمد لله رب العالمين .
قد فرغ من تسويدها منشيها يوم الخميس سلخ شهر رمضان المبارك في سنة ١٢٤٠ حامدا مصليا مستغفرا .