رسالة في جواب سؤال جماعة من الطلاب عن مسئلتين
من مصنفات السيد الاجل
المرحوم الحاج سيد كاظم بن القاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين .
( اما بعد ) فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان جماعة من طلاب الحق و اليقين و سلاك السبيل الواضح المبين قد اتوا بمسائل صعبة مستصعبة عزيزة الوصال بعيدة المنال و ارادوا الجواب علي الاستعجال و انا مع ما انا عليه من تبلبل البال و كثرة الاشتغال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال لميسعني الا اجابتهم و اسعاف حاجتهم لشدة احتياجهم اليها و زيادة تبصرهم فيها و اتيت بما هو الميسور لانه لايسقط بالمعسور مختصرا في المقال و شارحا بعض تلك الاحوال و اليه المستعان في المبدء و المآل .
المسئلة الاولي - ما السبب في تعلم موسي من الخضر عليهما السلام مع ان موسي افضل منه و ما العلة و السبب في خرق السفينة و قتل الغلام و بناء الجدار .
( اقول ) هذه المسئلة تنحل الي ثلث مسائل :
الاولي : ما العلة في طلب موسي الخضر .
الجواب - فقد ذكر النبي صلي الله عليه و آله علي ما رواه القمي انه لما كلم الله موسي تكليما فانزل عليه الالواح و فيها كما قال الله و كتبنا له في الالواح من كل شيء موعظة و تفصيلا لكل شيء رجع موسي الي بني اسرائيل و صعد المنبر و اخبرهم ان الله قد انزل عليه التورية و كلمه و قال في نفسه ماخلق الله خلقا اعلم مني فاتاه جبرائيل فقال انك قد [ص 3] ابتليت فانزل فان في الارض من هو اعلم منك فاطلبه فنزل فارسل الي يوشع بن نون اني قد ابتليت فاصنع لنا زادا و انطلق بنا فاشتري حوتا فخرج ثم شواه ثم حمله فانطلقا فكان من امرهما ما اخبر الله سبحانه في كتابه العزيز من قوله تعالي اذ قال موسي لفتيه الآيات .
و الثانية : كيف يتعلم موسي من الخضر مع انه افضل منه و لايكون الفضل الا بالعلم .
الجواب - ان الممكن كمالاته تدريجية الحصول و لايمكن الاحاطة بجميع الاشياء دفعة واحدة و الا لاستغني و خرج عن الامكان و لا فرق في ذلك بين الموجودات كلها عاليها و سافلها نبيها و رعيتها فالعلم من عند الله سبحانه يلقي الي حملته شيئا فشيئا آنا فآنا بآلات و اسباب و تلك الاسباب وسايط التعليم لا معدن العلم و اصله و تلك الآلات و الاسباب قد تكون داخلية و قد تكون خارجية فالداخلية كالحواس الظاهرة لادراك الاجسام و نقلها الي الحواس الباطنة فلولا الحواس الظاهرة ماحصل ادراك المحسوسات باشباحها للحواس الباطنة قطعا و لولا الحواس الباطنة لميدرك القلب جهات العلوم و تفاصيلها مع ان الحواس الباطنة اشرف من الظاهرة و القلب اشرف من الحواس الباطنة فتلك القوي آلات لادراك القلب يفيض الله سبحانه العلم التفصيلي اليه بواسطة الحواس و لا شرافة في ذلك و انما هي مقدمات و امارات لحصول العلم من المبدء الفياض و الخارجية قد تكون لها حكم الآلة بلا شعور و ادراك كالكتابة بالنسبة الي العالم الذي ينتفع منه و يحصل العلوم به و لا ريب انه لا شرافة له بالنسبة الي العالم مع انه سبب لحصول العلم له و [ص 4] قد تكون لها حكم الآلة مع شعور كالملائكة الذين يوحي الله بهم الي الانبياء و لا ريب ان العلم من الله و هم الآلات و الاسباب للالقاء و لا شرف لهم و لا فضل علي ساير الانبياء الذين يوحي اليهم و ذلك معلوم و قد تكون من غير ما ذكر و هو قد يكون من سنخ البهائم و الحشرات كالنملة التي سئلت سليمان عن السر في زيادة اسمه علي اسم ابيه مع ان اباه اشرف منه و زيادة المباني تدل علي زيادة المعاني و لميعرف سليمان عليه السلام فذكرت ان اباك داوي جرحه بالود و انت سليمان و ارجو من الله ان يلحقك بابيك و لايلزم من هذا ان النملة اشرف من سليمان عليه السلام و كذا الهدهد يعلمه مواضع الماء مع انه طير من الطيور و هذه كلها علوم يعلمها الانبياء بتلك الآلات و الاسباب كما يعلم العالم بالكتاب و القلب بالحواس و قد يكون من سنخ الانسان كالخضر عليه السلام و هو نبي من الانبياء تابع لشريعة موسي اي مبعوث عليها لا انه من رعيته و اراد الله سبحانه ان يعلم موسي احكام الولاية الباطنة الحقيقية التي يظهر في آخر الزمان مما قد عرض عليه في العالم الاول عالم الارواح و اراد ان يعرضها عليه في العالم الآخر عالم الاجسام و كان ذلك العرض بواسطة الخضر العالم عليه السلام و لذا ورد انه حدث موسي عليه السلام عن آلمحمد عليهم السلام و عما يصيبهم من البلاء حتي اشتد بكاؤهما ثم حدثه عن فضل آلمحمد صلي الله عليهم حتي جعل موسي يقول يا ليتني كنت من آلمحمد صلوات الله عليهم و حتي ذكر فلانا و فلانا و مبعث رسول الله [ص 5] صلي الله عليه و آله الي قومه و ما يلقي منهم و من تكذيبهم اياه و ذكر له تأويل هذه الآية و نقلب افئدتهم و ابصارهم كما لميؤمنوا به اول مرة حين اخذ الميثاق فلميكن الخضر عليه السلام افضل من موسي كما لميكن جبرئيل افضل من محمد صلي الله عليه و آله و الهدهد و النملة افضل من سليمان عليه السلام و الحواس الظاهرة افضل من الباطنة و الباطنة من القلب و لا الكتاب افضل من الناظر فيه العالم به و ذلك شيء ظاهر معلوم غني عن البيان و اما حقيقة الامر في ذلك زايدا علي ما ذكر فليس هذا المقام موضع ذكره و فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية .
و الثالثة : ما العلة و السبب في خرق السفينة و قتل الغلام و بناء الجدار .
الجواب - ان الخضر انما كان وصفا و حكاية و شرحا و دراية لآلمحمد عليهم السلام فيكون واصفا و شارحا و حاكيا لاحوالهم عليهم السلام في وقت هدنتهم و خفاء دولتهم و غيبة غائبهم المستور عن عوالمهم كما دلت عليه الروايات المتكثرة كما في اكمالالدين و غيره فاراد عليه السلام ان يبين لموسي عليه السلام و يعرفه سلوك الامام الغايب عجل الله فرجه و روحي له الفداء مع رعيته في غيبته لان الخضر دليله و آيته عليه و علي آبائه السلام و كك سلوك آبائه عليهم السلام في وقت ظهور دولة الباطل و خفاء دولة الحق فلهم عليهم السلام مع رعيتهم و شيعتهم ثلث حالات :
حالة يحفظونهم عن شر اعاديهم و القاصدين لهم بسوء بطردهم و ابعادهم عنهم و هو عيب السفينة فالسفينة اشارة الي علماء شيعتهم و هم عليهم السلام البحر الزاخر بحر الكمال المحض و [ص 6] العلم المطلق و شيعتهم هم السفن منجية لعوام شيعتهم و موصلهم الي ساحل النجاة و منجيهم من الغرق في بحر الغلو و الهلاك في بر التقصير و هم النمط الاوسط و النمرقة الوسطي و لذا لما لعن مولانا الصادق عليه السلام زرارة قال لابنه اني مااردت بلعني اياك الا ما اراد الله سبحانه كما حكي عن العالم فاردت ان اعيبها و كان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا و انه لمن اعظم السفن الجارية في البحر القمقام فبايقاع الاختلاف في شيعتهم و رعيتهم يحفظونهم من شر اعدائهم و مخالفيهم و الاختلاف عيب لقوله تعالي و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و قد قالوا عليهم السلام نحن اوقعنا الخلاف بينكم و قالوا عليهم السلام راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه اعلم بمصالح غنمه ان شاء فرق بينها لتسلم و ان شاء جمع بينها لتسلم فخرق الخضر عليه السلام السفينة اشارة الي هذه الدقيقة اللطيفة .
و الحالة الثانية تميز الكاذب من الصادق من منتحلي مودتهم و محبتهم و ولايتهم فلا كل من ادعي محبتهم عليهم السلام صدق في دعواه و لا كل من انتحل مودتهم قال من تمناه فان قوما آمنوا بالسنتهم ليحقنوا به دمائهم فادركوا ما املوا و لكن الله سبحانه بوليه و خليفته يخرج ضغاين القلوب و يظهر كوامن الصدور و يميز الخبيث من الطيب فيخرج الخبيث عن تلك النسبة و ينزع روح الحيوة الابدية التي هي الايمان و الولاية عن تلك القلوب الخبيثة النجسة فيموت بسلب الحيوة و لما كان ذلك بفعل الولي عليه السلام فيقتله فقد قتل الغلام المنسوب ظاهرا الي الابوين [ص 7] الطاهرين الذي لميبلغ الحلم و الكمال و العقل و الجمال و هو ادراك دولة آلمحمد المفضال سلام الله عليهم و لذا قال و كان ابواه مؤمنين و قد قال صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة و قوله تعالي فخشينا ان يرهقهما طغيانا و كفرا يعني ان يغشي دينهما و ذكرهما او ينسب اليهما ذلك نعوذ بالله فطهر لوث ذلك الرجس النجس من الانتساب اليهم الاتري الشيعي اي الذي يظهر التشيع ربما يخرج عن دين الحق فبخروجه مات و لما كان هذا الخروج بالسبب فكان ذلك هو القتل فافهم فقد انبئتك عن سر دقيق و باب من العلم الغامض فاحفظه فقتل الخضر عليه السلام الغلام اشارة الي هذه الدقيقة من قوله تعالي انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فيغرقه في بحر الهلاك و يقتله بسيف الاعراض و يهلكه بوكز الذود عن حوضهم .
و الحالة الثالثة حفظ العلوم الالهية التي اعدت لشيعتهم عليهم السلام يوصلونها اليهم بحسب مصالحهم متدرجة بتدرج الازمنة و الدهور فاذا رأوا علما من علومهم عليهم السلام يكاد يظهر و لميأت اوان ظهوره يجعلون من تأييدهم و حفظهم و وقايتهم عليهم السلام له مانعا عن الظهور حتي يبلغ الكتاب اجله و يأتي وقت ظهوره كما قال مولانا الصادق عليه السلام ما كلما يعلم يقال و لا كلما يقال حان وقته و لا كلما حان وقته حضر اهله ، و ذلك المانع هو المعبر عنه بالجدار جماد لا حس له و لا شعور و هو كناية عن جهال متجلببين بجلابيب العلم المتسمين بسماء الفهم و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة [ص 8] يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله اني يؤفكون فبناء الخضر عليه السلام الجدار اشارة الي حفظ هذه الاسرار و صونها عن الاغيار الي اوان ميعاده بعون الله و امداده .
فبخرق السفينة حفظوا شيعتهم عن شر اعدائهم و بقتل الغلام اخرجوا المنافقين المشحونة قلوبهم من النفاق المظهرين في الصورة الظاهرة الوفاق و ببناء الجدار حفظوا الاسرار و صانوها عن الاغيار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و لما كان الخضر عليه السلام دليلهم و آيتهم عليهم السلام في حال غيبة غايبهم فعنده علم هذه الاحوال لا غير ذلك و اراد الله سبحانه و تعالي ان يظهرها لموسي عليه السلام بواسطته و انما لميتحمل و ان كان مصدقا و مسلما لانه مكلف بشريعة الظاهر و ما يقتضي ذلك الزمان و لميقتضي ذلك الوقت ظهور مثل هذه الاحوال فانكرها موسي عليه السلام في مقام العمل بالشريعة الظاهرة و ان كان مسلما و مصدقا بالشريعة الباطنة في زمانه و الظاهرة في آخر الزمان و انما قلنا ان الخضر عنده علم احوال الغيبة خاصة دون ساير الاحوال باجمعها لما ورد من ان موسي و الخضر كانا قاعدين علي ساحل البحر الاخضر فاذن بطاير ورد علي الماء فاخذ بمنقاره قطرة من البحر و رماها نحو السماء ثم اخذ قطرة اخري و رماها نحو المشرق ثم الثالثة رماها نحو المغرب ثم الرابعة رماها في البحر فتحير الخضر من فعله و لميعلم ما اراد من تلك القطرات فبينما هما متحيران و اذا بصياد قد حضر و قال ما لي اراكما متحيرين قالا من جهة فعل هذا الطاير قال انه يخبر انه يأتي في [ص 9] آخر الزمان نبي له وصي علمكما و علم اهل السموات و الارضين و علم اهل المشرق و المغرب في جنب علمه مثل هذه القطرة في البحر المحيط ، و بالجملة الكلام في هذه المسئلة كثير و شرحها طويل و البدن عليل و القلب كليل و للسائل كمال التعجيل اقتصرنا علي هذه الجملة لانها وافية كافية ان شاء الله تعالي .
المسئلة الثانية - القرآن المتداول عندنا المنقول بعضه عن بعض المكتوب بايدينا ليس هو بعينه القرآن النازل علي رسول الله صلي الله عليه و آله قطعا فاين ذلك القرآن الآن .
اقول القرآن نور من عند الله سبحانه و تعالي نازل علي رسول الله صلي الله عليه و آله ظاهر ذلك النور بالالفاظ و الكلمات و الخطوط فكل خط و رسم و كلمة علي تلك الهيئات المخصوصة حامل لذلك القرآن بعينه كالنور الواحد المشرق علي مرايا متعددة متكثرة بل الي غير النهاية و في كل مرءاة ذلك النور نور الشمس بعينه و كالنار الواحدة . . .
( الي هنا كان في النسخة )