[ص 1] رسالة في معني خلود اهل الجنة و النار

[ص 2] رسالة في معني خلود اهل الجنة و النار

[ص 3]

رسالة في معني خلود اهل الجنة و النار

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 4] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

اَلْحمد للّه ربّ العالَمٖين و صلّي اللّه علي خير خلقه محمّد و آله الطّاهرٖين .

امّا بَعْد فيقول العبد الفقٖير الحقير الجاني كاظم ابن قاسم الحسيني الرشتي انه قد سئلني بَعْض الدّيانٖين الخيّرٖين اَنْ اكتب كلمات واضحة الدّلالة علي انّ الجنّة و النّار باقيتان لايبليان و لايفنيان بل اللّه سبحانه و تعالي يبقيهما و مَنْ فٖيهما ابد الآبدٖين و دهر الداهرٖين من غير انقطاع و لا نهاية و انّ اَهْل النار مخلّدون فٖيها ابدا لايخفّف عنهم العذاب الي ما لا نهاية له و ذكر سلمه اللّه ان بعض الناس قد دخلتهم الشبهة فبقوا في هذا الوادي متحيّرٖين زعما منهم بانّ اللّه اذا كان قبل كل شيءٍ و بَعْد كل شيءٍ و الشيء علي عمومه و كلّيته بحيث يشمل الجنّة و النّار فكيف يمكن القول بانّهما باقيتان علي الدّوام فان البعدية ماتتحقق الّا بان يعدم الشيء و يبقي اللّه و الا فلم‌يكن بعداً كما هو المعلوم ثم لو فرضنا الدّوام كيف يمكن القول بدوام العذاب للكفار و اَهْل النّار مع انّهم ماعصوا الّا مدّة يسٖيرة و كيف يقابله الحكٖيم بالعذاب الدايم الغَيْر المتناهي و نحن نجد في انفسنا انا اذا اطلنا تعذٖيب شخص معاند لنا اذا تسلّطنا علَيْه و قهرناه و علمنا بانه لا مدفع له بعدُ عنا فلا شكّ انا نرفع العذاب عنه و نكتفي بما فعلنا اوّلا فكيف الحكٖيم العلٖيم الرؤف الرّحٖيم الذي لا غاية لرحمته و لا نهاية لرأفته و انّ الرحمة التي فينا نتراحم بها بعضنا بعضا جزء من مائة جزء من رحمة الرحمن [ص 5] كما دلّت عليه الاخبار بانّ اللّه جعل الرحمة مائة جزء فجعل جزء واحداً في كل الخلق و ادّخر الباقي فاذا كان يوم القيمة يُضٖيف هذا الجزء الي الباقي فيرحم بها الخلق و هذا ينافي الخلود الدائم اذا كان الجزء الواحد الذي عندنا من الرحمة مانرضي بالعذاب الابدي فكيف اللّه سبحانه مع انّ رحمته سبقت غضبه و ذكر لي ايّده اللّه انّ هذه الشبهة و امثالها دخلت علي اذهانهم بحيث تحيّروا و توقّفوا و لم‌يجدوا لهم مخلصاً فامتثلت امره ابتغاء لوجه اللّه و طلبا لمرضاته و راجيا لمثوباته عسي اللّه ان ينفع به المؤمنٖين و يجعله لنا ذخرا ليوم الدّين مع ما انا من اغتشاش البال و اختلال الاحوال و توارد الاشغال المانعة من استقامة الحال و اللّه المستعان في المبدء و المآل .

فاقول اعلم انّ الناس علي قسمين عوام و خواص و لا ثالث لهما فامّا العوام فلايخلو امّا انّهم دخلوا في الدّٖين علي بصٖيرة و يقٖين ام لا و مرادي بالبصٖيرة انّهم عرفوا بالوجدان و اعتقدوا علي الايقان بانّ لهم ربّا عالما قادراً سمٖيعاً بصيرا حيا عادلا و انه سبحانه لم‌يخلق الخلق عبثا و لم‌يتركهم سدي بل جعل لهم سنة و شريعة يعملون بها لينتظم بها معاشهم و معادهم و جعل لهم حفظة و حملة و سفراء و وسايط يتلقون الاحكام و السنن و الشرايع من ربهم و يؤدونها الي رعيتهم و غنمهم و هم الانبياء و ان الانبياء لا بد ان يكونوا مخصوصين من الله سبحانه بآيات بينات يقطع العقل بانهم من عند الله سبحانه و تعالي و يكون ذلك مقرونا بالتحدي و ان نبينا و سيدنا و مولينا محمد بن عبدالله بن [ص 6] عبدالمطلب بن هاشم صلي الله عليه و آله نبي حق قد اتي بالآية البينة بل الآيات البينات المحكمات بحيث يقطع العاقل بانه ليس بساحر و لا كذاب و ان الله سبحانه لطفا منه و كرما قد ايده بكتاب منزل فيه تبيان كل شيء و خبر من مضي و من بقي الي يوم القيمة فاذا عرف هذا المقدار بصحيح الاعتبار لزمه ان يأخذ بقول نبيه و يصدق بما اخبر به عن ربه و كذا يصدق و يقر بكل ما هو في كتابه الذي اتي به عن ربه و ان لم‌يعرف حقيقة ذلك و ماهيته لان العامي ليس عنده من العلم شيء فلايمكنه اذا صح له شيء عن نبيه صلي الله عليه و آله الذي جاء به من عند ربه ان يرده او يتوقف فيه او يسئل عن كمه و كيفه فان كل ذلك رد علي الله و دعوي العلم و المعرفة مع انه قد فرضنا خلاف ذلك و لو سلمنا ان عنده علما لكنه اني يبلغ علمه عن علم الله سبحانه او علم نبي الله صلي الله عليه و آله فاذا اخبره النبي صلي الله عليه و آله عن حكم مسئلة من احوال الدنيا و الآخرة يجب عليه التسليم و التصديق و لايقول ان ذلك لايطابق عقلي و لايوافق فهمي فان فهمه قليل و عقله عليل فيتهم نفسه و يتهم فهمه و يجهل علمه و يقبل ذلك علي رغم انفه من غير ان يجد في نفسه اضطرابا و لا في قلبه اغتشاشا و الا كان رادا علي الله سبحانه مدعيا تساوي علمه مع علم النبي عليه السلم و ما اوتيتم من العلم الا قليلا و قد قال سبحانه تصريحا بما ذكرنا في قوله الحق فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما و هذا الذي قلنا اذا قطع و علم [ص 7] علما قطعيا ثابتا علي ان هذا قول نبيه صلي الله عليه و آله و الا فلا و هذا القطع يحصل بامور كثيرة منها و هو اعظمها و اعلاها ان يتفق امته (ص) علي شيء بالاستناد اليه صلي الله عليه و آله بمعني ان كلهم متفقون ( متفقين خ‌ل ) علي ان نبيهم هكذا قال لا انهم يجتمعون بمجرد الاجتماع فان ذلك باطل الا بشرايط و اما اذا اتفق كلهم مع الآراء المختلفة و العقول المتباينة علي ان هذا هو قول سيدهم و نبيهم فلايسعهم العذر الا القبول و الا كانوا ( لكانوا خ‌ل ) رادين عليه و الراد عليه هو الراد علي الله و الراد علي الله علي حد الشرك بالله قال الله عز و جل و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي نوله ما تولي و نصله جهنم و ساءت مصيرا و اذا لم‌يحصل هذا الاتفاق الكاشف فآية من كتاب الله اذا كانت ناصة مايختلفون في المعني المراد منها او لايحتمل الخلاف لغة فذلك ايضا يقوم مقام الاجماع و الاتفاق و مخالف الآية بعد ظهور الحجة كافر خارج عن ربقة الاسلام و ليس عدم فهمه دليلا علي الانكار لانه مااوتي من العلم الا قليلا هذا حال العامي الذي دخل في الدين علي بصيرة و يقين و اما الذي لم‌يدخل هكذا فالواجب عليه ان يحصل لنفسه اولا دينا ثم يبتني مسائله و احكامه علي تلك الطريقة و ذلك الدين و اما الخواص فهم ( و هم خ‌ل ) الذين عرفوا الاسرار و فهموا بواطن الاخبار و الآثار فهؤلاء ايضا فرضهم ان لايخرجوا عما استقر عليه المذهب و عما اتفقت عليه عقول اهل ملته بشرط خلوصهم عن شوب المعاندة فان عرفوا باطنا يوافق ظاهر ما عليه عامة المسلمين و المؤمنين في مراتبهم و درجاتهم [ص 8] فهو حق و الا فباطل لان صاحب الشريعة حين اقرهم علي ذلك ماغشهم و مااغريهم علي الباطل حاشا و كلا و لذا ( قد خ‌ل ) قال مولينا الصادق عليه السلم ان قوما آمنوا بالظاهر و كفروا بالباطن فلم‌ينفعهم ايمانهم شيئا و ان قوما كفروا بالظاهر و آمنوا بالباطن فلم‌ينفعهم ايمانهم شيئا و لا ايمان ظاهرا الا بباطن فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم انه لا شك لاحد من المسلمين مع اختلافهم في المذاهب و الفرق بل كل الفرق من غير المسلمين ايضا ان الله عز و جل خلق الخلق و كلفهم و لا شك ان التكليف لا بد له من غاية و ثمرة و لا شك ان الثمرة ماظهرت في هذه الدنيا بل ربما قد عكست النتيجة حتي ورد في الاخبار ان الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر و قال تعالي و ما الحيوة الدنيا الا متاع الغرور و قال انما الحيوة الدنيا لهو و لعب و زينة و تفاخر و تكاثر في الاموال و الاولاد كمثل غيث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يجعله حطاما و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة و قال ايضا و لولا ان يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و معارج عليها يظهرون و هذا امر واضح بديهي اتفاقي لايحتاج الي البيان فيجب ان يكون في الآخرة داران لتحصيل الثمرة فان الدنيا مزرعة الآخرة احديهما ( احدهما خ‌ل ) دار رضاه و ثانيهما دار سخطه فالاول هو الجنة و الثاني هو النار و اتفقوا علي وجودهما و انهما موجودان في القيمة الا ان كثيرا من المخالفين قالوا انهما يوجدان بعد ذلك تدريجا الي يوم القيمة لكن اجماع اهل البيت عليهم السلم و الفرقة المحقة باجمعهم علي [ص 9] ان الجنة و النار الآن موجودان من غير تغيير و تبديل قال الله عز و جل و يستعجلونك بالعذاب و ان جهنم لمحيطة بالكافرين و قال ايضا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين و قال ايضا و ما كانوا عنها بغائبين و هذا لا اشكال فيه و لا ريب يعتريه و الفرقة المحقة مجمعة عليه و القرآن يشهد بتصديقهم فبعد اتفاق الفرقة و شهادة القرآن يجب التصديق و التسليم و الا لزمهم الخروج عن الاسلام ثم ان هذه الفرقة المحقة بل كل المسلمين و غيرهم ايضا من ساير الملل و النحل مطبقون مجمعون علي انهما لا نفاد لهما و لا انقطاع و ان في القيمة يؤتي بالموت علي صورة كبش املح و يذبح بين الجنة و النار فيفني الموت و يبقي ( تبقي خ‌ل ) الحيوة و يفني العدم و يبقي الوجود بحيث لا موت بعده و لا خراب دونه فيقال لاهل الجنة لكم الخلود الدائم و لاهل النار لكم الخلود الدائم فما من انقطاع و لا زوال كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب و لهم ما يشاؤن فيها و لدينا مزيد و لا شك ان الموت مايشاءه احد في الجنة و بعد هذا الاجماع الكاشف الضروري عن قول النبي صلي الله عليه و آله ببقاء الجنة و النار دلت الآيات المحكمة و النصوص المتقنة علي ذلك و هي لاتحصي في القرآن و في الادعية و الاخبار كقوله عز و جل اكلها دائم و ظلها و قوله عز و جل تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و قوله عز و جل ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لايبغون عنها حولا و لايتصور الخلود بفناء الدار و الآيات في هذا [ص 10] المعني كثيرة من قرء القرآن بالتدبر و النظر وجدها و كذلك النار ايضا لقوله عز و جل خالدين فيها لايخفف عنهم العذاب و لا هم ينظرون و قوله عز و جل اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون و قوله عز و جل لايقضي عليهم فيموتوا و لايخفف من عذابها و امثالها من الآيات الكثيرة و هذا ايضا مما لا اشكال فيه لدلالة القرآن الكريم علي ذلك و اتفاق حملة القرآن عليه فكان محكما ثابتا يجب التصديق و التسليم و القول به لانه اخبار النبي صلي الله عليه و آله عن الله عز و جل و هو يصدق و الرد عليه كفر بالله و التوقف بعد ظهور الدليل القاطع علامة الرد و حمل الخلود ايضا علي المكث الطويل باطل لانه مجاز يحتاج الي دليل آخر و لم‌يقم مع ان القرآن قد نزل علي لسان قومه و القوم كلهم متفقون علي بقائهما و دوامهما و عدم بيودهما و دثورهما و لذا قال مولينا الكاظم عليه السلم امور الاديان امران امر لا اختلاف فيه و امر فيه اختلاف فما ثبت لمنتحليه من كتاب مجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله ضاق لمن استوضح تلك الحجة الرد اليه و التسليم له الحديث ، فاذا كانت الامة سيما الفرقة الناجية منهم مجمعة علي مضمون الكتاب وجب العمل عليه و لايجوز رده و ان كان مخالفا لادراكه و عقله و فهمه لان عقله ضعيف و ادراكه قليل و مقام التسليم مقام عدم الادراك و ان كان مخالفا لبعض الظواهر الاخر من الآيات و الروايات لانها متشابهات يرد حكمها الي المحكم قال الله عز و جل في محكم كتابه هو الذي انزل عليك الكتاب [ص 11] منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و المحكم هو الذي يفهم تفسيره من نفسه او بواسطة اتفاق اهل اللسان عليه و توفر القرائن الدالة علي صحته و ارادته فيجعل ما هذا شأنه اصلا فالمتشابهات التي تخالفه في الظاهر امتحانا للقرايح و استنطاقا للطبايع تحمل عليه و ترد اليه فيجب ( فوجب خ‌ل ) ان يحمل خلود الجنة و النار و بقاؤهما و دوامهما اصلا و محكما و يحمل عليه ما بظاهره ينافيه ان قدر علي ذلك و الا فيذره في سنبله و يرد علمه الي اهله اذ ما لايعرف من الامور كثير و ما لايدرك من جل الشكوك و الشبهات و معرفة المقامات غير عزيز فليكن هذا من ذلك لا انه يجعل المنافي معارضا فيشك في المحكم و يتحير فيه الاتري انه قد اتفقت الفرقة المحقة و طابقها العقل و النقل و محكم القرآن كقوله تعالي ليس كمثله شيء و غيره ان الله سبحانه منزه عن الجوارح و الاعضا و المكان و الزمان و الرؤية فاذا نظرنا الي قوله عز و جل يد الله فوق ايديهم و الرحمن علي العرش استوي و من كان يرجو لقاء ربه و وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة مانشك ( مانشكك خ‌ل ) في ذلك الاصل المحكم الذي عندنا من تنزيه الحق سبحانه عن هذه الاشياء و لانتوقف و لانتحير بل نقطع قطعا ثابتا بان هذه الآيات لها معاني لاتنافي الآيات المحكمة و التي ثبتت ( ثبت خ‌ل ) بالعقل و النقل تحقيقه و تصديقه و ان لم‌نعرف تأويل ذلك و وجه عدم المنافات و هذا الذي ذكرنا اصل اصيل و قاعدة كلية للعامي بل للعالم [ص 12] ايضا في معرفة الاشياء و عدم التزلزل و الثبات فمن اخذ به فاز النصيب من المعلي و الرقيب .

و اما ما استشكلوا في ذلك و تحيروا لذلك من حديث القبلية و البعدية و ان الله اذا كان قبل كل شيء و بعد كل شيء يجب ان ينقطع ما سوي الله فيلزم من ذلك انقطاع الجنة و النار فشبهة دخلت عليهم من جهة عدم معرفتهم لمعني القبلية و البعدية و يتصورون ان المراد بالقبلية و البعدية الزمانيتان لتكون القبلية مغايرة للبعدية و يكون القبل بالاضافة الي مبدء ( المبدء خ‌ل ) شيء و البعد بالاضافة الي نهايته و نعوذ بالله من هذا الاعتقاد السخيف اذ لو كانت القبلية في الله سبحانه و تعالي غير بعديته لاختلفت حالتاه و مختلف الحالة حادث لانه متغير و المتغير لايصلح لان يكون قديما لانه محتاج الي مغير اذ الشيء لايغير نفسه و المحتاج لايكون غنيا فتبطل اذن ازليته و لذا قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم لم‌يسبق له حال حالا ليكون اولا قبل ان يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا فاذا بطل ان يكون لله سبحانه حالتان فتكون اوليته عين آخريته و قبليته عين بعديته هو سبحانه قبل الاشياء بعين كونه بعدها كما تقول انه عالم بعين كونه قادرا و سميعا بعين كونه بصيرا و بصيرا بعين كونه عليما و علي هذا القياس و المراد بهذه القبلية و البعدية احاطته سبحانه فيما لايتناهي احاطة ازلية بحيث تكون الاشياء كلها منقطعة عنده هالكة لديه كما قال عز و جل كل شيء هالك الا وجهه فاذا تحقق هلاك الاشياء في كل حال بدليل قوله هالك و عدم قوله سيهلك فصارت كالعدم عنده فهو قبلها حين كونه [ص 13] بعدها من غير لزوم تحقق نسبة في ذاته تعالي لم‌تكن قبلها تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا فانه صفة الامكان فلايوصف الواجب سبحانه و تعالي به و هذه القبلية و البعدية لاتتنافيان ( لاتنافيان خ‌ل ) وجود الاشياء فان الاشياء كلها حاضرة في ملكه بعد ما خلقها ناطقة بثناء مجده فقيرة محتاجة اليه و منقطعة لديه و هذا الانقطاع ليس انقطاع عدم بل انقطاع استمداد كالكلام بالنسبة الي المتكلم فانه في بقائه و تقومه دائما يحتاج الي احداث المتكلم اياه و اصداره له فهو دائما هالك و المتكلم يقومه و يبقيه و هو بعد الكلام و قبله بمعني انه محيط بكل احواله و وجوده و كينونته و ساير عوارضه و شئونه و هذا هو المراد بالقبلية و البعدية و ليس المراد منهما ما يفهمه العوام من التحديد فان ذلك كفر بالله العلي العظيم و انكار لازليته تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و انما كررت العبارة لاجل الوضوح و البيان فانها في الجملة بعيدة عن الافهام .

فثبت ان ما اتفق عليه المسلمون من بقاء الجنة و النار و دوامهما و استمرارهما ثابت محقق لايعارضه و لاينافيه امر من الامور و بقي سالما عن جميع المعارضات و ان اردت الدليل العقلي علي هذا المعني فاعلم ان فيض الله سبحانه لاينقطع اذ انقطاع الفيض من غير موجب و سبب يكون عبثا و العبث لايجوز علي الله سبحانه و هو حكيم و الحكيم لايفعل عبثا و يلزم البخل ايضا و لذا لما سئل الحكيم عن ذلك و قيل له هل ربك حكيم ام لا قال بلي قال امن الحكمة ان يخلق الخلق ثم يعدمهم قال الحكيم انما كسرهم ليصيغهم صيغة لاتحتمل الكسر انتهي ، و هذا الموت [ص 14] كسر و هدم لهذه البنية حتي يخلقها سبحانه خلقا اقوي و اشد لتقوي علي البقاء الدائم فان هذه البنية كانت مشوبة بالاعراض و الغرايب ماتحتمل الدوام الابدي فاذابها الله سبحانه و كسرها و جعلها في الارض كأن لم‌يكن حتي تذهب عنها الاعراض و الغرايب حتي تخلص و تصفي و تحتمل البقاء و الدوام و بالجملة ان الله سبحانه من علي الخلق بالوجود بفضله و كرمه و حباهم هذه العطية قبل استحقاقهم برأفته و رحمته ( برحمته و رأفته خ‌ل ) و مقتضي ذلك ان يثبت هذا الوجود ابقاء لعطيته اذ لايناسب مقام الربوبية ان يعطي تفضلا و منا ثم يأخذ العطية من غير داع و سبب ان قلت ان الداعي اظهار القهارية و التسلط قلت ان ذلك قد حصل بالموت مع ان هذه القهارية تظهر في كل حال لاضمحلال الخلق و احتياجهم في جميع احوالهم و اعمالهم سيما في القيمة اذ الاسباب الظاهرية المعروفة الآن كلها تنقطع هناك و يخلص الملك و الامر في الظهور لله الواحد القهار و الغلبة و القهر مع الوجود ادل و اثبت من العدم اذ العدم لايترتب عليه شيء حتي يري قهر الله و غلبته و هذا ان شاء الله ظاهر معلوم .

ان قلت ان ما ذكرت يدل علي وجود الجنة و بقائها و لايدل علي وجود النار و بقائها و استمرارها قلت ان الحكم واحد لان الله سبحانه لما افاض الوجود و بسط الكرم و الجود انقسم هذا الوجود بالقابلية المختارة عند وجودها فالوجود علي قسمين لان الوجود مادة صالحة لكل موجود فما تحدد منه بحدود الاقبال و الطاعة و تصور بصورة العمل و الاجابة كان جنة و نعيما و ما تحدد بحدود الاعراض و الانكار و المخالفة و تصور [ص 15] بصورة الكسالة و الادبار كان عذابا اليما فالوجود الذي هو فيض الله سبحانه في المقامين واحد كالمطر كما قال الشاعر :

اري الاحسان عند الحر دينا و عند النذل منقصة و ذما

كقطر الماء في الاصداف در و في بطن الافاعي صار سما

فقوام الامرين بالوجود الذي هو فيض الله سبحانه و منته فلو اخذ الوجود انعدم الامران كما انه لو قابلتك مرايا متعددة مختلفة في الاستقامة و الاعوجاج و الاحمرار و الاصفرار و انت نظرت نظرا واحدا اليها تحكي هذه المرايا كلها مقدار ما عندها فبعضها تظهر ( ما تظهر خ‌ل ) الصورة فيها عوجاء و بعضها حمراء و الاخري صفراء و الاخري بيضاء مع ان وجهك واحد و ظهورك و مقابلتك التي هي فيضك واحدة فان اعرضت عن المقابلة تبطل الصور كلها مستقيمة كانت ام معوجة صحيحة كانت ام مضطربة باطلة فابقاء الفيض يستلزم ابقاء الجنة و النار فافهم ضرب المثل اعانك الله علي التقوي .

و اما سر تحقق القابلية و وجدان الحدين حد الايمان و الكفر و حد الطاعة و المعصية و كيفية تحديد الوجود بهذه الحدود فبيانه يطول الكلام مع انه من اسرار القدر الذي قال اميرالمؤمنين عليه السلم بحر عميق فلاتلجه و سر الله فلاتهتكه و طريق مظلم فلاتسلكه ، و ليس بيانه ايضا مقصودا في هذا المقام فان المراد في هذا المقام نفس وجود الحدين و تحقق الصورتين و لا شك انهما موجودتان و لايشك فيه انسان و المادة التي هي الوجود فيهما واحدة فلو اخذ الوجود لعدم الامران كما انه اذا لم‌يكن الماء علي وجه [ص 16] الارض لم‌ينبت شيء لا الحنظل و لا السكر فاذا وجد الماء و اجتمعت و تمت الشرايط الحنظلية لايجوز علي الله في الحكمة ان يمنعها لانه يستلزم الجبر و خلاف الحكمة و منع المستحق عطيته و الله اجل عن ذلك فثبت بالعقل و الكتاب و السنة و الاجماع ان الجنة و النار الآن موجودتان و انهما باقيتان الي الابد الي ما لا نهاية له و ان حديث الله قبل كل شيء و بعد كل شيء لاينافي ذلك فتبصر رحمك الله .

و اما قولهم في امر الخلود و التعذيب فاعلم ان اجماع المسلمين قد انعقد علي ان الكفار و الاشرار و المنافقين مخلدون في النار و دلت عليه الآيات الكثيرة من القرآن و احاديث امناء الرحمن عليهم سلام الله الملك الديان كما تقدمت الاشارة الي بعض الآيات و هذا لا اشكال فيه و لا ريب يعتريه و لا احد يختلف في ذلك و انما خالف شاذ من الملاحدة في هذه الامة و قالوا بان العذاب يرتفع عن الكفار في النار بعد ما مضي احقابا و استدلوا في ذلك بمثل ما نقل في اول الرسالة من ان الله عز و جل رؤف رحيم ( رؤف بالعباد خ‌ل ) الي آخر ما نقلنا عنهم و من قوله عليه السلم حكاية عن الله سبقت رحمتي غضبي و قوله تعالي خالدين فيها ما دامت السموات و الارض الا ما شاء ربك ، و قوله صلي الله عليه و آله برواية ابن‌مسعود بطرق المخالفين سيأتي زمان علي جهنم ينبت في قعرها الجرجير ● و يكون بردا و سلاما عليهم و امثال ذلك من الامور الواهية التي هي اوهن [ص 17] من بيت العنكبوت و انا اقول انه قد جاء في الخبر عن سيد البشر صلي الله عليه و آله علي ما رواه المخالف و المؤالف انه صلي الله عليه و آله قال كلما كان في الامم الماضية و القرون السالفة يكون في هذه الامة حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتي انهم لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه انتهي ، و قال تعالي لتركبن طبقا عن طبق و اليهود في تلك الامة قد قالوا بانقطاع العذاب و انه يؤل امرهم الي النعيم كما اخبر الله سبحانه عنهم بقوله تعالي و قالوا لن‌تمسنا النار الا اياما معدودة ثم كذبهم سبحانه و قال قل اتخذتم عند الله عهدا ام تقولون علي الله ما لاتعلمون و قال الذين لايؤمنون في هذه الامة مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون حيث قال سبحانه في محكم آياته اخبارا عن اهل النار خالدين فيها لايخفف عنهم العذاب و لا هم ينصرون و قال ايضا سبحانه و تعالي لايقضي عليهم فيموتوا و لايخفف عنهم من عذابها و كذلك كانوا يؤفكون و قال ايضا سبحانه و تعالي كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب و كذا الآيات الاخر و الروايات في هذا المقام لاتحصي و اذا قال الله سبحانه و اخبر و حكم بانهم مخلدون لايقضي عليهم فيموتوا و لايخفف عنهم من عذابها و قالت الفرقة المحقة و نطقت آثار اهل بيت النبوة فكيف يمكن التوقف و رد كلام الله سبحانه هل جعل الله سبحانه دينا ناقصا استعان بآرائهم و عقولهم المغيرة المنكرة لاتمامها و هل يوجد حق و الله سبحانه مصرح بخلافه و لم‌ينصب قرينة لنفيه او هل يرد المحكم و يؤخذ المتشابه [ص 18] اذ ليس في كلام الله سبحانه ما يشير الي ما يقولون الا قوله تعالي و اما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير و شهيق خالدين فيها ما دامت السموات و الارض الا ما شاء ربك و هذا ليس صريحا في مدعاهم و الاشارة اليه لان هذه النار التي فيها ما دامت السموات و الارض هي نار الدنيا لا نار الآخرة كما اخبر الحق سبحانه عنها بقوله الحق النار يعرضون عليها غدوا و عشيا و حين تقوم الساعة و لا شك ان الآخرة لا في جنتها و لا في نارها غدو و لا عشي فصح ان ذلك هو نار الدنيا و هذه باقية ما دامت السموات و الارض فاذا السماء انشقت و الكواكب انتثرت و الجبال سيرت و العشار عطلت و الارض زلزلت و السموات تدكدكت و ينفخ في الصور يموتون اي كل من كان في جنة الدنيا و نارها و هذا سر الاستثناء و هذا لايدل علي نار الآخرة و المقصود عدم انقطاعها لا نار الدنيا فانها منقطعة يقينا و الدليل علي ان المراد من النار في الآية الاولي هي نار الدنيا بعد ما ذكرنا قوله ما دامت السموات و الارض اذ ليس في الآخرة هذه السموات و الارض كما هو الظاهر من الآية و هذا هو العذاب الادني في قوله عز و جل و لنذيقنهم من العذاب الادني دون العذاب الاكبر فليس في هذه الآية الشريفة دلالة علي مدعاهم و لئن سلمنا و قلنا ان المراد من النار في الآية الشريفة هي نار الآخرة و السموات هي سماءها و ارضها قلنا ان الجواب حينئذ كما قال مولينا الصادق عليه السلم علي ما رواه اصحابنا بان المراد من المستثني جماعة من عصاة الشيعة قد افرطوا في دار الدنيا في العصيان و الطغيان فان لم‌تكفر [ص 19] ذنوبهم في الدنيا بابتلاءهم بالمصايب و المحن او عند الموت بتشديده عليه او في القبر بالهول المطلع او في البرزخ بنار برهوت في وادي حضرموت او في القيمة بزيادة العرق و وقوع الاهوال العظيمة و بقي من ذنوبهم اكثر من ثمانين سنة يدخلون في ضحضاح من النار و يعذبون فيها لهم فيها زفير و شهيق خالدين فيها ما دامت السموات و الارض الا ما شاء ربك اذ بعد ما صفوا اخرجوا عنها و غسلوا في عين الحيوان ثم ادخلوا الجنة نقلت معني الحديث ملخصا مرتبطا باخبار اخر مع انا نقول لهم ان هذه الآية ان اخذتم بظاهرها يلزمكم ان تقولوا بانقطاع النعيم ايضا مع انكم لاتقولون به اذ اول الآية هكذا و اما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها الا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ و اما الذين شقوا الي آخر الآية فيجب تأويلها فكانت من المتشابهات فردها الي المحكمات الدالة صريحا علي عدم التخفيف لان تلك الآيات صريحة لاتحتمل الخلاف بخلاف هذه الآية اذ يجب تأويلها علي اعتقادكم فثبت ان الآية الشريفة ما دلت علي مطلوبهم بشيء و اما الرواية المدعاة المروية عن ابن‌مسعود فهي ليست منا و لا من طرقنا و لا في اخبارنا ما تعاضدها و توافقها بل هي مخالفة لصريح القرآن و كل خبر اذا خالف صريح القرآن يضرب علي عرض الحايط مع انهم قد حذفوا اول الحديث لما فيه من الفضيحة الشنيعة و اخذوا عجزها اذ اول الحديث هكذا معناه عن ابن‌مسعود ان الله عز و جل يضع قدمه في جهنم بعد ما ( ان خ‌ل ) مضي عليهم احقابا فيقول قط قط ● فينبت من تحت قدمه [ص 20] الجرجير فيكون بردا و سلاما عليهم و انت خبير بان اجماع الفرقة المحقة قد انعقد بان الله ليس له قدم بل و لايجوز اطلاق القدم عليه سبحانه كاليد و بالجمة كل من له ادني معرفة بطور محاورات اهل العصمة عليهم السلم يقطع بان هذا الحديث موضوع عليهم ليس هذا طريقتهم و كلامهم و هو ظاهر ان شاء الله و اما الاستشهاد بحديث سبقت رحمته غضبه فباطل ايضا لانهم ما يعنون بهذا السبق ان كان مرادهم بهذا السبق ان الغضب في كل مقام يفرض فالرحمة سبقته في ذلك المقام فعلي هذا يلزم ان لايخلق النار و العذاب اصلا و رأسا و لايدخل احد في النار اذ لا شك ان النار غضب و الرحمة قد سبقته فتدرك الرجل المستحق للنار الرحمة قبل الغضب فلايدخل النار فعلي هذا يكون خلق النار قبيحا اذ ليس لها اهل و سكان و قال تعالي يوم نقول لجهنم هل امتلئت و تقول هل من مزيد و هذا انكار ضروري الدين و لا شك ان منكره كافر باجماع المسلمين و ان كان مرادهم بهذا السبق السعة و الانتشار بخلاف الغضب فتكون الرحمة اوسع من الغضب نقول هل للغضب حينئذ محل ام لا فان قلت لا عاد الكلام الاول فان قلت بلي قلت لماذا ادركه الغضب هل لسوء عمله و قبح سريرته ام لا فان قلت لا جاء الظلم و حاشا ربي عن ذلك و لا اقل من مخالفة الحكمة و ان قلت بلي قلت لماذا تدركه الرحمة بعد ذلك ان قلت لتطهيره عن درن السيئات قلت هذا لايتصور الا لمن له جهتان قلب و لسان طاهر بذاته نجس [ص 21] بظاهره يجري فيه التطهير و اما نجس العين فلايزداد التطهير الا قبحا الا ان ينقلب الي حقيقة اخري كالكلب المنقلب الي الملح و العذرة المنقلبة الي الارض فاذا انقلب و صار حقيقة اخري فلا شك انه ليس هو الاول فما ادركته الرحمة بل ادركته النقمة حيث اعدمته و هذا الاعدام مستحيل لان ذلك الخلق الجديد ان خلقه مضطرا تناقض فعل الله سبحانه لانه ابي ان يخلق المكلفين ذوات الشعور و الارادة الا مختارين و حكم الله واحد ما تري في خلق الرحمن من تفاوت و ان خلقه مختارا فلايثاب و لايعاقب الا بعد التكليف فاذا كلفهم و فرضنا انهم اختاروا الكفر ماذا يصنع بهم هل يقلبهم الي حقيقة اخري فيجري الكلام الاول فيه حرفا بحرف و ان لم‌يقلبهم فهو كافر نجس العين لم‌يقبل التذكية و لا التطهير ان قلت ان الرحمة تدركه و ان كان نجسا كافرا قلت ان ذلك و ان لم‌يتصور لو فرضنا ذلك قلت اذن لم‌ادخله النار في اول الامر مع ان الحكم في المقامين واحد فكان فعله الاولي عبثا لان الله سبحانه مايعذب لتشفي غيظه و تبريد غليل صدره نعوذ بالله من ذلك فان قلت اذن فما معني قوله تعالي و رحمتي وسعت كل شيء و لا شك ان الكافر في النار شيء فتسعه رحمة الله قلت اذن ما الذي يدعوه الي ادخالهم النار في اول الامر اما كانوا اشياء ثم تشيئوا فلم لم‌تدركهم الرحمة فيكون المراد من هذه الرحمة الواسعة هي رحمة الرحمان الذي استوي بها علي العرش فبسطت يداه بالانفاق يد الفضل و يد العدل فيد الفضل ادركت اهل الجنة في الجنة و النعيم و يد العدل ادركت الكافر في [ص 22] الجحيم فما دخل الكافر في النار الا بالرحمة و هي العدل و الحكمة قال تعالي و رحمتي وسعت كل شيء فساكتبها للذين يؤمنون و لو كان المكتوبة و الواسعة واحدة لقبح القول فساكتبها مع الاتيان بالسين الاستقبالية فقد وسعت الرحمة الكافر في النار بانواع الاليم و العذاب و النكال و الوبال و ان كان المراد بسبق الرحمة ان الله خلق الرحمة اولا و بالذات و خلق مقتضاها كذلك و خلق الغضب ثانيا و بالعرض و مقتضاه كذلك كما هو الحق فهذا لاينافي تأبيد العذاب و تخليد العقاب بل يحققه و يثبته فافهم .

و اما ما تعلقوا به من امر الرحمة و الرأفة و ان الله ( رءوف خ‌ل ) بعباده رحيم عليهم فتأبي رحمته ان يخلد عبده في العذاب ابد الآبدين و هو ما عصاه الا زمان قليل في الدنيا فجوابه اعلم ان الله سبحانه لما دعي الخلق الي طاعته و عبادته و الاقرار بربوبيته و نبوة انبيائه و وصاية اوليائه و خلفائه انقسم الخلق الي قسمين احدهما اقروا و اعترفوا قلبا باطنا بقلوبهم و نفوسهم و ارواحهم ثم عملوا بمقتضي ذلك ظاهرا بظاهر اعمالهم و اقوالهم فهؤلاء هم السابقون الطاهرون المطهرون قد طهرت بواطنهم بنور المعرفة و الاعتقادات الحقة و ظواهرهم بنور الاعمال الصالحة فهم علي الهيئة الانسانية ظاهرا و باطنا سرا و علانية و هؤلاء من اهل الجنة لانهم الطيبون الابرار فمكانهم و زمانهم يجيب ان يكونا كذلك قال الله تعالي الطيبات للطيبين و لا طيب في الآخرة الا الجنة و ثانيهما انكروا باطنا عنادا و عتوا و استكبارا و اقروا ظاهرا نفاقا و سخرية و استهزاء و هؤلاء هم الاخباث الاخسرون [ص 23] بواطنهم نجسة بنجاسة الانكار فصارت النجاسة القلبية جزء لماهية قلبه و ذاتية له فصاروا نجس العين باطنا و كذلك ظاهرا بالاعمال الردية و الاخلاق الذميمة لانهم المدبرون المعرضون عن الحق سبحانه و تعالي بظواهرهم و بواطنهم و الاعراض يستلزم بل يجمع كل شر و قبح و سوء كما ان الاقبال يستلزم و يجمع كل نور و حق و هؤلاء الاخباث لايمكن ان يكونوا في مكان ( بمكان خ‌ل ) نظيف طاهر لانه خلاف الحكمة فوجب ان يكونوا في جهنم مأويهم سقر ماتدري ما سقر لواحة للبشر عليها تسعة‌عشر و يستحيل ان يدخلوا الجنة ابدا فهم اصحاب النار قال تعالي بلي من كسب سيئة و احاطت به خطيئته اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون اذ من المحال ان يجعل الحكيم الخبيث في مكان طيب مثل انك لو جعلت الكلب و الخنزير في حجرة طاهرة نظيفة مزخرفة بالذهب التي يقعد فيها عيالك و اطفالك يقبحونك العقلاء و لايرضون بفعلك ابدا و انت لاتفعل ذلك ابدا و ان كنت رءوفا رحيما رقيق القلب و هذا ظاهر ان شاء الله و قد تولد من ملاحظة القسمين اقسام اخر يطول بذكرها الكلام من احكام المزج الا ان احدها هو الذي اقر قلبا و باطنا الا انه عصي و جري عليه حكم الانكار ظاهرا فهذا في باطنه و سريرته طاهر طيب و في ظاهر اعماله نجس فهو صاف مشوب بالكدورات كالذهب المغشوش فان هذا يطهر و يذاب في النار لتذهب الاوساخ و الكدورات ثم تجري عليه احكام الذهب الخالص الصافي لانه صفا و تخلص عن الاوساخ فهذا الشخص اذا ادخله الله النار بقبح ( بقبيح خ‌ل ) عمله لنجاسة ظاهره فيبقي في النار الي ان يتخلص و [ص 24] يصفي فاذا تخلص و تصفي ادركته الرحمة فتدخله الجنة و اما الذي هو صرف النجاسة و عين الوسخ فهو لايصفي و لايتخلص و لايقبل التطهير كلما تبالغ في تنظيفه يكثر وسخه و تغلظ نجاسته و المواد و الاجسام في الآخرة حيوانات قال تعالي و ان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون فلايعتريها موت فالمادة النجسة باقية ابدا فاذا اصابتها النار تتبخر و تتصاعد دخانا اغبر مظلما منتنا و لاتفني المادة ليذهب النتن و انما هي باقية لاتقان الصنع فلاتزيده النار الا كثافة و خبثا و نتنا و قبحا مثاله انك اذا اشعلت النار في العذرة او في الجيفة ( الجيف خ‌ل ) كيف تظهر الكثافة و النتن و العفونة الي ان يبقي لموادها اثر و لو فرضت بقاء موادها ابدا لما انفك عنها تلك الكثافة و النتن ابدا و هل يجوز للرحيم الرءوف ان يجعل تلك الجيف المنتنة و القاذورات في بيته و داره و محل قربه و رضاه حاشا و كلا لايفعله الحكيم بل و لا الجاهل فكيف الرب العظيم اذ الكفار بانكار قلوبهم صاروا نجس العين كثيفا منتنا في الغاية و اشد من نتن جيف هذه الدنيا و عفونتها بسبعين‌الف مرة و هو معني قول علي بن الحسين عليهما السلم لو ان رايحة المعصية تفوح لما جلس احدكم في جنب صاحبه فاذا كان كذلك فكيف يدخلهم الله الجنة المكان الطيب الطاهر محل قدسه و رضاه و موضع كرامته و لا فرق بين اول ما يدخلون في النار و بين ما يمكثون فيها احقابا لان علة الغضب في الصورتين موجودة ماتغيرت فلو جاز اخراجهم و تنعمهم بعد المدة و الحقب جاز عدم ادخالهم النار و رفع العذاب عنهم في اول الامر بل [ص 25] ربّما كان في اوّل الامر احسن مع انّ هذا كلام لايتصوّر لانّ الكافر مدبر مولّي عن الحقّ ابداً و الرّحمة هي الاقبال و كيف يمكن ان يكون الادبار عين الاقبال او ان الرّجل اذا ادبر يحكم عليه بالاقبال فانّ ذلك كذب لايجوز علي الحكٖيم فظهر لك انّ اهل النار كلما طالت عليهم المدّة يشتدّون في العذاب لانهم نجس العين و النّار تظهر نتن بواطنهم الي الابد لانّ الموت قد ذبح و لايدركهم فصارت مواد اجسامهم و ارواحهم باقية ابد الآبدٖين و لذا يتمنون الموت فٖيها كما اخبر اللّه سبحانه يا ليتها كانت القاضية هلك عنّي سلطانيه و انت لاتتوهم انّ النّار الّتي تصٖيبهم نار خارجيّة او انّ اللّه سبحانه يعذبهم من جهة انّهم مااطاعوه ليتسلي به و يتشفي به غيظه تعالي ربّي عن ذلك و انما النّار هي اعمالهم كالطبٖيب اذا قال لشخص لاتأكل الشيء الفلاني فانه يضرّك و يهيّج الصّفراء فٖيك و كل الآخر فانه يقوّٖيك و يدفع عنك المرض و لم‌يسمع قول الطبٖيب فاكل الّذي يضرّه فيتمرّض و ليس علي الطبٖيب بأس ثم انه قال له اذا اردت ان تطٖيب عن هذا المرض اجتنب عن اكل بعض الاشياۤء فلم‌يفعل فيزيد مرضه فلو فرضنا ان الرّجل ماعالج هذا المرض و بقي الٰي آخر الابد لا شكّ يبقي في كلّ الاحوال علي الدّوام مغشوش الحال مختل الاحوال مريضا و هذا الموت الذي يعترٖيه لضعف البنية و امّا اذا كانت البنية قويّة فلم‌تمت لكنها تتغيّر و تتكدّر بحسب العوارض فهذا المرض و هذا الوجع و الضّٖيق الذي في المرٖيض لَيْس الا بعمله و فعله و لَيْس انّ الطبٖيب جعله كذلك و كذلك صنع اللّه في خلقه جعل لهم اختياراً و [ص 26] بصٖيرة و نهاهم عن ما يضرّهم و دلّهم و ارشدهم الي ما يصلحهم ثم جعل لهم الدواۤء و المخلص اذا اوقعوا انفسهم في المضار و هو التّوبة و الانابة الي اللّه سبحانه فاذ لم‌يفعلُوا و عاندوا و اعرضُوا باختيارهم فيجزيهم بما كانوا يكسبُون قال تعالي مما خطيئاتهم اغرقوا فادخلوا ناراً و خلودهم لنجاسة قلوبهم فان تلك النّجاسة لم‌تقبل التّطهير و تلك الميتة لم‌تقبل التذكية اَبَداً و لو اردنا ان نشرح و نبيّن اسباب ما ذكرنا و علله و مبادٖيه و اصل كيفية الاٖيجاد يطول علينا الكلام مع انّ ذلك لاينفع العوام و ما اشرنا اليه في هذه الوريقات كفاية لاهل الدراية اعاذنا اللّه و ايّاكم من شر الشيطان بمحمد و آله سادة الانس و الجان و لا حول و لا قوّة الّا باللّه العلي العظٖيم و صلّي اللّه علي محمّد و آله الطاهرٖين و لعنة اللّه علي اعدائهم اجمعٖين الي يوم الدّٖين و السلام علي تابع الهدي .

قد فرغ من تسوٖيدها مؤلفها الليلة الرابعة من شهر صفر المظفر في سنة ١٢٣٥ حامدا مصلّيا مستغفراً .