و الحاصل هؤلاء المعترضون قد اغمضوا اعينهم و ارادوا امرا يأبي الله ذلك و الا فليس في الكلام غبار فان استشكلوا في قوله اعلي الله مقامه ان الجسد العنصرية لاتعود فتلحق النار بمركزها و الهواء و الماء و التراب كذلك فمراده حشرني الله معه هي الصور و هي الكيفيات العارضة المسماة في عرف الاطباء بالحرارة الغريبة و الرطوبة الغريبة و عنده اعلي الله مقامه جميع الكيفيات تنقسم الي غريزية و غريبية ( غريبة و غريزية خل ) فبالغريزية يقوم الشيء و البدن و بالغريبية يفسد و يمرض فيأتي الطبيب فيسكن تلك الكيفية الزايدة من الحرارة و الرطوبة و غيرهما فتلحق باصلها فتعدل البنية فكما ان تلك الكيفيات في الدنيا تأتي عند المرض و تذهب عند الصحة و لما كان دار الآخرة لهي الحيوان ليس فيها مرض و لا موت تذهب تلك الكيفيات الغريبة عند الموت فلاتعود يوم القيمة كما لاتعود في الدنيا في من لميتمرض فمن قال بهذه المقالة اي محذور يخافه و اي كفر يخشاه و لكن الامر كما قال عز و جل فانها لاتعمي الابصار و لكن تعمي القلوب التي في الصدور و اين هذا من عبائر القوم مثل الملا محسن و الملا صدرا في ما اورد عليهم من الاعتراض و اين لهم البيان الموضح لمرامهم و القرينة الصارفة المنبئة لمرادهم فان كان ذلك فاذكروها كما ذكرت لكم هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين [ص 72] و قد كتبت في هذه المسئلة رسالة مستقلة و دفعت عنه اعلي الله مقامه اوهام الناقصين و شبه السوفسطائيين و من اراد التفصيل فليرجع اليها لتعرف ان ما ذكره (ره) في المعاد هو ما اتفق عليه المسلمون و الراد عليه راد علي النص المبين و تابع غير سبيل المؤمنين و من يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولي و نصله جهنم و سائت مصيرا .
و في مسئلة العلل الاربع ( الاربعة خل ) ذكر ان الائمة عليهم السلام هم العلل الاربع ( الاربعة خل ) في العالم ثم فصل و قال انها فاعلية كما في قوله (ع) نحن صنايع ربنا و الخلق بعد ( بعد صنايعنا او خل ) صنايع لنا كما في قوله تعالي و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني و كما قال تعالي للعقل الكلي الذي هو عقلهم ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل انتهي ، و هذا و ان كان ليس فيه صراحة و لا ظهور في مخالفة ما عليه الامة شرح ذلك و بين و اوضح ( اوضح ذلك خل ) و اعلن في شرح الجامعة عند قوله (ع) و آثاركم في الآثار علي ان المراد من الفاعل و الخالق و العلة و اشباهها من العبارات ليس ما تتوهمه عامة الناس من الفاعلية الحقيقية و انما هي مجازية كما قال ما لفظه الشريف :
اوصيك وصية ناصح ان لاتستغرب هذه الاشياء و تنكرها فانا لانريد بذلك انهم عليهم السلام فاعلون و خالقون و رازقون بل الله هو الخالق و الرازق و الفاعل لما يشاء وحده عز و جل لمنجعل له شريكا في شيء الا انا نقول انه سبحانه لايفعل شيئا بذاته لتكرمه و تنزهه ( لتنزهه و تكرمه خل ) عن المباشرة و انما يفعل ما يشاء بفعله و بمفعوله من غير تشريك بل هو الفاعل وحده و اما فعله للشيء فهو انه اذا اراد شيئا كان ما اراد كما اراد من غير حركة [ص 73] و لا ميل و لا انبعاث و لا تفكر و لا روية و ليس معه شئ يفعل به ما يفعل زايدا علي فعله لما فعل اذ ليس شيء غير الذات المقدسة و فعله و مفعوله فلا شيء يصح ( يصح عليه خل ) اطلاق الشيئية الا ذاته ثم فعله شيء بشيئية ذاته اي ان فعله انما هو شيء بذاته تعالي و مفعوله انما هو شيء بفعله و اما مفعوله فهو تعالي يفعل بما يشاء من مفعولاته ما شاء من صنعه مثلا اذا اراد ان ينبت الحبة خلق لها الارض بفعله او بشيء من مفعوله و خلق الماء كذلك و خلق زيدا مثلا يزرعها و خلق لزيد جميع ما يتوقف عليه عمله من القوي و العلوم و تسليطه علي البذر و الماء و الارض فاذا القي البذر في الارض و سقاه كما علمه الله و الهمه انبت الله سبحانه هذه الاشياء التي هي مفعولاته ما شاء من صنعه فقال تعالي افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون و الله سبحانه هو الزارع وحده من غير تشريك مع غيره و كذلك ما خلق في الارحام كما روي انه تعالي خلق ملكين خلاقين يقتحمان الي البطن من فم امه فهما يقدرانه بما امرهما الله و كذلك ميكائيل جعله الله موكلا بالارزاق و هو تعالي وحده هو الرزاق ذو القوة المتين و كذلك ملك الموت جعله موكلا علي قبض الارواح قال تعالي قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم مع انه قال تعالي الله يتوفي الانفس حين موتها و اذا قلنا هو الفاعل سبحانه نريد انه يفعل بفعله لا بذاته لان كل فاعل لايفعل الا بفعله و مرادنا بفعله الذي يفعل به ما شاء هو فعله و مفعوله فان مفعوله يفعل به كما يفعل بفعله لا فرق بينهما الا بشيئين احدهما ان فعله احدثه بنفسه و مفعوله [ص 74] احدثه بفعله و ثانيهما ان فعله يفعل به كل ما سواه فهو عام و كلي و غير متناه في تعلقاته و مفعوله خاص جزئي متناه في تعلقاته بالنسبة الي الفعل لا مطلقا فانه ايضا غير متناه بالنسبة الي نفسه و له اول في الامكان فان اوله الفعل الذي به كان و هذا المقام من غامض الاسرار و السر الاقدار فان اتي له ذكر في ما بعد فتحت بابه الذي فتح قلبي و مرادنا ان هذه الاشياء من الفاعلين و المفعولات و الافعال كلها قائمة في وجوداتها و في كل ما يصدر عنه بفعله تعالي قيام صدور كقيام الكلام بالنسبة الي نفس المتكلم و شفتيه و اضراسه و لهاته و حلقه و حركته فيها مع قيامه بالنسبة الي الهواء فلو صح عنهم عليهم السلام انهم قالوا انا نفعل شيئا من ذلك فليس فيه اشكال كما سمعت قوله تعالي في حق عيسي (ع) و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني و لايلزم منه غلو و لا جبر و لا تفويض و لا شيء ينافي الحق بوجه ما لانه اذا ورد شيئا من ذلك فمرادنا منه ما ذكرنا اولا و هو كمال العبودية و الادلة من الكتاب و السنة جارية علي ذلك متواردة فيه و انما نتوقف علي صحة ورود ذلك عنهم ، انتهي كلامه رفع الله اعلامه .
انظر الآن ايها العاقل اللبيب المنصف في صراحة هذا الكلام و توضيحه لمعني انهم عليهم السلام علل فقوله : اذا اورد شيئا من ذلك فمرادنا ما ذكرناه من كونهم اسبابا و ابوابا جعلها الله سبحانه لخلقه في ايصال الفيض اليهم كما جعل الشمس سببا لاضائة الارض و النار سببا لطبخ اغذيتهم و الهواء لنضج طبايعهم و الملئكة لايصال التدابير الخاصة اليهم كما روي في تفسير قوله تعالي [ص 75] و المدبرات امرا و هل لعاقل ان ينسب هذه الاشياء و المسببات الي هذه الاسباب و يعزل الله عن حكمه و سلطانه سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا و هل لعاقل ان ينكر مدخلية هذه الاسباب في هذه المسببات و يذهب الي ما تقوله الاشاعرة او مطلقا او لعاقل ان يقول ان الله تعالي يفعل بذاته و يباشر الاشياء بنفسه حتي المولي المجلسي (ره) جعل الفعل بالمباشرة مما يمتنع علي الله تعالي و مما لايقدر سبحانه عليه او لعاقل ان يقول ان الله تعالي يفعل بغير الاسباب و هو سبحانه سبب كل ذي سبب و مسبب الاسباب من غير سبب فلو قال قائل بان الله سبحانه جعل محمدا و آله ( و آلمحمد خل ) السبب الاعظم لوجود هذا العالم كما جعل الملئكة للتدبيرات الخاصة ( الجزئية خل ) كعزرائيل جعله ( جعله الله خل ) سبحانه سببا للوفاة و الله سبحانه هو المتوفي و المميت و جعل ميكائيل سببا لارزاق العباد و الله سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين و جعل الملكين الخلاقين في رحم المرأة سببا لخلق الولد و نشوه و الله سبحانه هو الخالق وحده و قد قال تعالي الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم ثم يميتكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالي عما يشركون و مع ذلك قد نسب سبحانه الفعل الي الاسباب ايضا مجازا كما في قوله تعالي قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم و قوله تعالي الذين تتوفيهم الملئكة طيبين و قوله تعالي الذين تتوفيهم الملئكة ظالمي انفسهم و قوله تعالي و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير الآية ، و قوله تعالي انه لقول رسول كريم اي القرآن مع انه قول الله تعالي و كلامه و ابان سبحانه عن حقيقة الامر بقوله الحق فويل للذين يكتبون [ص 76] الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم و ويل لهم مما يكسبون انظر الي قوله تعالي يكتبون الكتاب بايديهم فنسب الفعل اليهم و جعل اليد آلة و سببا لاظهار الكتابة و جعل الكاتب حقيقة هو الشخص كما هو المعلوم ثم اراد سبحانه ان يبين ان الفعل قد ينسب الي السبب القريب المقارن فقال سبحانه فويل لهم مما كتبت ايديهم فنسب الكتابة الي اليد بعد ما نسبها اولا الي الشخص و هي نسبة مجازية لا حقيقية كما ان نسبة الاولي حقيقية لا مجازية فلو قال قائل ان محمدا و آله عليهم السلام من اعظم الاسباب و الشرايط لايجاد العالم و اهله في خلقهم و رزقهم و حياتهم و مماتهم كما ان الملئكة كذلك في التدبيرات الجزئيات علي القطع و اليقين فاي ضرر يخافه و اي محذور يخشاه و اي غلو و كفر يلزمه و اي ضرورة ينكرها فان كان ما يحصل بالملئكة تفويضا باطلا فكيف يجوز علي الله ان يحكم بالباطل و ينسب الفعل اليهم و يجعلهم من اسباب الايجاد و الخلق و الرزق و كيف جاز هذا التفويض و صح في بعض و لايصح في بعض آخر ان هو الا مجازفة و سفسطة او مكابرة معاندة او قلة معرفة بحق محمد و آله صلوات الله عليهم . انظر الي هذا التصريح الواضح و البيان اللايح في تفسير العلة الفاعلية بما لاينافي مذهب الفرقة الناجية مقدار شعرة دفعا لما عسي ان يتوهم من كلامه رفع الله اعلامه .
و لعل متوهما يتوهم ان هذه السببية لآلمحمد عليهم السلام في العالم البشري بعد تولدهم من آبائهم و امهاتهم الظاهرية [ص 77] فمن توهم هذا التوهم علي جهة الكلية فقد خبط خبط عشواء و انما هذه السببية و المدخلية لانوارهم و حقايقهم و اسرارهم التي خلقها الله تعالي قبل الكون و المكان و قبل الاكوان و الاعيان فكانوا انوارا قبل خلق الخلق يسبحونه و يقدسونه و يمجدونه و ينزهونه الي ان خلق الله الخلق من اشعة انوارهم و تلألؤ حقايقهم و اسرارهم كما دلت عليه الاخبار المتواترة و اتفقت عليه العقول المتكاثرة و اجتمعت عليه الآراء المختلفة من العامة و الخاصة و كل من اقر بمحمد صلي الله عليه و آله خير البرية فانهم اجمعوا علي انه ( ان محمدا خل ) صلي الله عليه و آله اول من خلقه ( ما خلق خل ) الله من كافة الموجودات قبل آدم و حواء و قبل العرش و الكرسي و قبل اللوح و القلم و قبل الكان و المكان و قد اتفقت الفرقة المحقة علي ان عليا عليه السلام نفس الرسول صلي الله عليه و آله و تكثرت الاخبار من طرق المخالفين ايضا بذلك ( علي ذلك خل ) و اتفقوا ايضا علي ان الائمة الاحدعشر و الصديقة الطاهرة عليها و عليهم السلام مع النبي صلي الله عليه و آله من طينته واحدة و حقيقة غير متعددة فما يجري له صلي الله عليه و آله يجري لهم عليهم السلام و ما يختص به (ص) يختص بهم (ع) الا ما استثني به من الخصائص لامور خارجة عن ذاتياتهم يطول بذكرها الكلام فاذن هؤلاء الاربعةعشر سلام الله عليهم قد وقع الاجماع علي انهم (ع) قبل الخلق فاذن انوارهم خلقت قبل آبائهم و امهاتهم و قبل وجود الملئكة و هذه السببية و المدخلية التي عبرنا عنها بالعلة الفاعلية انما كانت في ذلك ( هذا خل ) العالم لا في عالم البشري الجسمي علي جهة الكلية علي الحقيقة الاولية [ص 78] و ان كانت علي حقيقة الثانوية في الوجودات التشريعية .
و بالجملة و لقد افردنا لهذه المسئلة رسالة منفردة و ذكرنا فيها ما يشفي العليل و يبرد الغليل و يدفع الاوهام الفاسدة و الآراء الكاسدة و الشبهات السوفسطائية التي لاهل القلوب القاسية و دفعنا عن عبارات مولينا و استادنا اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه اوهامهم و نكسنا بقوة البيانات الواضحة و البراهين اللايحة راياتهم و اعلامهم و من اراد حق الاطلاع فليطلبها و مرادنا في هذا المقام ذكر القرينة الواضحة و البيانات الصريحة لكلام مولينا و استادنا من كلامه حتي لاتورث الشبهة و لاتحصل الريبة و مع هذا كله ماسكت الشيطان عنهم و تمكن مما اراد منهم كما اخبر الله سبحانه في كتابه العزيز و ماارسلنا من قبلك من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم و ان الظالمين لفي شقاق بعيد و ليعلم الذين اوتوا العلم انه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم و ان الله لهاد الذين آمنوا الي صراط مستقيم و الامنية هي القرائة كما في قول الشاعر :
تمني كتاب الله في كل ليلة تمني داود الزبور علي الرسل
و في قرائة اهل البيت عليهم السلام و ماارسلنا من رسول و لا نبي و لا محدث بفتح الدال و قد قالوا عليهم السلام انا لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يكون محدثا فقيل له ايكون المؤمن محدثا قال يكون مفهما و المحدث المفهم ، فبعد ملاحظة هذه الروايات و وضع كل شيء في موضعه يظهر لك تأويل الآية الشريفة بجميع وجوهها فتبصر و تدبر و [ص 79] اين هذه العبارات مع هذه القراين الموضحة من عبائر القوم مثل الملا محسن و اضرابه حيث بينوا كلامهم و فسروه و اوضحوه و لميأتوا بشيء ينافيه و يضاده و انت قد سمعت من عبارات مولينا و استادنا قدس سره فانه مااتي بكلام غريب بعيد من ( عن خل ) افهام عامة الناس الا و ذكر له بيانا واضحا كما ذكرنا فان كان لهم بيانا مثل هذا فليأتوا قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين الا ان القوم المعترضين عليه (ره) قد راموا امرا فعز الوصول .
و في مسئلة العلم لما ذكر ان العلم علمان علم حادث و علم قديم و العلم القديم هو ذات الله سبحانه و العلم الحادث الواح المخلوقات من اللوح و القلم الي غير ذلك من كلماته اعلي الله مقامه و هذه الكلمات و امثالها و ان لميكن فيها صراحة و لا ظهور بان الله سبحانه لايعلم الاشياء قبل حدوثها و مع هذا قد بين مراده و كشف النقاب عن وجه مرامه ليبين الحق و يوضح الصدق ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و قال في اجوبة مسائل سائل سئله هل معني العلم الحادث انه تعالي يعلم الاشياء بعد وجودها بمعني انه تعالي يوجد لنفسه علما بها ثم يوجدها قال اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه :
اقول معني العلم الحادث انه يثبت عنده في ملكه ضبط الاشياء و حفظ صفاتها و مقاديرها و هيئاتها و آجالها و ارزاقها و ما اشبه ذلك مع وجودها لا بعد وجودها بمعني انه يوجد في ملكه العلم بها و ضبط حدودها حين يوجدها لا انه يوجد لنفسه علما بها لانه عالم بها قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها فكيف يوجد لنفسه علما بها و اي [ص 80] حالة بذلك لانه لميفقد من جميع حدودها و احوالها من ملكه شيئا قبل ان يوجدها و قبل ان تكون شيئا مذكورا و مثال ذلك انك يكون بينك و بين زيد حساب في بعض المعاملة فتكتبه في الدفتر و ان كنت انت غير ناس للحساب و لكن لاحتمال ان ينسي زيد او يتناسي توصلا الي انكارك او ليهتم بالوفاء اذا علم انك ضابطه عليه بحيث لو صدر منه ما يوهم الانكار او الاستفهام قلت له انا عندي علم الحساب الذي بيننا في الدفتر فيكون اردع له عن الانكار من قولك انا اعلم بالحساب فانه يشكك في الكلام الثاني دون الكلام الاول و لهذا لما قال فرعون فما بال القرون الاولي قال له موسي (ع) علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و هذا هو السر و النكتة في التقييد بقوله في كتاب فافهم و معني قولنا ان لله علما حادثا انه حين خلقها خلق لوازمها و ملزوماتها و كلما يترتب علي حدوثها فما كان فيها شرطا خلقه تعالي مع خلقه لها لان الشرط من لوازم المشروط و لايكون اللازم قبل الملزوم لانه في الحقيقة صفة للملزوم و لاتكون الصفة قبل الملزوم و لا بعده لانها شرط و المشروط ( الملزوم خل ) متوقف علي شرطه فلا بد ان يكون معه كالكسر و الانكسار و هو سبحانه عالم بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها فلايكون محتاجا في علمه بها الي ان يخلق له علما بها و الا لكان قبل ان يخلق ذلك العلم جاهلا بها و هذا اعتقاد الجاهل به تعالي لانه لميفقد شيئا منها من ( في خل ) ملكه فعلمه في الازل بحيث لايحتمل الزيادة و النقصان بها في الامكان و لانه لايستقبل و لاينتظر لان المستقبل و المنتظر فاقد في الماضي و الحال و تعالي العظيم المتعال عن تغير الاحوال فعلمه بكل شيء من خلقه ذاته [ص 81] البسيطة المجردة فلو فقد من علمه ذرة نقصت ذاته لكن المعلومات ليست في الازل لان الازل هو الله سبحانه و لايكون في ذاته شيء و انما المعلومات في اماكن حدودها من الحدوث و اوقات وجودها من الامكان و هو بكل شيء محيط فيا ايها المسلم صحح اسلامك باتباعي و اياك و ان تحترق بنار الكفر من مخالفتي فاني لمانطق بهوي نفسي و انما انطق بهدي من الله باتباعي لائمة الهدي سلام الله عليهم ،
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فيأخذه عنا
فما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا
فمنه الينا ما تلونا عليكم و منا اليكم ما وهبناكم عنا
و ساق الكلام الي ان قال اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه : و الحاصل علم الازلي سبق كل شيء و احاط بكل شيء في رتبة كونه حين كونه و مع كونه و بعد كونه قبل كل شيء اي في ازل الآزال من غير انتقال و لا زوال و لاتحول حال و هو تعالي كما هو و الاشياء كما هي اي كل شيء منها في رتبة تحققه من الامكان كما قال صلي الله عليه و آله في خطبة يوم الغدير قال صلي الله عليه و آله و احاط بكل شيء علما و هو في مكانه ه ، الي ان قال اعلي الله مقامه : و من قال ان علمه لميكن سابقا بها قبل كونها فهو كافر بل علمه بها قبل ايجادها و وجودها كعلمه بها بعد ايجادها و وجودها ، الي ان قال : و اما اذا اردت بالعلم الحادث فالمراد منه كما ذكرنا سابقا انه حدود خلقه فانه اذا خلق زيدا مثلا خلق رزقه و مدة عمره و فنائه و بقائه و كتب ذلك في اللوح المحفوظ و [ص 82] انفس الملئكة و سمي هذه الكتابة علما فاذا سمعت من يقول علم الله الحادث فالمراد به ( منه خل ) القلم و اللوح المحفوظ و نفوس الملئكة الموكلين بالخلق في مراتب الوجود الاربع الخلق و الرزق و الحيوة و الموت و اذا سمعت منا نقول انه العلم الاشراقي نريد انه صادر عن فعل الله و مشيته قائم بفعل الله قيام صدور لانه اثره و قائم بشعاع المفعول الاول قيام تحقق فهذا الفعل هو المشية و هذا المفعول الاول هو نور محمد صلي الله عليه و آله و الفعل و المفعول الاول يطلق عليهما امر الله ، الي ان قال (ره) : فالفعل من نور محمد صلي الله عليه و آله اعلي العلوم الحادثة خلقهما الله تعالي فسماهما علما باعتبار و معلوما باعتبار فمعني العلم الاشراقي باعتبار تقوم المعلومات بامره كما قلنا فافهم و تدبر و لا تشتبه عليك العبارات فان مراداتنا في هذه كما سمعت ، انتهي كلامه اعلي الله في الخلد مقامه و رفع الله في الدارين اعلامه .
انظر الآن ايها العاقل المنصف المتدين هل بقي لاحد مع هذا الكلام التام الواضح الدلالة مجال القول بانه اعلي الله مقامه ينكر علم الله بالاشياء قبل وجودها او ان يكون له تعالي حالتان او صدر المخلوقات عنه تعالي عن جهل ( بالجهل خل ) تعالي ربي و تقدس عن كل ما يقولون علوا كبيرا ، فاذا قال القائل مرادي من هذا القول هذا المعني و اللفظ يتحمل ( يحتمل خل ) ذلك المعني و لو بعيدا ايجوز في المذهب و في الشريعة ان يكذب و يقال له ليس هذا مرادك لان كلامك يحتمل غير هذا مع ان ما نقله المعترض من كلامه اعلي الله مقامه صريح في ما ذكرنا و نقلنا عنه و انه قال هناك : و العلم الحادث فعله و من جملة [ص 83] مخلوقاته و سميناه علما لله تعالي تبعا لائمتنا عليهم السلام و اقتداء بكتاب الله حيث قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي ، فهل بهذا الكلام يكفر قائله و يقال انه يثبت الجهل لله مع هذه التصريحات الاكيدة و التأكيدات البليغة علي ان علمه تعالي بالاشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها مع البيان الواضح الذي نقلناه عنه اعلي الله مقامه و لو فتح هذا الباب بالمصير الي الاحتمالات البعيدة و صرف الكلام الي الخيالات الفاسدة و الاوهام الكاسدة مع تصريح المتكلم بخلافها و توضيحه المراد منها فلايبقي حينئذ لعالم كلام و يجب تكفير جميع علماء اهل الاسلام ، يا ناعي الاسلام قم فانعه ، نعوذ بالله عن زلل الاقدام و زيغ الافهام و اضطراب الاوهام و نسئل الله العافية و حسن الخاتمة .
و كذلك القول في المعراج و ما ذكر مولينا فيه من الكلام الواضح الحق الصريح الذي لا مرية فيه و لا شك يعتريه و نقلناه عنه في اول هذه الرسالة ما هو صريح في انه صلي الله عليه و آله عرج بجسده بالكثافة البشرية و بثيابه التي هي اكثف من جسده صعد الي العرش و الي مقام قاب قوسين او ادني كما فصلنا و بينا و شرحنا و اوضحنا سابقا فليرجع اليه من اراد الاطلاع علي حقيقة الامر .
فاذا كان كذلك و هذا دأبه و ديدنه اعلي الله مقامه و رفع اعلامه في ذكر المطالب و تبيينها و تنقيحها و ذكر القراين المبينة لها و الموضحة لمعانيها و الكاشفة عن حقايقها و مبانيها و ما عسي ان يتوهمه المتوهم لاجل معضلات اسرارها فكيف يقاس عباراته و اشاراته بعبارات اولئك الاشخاص الذين ليس في كلامهم الدال علي مخالفة ظاهر ما عليه الفرقة [ص 84] المحقة قرينة موضحة و بيان مثبت لمرادهم الا ما ارادوا من ظواهر كلامهم و حينئذ فالظاهر يكون بحكم النص و يجب العمل عليه و لكن من جهة ما تقدم و احتمال انهم ( انهم ربما خل ) ارادوا غير هذا المعني المعروف عندهم و المتكرر علي السنتهم و كتبهم سكت عنهم و استغفر لهم كما في شرحه اعلي الله مقامه لرسالة العلم للملا محسن و انما يقول قال عفي الله عنه و قال العالم المتقن الملا محسن و امثال هذه العبارات و ذلك كله تورعه و تقويه و عدم جرأته في تكفير مسلم انعقدت نطفته في الاسلام و ربا و نشأ في الاسلام و اعتقد معتقد اهل الاسلام و لما كانت كلماته ظاهرة فيه جاهر بالتخطئة فلو اتي من تبين كلامه علي نحو معتقد اهل البيت عليهم السلام مما هو المعروف في مذهبهم من كلماته و بياناته و تصريحاته لكان يقبل منه ذلك اذ لميكن الاعتراض لاجل المعاداة و العياذ بالله الا انه اعلي الله مقامه لميجد من تبين كلامه و كلام اضرابه من كلامهم و بيانهم و انما يأولون بعض التأويلات الباردة و التوجيهات الفاسدة ( الكاسدة خل ) من التوجيه الذي لايرضي به صاحبه و لو اردنا ذكر تلك ( هذه خل ) الوجوه ( الوجوه و التأويلات خل ) و التعليلات لطال بذلك ( بنا خل ) الكلام و لاخرجنا عما نحن في المقام و لسنا ايضا بصدد الخلاف و النزاع مع الناس و نحن و لعمري في شغل من ذلك بل نقول ان القائل اذا قال قولا و سكت عنه و مضي علي منواله و لميأت بشيء ينفيه و يبين مراده منه ( عنه خل ) غير ما يعرفه الناس من ذلك القول و الكلام فذلك القول و الكلام هو الذي يجب ان تبني عليه الاحكام من النفي و الاثبات ان لمتكن قرينة بخلافه من الحالية او [ص 85] المقالية او غيرهما من انحاء القراين و اما اذا لميكن كذلك بل يذكر كلاما و يبين مراده بقرينة صريحة و بيان واضح و لايلزم ان يكون تلك القرينة في ذلك الموضع من كلامه بل يكفيه اثباتها و بيانها بحيث يعرف ذلك منه اما بتنصيص مقالي او بيان لساني او باخبار المخبرين الآخذين عنه او بالكتابة و الاتيان بصريح العبارة او بغير ذلك كما فعله مولينا الاستاد اعلي الله مقامه فحينئذ فهو الحكم الذي يجب الحكم عليه علي ما يقتضيه كلامه و يؤديه بيانه و ان اتي بشيئين مختلفين و لميمكن الجمع بينهما بما يعلم منه و لميظهر مذهبه في الخارج فيجب التوقف و السكوت عنه لان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و ان اختلفت كلماته الا انه المعروف الانتساب الي مذهب و دين فيجب الحكم به علي ما هو المعروف من مذهبه و المعلوم من دينه و ملته لقوله تعالي و لاتقولوا لمن القي اليكم السلام لست مؤمنا و علي ما ذكرنا من هذا التفصيل استقر مذهب علماء الاسلام و علي ذلك جرت طريقتهم و آدابهم فلايحكمون علي احد بالكفر الا اذا تطابقت اقواله و كلماته و عباراته في ما تظهر للناس و تجري علي وتيرة واحدة و اذا اختلفت فيطلبون المرجحات و لذا يختلفون في شخص واحد بالجرح و التعديل و الاسلام و الكفر و لذا تري ان عبدالحميد ابن ابيالحديد لما ظهر منه بعض الكلمات في بعض قصائده و رسائله حكم عليه جماعة بالتشيع حتي ان علمائنا من يقول حشرني الله معه مع كونه من المعروفين ( معروفا خل ) بالانتساب الي مذهب التسنن و تقويته لمذهبه و دفع الاعتراضات الواردة عليه مما لاينكر [ص 86] بتتبع شرحه علي نهج البلاغة و اما ما ذكر في مدح اميرالمؤمنين عليه السلام فقد بان عذره من المعلوم من مذهبه لانه معتزلي يجوز تقديم المفضول علي الفاضل و لا شك ان اميرالمؤمنين عليه السلام عنده افضل الصحابة و لكن الحكمة اقتضت تقديم فلان و فلان عليه و ان كانوا مرجوحين و يشهد لما ذكرنا قوله في القصيدة العينية :
و رأيت دين الاعتزال و انني اهوي لاجلك كل من يتشيع
و الحاصل ان العلماء اذا رأوا كلاما حقا من متكلم يجعلونه اصلا و يحملون غيره عليه حتي اجروا في ابن ابيالحديد و اشباهه فما ظنك باكابر الشيعة و اساطين الشريعة و هكذا دأب علماء الرجال و كذا الاختلاف في احوال محمد بن سنان و كلماته و اطواره و اختلاف النقل عنه و الروايات فيه اختلفت كلمات علماء الرجال فيه حتي انك ربما تجد عالما واحدا يناقض نفسه فيه في كتاب واحد فضلا عن كتابين فضلا عن العلماء هذا المفيد اعلي الله مقامه في الاختصاص علي ما نقل عنه في العوالم عد من خواص مولينا الرضا (ع) محمد بن سنان و مع ذلك قد طعن فيه و رماه بالضعف و هكذا و قد فصل القول فيه سيدنا السيد محمدمهدي الطباطبائي اعلي الله مقامه و ربما يكون رجل واحد قد ضعفه المشهور و يتبين لبعضهم من كلامه و آدابه و احواله ما يدل علي حسن حاله فيوثقه كما في عثمان بن عيسي الرواسي فان المشهور الصحيح انه ضعيف واقفي و لكن مولينا الاقا محمدباقر البهبهاني في تعليقته قد وثقه و بعضهم جعلوه ممن اجتمعت العصابة علي تصحيح [ص 87] ما يصح عنه و ربما تختلف احواله بحيث يتوقف فيه العلماء و يسكتون عنه و لميتعرضوا له بجرح و تعديل كما يظهر لمن تتبع كتب الرجال .
فظهر لك ان العلماء رضوان الله عليهم لايكتفون بمجرد العبارة كيفما كانت بل ينظرون الي القراين و المرجحات و الاحوال و الاطوار ثم يحكمون علي مقتضي ما يظهر لهم بعد التتبع التام و الفحص البالغ العام لا انهم اذا رأوا عبارة فرضناها ظاهرة في الكفر او صريحة ثم يرون بعد ذلك عبارة ثانية موضحة و مبينة لمراده من العبارة الاولي صريحة في التوحيد و الاسلام بانه مااراد منها الا هذا المدلول من هذه العبارة الثانية لا انه اراد من الاولي معناها ثم عدل عنها في الثانية فانه عدول عن الارتداد و ينبئ علي الخلاف في المسئلة و اما في الصورة الاولي فلا شك انهم لايعرضون عن الثانية و يحكمون علي مقتضي العبارة الاولي لا والله ماصنع ذلك الي الآن عالم من العلماء من جميع الملل فضلا عن المسلمين فضلا عن الفئة الناجية و الفرقة المحقة رضوان الله عليهم الا من ابدع في الدين و لميعرف طريقة الفقهاء و المجتهدين و لا ما هو المعروف عند عامة المسلمين و انا قد تلوت عليك من كلمات مولينا و عباراته مما يوهم المخالفة و ما يكشف عنها بصريح الكشف و البيان و حينئذ فالاعتراض عليه من جهة تلك العبارات بعد البيان و التوضيح خروج عن جادة اهل الاسلام و عن طريقة المسلمين و اتباع لغير سبيل المؤمنين و الله سبحانه و تعالي يقول و من يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولي و نصله جهنم و سائت مصيرا و مولينا اعلي الله [ص 88] مقامه و رفع في الدارين اعلامه لميزل علي منهاج بصيرة في الدين و التقوي و جار علي ما جرت عليه العلماء و سالك سبيل اصحاب العصمة ائمة الهدي عليهم السلام ما دامت الارض و السماء و لكن القوم كما اخبر الله تعالي عنهم بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله ، و اذ لميهتدوا بهذا فسيقولون هذا افك قديم الميسمعوا قوله تعالي و مااوتيتم من العلم الا قليلا و قوله تعالي و فوق كل ذي علم عليم و قوله تعالي و لاتقولوا لمن القي اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا و قوله تعالي الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم في الدنيا و الآخرة و قوله تعالي الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة و امثالها بل لقد سمعوها و وعوها و لكن الدنيا قد احولت في اعينهم و راقهم زبرجها آه آه فوالله قال اميرالمؤمنين عليه السلام لولا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر و ما اخذه الله علي العلماء ان لايقاروا علي كظة ظالم و لا علي سغب مظلوم لالقيت حبلها علي غاربها و لسقيت آخرها بكأس اولها و لالفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز انتهي ، و اني كتبت هذه الكلمات تنبيها لمن يتنبه و تبصرة لمن يتبصر و تذكرة لمن يتذكر و اتماما للحجة علي المكابر .
ثم اني اجمل القول في ما هو معتقدي عن هذه المسائل المأخوذة من شيخي و استادي و ادين الله بهذا الاعتقاد و اشهد بالله انه اعتقاد مولينا و شيخنا ان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون فاقول ان الذي يجب اعتقاده علي المسلمين في معرفة اصول [ص 89] الدين هو ان الله سبحانه هو الواحد المتوحد الفرد المتفرد بقيوميته و ايجاده و خلقه ليس له شريك و لا وزير و لا هو سبحانه باحد يستشير و لايعينه احد و لايوازره عدد فهو المستقل المتفرد بالخالقية و الفاعلية و الرازقية خلق السموات بلا عمد و سطح الارضين علي وجه ماء جمد و تدل علي ذلك ضرورة اهل الاسلام و الآيات المحكمة كقوله تعالي الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالي عما يشركون و قوله تعالي اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات و امثالها من الآيات الكثيرة و الاخبار المتواترة المستفيضة عن البيان فمن اعتقد بخلاف ذلك فهو خارج عن دين الاسلام و مكذب بما جاء به سيد المرسلين صلي الله عليه و آله و من قال ان عليا (ع) او احد الائمة (ع) خالقوا السموات و الارضين فلا حظ له في الاسلام و لا هو في عداد المسلمين و من قال انهم (ع) خالقون باذن الله و امره كالشريك المتصرف في الملك باذن الشريك الآخر او كالوكيل الفاعل باذن الموكل و امره او كالعبد الفاعل باذن المولي و السيد فمن قال بهذه المقالة و دان بهذا الاعتقاد فهو كافر باليقين و خارج عن ذمة ( مذهب خل ) المسلمين و اني ابرء الي الله تعالي منه و ممن يقول بقوله فلااشك في كفرهم فانهم ملعونون علي لسان داود و عيسي بن مريم و هو قول الصادق (ع) من قال نحن خالقون بامر الله فقد كفر لان الاذن و الامر علي الاول ينافي توحيد الله و يثبت الشريك له تعالي و علي الثاني و الثالث يستلزم اعتزال الحق عن الخلق و يستلزم التعطيل و ضرورة الدين قضت [ص 90] علي فساد كل ذلك علي اليقين و الادلة القطعية من العقلية و النقلية دالة علي بطلانه و كفر القائل به و انه شر اليهود و النصاري لان الغلاة صغروا عظمة الله و كل من يدعي ان لاحد استقلالا و تذوتا بدون الله سبحانه فهو كافر ايضا فمن جعلهم عليهم السلام العلة الفاعلية بالمعاني التي ذكرت لك كما هي الظاهرة المعروفة بين الخلق فاني ابرء الي الله تعالي منه و ادين بكفره و اما اطلاق هذه العبارات و ارادة انحاء التجوزات و وضع الاصطلاحات و قصد معني صحيح يطابق ظاهر الشرع الانور المعروف بين هذه الفرقة الناجية كما قال عز و جل و اذ تخلق من الطين الآية ، و قال عز و جل تبارك الله احسن الخالقين و قد قال تعالي و تخلقون افكا و كذلك ما في الروايات كما تلونا عليك سابقا فقد وقع فلا بد ان تحمل امثال هذه الاطلاقات علي المعني الصحيح الذي يطابق ظاهر الشرع لان صدور هذه العبارات من الشارع قطعي كما سمعت من القرآن و عدم ارادته ما هو المعروف المتبادر من المعاني التي ذكرت قطعي ايضا فوجب الحمل علي التجوز و انحاء الوجوه و الاعتبارات و كذلك يجب علي المسلمين اعتقاد ان الله سبحانه عالم بذاته و العلم عين ذاته و انه تعالي يعلم الاشياء كليها و جزئيها و علويها و سفليها و جميع ذرات الكاينات بكمال التفصيل قبل وجودها و بعد وجودها و مع وجودها بلا تغير و من انكر ذلك فهو كافر و نبرء الي الله تعالي منه برائة الله و رسوله و الائمة الطاهرين و كذلك يجب عليهم الاعتقاد بان رسول الله صلي الله عليه و آله عرج بجسمه بل بجسده بل بكثافة بشريته المؤلفة من [ص 91] العناصر الاربعة و معه صلي الله عليه و آله ثيابه و صعد بما ذكرنا السموات حتي وصل الي العرش و بلغ الي مقام قاب قوسين او ادني و من لميعتقد ذلك نبرء الي الله تعالي منه و كذلك يجب عليهم الاعتقاد بان الخلق بعد الموت في الحشر يعادون بابدانهم و اجسادهم الدنياوية العنصرية بحيث لو وزنتها في الدنيا و الآخرة لميتفاوت قدر حبة خردل و نبرء الي الله تعالي ممن قال بغير هذا او اعتقد بغير هذا فكل من انكر المعاد الجسماني فهو كافر ملعون لعن الله قائله و عذبه بانواع العذاب ثم اني اعتقد و اجزم و اقول بلسان حالي و مقالي و جناني و اركاني و سري و علانيتي ان ظاهر ما عليه الفرقة المحقة هو الحق الذي لا شك فيه و لا ريب يعتريه و كل مذهب او اعتقاد او قول او فعل يخالف ما عليه الفرقة المحقة فذلك باطل عاطل فاسد كاسد ابرء الي الله و الي رسوله و الي الائمة الطاهرين سلام الله عليهم من ذلك القول و جميع كلماتنا و اقوالنا في جميع مصنفاتنا و مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل لايخرج مما عليه الفرقة المحقة فاذا وجدتم كلاما متشابها او ما في ظاهره المنافاة فردوه الي المحكمات و ادرؤا الحدود بالشبهات و لاتقولوا لمن القي اليكم السلام لست مؤمنا و لاتكونوا كما قال عز و جل بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و السلام علي من اتبع الهدي و خشي عواقب الردي .
و اعلم اني قد اعذرت و انذرت و بينت و فصلت و اوضحت و لماترك لذي مقال مقالا و لا لذي حجة خصاما و جدالا و بينت ان مولينا و استادنا ماخالف المعروف بين الفرقة المحقة فضلا عن المعروف بين [ص 92] المسلمين قدر شعرة و ذرة فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر و المرجع الي الله و الملتقي عند الحساب و الحكم لله و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
قد فرغ من نسخها منشيها عصر يوم الخميس الحاديعشر من شهر ذيقعدة الحرام في سنة المأتين و اثنين و اربعين بعد الالف من الهجرة النبوية علي مهاجرها الف سلام و تحية .