[ص 1] فايدة في بيان الوجود و الماهية و حكمة الاحكام الخمسة الشرعية
[ص 2] فايدة في بيان الوجود و الماهية و حكمة الاحكام الخمسة الشرعية
[ص 3]فايدة في بيان الوجود و الماهية و حكمة الاحكام الخمسة الشرعية
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 4] ( بسم الله الرحمن الرحيم )
فائدة اعلم ان الله سبحانه لما خلق الذوات و الحقايق حسب اقتضاء كينوناتها و قابلياتها و استعداداتها فاجتمع فيها بحران بحر هو نفس القابلية و الاستعداد و بحر هو نفس المقبول المفاض من المبدء الاول و البحر الثاني خلاف البحر الاول في جميع ما لهما من الاقتضاءات و الدوران فكان هذا عذب فرات سائغ شرابه و هذا ملح اجاج و بهما تمت الكينونة و لما كان الاقتضاءان باقيان بحالهما مع الامتزاج و الاتصال يتعاقب احدهما اقتضاء الآخر اذ لايمكن في حال واحد ظهور اقتضاء الاثنين و كانا محتاجين فقيرين الي وجه مبدئهما لامكانهما و الا لكانا واجبين و الا لكانا عدمين و كان كل محتاج محدث لايتقوم الا بمدد الله سبحانه امد الله سبحانه كلا منها مما هو من سنخه من المدد فانقسم المدد الي المدد النوراني و الي المدد الظلماني اذ لولاه مطلقا لانعدم و لولا الظلماني للظلماني و العكس للعكس لماتقوم لمكان عدم القبول الذي هو مما لا بد منه في تحقق الشيء الاتري لو امدت الرطوبة باليبوسة و العكس حين كونهما باقيتان ( باقيتين خل ) علي حالهما لميقبلا و الا لمتكن الرطوبة رطوبة و لا اليبوسة يبوسة هف و امداد الحق سبحانه اياهما عبارة عن ايجاد افعال يناسبهما من الخيرات و السيئات اذ لو اوجد المقتضي و لميترتب عليه مقتضاه لميضع الاشياء في مواضعها اذ من الوضع في الموضع ترتب الاثر علي المؤثر و اللازم علي الملزوم و المقتضي علي المقتضي و امثال ذلك و لعاد الايجاد خلافا بلا ثمر زايدا علي كونه قبيحا [ص 5] لعدم تحقق الاختيار فانه انما يتحقق عند وجود الميلين المتضادين و وجود ما يميل اليه فلو تركه لعدم وجوده لكان مضطرا هف و لو لميوجد المقتضي للسيئة من اصله لميتحقق المقتضي للطاعة فهو انما هو للتمكن منها فثبت بالبرهان لزوم وجود المقتضيات المتضادة و لزوم وجود المقتضيات كذلك فالانسان او الشيء للاختيار الحاصل من اقتران احد الميلين المتضادين مع الآخر ان مال الي مقتضي الحسنات و الطاعات المقصودة بالذات في الايجاد و الانوجاد قد حيي و نما و ترقي و سار الي مبدئه سيرا ذاتيا حقيقيا و دار علي وجه علته دورة نورية متوالية فيقوي للكون و يليق لازدياد النور و ان مال للاختيار المستجن في حقيقته الي مقتضي المعاصي و السيئات المقصودة بالعرض لاظهار المقصود بالذات مات و هلك و سار الي مبدئه سيرا معكوسا و دار دورة علي خلاف التوالي حتي هلك و وقع في سجين و اسفل السافلين الذي هو الهلاك الاكبر و الموت الاعظم نعوذ بالله منه و لما كان الانسان في سيره النزولي هبط الي جماد التراب مظهر اسم الله المميت ثم حيي منها في القوس الصعودي التكويني لا الاسمي التشريعي لميلتفت الي عوالمه و اشتغل بعالم الاسفل الادني اتستبدلون الادني بالذي هو خير فلذا سميت الدنيا ( دنيا خل ) دنيا فنسوا ما رأوا في عالمهم الاول من العوالم الغيبية الشهودية مما اراهم الله تعالي في عالم الذر حين ما كشف عن ملكوت فلك البروج و اراهم مقتضي الطاعات و الحسنات و كشف عن اسفل الثري سجين اسفل السافلين و اراهم مقتضي المعاصي و السيئات و جهلوا مصالحهم عن [ص 6] مفاسدهم و منافعهم عن مضارهم فارسل الله تعالي لطفا منه و فضلا اكمالا للنعمة و اتماما للحجة و ايضاحا للمحجة شريعة قوية محكمة متقنة بواسطة رسل مستحفظين و امناء مستخلصين معصومين من الزلل منزهين عن الخطا و الخلل فارشدوا الخلق الي مقتضاءات ( مقتضيات خل ) الميلين الميل الذاتي و الميل العرضي فامروهم بارتكاب مقتضي الميل الاول و اجتناب مقتضي الميل الثاني المجتث بعبارة واضحة صحيحة صريحة و مانبهوهم الا بالتلويح علي العبارة الحقيقية لعدم احتمالهم و ان كان لا اختلاف بينهما الا بالعبارة و الا فالمراد واحد و لذا قلنا ان ظاهر الشريعة مطابق و موافق لما عليه باطن الطريقة في الحقيقة فجعلوا عليهم السلم جميع الافعال الممكنة الصدور عن الانسان علي خمسة اقسام لان الافعال و ( هو خل ) ظهور مقتضي الميلين و مددهما و لذا لايمكن للانسان ان يكون خاليا عن كل فعل لان الله سبحانه انما جعل الافعال و الاعمال سببا و وصلة و تيسيرا لما خلق و الانسان لايقف عن السير ابدا فجعلوا الافعال التي في تركها الاضمحلال و الفناء الدائمي الابدي الذي هو الهلاك الاكبر الا ان يمنعه مانع اقوي واجبة و هو الذي تركها تعدم جهة الوجود و تقوي جهة الماهية و تسد طريق الجنة و تفتح باب النيران و الافعال التي في فعلها قوة و نشاط لجهة الوجود و تصفية و تزكية للقوة النورانية المستلزمة لازدياد اشراق شمس الفيض الابدي عليها و لكن ليس في تركها اضمحلال تلك الجهة بالكلية بحيث تبقي ظلمة محضة مندوبة مستحبة و هي التي ليس في فعلها مدخلية لاصل تحقق تلك القوة النورية بل انما [ص 7] هي لصفائها و زيادة نورانيتها و لذا لايترتب عليها الاثر و الحكم بدون الافعال الواجبة كالذي يترك الفريضة و يفعل النافلة فلذا استحبت لان تلك الافعال الواجبة غناء عنها و ليس لها غناء عنها و لا بعد ان تجعل المستحبات من الآثار و الاشعة بالنسبة الي الفريضة و تشير اليها اكثر الاخبار و ان لمتكن بالتصريح و الافعال التي في فعلها اضمحلال تلك الجهة الاولية الاصلية و اعدامها كالسم الذي يشربه الرجل الصحيح البنية قوي البدن يهلك في ساعته فيهلك بها الانسان بالهلاك الابدي الدائمي السرمدي الا ان يمنعه مانع اقوي منه كفضل الله و شفاعة الشافعين محرمة و هي التي تركها يقوي جهة الوجود و يضعف جهة الماهية و الافعال التي في فعلها قوة جهة الماهية و نشاطها و ليست بمتأصلة بحيث تزاحم جهة النور وحدها من غير المحرمات ضد المستحبات مكروهة و الافعال التي لايقوي هذه الجهة و لا تلك و انما هي برزخ و واسطة بين الامرين مباحة فتمت الشرايع كلها بهذه الاحكام الخمسة و كما انك اجريت هذه الامور الخمسة من جانب الوجود و جهة النور لك ايضا ان تجعلها من جانب الظلمة الميل العرضي و لما كان الانسان لكونه في هذه المرتبة الدنية الدنيوية و مشتغلا بها جاهلا و ذاهلا عن تلك الافعال بينوا الافعال الواجبة بعضها باعطاء الاصل الكلي و القاعدة الكلية يستخرج منها جميع جزئياتها و بعضها بالخصوص و الشخص الجزئي و كذا المحرمات و كذا المندوبات و كذا المكروهات و عرفوا المباحات بما سوي ذلك و العبارة الصحيحة ( الصحيحة الصريحة خل ) الظاهرة هو ان تقول ان الله تعالي خلق [ص 8] الارواح و جعل قوام الارواح و اسباب ترقياتها و تنزلاتها الاعمال كما خلق الاجساد و جعل قوام وجودها و بنيتها و اسباب ترقياتها و تنزلاتها انواع العقاقير و الادوية فكما ان الانسان يحتاج في ابقاء البنية الجسدانية الي الاكل و الشرب المعهود في كل يوم و ليلة و الي ادخال الهواء في الجوف و اخراجها جديدا و امثال ذلك من الامور التي لها دخل في حيات الانسان بحيث لولاها لمات اي لانعدم الجسد و لارتفعت العلاقة بينها و بين الروح في الظاهر فكذلك الارواح قوام وجودها و بنيتها عن العدم الاعظم و الهلاك الاكبر يتوقف علي بعض الاعمال بحيث لولاها لانعدمت لذلك ( بذلك خل ) المعني فهي الواجبات في الشرع و كما ان الانسان يستعمل لاصلاح معدته و تصفية دمه بعض الادوية و هي لمجرد القوة و زيادة النشاط و الا فاصل الحيوة مستغنية عنها فكذلك الارواح لا بد لها من اعمال تصفيها و تزكيها و تزيد نورها و بهاؤها و سناؤها و قربها الي مبدئها و ان لمتكن لها دخل في اصل تحقق الحيوة الحقيقية فهي المندوبات و المستحبات و كما ان الانسان يجب عليه لابقاء بنيته الجسدانية ان يجتنب عن بعض الامور من العقاقير و غيرها كشرب السم و اكل الترياق الكثير و اكل سم الفار و شرب المشروبات المهلكة و وقوعه عن السطح العالي او في النار و كونه تحت الجدار و امثال ذلك من الامور كذلك الارواح ايضا لا بد في حفظ صحتها و دوامها و بقائها و عدم هلاكها بالمعني المذكور من الاحتراز عن بعض الاعمال كالزنا و السرقة و اللواط و امثالها من الامور المقررة في الشرع فهي [ص 9] المحرمات و كما ان الانسان يجتنب عن اكل بعض الاشياء في بعض الاوقات او كل الاوقات لاحتمال ان تكون مورثة لبعض الامراض او لكونه يزيد بعض الكدورة في البدن كطول المكث في الحمام و في الماء الحار و الجماع علي الشبع و دخول الحمام علي الشبع و دخول الخلا مكشوف الرأس و امثال ذلك من الامور و كذلك الارواح ايضا لا بد في حفظ صحتها و عدم تحقق الكدورات و الكثافات الباطنية المعنوية من الاحتراز عن بعض الاعمال التي لا دخل لها في اصل الحيوة او الهلاك بل انما لها دخل في تحقق الكدورة و الكثافة فيها كالبول في الماء و امثال ذلك فهي المكروهات و يعلم مما ذكرنا امر المباح علي التفصيل و ليس لي الآن اقبال علي التفصيل و اعلم ان الاحكام الجسدانية قد يشترك فيها الارواح و الاحكام الروحانية قد يشترك ( تشترك خل ) فيها الاجساد فالنسبة بينهما عموم و خصوص من وجه ثم ان المراد من الارواح ما وراء الجسم فيشمل جميع العوالم الغيبية من البرزخية و الملكوتية و الجبروتية و الرقايقية و اما عالم اللاهوت فلايجري فيه هذه الاحكام الخمسة لكون هذه الاحكام في مقامات الشعور و الادراك مقام الفصل و الفرق و اما في ذلك المقام مقام الوصل و الجمع و مقام ظهور الحق للخلق بالخلق و التجلي الخلقي و البروز المثالي الحادثي لا الظهور القديمي الازلي كما توهمه بعض القاصرين فاين الكلام و اين الحس و الشعور في ذلك المقام و لذا قال مولينا الصادق عليه السلم حين قال اياك نعبد و اياك نستعين في الصلوة و كررها فوقع مغشيا عليه قال عليه السلم لازلت اكرر [ص 10] هذه الآية حتي سمعت من قائلها ، فكيف يقدر علي الصلوة و كذا كان حال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم في اغلب الاوقات و السلام علي تابع الهدي . هذا مجمل الكلام و هنا مقامات اخر تركتها لعدم احتمال الناس و لادائه الي الاطناب و التطويل و لعدم الاقبال التام اليها ايضا و لكن ما ذكرنا غنية للطالب المستبصر و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و كتب مؤلفها العبد الفاني ابن محمدقاسم محمدكاظم الحسيني الموسوي اوتيا كتابهما بيمينيهما حامدا مصليا مستغفرا في مشهد مولينا الحسين عليه السلم في ١٢٣٢ .
[ص 11]