الاول مقام البيان و هم في هذا المقام سر التوحيد و عين التفريد و حقيقة التنزيه و هذا مقامهم الذي لايقع عليهم اسم و لا صفة و هو مقامهم الذي غيب لايدرك قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الذي لايقع علي اسم و لا صفة و قال عليه السلام ظاهري ولاية و باطني غيب لايدرك و هو المقام الذي لايسعهم فيه ملك مقرب و لا نبي مرسل و هو مقام من [ص 48] عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و هو مقام المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك و هذا المقام يشتمل علي مقامات كثيرة مثل مقام الهوية الظاهرة لادراك الخلق بالخلق و مقام الالوهية كذلك و مقام الاحدية كذلك و مقام الواحدية و مقام الرحمانية و مقام ساير الاسماء المتقابلة و السمات المتماثلة فهم في هذا المقام الاسماء الحسني و الامثال العليا و قد قال عليه السلام في تفسير لفظ الجلالة علي ما رواه الصدوق في التوحيد الالف آلاء الله علي الخلق من النعيم بولايتنا و اللام الزام خلقه ولايتنا و الهاء هوان لمن خالف ولايتنا انتهي ، فلنقبض العنان فللحيطان آذان ،
اخاف عليك من غيري و مني و منك و من مكانك و الزمان
فلو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني
الثاني مقام المعاني و هم في هذا المقام معاني اسماء الله و مبادي الاشتقاقات في الاسماء المشتقة و قد دلت الادلة القطعية من العقلية و النقلية ان اسماء الله تعالي كلها مشتقة فهم العلم للعالم و القدرة للقادر و الحكمة للحكيم و الجلال للجليل و الجمال للجميل و الرحمة للرحمن الرحيم و الكرم للكريم و النور للمنير و هكذا باقي المبادي لاسمائه تعالي و قد شرح بعضها مفصلا و كلها مجملا في دعاء السحر لشهر رمضان المبارك في قوله عليه السلام اللهم اني اسألك من بهائك بابهاه و كل بهائك بهي الي ان قال عليه السلام في آخر الدعاء اللهم اني اسألك بما انت فيه من [ص 49] الشأن و الجبروت و اسألك بكل شأن وحده و جبروت وحدها الدعاء ، و هذا اجمال ما فصل في اول الدعاء الي هذا المقام و في هذا التفصيل سر قد خفي علي اكثر الافهام و قال الباقر عليه السلام لجابر يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال و ما البيان و المعاني قال عليه السلام قال علي عليه السلام اما البيان فهو ان تعرف ان الله واحد ليس كمثله شيء فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن علمه و نحن حكمه و نحن امره و نحن عينه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد نحن ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امر عباده ان الينا اياب الخلق ثم ان علينا حسابهم .
الثالث مقام الابواب و هم في هذا المقام الواسطة في الصدور و ايجاد الخلايق و ايصال ما لهم اليهم مما يجري من فوارة القدر المستودع عندهم من جميع احكامهم اي الخلايق من جميع احكام الذوات و الصفات و الشرعيات و الوجوديات و ساير ما اقتضته النسمات من خالق البريات و كذا واسطة الخلق في الانصدار و الانوجاد و ما اقتضت تلك الكينونات و طلبت فلايقع اقتضاءاتهم الا اليهم عليهم السلام و هم من الله يمدونهم بالمدد الوجودي كالشرعي و هو قوله عليه السلام في الدعاء الهي وقف السائلون ببابك و لاذ الفقراء بجنابك و هم عليهم السلام الباب و الجناب و قال عليه السلام في الزيارة ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليكم و يصدر ( تصدر خل ) من بيوتكم الصادر لما فصل من احكام العباد انتهي ، و المصدر المضاف يفيد العموم و الجمع المضاف كذلك و الجمع المحلي [ص 50] باللام كذلك فافهم فهم في هذا المقام اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و رواد فبهم ملأت سمائك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
الرابع مقام الامامة و هم في هذا المقام حجة الله علي الخلق اجمعين و ولي الله علي الاولين و الآخرين و حبل الله القوي المتين و نور الله في السموات و الارضين و هم في هذا المقام امام الهدي و العروة الوثقي و الحجة علي الوري و السبيل الذي من سلكه نجي و من سلك غيره هوي معدن العلوم النبوية جامع الفضايل الالهية المعصوم من كل زلل و المطهر من كل خلل مؤيد بالروح مسدد بالملك الاعظم ناظر الي اعمال الخلايق و شاهد من الله عليهم ( عليهم عالم خل ) بسرايرهم و ضمايرهم من كلما كان في الوجود من اهل السموات و الارض و اهل المشرق و المغرب و ما فوق السموات و ما في جو الهواء و ما في لجج البحار و اودية القفار و ما تحت الارضين من الاخبار و ما يحدث بالليل و النهار و لايخفي عليهم حال من تلك الاحوال ظاهر بالعبودية المحضة خالص لله العبودية وارد عليه جميع احكام العبودية بما هو فوق النهاية قائم بالعبادة في ظلمة الليل صائم في النهار و لما كان الله سبحانه سبقت كلمته و نفذت مشيته علي انه لايلجأ احدا في التكليف و الايمان و هم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون مااجبروا العباد علي طاعتهم و الانقياد لامرهم و الاتباع لحكمهم و الانزجار عن مناهيهم و لاامسكوا عن اظهار الحق و الاتعالت كلمة الحق و لاظهر امر [ص 51] الله و مابلغت حجة الله و لما كان اغلب الخلق و اكثرهم قد تمكنت فيهم النفس الامارة بالسوء و اجابوا داعي الشيطان و نفروا عن طاعة الرحمن ( الله خل ) كانوا لايطيعونهم عليهم السلام و يدعون لانفسهم الملعونة الرياسة عليهم و لايحبون ان يطاعوا فبذلوا مجهودهم لاطفاء نورهم و خمود ذكرهم و شمروا عن ساق الجد في ايذائهم و اذيتهم و قتلهم و نهبهم و الاهانة اليهم و هم عليهم السلام لو ارادوا دفعهم عن نفسهم الشريفة لفعلوا باحسن الوجوه و اسهلها و لكنهم ارادوا و احبوا امضاء حكم الله من عدم الجاء الخلق علي التكليف و الايمان و لو لميقبل من المنافقين الذين كانوا يظهرون الايمان و يبطنون النفاق و قتلهم لقطع الفيض عن النطف الطيبة التي في اصلاب اولئك الكفار و المنافقين و هذا لايصح في الحكمة فسكتوا و صبروا و دعوا الخلق الي الايمان و اوضحوا الحجة و دعوهم بالحكمة و الموعظة الحسنة الجميلة فلميطع لهم امر و لمتصغ اليهم اذن فسكتوا عنهم فلما رأت الاشرار سكوتهم و عدم سلهم السيف تجرأوا عليهم و هتكوا حرمتهم و اوصلوا اليهم انحاء الاذيات و الاهانات حتي قتلوا رجالهم و ذبحوا اطفالهم و سفكوا دمائهم و سبوا ذراريهم و نسائهم و نهبوا اموالهم و شهروا رؤسهم في الاقطار و البلدان كل ذلك اتماما للحجة علي الخلق و ما ربك بغافل عما يعملون و لايحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خيرا لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب عظيم و لاتحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه القلوب و الابصار مهطعين مقنعي رؤسهم لايرتد اليهم طرفهم [ص 52] و افئدتهم هواء فعلي الاطايب من اهل بيت محمد صلي الله عليه و آله و علي عليه السلام فليبك الباكون و اياهم فليندب النادبون و لمثلهم فلتذرف الدموع من العيون و يضج الضاجون و يعج العاجون فصبروا علي هذه البليات و احتسبوا الاجر من بارئ السموات و داحي المدحوات مع كمال قدرتهم عليهم السلام علي دفع شر اولئك الاشرار عنهم و مع ذلك تحملوا المشاق و صبروا علي الفراق قد غرقت سهام الامة في اكبادهم و رماحهم مشرعة في نحورهم و سيوفهم مولعة في دمائهم يشفي ابناء العواهر غليل الفسق من ورعهم و غيض الكفر من ايمانهم و هم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته و شهيد فوق الجنازة قد شبكت بالسهام اكفانه و قتيل بالعراء قد رفع فوق القناة رأسه و مكبل في السجن قد رضت بالحديد اعضاؤه و مسموم قد قطعت بنجوع السم امعاؤه فهل المصايب الا التي لزمتهم و المصايب الا التي عمتهم و الفجايع الا التي خصتهم و القوارع الا التي طرقتهم صلوات الله عليهم و علي ارواحهم و اجسادهم فلما رأي خاتمهم و قائمهم صلي الله عليه و عليهم ان الامة الملعونة ارادوا قتله و خلو الارض من خليفة الله و الداعي اليه بالحق و في ذلك فساد العالم و خراب الخلق لان الارض اذا خلت من الامام لساخت باهله و في ذلك هدم النظام و فساد الحكمة اخفي صلوات الله عليه شخصه عن اعين الظالمين ليسلم من شر اولئك المنافقين و يحفظ رقاب شيعته المقرين به عن ظلم اولئك الظلمة الفاسقين الي ان تصفو الاصلاب الخبيثة من النطف الطيبة و تصفو الاصلاب [ص 53] الطيبة من النطف الخبيثة فهناك يقوم بالامر و يسل السيف و يطهر الارض من تلك الاشرار و لايقبل الايمان من المنافقين الفجار و هو قول شيخنا و استادنا جعلني الله فداه في قصيدته يرثي بها الحسين عليه السلام :
نظار يا معشر الفجار غاشية يقوم بالامر حيث السيف مسلول
القصيدة ، و اليه الاشارة بقوله عز و جل لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا اليما فاذن افجع في مصايبهم و ابك علي رزاياهم لان الامام عليه السلام قلب الانام فاذا تكدر القلب و تألم تظهر الكدورة و الالم في جميع اقطار البدن من الحواس و القوي و المشاعر و المدارك بخلاف ما لمتحله الحيوة من الشعر و الظفر و امثالهما فانت ان كنت حيا في ولايتهم و محبتهم لا بد ان تتألم و تتكدر و تجري الدموع حتي يأتي فرجهم و ظهور دولتهم و يطهر الارض بسيف قائمهم روحي فداه فبعد ذلك يرجعون الي الدنيا فاول من يرجع منهم هو الحسين عليه السلام ابن علي بن ابيطالب بعد خروج القائم عليه السلام بتسع و خمسين سنة ثم يرجع مولينا و سيدنا علي عليه السلام لنصرة ابنه الحسين عليه السلام و يبقي في الدنيا ثلثمأة سنة ثم يقتل عليه السلام فيكر مرة ثانية و هو هناك دابة الارض ثم يقاتل مع ابليس بجنوده عند شاطئ الفرات ثم ينزل رسول الله صلي الله عليه و آله من السماء و بيده حربة من النار فيقتل ابليس ثم يظهر الائمة جميعا و يجتمعون في مسجد الكوفة كل واحد منهم يشكو عند جده صلي الله عليه و آله ما لقي من فرعون وقته ثم يقرأ رسول الله صلي الله عليه و آله هذه الآية الحمد لله الذي [ص 54] صدقنا وعده و اورثنا الارض نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين ثم يقسم الارض عليهم صلي الله عليه و آله و عليهم فيظهر الجنتان المدهامتان من ظهر مسجد الكوفة و ما ورائها الي ما شاء الله فيأتون بالاعداء و المنافقين الذين ظلموا آلمحمد عليهم السلام حقهم سيما الرؤساء الكبار فيقتص منهم و يقتل كل واحد منهم لكل واحد من المؤمنين لتشفي قلوبهم سبعينالف مرة و يعيش المؤمنون عيشا رغدا و لايموت احدهم حتي يري الف ذكر من صلبه الي ان تنتهي مدة ثمانينالف سنة من بدو خروج الحسين عليه السلام فتصعد فاطمة الصديقة روحي فداها الي السماء ثم بعد ذلك الائمة الثمانية سلام الله عليهم يصعدون الي السماء ثم بعد ( بعد ذلك خل ) يصعد القائم عجل الله فرجه ثم بعد ذلك يصعد مولينا الحسين عليه السلام ثم بعد ذلك يصعد سيدنا الحسن عليه السلام ثم بعد ذلك يصعد سيدنا و مولينا اميرالمؤمنين صلوات الله عليه ثم بعد ذلك يصعد رسول الله صلي الله عليه و آله فيبقي الخلق في هرج و مرج اربعين يوما لايفرقون بين الليل و النهار و الرأس و الرجلين و السماء و الارض لان نور المعرفة و الفهم و الادراك كان معهم صلي الله عليهم فاذا صعدوا ذهب ذلك كالشمس اذا غابت غابت الاشعة فبعد الاربعين ينفخ اسرافيل في الصور فيموت الخلق كلهم اجمعون سوي الاربعةعشر المعصومين صلي الله عليهم اجمعين فيبقي العالم لا حس و لا محسوس و لا حركة و لا متحرك ثم ينادي الحق سبحانه و تعالي بلسان آلمحمد صلي الله عليهم كما نادي موسي بالشجرة اين الجبارون و اين المتكبرون و اين الذين اكلوا [ص 55] رزقي و عبدوا غيري لمن الملك اليوم فلا احد يجيب ثم هو سبحانه يجيب نفسه بلسانهم لله الواحد القهار و في الحديث عن الصادق عليه السلام انه قال نحن السائلون و نحن المجيبون انتهي ، اخبرني به شيخي و ثقتي و معتمدي عنه عليه السلام بالسند المتصل و يبقي الخلق امواتا اربعمأة عام ثم ينفخ في الصور نفخة اخري فاذا هم قيام ينظرون و اشرقت الارض بنور ربها و وضع الكتاب فيحشر الخلايق كلهم اجمعون من الاولين و الآخرين و الانبياء و المرسلين و الملئكة و الكروبيين و ساير الخلق اجمعين فينصبون منبرا للنبي صلي الله عليه و آله اسمه الوسيلة له الف مرقاة من مرقاة الي اخري عدو الفرس الجواد الف سنة او خمسمأةالف سنة كل مرقاة من جوهرة من در و ياقوت و الماس و ذهب و فضة و امثالها فيصعد عليه النبي صلي الله عليه و آله حتي يستقر علي اعلي المراقي و الخلايق كلهم قيام صفوف ثم يأتي مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام فيصعد المراقي الي ان ينتهي الي الاعلي و يقف دون النبي صلي الله عليه و آله بمرقاة ثم يأتي الائمة عليهم السلام فيقفون علي المراقي علي حسب مقاماتهم و درجاتهم ثم يأتون بلواء الحمد و هو علم الولاية الكبري و السلطنة العظمي و الرياسة العظمي للنبي صلي الله عليه و آله فيسلمها الي علي عليه السلام و هو حامل اللواء ثم يأتون بمفاتيح الجنة و النار فيسلمونها لعلي عليه السلام ثم يرد اليه حساب الخلايق فيحاسب الخلق علي حسب اعمالهم الذاتية و العرضية و يبلغهم مقاماتهم التي اعدها لهم بامر الله سبحانه اما في الجنة او في النار [ص 56] فهم سلام الله عليهم هم السلاطين في الآخرة لايرد امرها الي سواهم و كل الخلايق دونهم ينظرون لحكمهم و نفاذ امرهم و كل احد محتاجون اليهم فطوبي لمن احبهم و اقر و اعترف بولايتهم و تذلل لفضايلهم و مناقبهم و امات نفسه في طاعتهم و ضرب صفحا و طوي كشحا عن اعدائهم في ذلك اليوم فانه في نعيم و سرور و جنة و حبور و ويل لمن عصاهم و ابغضهم و اعرض عنهم و ادبر عن نور هدايتهم و والي اعدائهم و عادي اوليائهم في ذلك اليوم فانه في عذاب اليم جعلنا الله من اوليائهم التابعين لهديهم المقتفين لآثارهم السالكين لمسلكهم الخاشعين الخاضعين لهم المجاورين لقبورهم الظاهرية و الباطنية الواقفين ببابهم اللائذين بجنابهم صلي الله عليهم و علي ارواحهم و اجسادهم و ظاهرهم و باطنهم و لعنة الله علي اعدائهم و ظالميهم و مخالفيهم و مبغضيهم اجمعين الي يوم الدين و ابد الآبدين و دهر الداهرين هذا مجمل الامر في الكشف عن مراتبهم الظاهرية و اذا طلبت ازيد من ذلك فارجع الي ما ذكرنا في شرح الخطبة الطتنجية فان فيه امورا غريبة لاتكاد تحملها القلوب و الافكار .
قال سلمه الله تعالي و سلك به مسلك رضاه : و ايضا نستدعي من جنابك العالي ان تبين لنا المختار من اعتقادكم في المعاد هل هو جسماني او روحاني و الذي اخترتموه بينوا لنا برهانه و دليله .
اقول هذا آخر مسائله وفقه الله لمراضيه اعلم ان المختار عندنا في ذلك ما اجمع عليه المسلمون بل المليون ممن انتحل مذهبا من المذاهب التي [ص 57] اتت به الانبياء و المرسلون من القول بالمعاد الجسماني و الروحاني معا و من انكر المعاد الجسماني فقد خالف الضرورة من الدين و هو كافر اجماعا من المسلمين و يجب قتله علي اليقين نعم قد استصعب العلماء اقامة البرهان علي ذلك و الدليل القاطع علي حشر الاجساد و اكتفوا في اثباته بما ثبت بالضرورة و الاجماع و اخبار المعصومين علي نهج القطع و اليقين و لكنا بحول الله و حسن توفيقه قد اقمنا علي العود الجسماني براهين قطعية عقلية الهية بالادلة الثلثة من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل سيما في جواب الشاهزادة ( الشاهزادة عن السؤال خل ) عن شبهة الآكل و المأكول التي صارت معركة للآراء و ساير الرسايل و نقتصر هنا بشيء يسير من ذلك لتوفر الكلال و الملال و عدم اجتماع الحواس و تبلبل البال فنقول لا شك و لا ريب ان الله عز و جل كامل مطلق و عالم مطلق و كماله المطلق مع علمه و قدرته المطلقين يقتضي ان يجري فعله بدوا علي احسن طور و اشرف وجه علي اكمل ما يقتضي ان يكون عليه الممكن و اعظم طور تظهر به صفاته الجلالية و الجمالية و الكمالية و لا شك ان العلم اشرف من الجهل و العالم اشرف من الجاهل لان سعة العلم تنبئ عن سعة قدرة الله سبحانه حيث ان الله سبحانه لايعلم من حيث ذاته و انما يعرف من حيث آثاره و افعاله فكلما يكون العلم بالخلق اكثر يكون العلم بالله اكثر و كلما يكون العلم بالله اكثر يكون نوره و قدرته و استنارته من الشمس المضيئة تحت قعر بحر القدر اكثر و كلما يكون نوره اكثر يكون مقامه و [ص 58] مرتبته و درجته اكثر في الجنة و مقامات القرب و الزلفي ارفع و اعلي فاذا كان كذلك فاعلم انه تعالي قد سبقت كلمته بتعدد العوالم و اختلاف مراتب الاشياء اظهارا لصفاته الغير المتناهية و رحمته الواسعة و قدرته الجامعة لتعظم بذلك الفيوضات الواردة علي المخلوقين و تحصل بذلك الترقيات الغير المتناهية و تنال به لطايف اللذات برفع طرايف الدرجات و نزول انحاء الواردات علي اختلاف الطبايع و الالوان فخلق الخلق و له الحمد و الشكر في عوالم مختلفة و مراتب متفاوتة و مقامات متعددة فلو كان المكلفين من مخلوقاته تعالي حصل له العلم بجميع تلك الدرجات و المقامات و المراتب حتي يشاهدوا في كل مقام تجليا من تجلياته سبحانه و ظهورا من ظهوراته و يعظموه تعالي و يسبحونه ( يسبحوه خل ) حسب ذلك التجلي بنور العظمة لترفع لهم بذلك درجة و ينالوا به مرتبة لمتكن لهم قبل ذلك حيث اجري الله سبحانه تعالي عادته باجراء الاشياء علي الاسباب اتماما لبالغي الحجة و اكمالا لعظيم النعمة كان احسن و اولي و ابين لظهور العظمة و اتم للمعرفة و اقرب الي التصديق و اوضح للحجة و اقطع لعذر لجاج المخالفين و ادحض لحجة المعاندين و ابعد لايراد الشبهة علي المؤمنين الموحدين و اظهر لعموم القدرة و لما كان العلم علي ما هو التحقيق عين المعلوم في عالم الامكان اذ لا بد ان يكون بينه و بين المعلوم مناسبة و مرابطة ليكون احدهما من سنخ الآخر اذا لمنقل بعينية العلم للمعلوم كما هو المشهور عند القوم وجب ان يكون للعالم من سنخ كل عالم حتي يعرفه بما عنده من وصف [ص 59] ذلك العالم فوجب ان يكون في كل مكلف انموذجا من كل عالم ليعرفه به و لينال بتلك المعرفة و العلم اعلي الدرجات و اسني المقامات ففعل سبحانه و تعالي و خلق الخلق المكلفين كل واحد منهم جامعا لجميع ما في العالم حتي تكون عناية الله في الكل علي السواء و ان اختلف المكلفون بالاعمال في اظهار تلك العوالم بتلك العناية و عدمه الا ان الوجود لئلايكون في ما من الله نقص و لايكون للناس علي الله حجة فمما لا بد منه و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام مخاطبا للمكلف :
أتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
و لما كان كليات العوالم الفالف و المكلف جامع للعوالم يجب ان يكون هذه العوالم كلها فيه لقوله عليه السلام : و فيك انطوي العالم الاكبر ، و لما ثبت بالدليل القطعي ان كل شيء مكلف مختار ذو شعور و ادراك و يجب ان لايكون ما من الله ناقصا وجب ان يكون كل شيء حاويا و جامعا لكل شيء حتي يصح ما قال الشاعر :
كل شيء فيه معني كل شيء فتفطن و اصرف الذهن الي
كثرة لاتتناهي عددا قد طوتها وحدة الواحد طي
و لما كان هذه المراتب مختلفة في الصفاء و الكدورة و اللطافة و الكثافة و النورانية و الظلمانية و التجرد و المادية و الطفرة في الوجود باطلة فوجب ان يكون هذه المراتب متنزلة الاعلي فالاعلي و لما كانت المرتبة السفلي مقام الكثافة بالنسبة الي الاعلي فتلك اللطيفة الالهية التي هي حقيقة [ص 60] الشيء متنزل من الاعلي الي الاسفل فعند النزول الي كل عالم يلبس لباس ذلك العالم و يتصف بصفته و يجري عليه حكمه و هو قوله عز و جل و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و ها انا اذكر لك بعض مقامات عالم النزول البدوي لتستبين منه حال الصعود العودي فان الصعود عين النزول و البدو عين العود فنقول ان الله سبحانه لما خلق ذلك النور الرباني و السر الصمداني و النقش ( النفس خل ) الفهواني و الخطاب الشفاهي و هي الحقيقة الانسانية و حقيقة كل شيء فامره الله سبحانه بالادبار لتحقق المراتب لاثبات ما حكم الله و قدر فادبر ذلك النور و دخل بلد الهوية و منه سافر الي بلد الالوهية و منه سافر و نزل الي مأوي الاسماء الكلية و منه الي مسكن الصفات النوعية و الشخصية و منه الي معدن المعاني اي معاني الصفات كالجلال و الجمال و الكبرياء و منه الي مقر اهل المحبة و اصحاب الذوق و المودة و منه الي مقام اهل دليل الحكمة و ينبوع الاسرار الذوقية و منه الي مقام قاب قوسين و منه الي رتبة العقل المرتفع ثم منه الي المستوي ثم منه الي المنخفض ثم منه الي مقام السدرة المنتهي و تفرد علي اغصانها باوراقها اذ يغشي السدرة ما يغشي ثم منه الي مقام الروح ارض الزعفران ثم منه الي شجرة طوبي ثم منه الي الجنة العليا ثم الي الرفرف الاخضر و منه الي مقام و محل الانس و رتبة الايتلاف و هيهنا مبدء الذر الاول او الثاني او الثالث و هناك محل الاختلاف و منه الي مقام الكثيب الاحمر ثم الي مقام الطبيعة النور الاحمر الذي منه احمرت الحمرة ثم الي رتبة الهيولي و مقام الهباء و المواد الجسمانية و هذا هو [ص 61] البحر الذي حصل من ذوبان الياقوتة الحمراء لما نظر اليها الحق سبحانه و تعالي بنظر الهيبة و تلك الياقوتة هي الطبيعة و البحر هو المادة الجسمانية دخان ذلك البحر لطايف تلك المادة فصارت منها السموات بطبقاتها حسب ما لها من اللطافة و زبد ذلك البحر كثافة تلك المادة من جهة صلوح لحوق الاعراض و الغرايب فصارت منها الارضون بطبقاتها و مراتبها ثم منه الي عالم الصور و الاشباح و المثال و جنة هورقليا و جابلصا و جابلقا ثم الي العرش محدد الجهات اي محدبه ثم الي مقعره ثم الي فلك الكرسي ثم الي فلك البروج ثم الي فلك المنازل ثم الي الشمس ثم من الشمس الي فلك زحل و القمر ثم منها الي فلك المشتري و عطارد ثم منها الي فلك المريخ و الزهرة ثم نزل الي كرة النار ثم الي كرة الهواء بمراتبها الثلثة بل الاربعة ثم الي كرة الماء كله ثم الي التراب مظهر اسم الله المميت و ذلك نهاية الادبار و لما كان مقام الادبار هو الادبار عن النور فلا شك ان مقام التنزل يورث الظلمة و هي تحدث البرودة و اليبوسة و ضعفت الحرارة و الرطوبة حينئذ شيئا فشيئا الي ان تغلب البرودة و اليبوسة فتخفي المراتب كلها في التراب و تموت فيه و لهذا السر كان التراب باردا يابسا في الطبيعة طبع الموت و لما كان سر التنزل كما ذكرنا كون الشيء جامعا مملكا و يتحقق العلم و المعرفة اللذان هما الغاية في خلق العالم فوجب اثبات هذه المراتب و عدم افنائها و اعدامها و الا لزم ان لايكون الصانع حكيما او لايكون عالما او لايكون قادرا و الشقوق كلها باطلة بالضرورة الاولية و لما تحققت المراتب و غلبت الكثرات و ظهرت [ص 62] طبيعة الموت و خفي ذلك النور و تمكن الغيور و خفيت المراتب العالية ايضا اراد الله سبحانه امضاء ما اراد و اظهار ما احكم و ابرام ما اتقن امره بالاقبال بعد ما امره بالادبار و لما بينا ان المراتب يجب اثباتها و المقامات المتحققة في عالم النزول بالنزول يجب عدم محوها و افنائها وجب ان يكون الصعود علي خلاف طريق النزول و الا لكان النزول خاليا عن الثمرة و الفائدة و الله سبحانه اجل من ذلك فوجب ان يصعد بحيث تكون المراتب كلها محفوظة و يعود كل مرتبة الي صفائها الاصلية فاخذ في الصعود بما يحفظ به المقامات فاول صعوده كان في مقام الجماد و المراتب كلها مجتمعة فيه غير متميزة بل متهيئة ( متعينة خل ) للظهور بالقوة البعيدة ثم ترقي الي مقام النبات باسباب حركات الافلاك و تعاقب الليل و النهار و وقوع اشعة الكواكب و نضجه بالحرارة المعتدلة و الرطوبة السائلة و البرودة الحافظة و لو اردنا نشرح كيفيتها لطال بنا الكلام ففي هذه المرتبة ظهرت العناصر الاربعة التي كانت كامنة مستجنة فيه بآثارها فالحرارة و الرطوبة التي هي الهواء مالت به الي النضج و الهضم و التعفين و التقطير فالماء يدفع الفضلات الغريبة و النار تلطف الاجزاء و تصعد بها الي الاعلي و الهواء يدبر الاجزاء و يناسب بين احوالها لا ان يجعلها صالحة للغذاء و ان يكون جزء للبدن و الارض تحفظ الاجزاء و تمسكها عن الاضمحلال و الدثور و بهذا الاسباب وجد النبات و ظهرت العناصر معلنة بآثارها و بقيت المراتب الاخر في مقام الخفاء و الاستجنان ثم بعد النضج الآخر صعد الي مقام [ص 63] الحيوان و اعتدلت الطبايع و نضج البدن حتي شابه جوهر جوزهر القمر ظهر فيه سر الحيوة و ظهرت فيه ما كان كامنا و مستجنا فيه من قوي الافلاك و الكواكب و السيارات و الثوابت و العرش و الكرسي ثم صلح البدن بكثرة النضج و الطبخ في بطن الام الي ان خرج منها و قوي التأثير بتدبير الشمس و القمر بمعونة الحرارة الغريزية و عمل الملئكة المدبرات كل ذلك باذن الله تبارك و تعالي الي ان كمل و ظهر العقل في الجملة فخرجت النسمات معلنة بالثناء علي خالق السموات و تميزت المراتب و الدرجات الا ان ظهور تلك المراتب صارت بالسنة الطلبات و القابليات و لذا اختلفت في الظهور في الاعتدال و عدمه و غلبة طبيعة من الطبايع علي حسب تلقيها لتلك الاسباب لكن هذه النسمات لما خرجت من الكثافات و الظلمات الادبارية جهلت ما يقتضي كينوناتهم من التمسك بالاسباب الموصلة الي مقاماتهم الاصلية من الدرجات و النكبات حسب قبولهم و انكارهم في الذوات فكلفها الله سبحانه بالتكاليف التي هي الاسباب الموصلة كالشمس و القمر و ساير الكواكب في الوصول الظاهري و تلك الاسباب هي الشريعة المعروفة و الاخذ بها سبب الوصول كالاعراض عنها فلما نالوا نصيبهم من الكتاب و تمت هياكلهم بتلك الاسباب اراد الله سبحانه كشف الغطاء عن بصايرهم و ابصارهم ليرون مقامهم و اطوارهم و احوالهم و درجاتهم و ما خلقوا لاجله و ما بلغوا اليه بالاسباب التي اعد الله سبحانه لهم و لما كان تلك الحجب و الاغشية و الكثافات الخارجية تمكنت لاجل ادبارهم في كل مراتبهم [ص 64] من اجسادهم و اجسامهم و ارواحهم و نفوسهم و عقولهم و رسخت في كل ذرة من ذرات وجودهم و اخراج تلك الكدورات و الحجب لايمكن حسب الاسباب الا بذوبان ( بذوبان كل خل ) الاجزاء ليحترق الفاسد و يبقي الاصل الثابت كما قال عز و جل و اما الزبد فيذهب جفاء و اما ما ينفع الناس فيمكث في الارض فالخلق بعد بلوغهم رتبة التكليف اما الي الجنة او الي النار الا ان بينه و بين ادراك ملاذها و آلامها حجاب يمنعه عن الالتفات و ذلك الحجاب هو تلك الاوساخ الراسخة في مراتبه و ذاتياته فالله سبحانه يكشف ذلك الغطاء فيجد نفسه حينئذ في القيمة قبل التصفية البالغة عن الخلط و اللطخ فيجد حينئذ الصراط و الميزان و تطاير الكتب فاذا خلص عن ذلك كله يجد نفسه اما الي الجنة او الي النار نستجير بالله من النار و هو قوله تعالي فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد و قوله تعالي كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين و قوله تعالي يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغائبين و قوله تعالي الذين يأكلون اموال اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا و قال الصادق عليه السلام لمن قال ادخلني الجنة لاتقل هكذا انتم في الجنة قل اللهم لاتخرجنا منها فاذا وجب كشف الغطاء و ذلك لايمكن الا بذوبان الاجزاء كالذهب المغشوش و كاللبن اذا ارادوا ان يستخرجوا منه الزبد و الدهن وجب كسر الصيغة في كل من فيه خلط و كدورة خارجية و ذلك الكسر هو عبارة عن الموت فبه يحصل الكسر و لما كانت المراتب متمايزة فمن تمايزت مراتبه كلها في هذه الدنيا ينكسر اولا جسده و جسمه لانه الادني [ص 65] و كل ادني في القوس الصعودي يظهر اولا فتنكسر صيغة هذا الجسد و تنهدم بنيته و تبقي الروح في عالم المثال ساهرة لاتنام اما الي النعيم او الي الجحيم و يبقي الجسد مندكا منهدما لان يطهر من الاوساخ و يعود الي اصله الذي كان قد بدء منه اولا كما كان آدم عليه السلام ( السلام قد خل ) خلق في الجنة بجسمه و جسده و هو في الصفاء و اللطافة اصفي و الطف و اقوي من جسم العرش محدد الجهات و اما الروح فتبقي في عالمها منعمة او معذبة و ذلك هو عالم البرزخ و شرح احواله يطول به الكلام و هي كذلك الي ان يأتي اوان تصفية الروح و ساير المراتب و ذلك يكون كليا عند نفخة الصور عند موت عالم الكلي فانه ايضا رجل عبد الله مكلف لا بد له من التصفية و هو لما كان اقوي بنية و انضج طبيعة يكون كسر جسده مع كسر ارواح ساير المخلوقات ممن لميدركوا ( لايدركوا خل ) زمان الرجعة و دولة الكرة فاذا نفخ في الصور فصعق من في السموات و الارض و مات الخلق كلهم من النفوس و الارواح و العقول فيبقي لا حس و لا محسوس الا من شاء الله و هم الذين لميتطرق في ذواتهم و لا في مراتبهم الاصلية من اجسادهم و لا ارواحهم و عقولهم خلط و لا لطخ و كدورة و اعراض و ظلمة فلا موجب حينئذ لكسر صيغتهم و اهدام بنيتهم و فعل ذلك يورث العبث و الفساد و الله سبحانه منزه عن ذلك و هؤلاء هم محمد و آله الاربعةعشر المعصومون صلوات الله عليهم و علي ارواحهم و اجسادهم و اجسامهم و ظاهرهم و باطنهم فيبقي الخلق امواتا غير احياء و مايشعرون ايان يبعثون فيأتيهم النداء من [ص 66] الملك الاعلي اين الجبارون اين المتكبرون اين الذين اكلوا رزقي و عبدوا غيري لمن الملك اليوم فيجيب عن نفسه لله الواحد القهار و في الحديث عن الصادق عليه السلام قال نحن السائلون و نحن المجيبون كما تقدم في المسئلة السابقة و بالجملة فالخلق يبقون امواتا الي اربعمأة سنة و لما كانت الارواح تطرق الخلل و الفساد فيها اقل فيكتفي بهذه المدة المعلومة بخلاف الجسم فان تطرق الخلل و الفساد فيه اعظم و قولي سابقا فمن تمايزت مراتبه كلها في هذه الدنيا مرادي ان من لميتميز جميع مراتبه و ماحيي الا جسده من ساير المستضعفين فهؤلاء لهم ميتة واحدة فاذا مات جسدهم و كانت ارواحهم ميتة قبل فلايكون لهم برزخ و لايحيي هذه ( هؤلاء خل ) الاشخاص الا بعد النفخة الثانية فبعد هذه المدة التي ذكرناها ينزل من البحر الذي تحت العرش و اسمه المزن و الصاد و النون ماء رائحته رائحة المني فيمطر اربعين صباحا بحيث يكون وجه الارض كله ماء واحدا فتنبت اللحوم المصفاة و الاجزاء المنقاة من كل كثافة و رذالة و هي صافية نقية لطيفة اصفي من محدب محدد الجهات بل اصفي من غيبه لان لبه و صافيه بالنسبة الي ظاهره كلب اجسامنا و صافيها بالنسبة الي ظاهر القشور فتذهب تلك الاعراض عن الجسد بكثرة الحل و الدك و البقاء في الارض كما تذهب الاوساخ بكثرة الدلك في الحمام و الماء الحار و يبقي الجسم الحقيقي الذي خلقه الله عليه في الجنة ليصح قوله تعالي كما بدءكم تعودون و كذلك الارواح بعد ان تتصفي بذهاب الاوساخ عنها مما لحقها في حال الادبار و التنزل فينفخ في الصور نفخة اخري فاذا [ص 67] هم قيام ينظرون فيرد كل روح و يتصل ببدنه اتصال المحب بالمحبوب و العاشق بالمعشوق فلا مفارقة بينهما و لا زوال لارتفاع الموانع و كشف الغطاء و وجود المقتضي و كون الترقي الي الاعلي فتحشر هذه الارواح الدنياوية بعينها الا انهما علي كمال الصفا و اللطافة اما في النورانية او في الظلمانية فلو لمتتلطف لميكن فرق بين الدنيا و الآخرة و لماصح قوله تعالي فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد فافهم فظهر لك ان شاء الله تعالي من هذا البيان التام الواضح العام ان العود لايكون الا بهذا الجسم لا غير و اما ما اوردوا في هذا المقام من شبهة الآكل و المأكول المشهورة فعلي ما قررنا لك لايبقي لها مجال فان من اكل آدميا و صار غذاءه و نبت لحمه و دمه منه فاذا رجع كل شيء الي اصله رجع ما اكل الي التراب و اما الجسم الحقيقي لذلك الآدمي المأكول فليس بمأكول و لاتهضمه ( فلاتهضمه خل ) القوة الهاضمة الدنياوية فانها اعلي من صفو الافلاك فكيف تهضمه القوي المركبة من هذه العناصر الاتري ان الرجل اذا سمن سمنا زايدا عن الحد لايخرجه عما هو عليه من كونه ذلك الرجل و اذا هزل كذلك كذلك فصار المعلوم ان مدار الشخص الجسماني الذي تدور عليه روحه ليس الا تلك الطبيعة ( اللطيفة خل ) الصافية التي تبقي في القبر مستديرة و لاتغيره الليل و النهار و هو الجسم الحقيقي و لايلزم ان يكون جسما كثيفا الاتري الافلاك هي اجسام حقيقية و لا كثافة فيها و هذا جسم النبي صلي الله عليه و آله جسم حقيقي و لكنه الطف من صفو الافلاك فلايكون له ظل اذا استشرقت به الشمس و اما رؤية الخلق لذلك الجسم المطهر فهي انما كانت بارادة [ص 68] منه صلي الله عليه و آله اما بان يرقي الخلق و يقوي ابصارهم حتي يتمكنوا من النظر اليه او بان يتنزل الي مقامهم بحكم و للبسنا عليهم ما يلبسون فالجسم الحقيقي لكل شيء لايكون غذاء لشيء آخر فاذا اكل احد اجسام كل الناس ما صار جزء بدنه الاصلي شيء من تلك اللحوم و انما صار اعراضها جزء لاعراضها كما اذا تراكمت الاوساخ و التأمت و نضجت تحركت و صار لها روح جزئي عرضي الاتري الفيران المتكونة من الطين و يتفق ان يكون النصف طينا و النصف الآخر فارة و كذلك العقارب تتكون اذا نديت اللبنتين و جعلت احديهما علي الاخري الاتري القمل و البراغيث فانها تتولد و تتكون من الاوساخ و بالجملة تلك الاجزاء الاصلية تبقي غيبا في الاجزاء العرضية التي صارت جزء لهذه الاوساخ العرضية كبرادة الذهب في دكان الصايغ و لايفني و لايعدم و لايكون جزء لشيء الي ان تعود كما كانت و كيف تكون جزء للآخر و انه نزل من سدرة المنتهي بل كان نورا ذائبا كان في حجاب العز يسبح الله سبحانه بالف لسان و في كل لسان الف لغة فلما استشعر بنفسه و شاهد عظمة ربه استبطن الخوف و غلبت عليه برد الخوف فانجمد فكان الماسا فانغمس في بحر الهيبة و تردي بالخشوع و تأزر بالخضوع فقام منتصبا للقيام بالخدمة فظهر له مقام القدرة و القهر فبكي من هيبة القهار اربعمائةالف عام دما عبيطا بقوة حرارة قلبه و مزجها ببرودة خوفه المتحصل منها الدم العبيط حتي غرق في ذلك البحر و مات من شدة الوجد ثم افاق من غشوته دخل في حوصلة الطير الاخضر من طير القدس [ص 69] فطار به الي عالم الانس فلما استوفي حظه فخرج يطلب مركزه فالتقمه الحوت فسار به في ظلمات ثلاث حتي اتي به الي ساحل البحر الاخضر اطلعه من بطنه فتناثرت اعضاؤه فصادته الطيور و لحقته به الي الطاير الاول الاخضر فترمي به في ارض الزعفران فتقوي و استقام فحكي صنع الملك العلام فظهر يحكي آية الله سبحانه في ملكه و ملكوته حتي ظهرت مفصلة في النفوس فظهرت في الافلاك و وجدت علي هيكلها و هذا هو حقيقة الشيء من روحه و جسمه فكيف يكون جزء لحقيقة اخري مثله مع ان تلك الحقيقة ايضا كاملة في نفسها و مكملة لقوسي الاقبال و الادبار و لكن لما انجمدت القرايح و الطبايع و غلبت البرودة و اليبوسة و الرطوبة و تولدت منها الامراض المزمنة و ظهر المرض في كل جزء من اجزاء الاكوان الارضية السفلية فكانوا لايبصرون و لايعقلون و يتوهمون ان الآدمي حقيقة يكون غذاء لآدمي آخر و ذلك معلوم هذا البيان التام ان شاء الله و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و الحمد لله رب العالمين .
قد وقع الفراغ من تسويدها بيد منشيها في الثانيعشر من شهر ربيع المولود في سنة ١٢٣٨ مع كمال اختلال البال و اغتشاش الاحوال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال مع ما برز من تهجم امواج الهموم و الغموم و الله المستعان و عليه التكلان و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .