[ص 1] رسالة في بيان الآجال

[ص 2] رسالة في بيان الآجال

[ص 3]

رسالة في بيان الآجال

و الظاهر انها من مصنفات السيد الاجل الامجد

الحاج سيد كاظم بن السيد قاسم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 4] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد الفاني الجاني . . . ● الحسيني الرشتي ان بعض الاخوان الصالحين الطالبين للحق و اليقين من مجاوري مشهد مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام التمس مني ان اكتب كلمات ذات تبيين في بيان الاجال و اقسامها من المحتوم و المخروم و الجمع بينها و بين قوله تعالي اذا جاء اجلهم لايستأخرون ساعة و لايستقدمون و حقيقة الامر في ذلك و قد اجبت ملتمسه و اعطيته مسئلته مع قلب مشوش و خاطر موزع و انا في هذا الوقت كما قال الشاعر :

كم بجنبي من صبابة واد كل آن حمامة نواح

و اعتذر من بسط المقال و شرح دقايق الاحوال و اكتفي بالاشارة اعتمادا علي فهمه العالي و ادراكه السامي و لان ذلك هو الميسور و لايسقط بالمعسور و جعلت كلامه سلمه الله متنا و جوابي كالشرح له كما هو عادتي في اجوبة المسائل لتطابق الجواب بالسئول ( بالسؤال ظ ) و لقولهم عليهم السلام ان السؤال ذكر و الجواب انثي .

قال سلمه الله تعالي : المرجو من احسانكم ان تكتبوا بيان هذه المسئلة علي حقيقتها علي التفصيل كما وعدتم و خير الخير ما كان عاجله و هي ان الله سبحانه و تعالي قال في كتابه العزيز اذا جاء اجلهم لايستأخرون ساعة و لايستقدمون و قد ورت ( وردت ظ ) اخبار عن السادة الاطهار عليهم سلام الله الملك الجبار ان الصدقة تطيل العمر و ان بر الوالدين يطيل العمر و ان الظلم ينقص [ص 5] العمر و ما شاكل ذلك و هو كثير و ما التوفيق و هل هذا بداء و ان البداء يجوز عليه و علي تقدير جوازه فاي قسم يجوز و هل هناك اجل مخروم ام لا ابن لنا ذلك علي التفصيل سؤالا و جوابا و لازلت مؤيدا بالتوفيق .

اقول و بالله التوفيق و منه الهداية الي سواء الطريق اعلم ان الله سبحانه و تعالي ابي الا ان يجعل فعله كاملا لكماله المطلق و لما كان الاختيار اشرف و اكمل من الاضطرار وجب ان يجري فعله و مفعوله في الايجاد و الانوجاد علي جهة الاختيار ليكون امره و فعله علي كمال ما ينبغي اظهارا للحكمة البالغة و اعلانا للقدرة الكاملة فاجري سبحانه و له الحمد و الشكر سر الاختيار و الشعور و الارادة في جميع ذرات الكاينات و اطوار الموجودات و الاختيار و اثاره لايظهران الا بترتب الاسباب علي مسبباتها و اللوازم علي ملزوماتها و جري الاشياء بالمتممات و المكملات و الشرايط و العوارض و الغرايز و الغرايب و التكاليف و الاحكام من التكوينية و التشريعية و غيرها من الامور التي يطول بذكر تفاصيلها الكلام فجعل سبحانه و تعالي و له الحمد و الشكر بلطيف حكمته و حسن صنعته تلك الاسباب و اللوازم و الشرايط و اجراها علي جهة التكليف تتميما للاختيار و تحقيقا للاختبار فخلق الخلق في العالم الاول ذراتا مبثوثة و حصصا مادية غير مصوغة بصورة خاصة صالحة لكل صورة قابلة لكل هيئة فسئلهم بلسان قدرته لما اقدرهم علي الاجابة بان جعل فيهم ما اذا سئلوا اجابوا من الاختيار و الشعور و الارادة و آلات القبول و المنع فسئلهم الست بربكم فاختلفوا في الاجابة علي اقسام فمنهم من اقروا بظاهرهم و باطنهم علي الاصالة و السابقية و هم السابقون السابقون [ص 6] الذين هم المقربون و هؤلاء صاغهم الله باجابتهم علي احسن الصورة من الصورة الانسانية و اكمل الفطرة من الفطرة الالهية خلقهم من بحر النور فجعلهم علي فطرة التوحيد و كساهم حلية التفريد و منهم من اقروا ظاهرا و باطنا علي جهة التابعية دون الاصالة الاولية الذاتية فخلقهم الله سبحانه و تعالي باجابتهم علي هيئة خلقة الاولين بفاضل نورهم و اشراقات ظهورهم و منهم من انكروا ظاهرا و باطنا بسوء قابليتهم و قبح اختيارهم في طويتهم فخلقهم الله سبحانه بانكارهم من ظلمة الشقاق و النفاق و خمر في طينتهم جميع المعاصي و الاوزار اولئك هم رؤساء الكفر و الضلال و اصول الفساد و الاختلال و منهم من انكروا ظاهرا و باطنا علي وجه التابعية الثانوية دون الاصالة الاولية الذاتية فخلقهم الله سبحانه و تعالي من طينة متبوعيهم و علي هياكلهم و صورهم من الصور الخبيثة القبيحة الشيطانية بحكم التابعية من فاضل ظلمات اولئك الاشرار و هؤلاء هم الذين خلقوا للنار بسوء اختيارهم و هو قوله تعالي و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الانس الآية و منهم من توقفوا و لم‌يقروا و لم‌يجحدوا بل سكتوا و لم‌يعرفوا و هولاء لم‌يخلقوا علي صورة مخصوصة و بقوا علي حالتهم الاصلية من كونهم حصصا مادية و منهم من اقروا ظاهرا و انكروا باطنا فانكارهم عتو او عناد و اقرارهم استهزاء و سخرية لاظهار بواطنهم الخبيثة و لاجراء طغيانهم علي كل البرية و هم النواصب من الكفار الموجودون في هذه الدنيا علي الصورة الانسانية الظاهرية و منهم من اقروا باطنا و انكروا ظاهرا مثل كلب اصحاب الكهف فانه مؤمن مسلم في الروح كافر بظاهر الجسد و خلق الله سبحانه و تعالي [ص 7] باطنه من صبغ الرحمة الذي هي الصورة الانسانية و ظاهره من صورة الانكار و له نظائر كثيرة فهؤلاء الاقسام من المخلوقين كانوا في الخلق الاول امة واحدة غير مختلفة و باقرارهم و انكارهم و اجابتهم و اعراضهم اختلفوا كما قال عز من قائل كان الناس امة واحدة فاختلفوا فالاقرار و الانكار هما السببان القويان العظيمان في اختلاف الاشياء و قوتها و ضعفها و دوامها و اضمحلالها و بقائها و فنائها و اعوجاجها و استقامتها و حسنها و قبحها و لطلافتها و كثافتها و تجردها و ماديتها و استعلائها و تسافلها و سعتها و ضيقها و استدارتها و استقامتها و علمها و جهلها و نورها و ظلمتها و شبابها و شيبها و كسرها و جبرها و ساير احوالها كلها انما حصلت باقبالها الي الله عز و جل لما كلفها و ادبارها عنه تعالي لما امرها بالاقبال اليه فمن صفي اقباله الي الله و خلص عن شوب الشهوات النفسانية من النفس الامارة بالسوء فهو واقف علي فوارة النور و الخير و الرحمة علي حسب قبوله و اقباله فكتب له الاجل الدائم الباقي الطويل و الرزق الواسع و الصورة الحسنة و التراكيب المعتدلة و الشمائل المستحسنة و غرازة ( غزارة ظ ) العلم و جودة التحصيل و ما اشبهها من الخيرات العظام و العطايا الجسام و كتب ذلك في اللوح المحفوظ و اودعه عند الحملة ملائكة الانوار حملة كتاب الابرار في عليين لدي الملك الجبار و من خلص انكاره و قوي ادباره و بقي يحوم حول نفسه و لم‌يلتفت و لايتوجه الي ربه فهو واقف علي باب الظلمة بعيد عن الخير و الرحمة منكس الرأس حالّ في الرمس فكتب له الحرمان و الطغيان و الشقاق و النفاق و الجهل و الحمق و الفسوق و العصيان و الضيق و الحرمان [ص 8] و الفناء و الاضمحلال و الذلة و الانكسار و سوء الخلق و قبح المنظر و فساد الضمير و سوء التقدير و كتبه في اللوح المحفوظ و اودع عند حملة كتاب الفجار في سجين و اما الذي يقبل مرة و يدبر اخري كعامة الناس فيضعف في حقه تلك الاحوال من الطرفين فاذا قوي في جهة قوي ترتب المسببات علي تلك الاسباب فاذا ضعف ضعف و هذه القوة و الزيادة و النقصان لاتتناهي في عالم الذر الاول الي ان وصلوا الي عالم الاظلة و بقوا هناك ما شاء الله و اختلفوا في الزيادة و النقصان اما بالتمسك باسباب الخير المقتضي لترتب مسبباتها عليها او بالتمسك باسباب الخذلان المقتضي لترتب آثارها عليها فتختلف اوضاعهم في ذلك العالم بالنسبة الي العالم الاول فيقع في اللوح محو و اثبات و تغيير و تبديل الي ان وصلوا الي عالم الهباء و عالم الاشباح الي ان نزلوا الي هذه الدنيا بعد قطع مسافات بعيدة بحصول اختلافات شديدة لاختلاف اطوارهم في اقبالهم و ادبارهم و ما لحقهم في هذه الدنيا من انواع التطورات المستدعية لانحاء الاختلافات المقتضية لوقوع التغيير و التبديل في اللوح المعبر عنه بلوح المحو و الاثبات ذلك تقدير العزيز العليم هذا بيان سر نوع الاختلاف في النشاءات بتطور الحالات .

و اما الاجال فاعلم ان الله سبحانه و تعالي لما لم‌يكن زمانيا و لا مكانيا كانت نسبة الماضي و الحال و الاستقبال عنده تعالي علي حد سواء و الازمنة الغير المتناهية و الامكنة المتباعدة الغير المتقاربة حكم جميعها عنده تعالي سواء فهو سبحانه و تعالي لما اجري عادته لما عرفت ان يرتب الاسباب و يجري مسبباتها عليها و يخلق الخلق و يجعل فيهم الاختيار و الشعور و الارادة [ص 9] و الادراك و يعطي علي حسب الميولات و ما اقتضته الشهوات و لايجبر احدا في حال من الحالات و لايظلم شيئا فيما يستحقه من الحركات و السكنات و تلك الاسباب و العلل و الاطوار و الاحوال و الميولات و الاقتضاءات علي اختلافاتها كلها حاضرة لديه غير غائبة في ملكه كان عنده سبحانه علم جميع الاشياء بجميع حدودها و عوارضها و مشخصاتها الي انقطاع اطوارها الغير المتناهية عندها و المتناهية عند باريها و منشيها قبل وجودها و بعد وجودها و حين وجودها الي انقطاعها و فنائها علي المعاني كلها كل ذلك علم احاطة و عيان و قيومية في لوح محفوظ لايتغير و لايتبدل و لايقع فيه المحو و لا الاثبات و لا النقصان و لا الزيادة فما كتب عنده في ذلك الكتاب لايمحي و لايثبت و لايتغير و لايتبدل و هو قوله تعالي حكاية عن موسي علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و الاجل الثابت للشيء المكتوب في ذلك اللوح هو المسمي بالاجل المسمي كما قال عز و جل ثم قضي اجلا و اجل مسمي عنده و هذا الاجل نهاية الشيء بعد جميع اطواره و ادواره و تنقلاته في اوطار اكواره و لما كان الله سبحانه و تعالي اشهد محمدا و آله صلي الله عليه و عليهم و ملائكته المقربين و انبيائه المرسلين اطوار الخلق حين خلقهم و علمهم مقتضيات ميولاتهم و شهواتهم الموجودة في ذلك الوقت المقتضية لاجل معين و رزق معين و سعة معينة و امثال ذلك و لما كان امدادات الامكان لاتتناهي و اطواره لاتحصي و هم سلام الله عليهم لايحيطون بجميع الامكان و اطواره و احواله لان ذلك علم خاص بالله سبحانه لايشاركه فيه احد و الا لساواه في الغني و الوجوب كانوا لايعلمون الا مقتضي ميولات [ص 10] الخلق من آجالهم و ارزاقهم و مدة اعمارهم و سعة احوالهم الا ما اقتضته كينوناتهم بحسب جريان المسببات علي اسبابها في ذلك الوقت و ذلك الزمان و الدهر بل و السرمد و تلك المقتضيات علي قسمين قسم وقع السبب علي المسبب و ترتب حكمه عليه و قسم لم‌يقع و هو علي قسمين قسم ينتظر الوقوع و يحتمل الوقوع و اللاوقوع و قسم لايحتمل الوقوع اما عقلا او عادة او من جهة وعد الله سبحانه و تعالي و حكمه و امره اما الذي وقع فالاعمال التي صدرت عنه من خير و شر و نفع و ضرر و ترتب حكمها عليه من طول العمر و قصره و ضيق الرزق و سعته و اما الذي ينتظر الوقوع فكالاعمال التي لم‌يفعلها و يحتمل في حقه فعلها و تركها و يصلح لترتب مقتضياتها عليه و اما الذي لايقع و لايحتمل الوقوع عقلا فمثل ان يترقي الخلق من الفقر الي الغني و من الامكان الي الوجوب و من الجهل الي العلم المحض و امكان ان لايقع بعد وقوعه و اما الذي لايقع عادة و يحتمل وقوعه في مشية الله فمثل ان ينقلب الرجل من الذكورية الي الانوثية و تنزل السماء الي الارض و تصعد الارض الي السماء و امثالها و اما الذي لايحتمل وقوعه لوعد الله سبحانه و تعالي فكاسعاد الاشقياء و ادخالهم الجنة من حيث انهم اشقياء و العكس كذلك فما وقع السبب علي المسبب و تحقق القدر من المُدَدِ و الاجال فذلك هو الاجل المقضي المشار اليه في قوله عز و جل ثم قضي اجلا فان القضاء هو الحكم بعد ترتب الاسباب علي مسبباتها و اللوازم علي ملزوماتها و الشرايط علي مشروطاتها ثم ان كان مما محوه و وقوع ضده ممتنع عليه اما عقلا او عادة او وعدا من الله سبحانه كما عرفت فذلك الاجل هو المقضي المحتوم [ص 11] ففي المقام الاول محتوم لايمكن تغييره و في المقام الثاني و الثالث محتوم في الحكمة و ان جاز التغيير و التبديل نظرا الي المشية و القدرة و ان كان مما محوه و وقوع ضده ممكن منتظر فذلك الاجل الثابت في اللوح هو المسمي بالاجل المشروط يعني انتهاء تلك المدة مشروط بعدم وقوع معارض من نور او ظلمة فان وقع الشرط يظهر حكم المشروط زيادة و نقصانا و يمحي عندهم العلم الاول و يثبت عندهم الثاني بالنسبة اليهم حيث لا احاطة لهم سلام الله عليهم بما في مكامن الغيب من وقوع تلك المشروطات و لاوقوعها حيث ان الخلق دايم السيلان و الذوبان و كل يوم هو تعالي في شان و لايحيط بجميع تلك العلوم من الغيب و الشهادة الا الخارج عن حد الامكان .

ان قلت ان كثيرا من فقرات الزيارات و الادعية و الروايات ناصة صريحة علي انهم يعلمون علم ما كان و ما بقي و ما كان و ما يكون فلايتم ما ذكرت قلت اذا نظرت الي تلك الروايات و قابلتها مع الايات مثل قوله تعالي قل رب زدني علما و قوله تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الا بما شاء و امثالهما و الروايات الناهية عن القول بانهم يعلمون الغيب التي كادت ان تبلغ حد التواتر علمت ان المراد من هذا العلم هو العلم الاكواني يعني عندهم علم ما وجد في عالم الاكوان سواء برز في عالم الشهادة و الوجود او بقي مخفيا في الخزائن الغيبية و لم‌يؤذن له بالبروز الي عالم الشهود و سيظهر فيما بعد ذلك اما مستمرا او منقطع الوجود فقد يقع شيء بعد آلاف الف سنة مثلا من سني الاخرة و هم يعلمونه الآن و قد يقع شيء بعد ساعة و لايعلمونه كما اخبر رسول الله صلي الله عليه و آله عن ذلك الحطاب بانه يموت بعد ساعة و لايرجع ثم [ص 12] تصدق ذلك الرجل فكانت تلك الصدقة علة التأخير و سببا لانساء الاجل و لم‌يكن يعلمها رسول الله صلي الله عليه و آله لانها لم‌تكن موجودة في عالم من عوالم الاكوان الا في بحر الامكان عند الله عز و جل لا انها كانت موجودة في خزانة من الخزائن المكنونة و لم‌يعلم بها نبينا نبي الرحمة حاشا و كلا فان الله سبحانه اشهده علم كل موجود من غايب و مشهود بل لايوجد شيء الا و هو مرتبة من مراتبه او شعاع من اشراقات انواره او عكس من ظلال اثاره و الي ما ذكرنا يشير قول اميرالمؤمنين عليه السلام لولا اية في كتاب الله لاخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة و هو قوله تعالي يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب .

فقد تبين لك ان المحو و الاثبات انما يقع للشيء في حكم الله سبحانه و تعالي عليه بتنقلات اطواره و تطورات اكواره و ادواره الاتري ان الانسان في حال كونها نطفة له حكم بحسب مقامها فاذ انتقلت النطفة الي العلقة مُحِيَ حكم النطفة و ثبت حكم العلقة لا ان العالم جاهل بالحكم الثاني في المقام الاول بل في المقام الاول ليس له الا ذلك الحكم فلو حكم عليه بالحكم الثاني كان خطأ محظا ( محضا ظ ) و ظلما صرفا فلما انتقلت الحالة الاولي الي الثانية اخفي الحكم الاول اذ لا موضوع له و اظهر الحكم الثاني لتحقق موضوعه و بقاء محله و هكذا من طور العلقة الي المضغة و من المضغة الي العظام و من العظام الي اكتساء اللحم و منه الي ولوج الروح و منه الي الخروج الي هذه الدنيا و منه الي حالة الرضاع و منها الي الفطام و منها الي حالة الي الصبي و منها الي حالة البلوغ و منها الي حالة الشباب و منها الي حالة التمام و منها الي حالة الوقوف و منها الي حالة الكمال [ص 13] و منها الي حالة الانحطاط و منها الي حالة الشيب و منها الي حالة الهرم و الكبر و ارذل العمر و منها الي حالة المرض و منها الي حالة الموت و منها الي حالته في البرزخ باطواره من قبره و لحده الي انفكاك روحه عن جسده الي دخول روحه في الجنة او في النار ● و احواله في مقامات الجنة من حال اكله من كبد الحوت الي حالة اكله من كبد الثور الي شربه من ماء الكافور الي شربه من ماء السلسبيل الي دخوله في الكثيب الاحمر الي دخوله في الرفرف الاخضر الي وقوفه في ارض الزعفران الي صعوده علي جبل الاعراف من ياقوتة حمراء الي غوصه في بحر الرضوان و سباحته فيه ابد الابدين الي ما شاء الله و لا شك ان لكل من هذه الحالات حكما خاصا و لها اجالا خاصة ينتقل تلك الاحكام و تلك الآجال بانتقال تلك الحالات فلايزال يثبت اجل و يمحي اخر و يكتب حكم و يمحي اخر و يظهر امر و يخفي اخر كل ذلك بالنسبة الي الشيء الواحد و المحيط بهذه الاحوال و هذه الاحكام في هذه الاطوار كلها عنده علم جميع هذه الاحكام المختلفة المتعاورة علي شيء واحد و عنده الامر الواحد الذي ينتهي اليه الشيء و لايزول عنه و لايتغير و لايتبدل و اما الذي له الاحاطة ببعض دون الاخر فله الاحاطة باحكام ذلك البعض خاصة فاذا طرءت عليه الاحوال الاخر المقتضية للاحكام الاخر تتجدد عنده تلك الاحكام من الاجال و الارزاق و هذا هو البداء الذي يستعمل في الله عز و جل و يصح عليه تعالي اذ لايصح ان يقال انه تعالي ماكان يعلم ثم علم و تجدد له علم فان ذلك زندقة محضة بل المراد انه تعالي يجري احكامه و مقاديره علي حسب احوال الشيء فاذا اقتضي الشيء علي مقتضي شانه في علم [ص 14] الغيب كتب له و عليه ذلك الحكم و اذا اقتضي ما يضاده كتب عليه و له ذلك الضد في الوقت الآخر و يمحو الاول لا انه تعالي جاهل بالحالة الثانية المقتضية للحكم الثاني و الاجل الثاني بل عنده الحكمان و الاجلان و الاجل الذي لم‌يتغير و لم‌يتبدل الذي هو الاجل المسمي مثلا لما وجدت النطفة جعل لها من الاجل اربعين يوما فكتب في اللوح ان الانسان في النطفة اجله اربعين يوما فلما صار في العلقة زاد الاجل و بقي الانسان و هكذا لما وصل الرحم و زار سيدنا و مولانا اباعبدالله الحسين عليه السلام قويت بنيته و اعتدلت قابليته و زاد في عمره عما كان سابقا فمحي الاجل الذي كان قبل ذلك فلما عصي بعد ذلك و زني و قطع الرحم مثلا ضعفت بنيته و اضمحلت طويته فنقص عمره فمحي الاجل الذي كان مكتوبا قبل ذلك و الاجلان بالسببين كان عند الله سبحانه و تعالي و لكن عند سبب القوة اجري و ابان حكمها و عند سبب الضعف اجري و ابان حكمه و الجميع في الكتاب العزيز الحميد الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد نعم الملائكة و الائمة عليهم السلام يعلمهم الله ما تتحمل قابلياتهم من الاحاطة باطوار الانقلابات المقتضية لانقلاب الاجال و الاحكام و يخفي عنهم ما لاتتحمل قابلياتهم و يعطيهم اياه شيئا فشيئا في ليالي القدر و ليالي الجمع و ما ينزل عليهم في كل ساعة و آن و دقيقة من العلوم و حيث كانت الاحاطة التامة لكل عالم الامكان لايمكن الا للخارج عن هذا الحد كان علم البدا خاصا لله تعالي اذ لا احاطة لغيره تعالي بجميع تلك الشئون و الاحوال التي يجري عليها تلك الاحكام و الآجال فمن هذه الجهة لايمكن لاحد تحصيل [ص 15] العلم الذي لايتغير و لايتبدل و لايزيد و لاينقص الا لله عز و جل او من اخبره الله تعالي علي سبيل الحتم و القطع فانه تعالي لايكذب اوليائه فافهم و لذا قلنا ان لوح المحو و الاثبات الواح صغار في اللوح المحفوظ و كلها حدود اللوح المحفوظ و صفاته و اطواره و احواله و هذا هو حقيقة البدا فافهم فانك لن‌تجد هذا البيان في غير هذا الجواب و الله خليفتي عليك .

و اما الاجل المخروم فاعلم ان العبد ربما يعمل عملا يقتضي ذلك العمل بالله سبحانه زيادة في عمره و رزقه و حياته و بقائه و اكتسابه للعلوم و الكمال و لكنه قد يتفق له اسباب عرضية يموت بقتل ا و بغرق او حرق او صدم او هدم او غير ذلك من الاسباب قبل استيفاء اجله المقدر له قبل ذلك و عدم عروض مانع يمحو ذلك الاجل و الرزق و البقاء و الحيوة فيبقي هذا في موته ما شاء الله فيحييه الله تعالي عند قيام القائم عجل الله فرجه و عليه السلام فيستوفي رزقه و حيوته و اجله فيموت بعد ذلك و العلماء اختلفوا في مقدار الاجل الباقي للمخروم علي اقوال نادرة بالخرص و التخمين و الذي اعرفه من الروايات ثلثون شهرا و الله سبحانه اعلم .

و اما قولكم ان ذلك ينافي قوله تعالي اذا جاء اجلهم لايستأخرون ساعة و لايستقدمون فلا منافاة في ذلك فان الله عز و جل علق الفورية و الوقوع بمجيئ الاجل و هو كذلك فاذا جاء لايتأخر بل التأخير محال ح و لكن المحو و التأخير انما يقعان قبل المجيئ فان الرجل كان مستحقا للبقاء خمسين سنة فقبل تمام الخمسين و لو بدقيقة و لو ثانية و ثالثة و رابعة بل اقل من ذلك قبل المعاينة و قبل قبض روحه عمل عملا قويت بنيته و صلحت فطرته و اعتدلت قابليته فينسي [ص 16] في اجله و يؤخر الي اجل معلوم لانه بعدُ ماجاء فاذا جاء الاجل فلا مخلص و لا مفر فافهم و اعذرني عن بسط المقال و شرح دقايق الاحوال فان في هذه الاحوال ماكتبنا لكم غاية المقدور و لكني اشرت الي جميع ما اردت من شقوق المسئلة و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و فرغ من تسويدها منشيها عصر يوم الخميس في العشرين من شهر ربيع الثاني حامدا مصليا مستغفرا مسلّما في سنة ١٢٤٤ .