فان قلت لم كانت الافلاك علي هذا الترتيب المخصوص من السموات السبع و العرش و الكرسي .
قلت ذلك امر ( لامر خل ) محكم و حكم متقن و هو ان المبدء لا بد ان يكون عرشا لاستواء الرحمن و خزانة لجميع ما تستحق السوافل من الاركان و الاكوان و الاعيان و الا لميكن واقفا بالباب بل ضرب بينهما الف حجاب و لما كان الباب واقفا مقام اجعلك مثلي و روحك من روحي وجب ان يكون كاملا في رتبة البساطة لمكان التشابه علي ان الفيض لايجوز ان يصدر جزئيا لعدم سعته بل [ص 20] يجب ان يكون كليا معنويا يحيط بكل الاجزاء و الجزئيات فاقتضي ان يكون هنا فلك كلي محيط ( فلكا كليا محيطا خل ) بجميع المراتب السفلية و مهبطا لجميع الانوار و خزانة لكل الاسرار و ذلك هو العرش مستوي الرحمن فهو اول الافلاك و اعظمها و اشرفها و اقدمها و الطفها ثم لما كانت الفيوضات المستقرة في الفلك الاعلي معنوية كلية غيبية مجملة و لا استيهال للسوافل ان تتلقيها كذلك لقصورها و تباين احوالها و اختلاف اوضاعها فوجب ان يكون لتلك الاجمالات مقام تفصيل و تلك المغيبات رتبة ظهور لتمييز ( لتتميز خل ) الاسماء الالهية و تتبين النعم الغير المتناهية ليعلم كل اناس مشربهم و يصل كل احد مطلبهم و لما كان هذا المقام تحت المقام الاول و هو قد ظهر بفلك ( بالفلك خل ) المحيط الدوار وجب ان يكون رتبة التفصيل ايضا ظاهرة في فلك تحت الفلك الاول و هو الفلك الثاني و ذلك هو الكرسي فظهرت فيه القوي الجزئية الاسمية المستمدة من تلك المعاني الكلية فتم الفيض الاول مجملة و مفصلة و هو رتبة المقبول ثم لما كانت الافاضة لاتتم الا بتمكين القابل و تهيئه للقبول و الا لميتحقق الفيض و لميوجد الشيء و ذلك التمكين يجب ان يكون من جهة المكون المفيض لكن بآلات و اسباب يناسب المفاض عليه و يوافقه و لما كانت تلك الآلات هي جهات التدبير و التقدير وجب ان تكون محيطة فتكون افلاكا دائرة علي القابليات و مهيئة اياها لقبول الفيض الاول و وصلة بينها و بين المفيض فاقتضي الكون افلاكا اخر تحت الفلكين المذكورين ثم لما كانت الافلاك ( الاكوان خل ) خرجت مسبعة متمايزة في التسبيع و لايتم الفيض الا اذا تمت قابلية تلك [ص 21] المراتب و لايتم ذلك الا ان يكون منها مبدء متميز فان الاثر يشابه صفة المؤثر و جهتها فالمجمل يؤثر المجمل و المفصل المفصل وجب ان تكون تلك الافلاك التي هي روابط ايصال الفيض و متمم قابليات المفاض عليه سبعة فخلق الله السموات السبع فاذا اضفتها الي الفلكين المذكورين كانت الافلاك تسعة فافهم فهمك الله و ايانا من مكنون العلم .
فان قلت ما بال الكواكب تري و الافلاك لاتري و دعوي كثافتها مدخولة مردودة باستلزام الطفرة و خروج الاشياء عن اماكنها الطبيعية فان كل كثيف مقامه المركز فاذن يلزم ان يكون الهواء اشرف من الكواكب و هو باطل للادلة القطعية ،
قلت ان مدار الابصار ليس الثقل و الكثافة الاتري الاشباح الظاهرة في المرايا و غيرها من الاجسام الصيقلية مع ان رتبتها فوق محدد الجهات و كذا الارواح المتنزلة الي مقام البشرية مثل جبرئيل عليه السلم علي صورة دحية الكلبي و امثال ذلك فان المقادير و الهيئات لا وزن لها و لا ثقل و الماء الصافي اذا حركته يتكدر و ليس ذلك من جهة ثقله و امثال ذلك فمقتضي الرؤية و علتها قوة التركيب و هو لايستلزم الثقل المستلزم للنزول و الا جاء حكم الطفرة فالكواكب هي قوي نورانية صيغت بقدرة الله تعالي صيغة اشد و اقوي من صوغ الافلاك فلها تركيب اقوي من تركيب الافلاك و قد ورد في الاخبار ان الشمس لها سبع طبقات و كذا القمر و يفهم منه المؤمنون الممتحنون ان كل كوكب هكذا و لذا تري التأثير في الكواكب اكثر و اشد بل لايحس تأثير الافلاك باجرامها الا قليلا و [ص 22] كذا اذا غرب بالشمس يبرد الهواء مع وجود فلك الشمس و كذلك القمر و سائر الكواكب و هذا معلوم و في الحديث ان النجوم امان لاهل السماء و ليس ذلك الا لقوة التركيب و شدة ظهور تلك القوة فلذا تري فان اراد القائل بالكثافة هذا المعني الذي اردنا فهو حق و صواب فان الكواكب لها رتبة تساوي فيها جرم الافلاك و زيادة و لذا لما انشق القمر ما انخرق الافلاك ( الفلك خل ) و لما نزل الي حبيب ( جيب خل ) النبي صلي الله عليه و آله حصلت ( ماحصلت خل ) في الفلك ثقبة الاتري ( الاتري ان خل ) الجسم المطهر النبوي صلي الله عليه و آله مع انه يري لميكن له ظل لشدة نورانيته و صفائه و انه اعلي من عقول النبيين عليه و آله و عليهم صلي الله ابد الآبدين و قد صعد بجسمه الشريف المحسوس الي السماء و ماحصل منه خرق و لا التيام و هكذا الكواكب و ان كانت لها اجرام لكنها ليست بثقيلة و ان اراد القائل بالكثافة الثقل و انه اكثف من الهواء فيتوجه اليه ما ذكر و هو لعمري من افحش الاغلاط .
فان قلت اين مواضع الكواكب و اين مستقرها و موقفها من الافلاك ،
قلت اما الكواكب الثابتة من البروج و المنازل و غيرها من الكواكب المحسوسة فكلها في فلك الكرسي و اما الشمس فهي في الفلك الرابع و اما القمر ففي التاسع و اما زحل ففي السابع و اما عطارد ففي الثاني و اما المشتري ففي السادس و اما الزهرة ففي الثالث و اما المريخ ففي الخامس كذلك صنع الله ربنا الذي اتقن كل شيء و هو الواحد القهار .
فان قلت لم كانت الكواكب كلها في الكرسي و السبعة متفرقة ،
قلت لان الكواكب هي مظاهر التدبير و محال مشية الله المتعلقة بالعوالم [ص 23] الجسمانية و مهابط التجليات الروحانية و مواقع الفيوضات الرحمانية في المقامات التفصيلية و لما كان الكرسي هو محل التفصيل و مظهر الانوار العرشية من الجليل و القليل ظهرت الكواكب التي هي محال تلك الانوار و مجالي تلك الآثار علي التفصيل فيه فليس للكوكب موقع و محل الا هناك و الا لميكن الكواكب اسباب التأثير او لايكون الكرسي مقام التفصيل و قد دل الدليل العقلي و النقلي علي الامرين من غير شك و مين و قد مضت الاشارة اليه باخصر عبارة فافهم و هو مثال اللوح المحفوظ و النفس الكلية و الظاهر طبق الباطن كما ان العرش مثال القلم و العقل و اما السبعة فلما ( فكلما خل ) كانت اسباب التمكين و آلات التكوين و بدونها لمتتحقق ( لميتحقق خل ) الفيوضات و الوجودات في العالم السفلي و قد قلنا ان المؤثر في الحقيقة هو الكوكب و الفلك هو محل لذلك و ان كان له ايضا تأثير من نوع تأثير الكوكب و نظيرهما في العالم الصغير هو القوي الاربع بالنسبة الي كل البدن من الجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة وجب ان يكون كل فلك من السبعة محلا لكوكب لما ذكرنا فافهم .
فان قلت لم انقسم الكرسي الي البروج و المنازل و الدرج و لم خصت هذه الكواكب باغلب التأثيرات بل جل التأثيرات مستندة اليها بمحاذاتها الكواكب التحتية من السبعة بل لاتستند الا اليها علي الظاهر ،
قلت اما الثمانية و العشرون فان النفس الرحماني الاولي او الثانوي لما تعلق بالايجاد علي جهة الابتداع ظهر منهما اي من كل واحد منهما علي جهة الترتيب ثمانية و عشرون اسما من اسماء الله سبحانه بها قوام الاكوان [ص 24] و الاعيان و الانقلابات التي تقع في الزمان و المكان و لذا جرت الحروف التدوينية التي هي اصول الصفات الحرفية و الاشباح المنفصلة في كل التأثيرات و التركيبات الغير المتناهية علي ذلك العدد فلتلك الاسماء مظاهر و مجالي يظهر في كل عالم بحسبه فظهرت في الصفات الحاكية التدوينية حروفا و في العوالم الغيبية حقايق و في العوالم الشهودية كواكب و لذا انقسمت منطقة البروج الي هذه الاقسام الثمانية و العشرين لانها المبادي و العلل في الجسمانيات و هو مقام الباء في البسملة قال عليه السلم ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم و هنا وجه آخر لكنه دقيق يحتاج الي لطف قريحة و هي ( هو خل ) ان الاربعةعشر لما تكررت تكون ثمانية و عشرين و الوجه الآخر هو ان لكل نور ضدا ظلمانيا و لما ان الحروف النورانية الكونية اربعةعشر فتكون الظلمانية ايضا كذلك فالمجموع يبلغ هذا المقدار و لذا تري اربعةعشر منزلا تكون ابدا ظلمانية تحت الارض فافهم و اما البروج فاعلم ان الاسماء الكلية التي عليها مدار الكون اثنيعشر اسما و هو قوله عليه السلم ان الله خلق اسما الي ان قال عليه السلم فجعله اربعة اجزاء ليس واحد منها قبل الآخر و حجب واحدا منها و هو المكنون المخزون و اظهر ثلثة منها لفاقة الخلق ثم جعل لكل واحد اربعة اركان فذلك اثنيعشر ركنا و هذه الاثنيعشر هي الاصول و عليها يدور ( تدور خل ) الاملاك الاربعة جبرائيل عزرائيل اسرافيل ميكائيل بها قامت اركان العرش الانوار الاربعة نور احمر و نور اخضر و نور اصفر و نور ابيض ثم يفصل كل ركن او قل كل اسم الي ثلثين ركنا او اسما [ص 25] فيكون التقسيم في الاثنيعشر ثلثمائة و ستين اسما و كل هذه الاسماء مندرجة تحت هيمنة اسم الله الرحمن و لما كان رتبة الالوهية رتبة البساطة و القدوسية و التنزيهية ليس فيها تكثر الاسماء و الصفات و الافاضات الا ذكرا و امكانا و اجمالا و الظهور في عالم البروز الي هذه المراتب و المقامات و الاسماء و الصفات في رتبة الرحمانية و العوالم متطابقة و الاكوان متناسقة جرت الحكمة في ابداع عالم الشهادة و الاجسام علي ذلك النهج قال تعالي و ما امرنا الا واحدة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لما كانت المشابهة و المناسبة بين الاثر و صفة المؤثر مما لا بد منه ليمكن للاثر التلقي و الاستفاضة من المؤثر وجب ان تكون لتلك الاسماء مظاهر تتجلي في العوالم الشهودية بها و قد اثبتنا ان المبادي في الاكوان الجسمية هي الافلاك لا غير اذ ما من الطف و اشرف منها فوجب ان تكون هي المظاهر و لما كانت الالوهية و الرحمانية لهما هيمنة و تسلط و احاطة علي كل الاكوان و الاسماء فكذلك الفلكان الاعظمان لهما احاطة تامة علي كل الاجسام و لما كانت الالوهية مقدمة و محيطة كان مظهرها هو الفلك الاول و لما كانت الالوهية ليست فيها الكثرات الاسمائية الا بالذكر وجب ان يكون المظهر علي هيئة الظاهر فلميكن في الفلك الاعلي كوكب و كثرة بوجه من الوجوه فثبت ان الفلك الثاني الذي هو الكرسي هو مظهر الرحمانية ففيه انقسمت مظاهرها علي اثنيعشر و كل اثنيعشر علي ثلثين فكذلك هذا الفلك قد قسم علي اثنيعشر قسما و سمي كل قسم برجا و قسم كل برج علي ثلثين درجة [ص 26] فانقسم دورة الفلك و محيطه علي ثلاثمائة و ستين قسما و كل قسم مظهر اسم من تلك فلاجل ذلك نسبت التأثيرات اليها فافهم و لاتنظر الي ما قاله المنجمون فان العلم نقطة كثرها الجاهلون فانهم نظروا الي المجادلة بالتي هي احسن و نحن ذكرنا لك من ادلة الحكمة التي ليس فيها شك و لا ارتياب فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر فيكون كل محيط فلك اربعة ارباع و موكل علي كل ربع ملك من الملئكة الاربعة و كل واحد منها له تسعون ملكا يخدمه من الاعوان الكلية و وجه آخر هو ان الشيء تمامه في ستة ايام و رتبته و كماله في السابع و هو في الفلك الاعلي و لما كان الثاني تفصيله و تكريره و الرتبة الثانية كان منه في لحاظ الستة اثنيعشر و في لحاظ السبعة ثمانية و عشرين و الاول ظاهر و الثاني لان هنا تكريران لانه يتجاوز رتبتين احديهما نفس الفلك و الثانية مقام البروج فالسبعة اذا كررت مرتين تكون ثمانية و عشرون و قولي التكرير احتراز عن التنزيل فانه في الاولي يبلغ ستين و في الثانية سبعين و نسبة الكرسي الي العرش ليست كنسبة الاشعة الي الشمس و السراج بل كنسبة الباء الي الالف و الدال الي الباء و النفس الي العقل و النفس الرحماني الي النقطة و المفصل الي المجمل فلذا قلنا ان الستة هناك يكون ( هنا تكون خل ) في الكرسي اثنيعشر و السبعة ثمانية و عشرين .
فان قلت لم كانت البروج و المنازل كلها في المنطقة لا في القطب مع انه اولي بذلك ،
قلت لوجوه احدها ان القطب مقام الوحدة و مقام الجمعية و الاجمال [ص 27] فلايتصور فيه فرض الكثرات و الاضافات و ثانيها ان الحركة الجسمانية لما كانت الي جهة فتدور علي المحور فتحدث ( و تحدث خل ) من حركاتها الدوائر المختلفة من العظام و الصغار و لا شك ان الدائرة الصغيرة لاتحيط بكل الذرات بخلاف المنطقة فانها دائرة عظيمة لميكن اعظم منها فحصلت الاحاطة المطلوبة في التأثيرات و الايجاد بالمقابلة و المحاذات و احداث الاشعة و ثالثها ان المنطقة هي الوسط المتساوي نسبته الي الطرفين فيجب ان تكون محلا للبروج و المنازل فافهم فانه دقيق .
فان قلت من اين عرفوا ترتيب هذه الكواكب و اختصاصها بافلاكها المخصوصة من حكم التقديم و التأخير .
قلت انهم عرفوا غير الشمس كلها بالخسف و الكسف فلما نظروا و رصدوا وجدوا بعضها يخسف الآخر حكموا بتأخر الخاسف لكنهم تحيروا في الشمس حيث لايري معها كوكب ليعلم الخاسف فتمسكوا بامور ضعيفة اقناعية عندهم لكنها ليست كذلك و انا اخبرك ان شاء الله تعالي بالترتيب مما استفدته من دليل الحكمة المأخوذ من مشكوة انوار اهل بيت العصمة و الطهارة عليهم الصلوة و السلم فنقول ( فنقول اعلم خل ) انه لما جري صنع الحق سبحانه علي الاطوار الاربعة بل الخمسة او السبعة كما قال تعالي ما لكم لاترجون لله وقارا و قد خلقكم اطوارا و قال تعالي هو الذي خلقك فسويك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك ، و قال عليه السلم لايكون شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة الحديث ، و لما كانت العوالم مترتبة متعددة ظهر السافل بازاء العالي و طبقه بل ليس العالم الاسفل الا ظهور [ص 28] جهات تنزلات العالي اي الاعلا كالالوف بالنسبة الي المآت و هي بالنسبة الي العشرات و هي بالنسبة الي الآحاد و هي بالنسبة الي الثلثة و هي بالنسبة الي الواحد فاذا عرفت هذا فاعلم ان مقام التقدير الذي هو رتبة التصوير علي انحاء مختلفة كلياتها خمسة لان الصورة لاتخلو اما ان تكون كلية او جزئية و الثانية لاتخلو اما ان تكون عامة او خاصة و الثانية لاتخلو اما ان تكون اصلية او منتزعة و الثانية لاتخلو اما ان تكون بواسطة الحس المشترك من المحسوسات الجسمية ام لا و هنا قسم آخر لمقام حكم الامضاء مشروح العلل مبين الاسباب فالصورة الكلية هي القوة العاقلة و الجزئية العامة الاصلية هي القوة الذاكرة اي الصور العلمية و الجزئية الخاصة الغير المنتزعة من المحسوس او الاعم هي القوة الواهمة و الجزئية الخاصة المنتزعة هي القوة الخيالية و الخامسة هي القوة الفكرية و هذه كلها و ان كانت جهات النفس و العقل الا انها لما كانت متمايزة مختلفة الآثار متعددة الشئون و الاطوار لما ظهرت في عالم الاجسام خرجت متمايزة فان المناسبة بين الروح و الجسم و المظهر و الظاهر مما لا بد منه و لما كانت هي جهات الادراك و الشعور و الاحساس يجب ان يكون في مبادي الاجسام و لما كانت هي جهات العقل و النفس و تفاصيلهما يجب ان تكون تحت مرتبتهما و لما كان العرش و الكرسي مظاهر العقل و النفس فتكون الافلاك الخمسة مظاهر هذه الجهات و لما كانت هذه المذكورات مظاهر التدبير في السفليات و آلات التمكين و متمم ( تتميم خل ) القابليات فلايستقر ( فلاتستقر خل ) هذه الاشياء و الامور في [ص 29] السفليات الا بعد تتميم وجوداتها و اكوانها و لاتتم ( لايتم خل ) ذلك الا بالمادة و الصورة يجب ان تكون في العلويات مبدء لهذين الامرين فتكون الافلاك سبعة و لما كانت المادة جهة الفاعل المتحققة بحرارة التكوين يجب ان تكون مبدءها مثالا للفاعل و هيكلا له و عرشا لاستوائه فيكون حارا يابسا بالطبع و التأثير و لذا كانت نطفة الرجل التي هي المادة حارة يابسة و لما كانت المادة هي اصل الشيء و لبه و كل ما سواه ( سواها خل ) يتعلق ( مما يتعلق خل ) به قشور و اعراض لها سواء كان من محال المشاعر ام غيرها يجب ان يكون مبدء المادة ان يكون ايضا في الوسط و اللب الاتري القلب و الحرارة الغريزية في الوسط و اللب و كل البدن من القوي و المشاعر و الآلات تدور عليها و هي تدور علي الدم الاصفر الذي يدور علي البخار المتعلق به في تجاويف القلب و لما كانت المادة انما تربي و تنشأ في بطن الصورة و هي المربية لها بتقلباتها و اطوارها و احوالها و قد قلنا ان الصورة لما كانت جهة الارتباط تقتضي الرطوبة يجب ان تكون الرطوبة التي للصورة ضعف الحرارة التي للمادة في العقد الاول مرتين و في الثاني مرة واحدة فاحتياج السفليات الي الرطوبة و البرودة اللتين بهما قوام الصورة اشد و اكثر و اعظم فيجب ان يكون مبدءها اقرب المبادي اليها ليستمد منها اكثر فيكون الفلك الخاص بها آخر الافلاك و لما كانت القوة العاقلة آخر ما تظهر في الشيء فيكون ابعد فيكون اول الافلاك و تحته الصور العلمية و تحته القوة الوهمية لانها اشد احاطة و اكثر سعة من الخيالية و في الرابع هو الاصل و اللب الذي به ( فيه خل ) قوام هذه الافلاك ثم [ص 30] القوة الخيالية ثم القوة الفكرية لانها تركيب الصور و تأليفها فتكون بعد وجودها ثم العلة الصورية في العوالم السفلية و لما كان القمر هي علة الرطوبة و البرودة لاستناد الرطوبات اليه و وقوع المد و الجزر بسببه و قد سمعنا ان اهل الافرنج يصيغون زجاجة اذا وضعت في القمر تمتلي ماء كالبلور الذي اذا وضع في الشمس تحدث منه النار و تحرق ما يحاذيه و يقابله فيكون القمر آخر السبعة و الفلك الثاني فلك عطارد و هو فلك الفكر لما قلنا انه بعد تحقق المجموع و الفلك الثالث فلك الزهرة و هو فلك الخيال و الرابع فلك الشمس و هو فلك الوجود و مظهر العلة الفاعلية و المادية فبجسمها تمد الافلاك الاخر امداد المعلم المتعلم و بروحها تمد ارواحها و باشعتها تمد الاجسام السفلية امداد المؤثر للاثر و بالافلاك تمد قوي الاجسام السفلية كما تمد الافلاك من قوي الارواح الغيبية الظاهرة فيها و الافلاك تدور فوقها و تحتها فتمد فلك زحل من ذات العقل و القمر من صفته و تمد فلك المشتري من ذات النور الاخضر و عطارد من صفته و تمد فلك المريخ من ذات النور الاحمر و الزهرة من صفته فدارت الافلاك المستمدة منها في مقام الصفة تحتها و الافلاك المستمدة منها في مقام الذات فوقها للفرق بين مقامي الذات و الصفة و اثريهما و الا فالكل تحت الشمس و الاحاطة احاطة القشر باللب و الجسد بالقلب فافهم و الفلك الخامس فلك المريخ فلك الوهم و الفلك السادس فلك المشتري فلك العلم و الفلك السابع فلك زحل فلك العقل و العرش و الكرسي هما البابان الاعظمان فالعرش باب باطن غيبي و [ص 31] الكرسي باب ظاهر تفصيلي اجمالي و بهما يفاض علي الاجسام السفلية و الافلاك السبعة مظاهر تفاصيلهما فظهرا بالعلية في الشمس و بالعلية القابلية في القمر و بالحدود المعنوية في زحل و الشخصية العامة في المشتري و الشخصية الجزئية الغير المحسوسة في المريخ و الشخصية الجزئية المحسوسة بتوسط الحس المشترك في الزهرة و بالتاليف و التركيب و تحصيل النتيجة في عطارد فلذا ترتبت الافلاك و الكواكب علي هذا المنوال فافهم .
فان قلت لم اختصت الشمس بالنور و الضياء و استنارة الكواكب كلها منها ،
قلت لانها مجمع الانوار الاربعة الغيبية التي هي العرش قد ظهرت فيها دون غيرها لكونها مبدء الاكوان و منبع الاعيان و وجه الرحمن قال الله تعالي خلق سبع سموات طباقا و جعل القمر فيهن نورا و جعل الشمس ضياء لانها وجه الفاعل الذي بنوره اشرقت السموات سموات المقبولات و العقول و المجردات و ارض القابليات و الحدود و التعينات فظهر الفاعل فيها بنوره الجسماني المعروف لشهادة التطابق و حكاية التوافق و لهذا اذا نظرت الي الشمس تحت حجاب اسود تري فيها الوانا مختلفة و انما كانت الشمس مختصة بهذه المظهرية لانها مربية للوجودات الثانوية و مدبرة للمواد و هي الاصل في كل ما سواها و هي وجه رب العباد و جهة الواحدية فغلبت الحرارة و اليبوسة و اشتدت و كثرت و ظهرت بذلك الجرم فاشتعلت و خرجت معلنة بالثناء و قائلة الله نور السموات و الارض فانطبق الظاهر بالباطن و اما الكواكب الاخر فهي مربية [ص 32] لجهات القابلية و حدود المهية و متممات للعلة الصورية فاستمدت منها و نظرت اليها و هي امدت الكل بما يخصه و يناسبه كما ذكرنا لك آنفا فراجع و تفهم .
فان قلت ما هذه الكدورة التي علي وجه القمر ،
قلت انهم ذكروا في تحقيقها وجوها كثيرة كلها جارية علي الاصول الغير المحكمة و انا ان شاء الله تعالي اذكر لك حقيقة الامر ما اسعدك لو وفقت ( وقفت خل ) لفهم ما اقول فاقول سئل اميرالمؤمنين عليه السلم عن الملأ الاعلي فقال عليه السلم صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي بها ( لها خل ) فاشرقت و طالعها فتلألأت و القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ه ، و قد قلت لك ان القمر مبدء العلة الصورية و هو مثال يحكي مثال المثل الاعلي قد ظهر له به في عالم الاجسام علي تمام الصورة الكاملة فكان هو محو آية الليل و هي الصورة قال الله تعالي و جعل لكم الليل لباسا و قال تعالي هن لباس لكم و انتم لباس لهن فكان القمر حاملا لذلك المثال اذ به تتمايز الاحوال في المبدء و المآل و اما سائر الكواكب فكلها علي ذلك المثال الا انها قد خفي لكون كل منها يحكي ( تحكي خل ) جهة من جهات . . .
( الي هنا كان في النسخ )