رسالة في جواب بعض فضلاء خراسان
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان هذه كلمات امليتها جوابا لمسائل بعض الاخوان صانه الله عن عوارض الزمان مع كمال اختلال البال و تشويش الحال و توفر الكلال و الملال نسئل الله سبحانه ان يلهم الصواب و يجعلها ذخرنا ليوم المآب .
قال سلمه الله تعالي : يا سيدي اطال الله بقاكم تفضل علي بكشف الحجاب و الاستار عن هذه المسئلة و هي ان المفاعيل قائمة بفعل الله تعالي بالقيام الصدوري و بالحقيقة المحمدية بالقيام الركني فما حال الفعل نفسه فهل يلاحظ فيه ايضا جهة المفعولية ام لا و هل هو قائم بذاته ام بذات الله تعالي .
اقول اما قيام المفاعيل بفعل الله تعالي بالقيام الصدوري فذلك معلوم لانها منتسبة الي الفعل و منتهية اليه و دالة عليه الاتري ان حسن الخط و قبحه لايدلان علي حسن الكاتب اي ذاته و قبحه و انما يدلان علي اعتدال حركة يد الكاتب و حسنها و عدم اعتدالها و قبحها و الاثر يدل علي المؤثر بالضرورة فلو كان هو الذات لدلا ( لدل خل ) عليها هذا خلاف و ليس مرادي انها قائمة بالفعل قيام صدور ان الفعل مستقل في ذلك و الذات معزولة عنه تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا بل كلما سواه سبحانه قائم به تعالي لكنه لا علي وجه الصدور و حصول النسبة بين المصدر بكسر الدال و المصدر بفتحها كما بين الفعل و المفعول و من المناسبة المصححة لصدور [ص 3] ذلك الاثر منه دون غيره الاتري حركة اليد المتعلقة بالالف مثلا مستقيمة و بالجيم معوجة ففي ( و في خل ) الحالة الاولي امتنع صدور الجيم و غيرها منها و في الثانية امتنع صدور الالف و غيرها منها و لا كذلك نسبة الاشياء الي الذات الاقدس تعالي كما زعموا و فرعوا عليه انه لايمكن ان يصدر من الواحد الا الواحد فلولا اعتقادهم وجود النسبة بين المؤثر بذاته و الاثر لماامكن هذا القول و نحن نسبنا المفاعيل الي الفعل من حيث هذه النسبة و الكثرة المستدعية للحدوث و الامكان و قلنا ان قولهم لا بد ان يكون بين المفعول و الفاعل مناسبة تصحح صدور ذلك المفعول الخاص دون غيره و الا لصدر كل شيء عن كل شيء و هو بديهي البطلان و قولهم ان مباين الشيء لايصدر عنه اذ لايعقل صدور الحرارة من الماء البارد و الحرارة ( البرودة خل ) من النار و امثالها كله حق لكن المناسبة بين فعل الذات و مفعولها لا بينها و بينه و اقمنا عليها براهين ليس هنا محل ذكرها ان لمتكتف بما ذكرنا و اشرنا و اما الذات الاقدس سبحانه و تعالي فهو محقق الحقايق و مذوت الذوات و مؤصل الاصول لكنه بلا نسبة مباينة و لا موافقة و لا مساوية و لا عامة و لا خاصة و لا مطلقة و لا مقيدة و لا جميع انحاء النسب لانها تستلزم الاثنينية اذ النسبة لاتكون الا بين الاثنين و لاتعقل في الواحد الا باعتبار الاثنين و ما زاد بل هو سبحانه مقيم الاشياء بلا كيف و لا اشارة و اما قيام الاشياء بالحقيقية المحمدية صلي الله عليه و آله بالقيام الركني ففيه اجمال لا بد من تفصيله و توضيحه فانه قد اشتبه علي جماعة ممن يدعون العلم حيث لميعرفوا المراد و لمينظروا بنظر الانصاف و الوداد [ص 4] فوقعوا في ما وقعوا اعاذنا الله منه و بيان هذا الاجمال هو ان القيام الركني في الحقيقة هو قيام جزء الشيء بالآخر و قيام الجزء بالكل و قيام الصورة بالمادة و الماهية بالوجود و قيام الشيء الكل باجزائه و يستعمل ايضا و يراد به قيام المادة بالصورة و علي كل حال يلزم من هذه العبارة في مقابلة القيام الصدوري ان يكون الحقيقة المقدسة ( المقدسة صلي الله عليه و آله مادة الاشياء خل ) كلها في الاستعمال الحقيقي او صورتها في الاستعمال الثاني و هذا القول لاينطبق علي مذاهب المسلمين الا علي قول طايفة قالوا بوحدة الوجود لا بمعني ان الوجود هو ذات الله سبحانه السارية في الاشياء كلها كما هو زعم طايفة عظيمة من الصوفية بل بمعني ان فعله سبحانه واحد و هو الوجود المنبسط و الوجود المطلق الساري في اطوار الكاينات و حقائق الموجودات و قالوا ان الحضرة المحمدية (ص) هو الفعل و فرعوا عليه هذا القول الشنيع و المذهب الفظيع و من نظر الي هذا الكلام اي قيام الاشياء بالحقيقة المقدسة بالقيام الركني عرف ( و عرف خل ) المعني المراد منه علي مصطلحنا يذهب الي ان صاحب هذا القول هو صاحب ذلك المذهب كلا و حاشا و هذا القول في البطلان بمكان و ليس المراد منه ما يترائي من ظاهر العبارة بل المقصود ان الله سبحانه و تعالي ( تعالي لما خل ) خلق محمدا و آله صلي الله عليه و عليهم تشعشعت انوارهم و تلألأت اشراقاتهم لقربهم من مبدئهم و ملأت انوارهم الاكوار و الادوار و الاصقاع فخلق الله سبحانه من ذلك النور و من نوره نور و من نور نوره حقايق ساير الموجودات علي تفاوت درجاتهم فحقايق الموجودات مادتها نورهم و صورتها اجابتهم علي وفق [ص 5] المحبة و خلافها و الاحاديث و الاخبار في هذا المعني تكاد تبلغ حد التواتر المعنوي لقولهم ( كقولهم خل ) عليهم السلام انما سموا الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا و مدخول من في مقام الصنع و الايجاد هو المادة كما هو المعلوم عند اهل اللسان كافة كقولك صنعت السرير من الخشب و صنعت الخاتم من الفضة ( فضة خل ) و امثالها و لما كان الشعاع عند المنير مضمحلا فانيا باطلا فلايلحظ معه فينسب الي المنير و لذا قال الاستاد العلامة قدس الله نفسه الزكية ان الاشياء قائمة بالحقيقة المحمدية قيام ركن اي باشعتها و اشراقاتها لا بذاتها و حقيقتها .
فاذا عرفت هذا القدر من الكلام فلنرجع الي جواب المسئلة فنقول ان الفعل ايضا تلاحظ فيه جهة المفعولية قطعا لانه حادث ( حادث قطعا و كل حادث خل ) مصنوع مفعول قد تعلق به الفعل فهو فيه لحاظان احدهما لحاظ فعليته و ثانيهما لحاظ مفعوليته و لما كان المفعول يتعلق به الفعل و ليس ثمة فعل آخر فكان مفعوليته بنفسه و فاعليته بنفسه و الفعل الذي اوجده بنفسه و هو سبحانه اقامه بنفسه كما اقام غيره به كما قال مولينا الصادق عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها فهو قائم بنفسه قيام صدور كقيام الاشياء به اي ليس فعل آخر يكون واسطة في صدوره كما كان بنفسه واسطة في صدور الاشياء عن الله تعالي فالفاعلية التي تعتبر فيها الفعل لنفس الفعل ليس الا الفعل نفسه لا شيء آخر فمدده بنفسه ( بنفسه اي امده الله سبحانه بنفسه خل ) لا بفعل آخر حتي يلزم التسلسل او الدور فقولك هل هو قائم بذاته ام بذات الله سبحانه جوابه انك ان اردت بالقيام القيام الرابطي و النسبي ( النسبي المعبر خل ) في [ص 6] الصدور بين الصادر و فعل المصدر فذلك بنفسه لا بفعل آخر لانقطاع الربط و النسبة في ذاته سبحانه و لذا قلنا في الفعل و المشية انه الكاف المستديرة علي نفسها تدور علي نفسها علي خلاف التوالي و نفسها تدور عليها علي التوالي مثاله في الجملة السراج فان النار احدثت الاشعة و الاضواء بالشعلة اي بمناسبة بينهما و احدثت نور الشعلة بنفسها لا بشعلة اخري ( اخري اي خل ) كما ان الاشعة منتسبة الي الشعلة في النور ليست الشعلة منتسبة الي غيرها في استمداد النور و ان كانت متقومة بالنار بحيث اذا اعرضت عنها فنيت و اضمحلت و بطلت و كذلك الفعل حادث ( حادث مفعول خل ) احدثه الله سبحانه و اقامه بنفسه و امسكه بظله و اقام الاشياء به و ان اردت بالقيام انه متحقق موجود بالله سبحانه لا غناء له عنه فالفعل و غيره في هذا المعني علي حد سواء فكل شيء قائم به تعالي لايستغني عنه شيء ابدا بحال من الاحوال لا بمعني ان الاشياء قائمة بالفعل و هو مقومها و محققها و ساد فقرها و الفعل قائم بالله سبحانه بل الاشياء كلها فعلا كان او ( و خل ) غيره قائمة بالله سبحانه بلا نسبة و لا ارتباط و لا كيف و لا اشارة و لا جهة و لا بقيام من احد القيامات الاربعة من الصدوري و الركني و الظهوري و العروضي بل علي وجه ( وجه آخر خل ) لاتدركه الحواس و لايناله القياس و كل من قال بالربط بين الحادث و القديم فقد خبط خبط عشواء فانه سبحانه وحده ليس معه شيء آخر تسمي ( يسمي خل ) بالربط فان لميكن هذا المسمي عندهم بالربط في ذات الله سبحانه فلا ربط في القديم و ان كان فقد وجد في القديم آخر او شيء ليس بقديم و لا حادث و هو قديم و حادث [ص 7] و الالتزام به يشبه قول السوفسطائية فاذا بطل الربط و النسبة بين ذات القديم سبحانه و تعالي و الحادث فلا فرق في تقوم الاشياء به تعالي بين الفعل و غيره فكلها قائمة به سبحانه بلا كيف و لا اشارة الا ان الموجودات حين انجعالاتها تختلف احوالها فمنها ما لايحتاج في تقومه الا الي المبدء الفاعل ( الفاعل فحسب خل ) و منها ما يحتاج الي غيره ايضا من شرط و متمم و مكمل كاللون مثلا من حيث هو يحتاج في تحققه الي جوهر و محل زائدا عن احتياجه الي الفاعل و ليس ذلك من نقص في الفاعل و انما هو من جهة نفس اللون و العرض و ليس هذا الاختلاف و التفاوت من جهة الاعيان الثابتة القديمة بل من جهة التقدم و التأخر في الجعل و الانجعال و لا شك ان اول ما تعلق به الجعل لبطلان الطفرة في الغاية من الشرف و البساطة و الاحاطة و ذكرنا ما ( ذكر ما خل ) سواه فيه و كلما سواه يتعلق الجعل به به و الا لتساويا فلميكن لتعلق ( لمتعلق خل ) الجعل ( الجعل اولا خل ) نور و جمال و احاطة و شرافة فلميكن الجاعل حكيما كاملا اذ لميكن لمجعوله جمال و لجماله جمال و هكذا و هو خلاف مقتضي ظهور قدرة القادر المطلق فالمتقدم اولا الواحد المنبسط علي غيره هو المسمي بالفعل و هو كالواحد للاعداد و كلما سواه مخلوق به ( به مجعول خل ) بواسطته و لايمكن انجعاله الا به لا لاجل نسبة خاصة بين الله سبحانه و بين فعله ليست بينه و بين غيره فان النسبة هناك منتفية و الرابطة ممتنعة و الكل عنده سبحانه علي حد سواء و اليه الاشارة في الدعاء لايشغله خلق شيء عن خلق شيء و لا علم شيء عن علم شئ فافهم راشدا و اشرب صافيا .
[ص 8] قال سلمه الله تعالي : و ايضا حقق لي ان الاختلاف في الاجابة و الانكار و ظهور المراتب للوجود و تقدم بعضها علي بعض هل هو بفعل الله سبحانه ام لا و علي الثاني فالاشياء كانت شاعرة بما يكون لكل مرتبة من حكم السعادة و الشقاوة قبل الكون و الشعور لايكون الا بعد الكون ام لا .
اقول ان ظهور المراتب و تقدم بعضها علي بعض و تحقق الاختلاف يكون علي قسمين احدهما في السلسلة الطولية و هي المراتب الحاصلة بالاثرية و المؤثرية فان السافل اثر و معلول و شعاع منفصل ( منفصل للعالي خل ) كالنور بالنسبة الي المنير من الشمس و السراج و امثالهما و كالقيام و القعود و ساير الآثار الحاصلة من الشخص بواسطة حركته بالنسبة الي ذات الشخص و كالمرايا اي الصور المنطبعة عن الشاخص في الزجاجة و الماء الصافي و امثالها بالنسبة الي الشاخص و الاختلاف في هذه المراتب و امثالها في المادة و هو ليس بالاجابة و الانكار الا بتأويل سبق الوجود و تأخره و لايقع السؤال في هذا المقام عن علة تقدم السراج علي شعاعه و تقدم الشخص علي آثاره كقيامه و قعوده و كلامه و تقدم الشاخص علي المرآة اي الصورة لان السؤال عن الترجيح انما يكون اذا امكن ان يكون احدهما في رتبة الآخر فيسئل حينئذ عن المرجح و الحكمة اذا كان الفاعل المرجح حكيما و اما اذا امتنع حلول كل منهما في رتبة الآخر فالسؤال عن وجه الرجحان قبيح لان الشعاع اذا فرض كونه عن ( في خل ) مقام السراج لميكن شعاعا و انما كان سراجا منيرا لا بد له من نور و شعاع و الشعاع ( السراج خل ) اذا فرضته في مقام الشعاع لميكن سراجا و انما كان نورا و شعاعا يحتاج الي [ص 9] السراج فلميبق لاحدهما وجود اصلا اذا فرض كونه في رتبة الآخر فالكامل لا بد له من كمال و هو اثر فان خلقه الخالق من غير كمال كان نقصا في حكمة الايجاد فاذا خلقه كاملا فلا بد له من اثر فلايمكن فرض كون الاثر في رتبة المؤثر فاذا امكن هذا السؤال امكن ان يسئل ان الحادث لم لميكن قديما او القديم حادثا و الجواب الجواب و الكلام الكلام و هذا السؤال ساقط عن اصله و رأسه فالاختلاف في السلسلة الطولية في المادة و ذلك بجعل الجاعل اي من مقتضياته لبطلان الطفرة و لزوم كون اول ما تعلق به الجعل لكونه المبدء له نور و شعاع و جمال فاذا فرضت هذا الشعاع و النور ( النور و الشعاع خل ) اول متعلق الجعل كان هو المنير و المبدء فلا بد له من نور و شعاع و ذلك ظاهر معلوم ان شاء الله تعالي و ليس هذا هو الجبر فانه جعل ما امكن ان يكون شيئا بخلاف مقتضي ميله و شهوته و هذا لايمكن ان يكون ( يكون ذلك الشيء خل ) بحال من الاحوال كامتناع كون الممكن قديما و الماضي مستقبلا و الذي وقع ان لايقع و امثال ذلك و ثانيهما في السلسلة العرضية و هي ما اذا كانت المادة واحدة و الاختلاف في الصور و هنا يقع السؤال عن صيرورة حصة من مادة علي صورة و هيئة مخصوصة دون ساير الصور مثل الحصة التي تصورت بصورة زيد لماذا ماتصورت بصورة عمرو مثلا ( مثلا و هكذا خل ) في كل متحد المادة و المقام و مختلف الصورة و الهيئة فهنا محل السؤال و الجواب ان علة الاختلاف الاجابة و الانكار و التقدم في الاجابة و التأخر و المبادرة اليها و عدمها و الاخلاص في الاجابة و عدمه و النفاق فيها و [ص 10] عدمه و اختلافها في الظاهر و الباطن و العرضي و الذاتي و امثال ذلك و بيان هذا الاجمال بالعبارة الظاهرة انه سبحانه و تعالي خلق مادة واحدة في كل مرتبة علي حسبها ( حسب مقامها خل ) و هي من جهة قربها الي المبدء بالنسبة الي صورها و هيئاتها فانها حدود و اعراض تعرض تلك المادة كانت في الغاية من الشعور و الادراك فهي من حيث وحدتها و بساطتها الاضافية عين الشعور و الادراك و لكنها لاتلتفت الا الي بارئها و مبدئها و لاتتوجه الي غيره سبحانه و هي النفس التي من عرفها فقد عرف ربه لان معرفتها عبارة عن التوجه اليها و هي عين التوجه الي الله سبحانه فالتوجه اليها هو عين التوجه الي الله سبحانه ثم خلق الله سبحانه فيها ذكر الموجودات و صلاحية التصور بالصور و الهيئات و الحدود و الجهات فنظرت اليها و اشتغلت بها فتحصصت بتلك الجهات المذكورة و اختلفت شهواتها و ميولاتها و اقتضاءاتها ثم لما دعاهم داعي الحق سبحانه بلسان نفسه بلسان انفسهم الست بربكم فمن مقدم في الاجابة بقوله بلي و من مقدم فيها بقوله نعم فالاول استحق المقام في عليين و الثاني استحق الهبوط الي السجين و قد اشار الامام عليه السلام الي تلك الاقتضاءات لقوله عليه السلام في جواب القائل كيف اجابوا و هم ذر جعل فيهم ما اذا سئلوا اجابوا و هو تلك الشؤن و الاقتضاءات الموجبة للاختيار و القبول و الادبار فالذر هي تلك المادة المتحصصة بتلك الحدود و الجهات في الصلوح و الذكر القابلة لكل صورة و هيئة من صور السعادة و الشقاوة و الانسانية و الشيطانية و هي في تلك الحالة شاعرة عالمة بتلك الاقتضاءات و المقتضيات و هي المصححة [ص 11] لتحقق الاختيار و الاختبار و احداثها في عالم الكون لا بد منه لاقتضاء الفيض ذلك و التحقق في الكون لا بد له من صورة لها ( بها خل ) تتميز عما عداها و اختلاف الصور معلوم لانه مأخوذ في حقيقتها فجعل الكل من نوع صورة واحدة ان كان علي جهة الالجاء و الجبر قبيح لايصدر عن الحكيم و الاختلاف من دون داع ترجيح من غير ( بلا خل ) مرجح فاهلهم الله سبحانه للاختلاف و اعطاهم قوة التميز و اركز فيهم الاختيار و اراهم ما يحبه الله سبحانه و ما يكرهه من الحدود و الصور و الاعمال و مقتضياتها ثم كلفهم و قال الست بربكم فاختلفوا و هو قوله تعالي و كان الناس امة واحدة فاختلفوا في الاجابة و الانكار فقدمهم الله تعالي و اخرهم و البسهم صور طاعته و معصيته بحقيقة ما هم اهله و هو قوله تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم و قوله تعالي يهديهم ربهم بايمانهم و قوله تعالي بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه الآية ، فتبين لك من هذا البيان التام ان التأهل و القابلية لاختلاف الاجابة و الانكار بفعله سبحانه فلولا اهلهم سبحانه ماقدروا علي شيء و حيث ما اهلهم الله سبحانه فليس هو الذي اوقعهم في الاجابة او ( و خل ) الانكار اي حتم عليهم احدي الصورتين و جبرهم عليها تعالي ربنا عن ذلك علوا كبيرا و اما تقدم بعضهم علي بعض فهو بفعله سبحانه باختيارهم و اقبالهم و ادبارهم لا ابتداء حتي يلزم الجبر او الترجيح من غير مرجح و هم كانوا شاعرين بما يكون لكل مرتبة من حكم السعادة و الشقاوة اذ لو لميكونوا شاعرين امتنع ( لامتنع خل ) تكليفهم و الخطاب عليهم فانه محال و قولكم و الشعور لايكون الا بعد الكون [ص 12] صحيح لا شك فيه الا ان الكون علي قسمين كون اجمالي و هذا في المادة المطلقة الصالحة للسعادة و الشقاوة قبل وقوع احدهما عليها كالخشبة الصالحة للصنم و السرير و الباب و الضريح و في هذه المرتبة تحقق الشعور و الادراك فحصلت الاجابة و الانكار في الخلق الثاني بذلك الشعور و اما قبل الكون بمعني قبل الوجود مطلقا فهناك لايصح لانه صفة الوجود فاذا فقد الموصوف فالصفة بطريق اولي نعم تحقق الشعور قبل الكون الثاني المعبر عنه بالخلق الثاني مقام التميز و تمام الامر و الحكم بالسعادة و الشقاوة فافهم وفقك الله تعالي لخير الدارين .
قال سلمه الله تعالي : و ارشدني الي عمل و ذكر يورث فتح النور و رفع الشك و الاوهام و الخطورات القلبية لعل الله سبحانه يوفقني للعمل به و المواظبة عليه .
اقول اعلم ان الذي يورث فتح النور و رفع الشكوك و الاوهام هو الاخلاص المسبب للاعتصام بحبل آلمحمد صلي الله عليه و عليهم و التمسك بهم و الانقطاع اليهم و الاعراض عما عداهم و اعتقاد ان الحق لهم و معهم و فيهم و بهم و عنهم و منهم و عندهم و ان الخير لهم و معهم و فيهم و هم معدنه و مأويه و ميراث النبوة عندهم و اياب الخلق اليهم و حسابهم عليهم فتكثر الصلوة عليهم في آناء ليلك و اطراف نهارك فان من صلي عليهم مرة صلي الله عليه في الف صف من الملئكة طول كل صف ما بين المشرق و المغرب و تعرض عن كل شيء لاينسب اليهم من كل شيء فاذا كنت هكذا فتح الله مسامع قلبك للخير [ص 13] و الرشد و يدفع عنك كل شك و شبهة فان الظنون و الشكوك و الشبهات ليست منهم و لايرجع اليهم صلي الله عليهم و انما هي من شؤن اعدائهم و معاكيسهم في عالم الظلال فاذا استشرق قلبك بنورهم و قابلت مرآة قابليتك الي جنابهم فتذهب بنورهم كل الظلمات و ترفع كل الشكوك و الشبهات و كن دائم الفكر في هذا العالم فهناك يؤثر كل ذكر تذكر الله به و يفعل كل اسم تدعو الله سبحانه به فتكون حينئذ كالسراج تضيء نفسك و غيرك و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .