رسالة الاستبصار في اصابة العين
من مصنفات السيد الاجل المرحوم
السيد كاظم بن القاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد - فيقول العبد الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان هذه كلمات ذات تبيين توضح عن صريح الحق المبين جوابا لمسئلة عويصة صعبة مستصعبة سئل عنها بعض العارفين و قد كتبتها مع كمال تبلبل البال و اختلال الاحوال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال و قد اتيت بما هو الميسور لانه لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و هو المستعان و عليه التكلان .
قال سلمه الله تعالي : ما يقول سيدنا و مولانا و عمادنا و مقتدانا سيد العارفين و زبدة الفقهاء المحققين و قطب دائرة الموحدين و من له في كل علم رابطة يبين الشك عن اليقين ما قولكم فيمن عينه تصيب الشيء ما سبب هذه الاصابة و ما علتها و ما علامتها .
اقول ان العلة و السبب في اصابة العين و الله سبحانه هو العالم هي ان الاجزاء الصغار الردية الحادة الغالب عليها اليبوسة في الدرجة الرابعة التي تضعف معها عن التماسك مع الحرارة القوية الغريبة الغير المعتدلة قد عرضت لها سمية يستحيل الغذاء بعد الكيموس اليها و لمتزل تتصاعد و لما كانت العين اوسع الاعضاء مساما و اسرعها قبولا لقوة الرطوبة فاذا صعدت تلك الاجزاء لمتجد مخرجا سوي العين فتخرج من مساماتها و تستقر في رطوباتها ( بطوناتها خل ) فاذا حصل هيجان لها بقوة التفات نفس الشخص الصاحب لتلك الاجزاء و الحامل لها كَأَن يتعجب من شيء و تتوجه بالالتفات الي ظاهر البدن تتقوي تلك الاجزاء في البروز و الظهور فتقع [ص 3] علي كل ما يقابلها و تنفذ فيه و تفعل فيه فعل السموم الحادة اذا نفذت في الشيء القابل و كلما تتقوي الحرارة الغريبة كانت قوة خروج تلك الاجزاء اكثر و اقوي و لذا تري صاحب العين المصيبة اذا اراد القوة في الاصابة يجوع ثلاثة ايام لتكثر الحرارة و تقل الرطوبة و تزيد اليبوسة و تقوي تلك الاجزاء كثرة و قوة و فعلا فتصيب كما يريد كما في تفسير مجمع البيان ان الرجل منهم اي من الذين يصيبون بالعين كان اذا اراد ان يصيب صاحبه بالعين يجوع ثلثة ايام ثم كان يصفه فيصرعه بذلك و ذلك بان يقول للذي يريد ان يصيبه لمار كاليوم مثله فينصرع و ذلك لما ذكرنا من تسبيب اسباب هيجان تلك الابخرة الحادة المسمومة و كلما كان التعجب و التفات النفس اشد و اقوي كان التاثير اشد و لذا لاتؤثر او تؤثر قليلا عند اهمال النفس و عدم التفاتها فالعين بمنزلة البلورة و لها القوة الجامعة و تلك الاجزاء الحاملة للحرارة الحادة المنبعثة عن وجه النفس الذي هو القلب اللحم الصنوبري بمنزلة حرارة الشمس فبالمقابلة يحصل الاحراق و ان عظم المقابل فان قلت ان تلك الاجزاء اذا كانت لها سمية و حدة كما ذكرت فلم لايتضرر صاحب العين بها ضرورة انفعال الاجزاء من الغرائب الحادة السمية قلت عدم الضرر لاعتياد الطبيعة بها لانها صحبتها من اول تكون المزاج كالسموم التي في الافاعي و العقارب و سائر الحيات و غيرها من الحيوانات ذوات السموم نعم اذا عرضت تلك الاجزاء بعد نضج المزاج و تحقق الاعتدال الاضافي دفعة واحدة تضر البدن و تفسده مثل الطاعون و الحميات الوبائية و امثالها و اما ما كان من [ص 4] اصل الطبيعة باستحالة الغذاء اليها فتعتاد الطبيعة بذلك فلايضرها كما يشاهد اشخاص يتعودون بشرب السم فلايضرهم و كذلك الحال في هذه الاجزاء و لما كانت بنية الانسان اقوي و انضج و احر و اعلي كانت السموم الخارجة من عينه الطف و انفذ و اقوي في الفعل و تتفاوت الاشخاص في ذلك كما هو الظاهر فان قلت فعلي ما ذكرت يحب ان لايصيب العين الا البدن و ما يتعلق به من ظواهره و خوافيه خاصة مع انها ربما تؤثر في الامور الغيبية و المعنوية كالعلم و الجهل و البلادة و الحمق قلت لما ان امر الله سبحانه و تعالي واحد في الغيب و الشهادة ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ما امرنا الا واحدة يجري ( تجري خل ) في النفس من الغرائب و الغرايز و الصحة و الفساد و السمية و الترياقية كما يجري في البدن حرفا بحرف و قد قال مولانا الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك ( هناك خل ) لايعلم الا بما هيهنا ، فما ذكرنا في البدن الجسماني يجري بعينه في النفس الغيبية لان الظاهر عنوان الباطن و المجاز قنطرة الحقيقة فافهم .
و اما علامتها فالظاهر ان العين المصيبة في الغالب عظيمة راكدة ليست براقة و لا مخمرة لتوارد تلك الاجزاء و تكاثفها و قد تكون براقة اذا تلطفت تلك الاجزاء و تنعمت و تكون لها لمعات و لها تاثير قوي في الاصابة .
قال سلمه الله تعالي : و ما حكمها و ما الواجب علي الصائب و ما الموجب للمصاب و ما تكليفهما و ما دوائهما و هذه الفاظنا و عندكم معانيها و هي جمل و عندكم تفاصيلها .
[ص 5] اقول اما حكمها فلماجد احدا من الفقهاء تعرض لهذه المسئلة نفيا و اثباتا و الذي يقتضيه النظر بملاحظة مظان الادلة و مواقعها انه لايترتب عليها حكم شرعي لسكوت النبي صلي الله عليه و آله عن حكمه لما قيل له صلي الله عليه و آله ذلك و قد ذكر المفسرون ان اسماء بنت عميس قالت يا رسول الله ان بنيجعفر تصيبهم العين افاسترقي لهم قال نعم فلو كان شيء يسبق القدر لسبقه العين انتهي ، فلو كان لهذه الاصابة حكم شرعي لبينه النبي صلي الله عليه و آله و اثبته و لميقتصر بالرقية لعموم البلوي لشدة ابتلاء الناس بالذين يصيبون بالعين و ماصح له صلي الله عليه و آله او لاحد من الائمة عليهم السلام السكوت في هذا المقام فحيث سكتوا و ابهموا علمنا انه لايترتب عليه شيء في الدنيا من الاحكام الشرعية بالنسبة الي القصاص و الدية و قد تأخر حكمها الي يوم القيمة و قد قال عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله امر باشياء و نهي عن اشياء و سكت عن اشياء و ليس سكوته عنها جهلا و لا ابهامه لها غفلة فاسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله ه ، و لان هذه الاصابة ليست باختياره بالاختيار الظاهري و لا اعجاب الشيء اياه و تعجبه منه باختيار منه بحسب الظاهر فلايمكنه التحرز فمقتضي لطف الله سبحانه ان لايؤاخذه بالعقوبة و يؤيده قوله عليه السلام كلما غلب الله عليه فهو اولي بالعذر ، و مع هذا كله لميحصل القطع الحقيقي بان الضرر المذكور من العين و هي السبب التام في هذا الامر لا غير و ما ذكرنا من انه اذا اراد ان يصيب يجوع ثلثة ايام ليس لاجل اصل الاصابة بل انما هو لزيادة تأثيرها و [ص 6] شدة ظهورها فلا منافاة و بالجملة فاصالة عدم التكليف اقوي مستمسك في هذا المقام الا ان يثبت دليل قطعي علي التكليف الخاص و القياس بلزوم الدية بقتل الخطاء قياس مع الفارق مع ان القياس من اصله ساقط في مذهبنا فالواجب علي المصيب ح التحرز مهما امكن عن تهيج النفس بما يستدعي للمقابلة لتحقق الضرر .
و قوله سلمه الله و ما الموجب للمصاب ، لعله غلط في التعبير لان مراده ما الذي يجب علي المصاب في الحكم التكليفي بالنسبة الي المصيب و قد بينا ذلك ان المصيب لايلزمه شيء و المصاب ليس له ان يدعي عليه بشيء و الله سبحانه يفعل في عباده ما يشاء .
و قوله سلمه الله و ما تكليفهما ، فقد سبق جوابه من انه لا تكليف عليهما لان الضرر الحاصل من العين لو فرض انها العلة التامة في ذلك انما هو شيء من غير اختيار و لايطيق سلب ذلك منه كالحائط الواقع علي احد او كالنار التي تحرق احدا او كالبلورة التي تقابل شخصا بعد اشراق الشمس عليها فتحرقه او تجرحه او تصيبه ضررا و كالشخص الواقع من علو من غير اختياره اذا ازلقه الريح الشديدة و الهواء العاصف فيصيب شخصا و يقع عليه فيقتله و امثالها من الامور التي لايمكن التحرز منها بخلاف القتل خطاء و ان لميكن قاصدا له لكنه يسعه التحرز بالتفطن و التوعي و ملاحظة الاطراف و الجوانب و عدم المسارعة و المبادرة الي ما يوجب الخطاء حتي لايقع في ذلك و كذلك النائم اذا انقلب علي احد فقتله كالظئر و كذلك الساهي فانه يمكنهم التحرز ابتداءا لئلايقعوا في هذه الورطة بخلاف العيّان فانه لايمكنه ذلك و الدليل [ص 7] عليه انه يصيب اولاده بالعين و يتلف زرعه و سائر امواله و لو امكنه التحرز لتحرز يقينا و لميكن سببا لهلاك اولاده و تلف امواله فالحكمة الالهية لاتقتضي ان تكون عقوبة للعيان من قصاص او دية او غير ذلك فجري الامر فيه علي مقتضي لطف الله و رحمته و كرمه بخلاف قتل الخطاء فان العقوبة فيه بالكفارة و التزام الدية لاجل عدم التحرز مع تمكنه من ذلك فافهم و اغتنم و كن من الشاكرين .
و قوله سلمه الله تعالي و ما دواؤهما ، جوابه ان الدواء اما بالعقاقير و الادوية فانها لاتمكن و لاتتداوي لان تلك السمية التي في العين تسبق تأثير كل دواء و لايبقي للدواء معها اثر بالمرة فاذا لميكن الدواء اقوي تأثيرا لايصادم المرض البتة و لذا تري ان الطاعون و الوباء لايؤثر فيهما الدواء غالبا لسبق تاثير السمية عن تأثير الدواء و منعها اياه عن التأثير اللهم الا ان يكون اكسيرا حاضرا فياكل منه المصاب مقدار الكفاية حتي يبرأ و الا فغيره من سائر الادوية فلاتقابل تأثيرُها تأثيرَها و اما الدواء بغير العقاقير فالاسم الاعظم او حضور الامام المعصوم عليه السلام و مسه بيده الشريفة او دعائه له او التداوي و الاستشفاء بالآيات القرآنية و لاسيما قوله تعالي و ان يكاد الذين كفروا الي آخر السورة يكتبها بالحروف المقطعة و يحملها معه و كذلك المعوذتين يقرأهما و يحملهما و قد روي عن النبي صلي الله عليه و آله انه كان يعوذ الحسن و الحسين عليهما السلام بهما كما في البحار و فيه ايضا عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال كان رسول الله صلي الله عليه و آله يجلس الحسن عليه السلام علي [ص 8] فخذه اليمني و الحسين عليه السلام علي فخذه اليسري ثم يقول اعيذكما بكلمات الله التامة من شر كل شيطان و هامة و من كل عين لامة ثم يقول هكذا كان ابراهيم ابي يعوذ ابنيه اسمعيل و اسحق و ان موسي عليه السلام عوذ ابني هرون بهذه العوذة و روي ان جبرئيل رقي رسول الله صلي الله عليه و آله و علمه الرقية و هي بسم الله ارقيك من كل عين حاسد الله يشفيك و روي ان النبي صلي الله عليه و آله امر العاين ان يتوضأ و امر المعيون ان يغتسل بذلك الماء و بالجملة اسم الله سبحانه دواء و ذكره شفاء كما قال عليه السلام في الدعاء يا من اسمه دواء و ذكره شفاء .
و اما العين المصيبة فدواؤها متعذر بحسب العقاقير و الادوية من جهة العادة و الاسباب الظاهرية التي اجري الله سبحانه فعله عليها و ان كان الله سبحانه يفعل ما يشاء كما يشاء بالاسباب الخفية لانه سبب كل ذي سبب و مسبب الاسباب من غير سبب يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد ، و اما الاسباب الظاهرة فمن جهة اعتياد الطبيعة و لزومها لها و صيرورتها لها كالطبيعة الثانية و حصول المزاج فلاتقتضي دفعها ( رفعها خل ) كالسمية عن العقارب و الافاعي و الحيات و اما التداوي بمواظبة ذكر الله سبحانه و تعالي عند استحسان شيء و اعجابه اياه فمؤثر جدا كما قال ابوعبدالله عليه السلام علي ما رواه في البحار ان العين حق و ليس تأمنها منك علي نفسك و لا منك علي غيرك فاذا خفت شيئا من ذلك فقل ما شاء الله لا قوة الا بالله العلي العظيم ثلاثا و عنه عليه السلام قال من اعجبه من اخيه شيء فليبارك عليه فان العين حق و عن النبي صلي الله عليه و آله [ص 9] قال من راي شيئا يعجبه فقال الله الصمد ما شاء الله لا قوة الا بالله لميضر شيئا ه ، و بمثل ما ذكرنا و امثاله يندفع ضرر العين انشاء الله تعالي .
قال سلمه الله تعالي : و لمنجد احدا من العلماء تعرض لها الا نادر منهم و لميذكر تفاصيلها .
اقول قد تعرض لها جماعة من العلماء و الحكماء و انا اذكر لك ما وقفت عليه من كلماتهم لتعرف انها ليست مما يشفي العليل و يروي الغليل قال الجاحظ لاينكر ان ينفصل من العين الصائبة اجزاء لطيفة تتصل به و تؤثر فيه و يكون هذا المعني خاصة في بعض الاعين كالخواص في بعض الاشياء و قال الرازي ان الشخص اذا استحسن شيئا فقد يحب بقائه كما يستحسن ولد نفسه و بستان نفسه و قد يكره بقائه كما اذا استحسن الحاسد بحصول شيء حسن لعدوه فان كان الاول فانه يحصل عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله و الخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب فح يسخن القلب و الروح جدا و تحصل في الروح الباصر كيفية قوة مسخنة و ان كان الثاني فانه يحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد و حزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه و الحزن ايضا يوجب انحصار الروح في داخل القلب فتحصل فيه سخونة شديدة فتثبت ( فثبت خل ) ان عند الاستحسان القوي يسخن الروح جدا فيسخن شعاع العين بخلاف ما اذا لميستحسن فانه لاتحصل هذه السخونة و قال ابوهاشم و ابوالقاسم البلخي لايمتنع ان يكون العين حقا [ص 10] و يكون معناه ان صاحب العين اذا شاهد الشيء و اعجب به استحسانا كانت المصلحة له في تكليفه ان يغير الله ذلك الشخص او ذلك الشيء حتي لايبقي قلب ذلك المكلف متعلقا به فهذا التغيير غير ممتنع ثم لايبعد ايضا انه لو ذكر ربه عند تلك الحالة و بعد عن الاعجاب و سئل ربه فعنده تتغير المصلحة و الله سبحانه يبقيه و لايفنيه و لما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل للعين حق و نقل الرازي عن الحكماء انهم قالوا هذا الكلام مبني علي مقدمة و هي انه ليس من شرط المؤثرات ان يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة اعني الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا و لاتكون القوي الجسمانية لها تعلق به و الذي يدل عليه ان اللوح الذي يكون قليل العرض اذا كان موضوعا علي الارض قدر الانسان علي المشي عليه و لو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الانسان عن المشي عليه و ما ذاك الا ان ( لان خل ) خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه منه فعلمنا ان التاثيرات النفسانية موجودة و ايضا ان الانسان اذا تصور كون فلان موذيا له حصل في قلبه غضب و سخن مزاجه فمبدء تلك السخونة ليس الا ذاك التصور النفساني و لان مبدء الحركات البدنية ليس الا التصورات النفسانية و لما ثبت ان تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لميبعد ايضا ان يكون بعض النفوس تتعدي تاثيراتها الي سائر الابدان فثبت انه لايمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الابدان ايضا و جواهر النفوس مختلفة بالمهية [ص 11] فلايمتنع ان يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط ان تراه و تتعجب منه فثبت ان هذا المعني امر محتمل و التجارب من الزمن الاقدم ساعدت عليه و النصوص النبوية نطقت به فعند هذا لايبقي في وقوعه شك و اذا ثبت ان الذي اطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية باصابة العين كلام حق لايمكن رده ه ، و قال الشريف الاجل الرضي الموسوي قدس الله روحه ان الله سبحانه يفعل المصالح بعباده علي حسب ما يعلمه من الصلاح لهم ( بهم خل ) في تلك الافعال التي يفعلها فغير ممتنع ان يكون تغييره نعمة زيد لمصلحة عمرو و اذا كان تعالي يعلم من حال عمرو انه لو لميسلب زيدا نعمته اقبل علي الدنيا بوجهه و نأي عن الاخرة بعطفه و اذا سلب نعمة زيد للعلة التي ذكرناها عوضه عنها و اعطاه بدلا منها عاجلا و آجلا فيمكن ان يتأول قوله عليه السلام العين حق علي هذا الوجه علي انه قد روي عنه عليه السلام ما يدل علي ان الشيء اذا عظم في صدور العباد وضع الله قدره و صغر امره و اذا كان الامر علي هذا فلاينكر تغيير حال بعض الاشياء عند نظر بعض الناظرين اليه و استحسانه له و عظمه في صدره و فخامته في عينه كما روي انه قال لما سُبِقَت ناقته الغضباء ( العضباء خل ) و كانت اذا سوبق بها لمتسبق مارفع العباد من شيء الا وضع الله منه و يجوز ان يكون ما امر به المستحسن للشيء عند رؤيته من تعويذه بالله و الصلوة علي رسول الله قائما في المصلحة مقام تغيير حالة الشيء المستحسن فلا تغيير عند ذلك لان الرائي لذلك قد [ص 12] اظهر الرجوع الي الله تعالي و الاعاذة به فكأنه غير راكن الي الدنيا و لا مغتر بها انتهي كلامه (ره) . و باقي الاقوال التي لمنذكر من نوع ما ذكرناه و هي في البطلان بمكان فلايحتاج الي بيان . و قد سمعت من بعض نقلا عن بعض الحكماء ان السر في ذلك ان النفس الشريرة تربي البدن علي مقتضاها فتفسد البدن لمكان المناسبة بين النفس و الجسم فتظهر آثار فسادهما ( فسادها خ ) في العين التي هي الطف الاعضاء و اصفاها و اشرفها فتؤثر في الخارج و ذلك هي علة الاصابة ه ، و هذا كما تري و يلزم من ذلك ان تكون النفوس الخيرة تظهر منها بواسطة العين من اصلاح البدن مقابلات ما تظهر من النفوس الشريرة مع ان الوجدان ينادي بخلافه و العيان يشهد بفساده مع ان ذلك يستلزم ظهور البدن علي ما عليه النفس و ان الجسد لاتخالف النفس و ان لايكون هناك لطخ و خلط يقتضيان مخالفة مقتضي البدن للاعراض الغريبة مع مقتضي النفس و علي هذا يجب ان لايكون الكافر الا قبيح الصورة مشوه الخلقة بادي العورة منكس الرأس مقوس الظهر و لايكون المؤمن الا حسن الصورة جميل الوجه معتدل المزاج بريء عن الاعوجاج متناسب الاعضاء كما هو شانه كالكافر في الآخرة عند رجوع كل فرع الي اصله مع ان الضرورة تشهد بخلاف ذلك في الدنيا و بالجملة ان هذا القول ساقط من اصله و لايشبه كلام حكيم من قوله تعالي و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا .
قال سلمه الله : مع انه قد ورد عن ائمتنا عليهم السلام لو كشف عن اهل القبور لوجدتم غالب موتاكم من العين .
[ص 13] اقول رواه المجلسي (ره) في البحار و في معناه احاديث اخر عديدة مثل ما روي عن النبي صلي الله عليه و آله ان العين حق و انها تدخل الجمل و الثور التنور و عنه صلي الله عليه و آله قال ان العين تنزل الحالق و هو ذروة الجبل من قوة اخذها و بطشها و عن ابيعبدالله الصادق عليه السلام انه قال لو نبش لكم عن القبور لرأيتم ان اكثر موتاكم بالعين لان العين حق الا ان رسول الله صلي الله عليه و آله قال العين حق فمن اعجبه من اخيه شيء فليذكر الله في ذلك فانه اذا ذكر الله لميضره و عن النبي صلي الله عليه و آله ان العين لتدخل الرجل القبر و الجمل القدر ، و امثالها من الروايات كثيرة و لا ريب ان العين حق و علة اصابتها و ان ذكرها بعض العلماء و الحكماء كما ذكرنا لك بعض مقالاتهم مما لايسمن و لايغني من جوع لكن تفاصيل احوالها من حكمها و علامتها و دوائها و ما يتعلق بها من سائر الاحوال لميذكر في كتاب و لا في سؤال و جواب و قد ذكرنا لك تفصيل تلك الامور مع كمال اختلال الاحوال و تبلبل البال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال .
و قولكم و نري في الغالب تصيب الرعية و لاتصيب الراعي ، ماعرفت المراد منه فان كان مرادكم من الراعي رؤساء الدين و رؤساء الشريعة و حكام الاسلام فانهم ليسوا و ان بلغوا ما بلغوا اعظم من رسول الله (ص) و الحسن و الحسين عليهما السلام فانهم قد اصابهم العين كما في البحار عن عبدالكريم بن محمد بن المظفر السمعاني في كتابه ان جبرئيل نزل علي النبي صلي الله عليه و آله فرآه مغتما فسأله عن غمه فقال له ان الحسنين عليهما السلام [ص 14] اصابتهما عين فقال له يا محمد العين حق فعوذهما بهذه العوذة و ذكرها ، و قد ذكرنا لك سابقا ان ابراهيم عليه السلام عوذ ابنيه اسمعيل و اسحق و موسي عليه السلام عوذ ابني هرون عليه السلام كل ذلك من العين . و اما رسول الله صلي الله عليه و آله فقوله تعالي و ان يكاد الذين كفروا الخ ، اقوي شاهد علي انه صلي الله عليه و آله اصيب بالعين ، و قول يعقوب كما حكاه الله سبحانه عنه في قوله لبنيه يا بني لاتدخلوا من باب واحد و ادخلوا من ابواب متفرقة و قد ذكر المفسرون انه خاف عليهم من العين . فاذا كان هؤلاء الاكابر الذين هم اجلاء الرعاة غير سالمين من اصابة العين فما ظنك بغيرهم من سائر الرعاة الجزئية فان كان المراد غير هذا فلا بد من البيان حتي يتوجه اليه الجواب الصواب و الي الله سبحانه المرجع و المآب و صلي الله علي محمد و آله الاطياب .