قال سلمه الله تعالي : و ان تبين لي السلسلتين الطولية و العرضية .

اقول اعلم ان السلسلة الطولية هي مراتب الموجودات في العلية و المعلولية و معني ذلك ان السافل شعاع العالي كالشعاع للسراج و تنحصر هذه المراتب في ثمانية الاولي الحقيقة المحمدية و هي شجرة الخلد و علي عليه السلم اصلها و فاطمة فرعها و الائمة عليهم السلم اغصانها الثانية حجاب الكروبيين و هم قوم من شيعة آل‌محمد عليهم السلم من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم و لما سئل موسي ربه ما سئل امر رجلا منهم فتجلي له بقدر سم الابرة فدك الجبل و خر موسي صعقا و عدد هؤلاء [ص 19] الملائكة مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الفا لان كل ملك مربي نبي من الانبياء الثالثة الانسان اي الرعايا و هؤلاء انما خلقوا من شعاع الانبياء عليهم السلم و هم باب فيضهم و امدادهم من الله عز و جل الرابعة الملائكة غير العالين و الكروبيين و هم انما خلقوا من شعاع نور الانسان و هم حملة التدابير المتعلقة بالانسان و غيرهم بعد ان نزلت من الخزائن العليا الي الحقيقة الانسانية فنزلت في اطوارها و شئوناتها بتلك الملئكة و لذا قال صلي الله عليه و آله ان رجلا من شيعة علي عليه السلم افضل من جبرئيل و هو سلمن و دلت الاخبار ان الشيعة قد سبقت الملائكة في التقدس و التسبيح ( التسبيح و التقديس خ‌ل ) و التهليل كما سبقوا عليهم السلم شيعتهم الخامسة الجان المخلوقون من نار الشجر الاخضر الذي خلق من فاضل طينة الانسان كما عن الصادق عليه السلم السادسة البهايم و حشرات الارض من الحيوانات و السابعة النباتات كانواع الاشجار البرية و البحرية و البرازخ و الثامنة الجمادات من العناصر و المعادن و ساير المركبات و هذه المراتب انما يقال لها الطولية لوقوع كل واحدة ( واحد خ‌ل ) منها تحت رتبة الاخري بحيث لا ذكر لها عند من هو اعلي منها كالشعاع بالنسبة الي السراج فلايلحق السافل العالي و ان صعد و ترقي الي ما لا نهاية له لان له مقاما معلوما لايتعداه و لايتجاوز عنه و لذا ورد في الزيارة فبلغ الله بكم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقربين و ارفع درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق و لا يفوقه فائق و لايطمع في ادراكه طامع و لذا حرم علي الرعية تمني مرتبة الانبياء و علي الانبياء تمني مرتبة [ص 20] الائمة عليهم السلم و لذا لما خطر علي قلب آدم ابينا عليه السلم ذلك عوتب و اخرج من الجنة حتي تاب مع ان الخطور كان خطورا عمليا لا علميا و الا لعصي و فعل المحرم و ليست هذه الحرمة و هذا النهي الا من جهة ان كل واحد شعاع و اثر للآخر فلايمكن اللحوق الي مرتبة المؤثر و الا لجاز لاحد تمني رتبة الالوهية او ادعاء معرفة الذات المقدسة تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فافهم راشدا و اما السلسلة العرضية فهي ما تجمع الكثيرين حقيقة واحدة ظاهرة في الاطوار و التعينات فاذا نظرت الي الحقيقة تري شيئا واحدا و اذا نظرت الي الاطوار و التعينات و الافراد تري امورا كثيرة و ظهور تلك الحقيقة في تلك الافراد علي السواء و انما تختلف الافراد في القوة و الضعف و الرقة و الغلظة بالقابليات فيصح للكثيف تمني رتبة الشريف و للضعيف تمني رتبة القوي لا بمعني الحسد بل يستحب له ذلك و تلك نفس تلك المراتب المتقدمة لا بالنظر الي الاعلي و الاسفل كالانبياء فان لهم حقيقة واحدة قد ظهرت في مائة‌الف و اربعة و عشرين‌الف هيكل مختلف و كالانسان فانه حقيقة واحدة قد ظهرت في الافراد الغير المتناهية بدوا و عودا و كذلك الحيوانات و النباتات و الجمادات و هذه الافراد تترقي و تصعد و تزيد نموا و قوة و صفاء و جدة و شبابا و لكنها في مقامها لايتعداه فتستدير ( و تستدير خ‌ل ) بالعرض و الوضع كرة صحيحة الاستدارة و لا انقطاع لهذا السير و هي في مرتبتها و مقامها كما اخبر الحق سبحانه عنهم بقوله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و لكنها تتزايد شرفا الي ما لا [ص 21] نهاية له كما قال عز و جل في الحديث القدسي حديث الاسرار و كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية انظر الي الجماد فانه تصفو اما بالمعالجة او بالفطرة الي ان تبلغ رتبة الاكسيرية ثم اذا زاد سقيا يزداد عملا و تأثيرا الي ان يطرح المثقال في الف‌الف و هكذا الي ما لا نهاية له لكنه جماد لايبلغ مقام النبات ابدا فحركته في العرض و لو كان في الطول لوصل الي النبات و هو الي الحيوان و ما تري في الانسان انه كان نطفة ثم اخذ في النمو بالروح النباتية الي انتهاء حد النباتية ثم صار حيوانا ثم صار انسانا و ذلك ليس من الحركة في الطول و انما هو ظهور المراتب الكامنة او المشرقة علي تلك القابلية ( القابليات خ‌ل ) فلو فصلت الانسان بالفؤاد رأيت كل مرتبة منها في مقامها لم‌يتعدها ( لايتعداها خ‌ل ) نعم ظهرت كل مرتبة اذا تم نضج البنية كالجدار الذي يظهر نور الشمس عليه و ليس الجدار و الشمس او النور من حقيقة واحدة و لا ان الجدار صار نورا فاذا فصلتهما يعود كل منهما الي اصله و لذا اذا غربت الشمس لم‌تجد نورا علي وجه الارض و كذلك الروح الحيوانية اذا فارقت لم‌تجد حركة و لا اقتضاء و لا طلبا لا فرق بين الجسد الملقي بعد مفارقة الروح و بين الحجر و هذا لا اشكال فيه فالموجودات في رتبتهم في السلسلة العرضية يسيرون الي ما لا نهاية له من مبدء تكوينهم الي ان ظهروا في الدنيا الي ان يرتحلوا الي الآخرة الي ما شاء الله من ابد الآبدين ( الابد خ‌ل ) و دهر الداهرين ( الدهور خ‌ل ) و اذا اردت ان تعرف كليات المراتب في السلسلة العرضية في كل شيء من الاشياء فاعلم ان الشيء لما بدء من فعل الله [ص 22] سبحانه لايكمل و لايتم الا بعد اكمال القوسين الصعودي و النزولي اما النزولي فلصيرورته جامعا مملكا و اما الصعودي فلاظهار تلك المراتب و بلوغه الي غاياتها المقررة له فلولا النزول لم‌يتم الصعود و لولا الصعود لم‌يكمل الشيء فاول المبدء هو الوجود و يعبر عنه بالفؤاد فلما خلقه الله سبحانه تعين و تركب فحصل من اول تركبه و تعينه العقل الكلي في العالم الكلي و الجزئي في العالم الجزئي ثم استنطقه الله سبحانه فقال له ادبر فادبر فاول ما ادبر مقبلا علي الخلق الي مقام الارواح ثم الي مقام النفوس عالم الذر تمام الخلق الاول من عالم الغيب ظهور الشيء الغيبي مشروح العلل مبين الاسباب ثم الي مقام الطبيعة الكسر بعد الصوغ الاجمال بعد التفصيل المزج بعد الامتياز ثم الي مقام المادة تمام الكسر و جوهر الهباء و ظهور الحصص و الذر من غير الامتياز ثم الي مقام المثال و الصورة و الشبح و الظل بدن نوراني لا روح له ثم الي مقام الجسم المركب من المادة و الصورة ثم الي مقام العرش الفلك الاطلس المحيط بالعالم الجسماني كله فلك الافلاك ثم الي مقام الكرسي الظاهر بالكواكب ثم الي فلك البروج الاثني‌عشر ثم الي فلك المنازل الثمانية و العشرين ثم الي فلك الشمس ثم منها الي زحل و القمر ثم منها الي المشتري و عطارد ثم منها الي المريخ و الزهرة ثم الي كرة النار ثم الي كرة الهواء ثم الي كرة الماء ثم الي كرة الارض و الي هنا تمت مراتب الادبار ثم امر الله سبحانه بالاقبال فقال له اقبل فاقبل فاخذ في الصعود فاول ما صعد الي مقام الجماد مبدئه البخار و الدخان [ص 23] و السحاب و المطر و التيام الاجزاء الاربعة من العناصر علي وزن معلوم مقدر معين و المزج التام ليكون المجموع شيئا واحدا و يتحقق الجماد في اول المزج ثم الي مقام المعدن و هو مقام النضج بعد المزج اي النضج الاول ثم الي مقام النبات ثم الي مقام الحيوان ثم الي مقام الجن ثم الي مقام الملائكة ثم الي الانسان و في هذا المقام تظهر المراتب المتقدمة النازلة كلها و يظهر العقل المتنزل المدبر المقبل ثم في الكلي الي مقام القطب الغوث الجامع الكلي و مقام ظهور النفس الملكوتية الالهية ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لم‌يشق ابدا و من لم‌يعرفها ضل و غوي و هذا المقام هو تمام بلوغ البدو الي العود و الاول بالآخر و الآخر بالاول و هو مقام قاب قوسين ثم منه يصعد الي مقام اعلي و هو تلك اللطيفة الالهية و هي ( هو خ‌ل ) مقام اللانهاية و ليس لها مقام اعلي منه لانها نهاية ذكره و مبدء ذاته فلايتعداها ابدا و انما يسير في هذه الرتبة بلا نهاية و لا غاية لها و هي في كل مقام يطلب ( تطلب خ‌ل ) اعلي من مرتبتها فلاتصل اليها و تدور علي نفسها سايرة الي اعلي منها و هي في مرتبتها و مقامها فالحق سبحانه دائم التجلي عليها في مقامها بنفسها فلايلحق الي اعلي منها و هذا السير لا انقطاع لها و انما كررت العبارة لاجل التفهيم و قد ذكرت لك السلسلتين باوضح بيان فتفهم راشدا و ليس لي الآن قلب لاشرح مراتب تينك السلسلتين علي كمال التفصيل و فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية و اما الحقيقة فاعلم ان لها في اخبار اهل البيت عليهم السلم اطلاقات الاول [ص 24] حقيقة الشيء من ربه التي بها كينونته و تأصله و لها تعبيرات في اخبارهم عليهم السلم منها الروح كما قال تعالي لآدم علي ما في الكافي روحك من روحي و طبيعتك خلاف كينونتي ، و هذا الروح روح مخلوقة وجه الله سبحانه في خلقه و منها الحقيقة كما في حديث كميل في سؤاله لامير المؤمنين عليه السلم ما الحقيقة فقال عليه السلم ما لك و الحقيقة قال كميل اولست بصاحب سرك قال عليه السلم بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني قال اومثلك يخيب سائلا قال عليه السلم كشف سبحات الجلال من غير اشارة الحديث ، و منها النور كما في قوله عليه السلم اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قال عليه السلم في تفسيره يعني من النور الذي خلق منه و منها الاب كما في رواية مولينا الصادق عليه السلم ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة و قد نطلق عليه الوجود و المادة و الوجه و الفؤاد و العلم و المحبة و التجلي و الظهور و الامر المفعولي و السر و اللب و المثال كما قال عليه السلم صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و قال ايضا عليه السلم اذا تجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة فاستأنس في ظلال المحبوب فآثر محبوبه علي ما سواه و باشر اوامره و نواهيه و هنا اطلاقات اخر و قد نطلق عليها المفعول المطلق و المصدر و الاثر و الخطاب الشفاهي و النقش الفهواني و النفس الرحماني الثاني و عالم [ص 25] المعاني و اللب الانساني و نور الانوار و حقيقة الحقايق الي غير ذلك من الاطلاقات و المراد بهذه الحقيقة هو اثر فعل الله سبحانه و اول ما تعلق به المشية الكونية بالاصالة مطلقا او بالنسبة الي مراتبه النازلة و نسبته الي فعل الله سبحانه نسبة المصدر الي الفعل فان الضرب هو الاثر الحاصل من ضرب فاشتق منه الضارب و المضروب لانك اذا لاحظت فيه ظهور المبدء يكون مثالا حاكيا عنه كالصورة الحاكية للمقابل في المرآة فمن هذه الجهة تشتق ( يشتق خ‌ل ) منه اسم الفاعل فهو في هذه الحالة مثال و صورة لا ذكر لشيء غير المبدء فيه و هو اذن صفة و اسم و لا نعني بالاسم و الصفة غير هذا كما قال عليه السلم ان الاسم ما انبأ عن المسمي و قال الرضا عليه السلم الاسم صفة لموصوف و اشار عليه السلم الي هذا الذي ذكرنا بقوله كشف سبحات الجلال من غير اشارة و يريد عليه السلم بذلك محو اعتبار غير المبدء ليتمحض في الوصفية و الاسمية فبهذا الاعتبار نسبه سبحانه الي نفسه و سماه روحه فهو اذن منتف الجهات و الحيثيات لان الكثرة من لوازم الاثنينية و هي انما تتحقق بتغاير الصفة فاذ لم‌يكن الغير لم‌تكن الاثنينية فتنتفي ( فينتفي خ‌ل ) بذلك كل جهة و حيثية و اذ لا جهة و لا حيث فلا كيفية فلا حد و لا وضع فلم‌يبق الا صرف المثال الدال علي الحق و لله المثل الاعلي و ليس كمثله شيء و هذا هو الوجه الاعلي من الاثر فاتقنه تجد ما لاتحيط به العبارة و الوجه الثاني مقام كونه اثرا و مفعولا مطلقا فهو حينئذ مادة للشيء و مدلول خطاب كن قبل تحقق يكون اي المصدر قبل الوقوع المتحقق به المفعول به و هو مس النار للدهن [ص 26] في السراج و الكسر قبل الانكسار في اللحاظ في رتبة الذات و هو في الوجه الاول صفة التوحيد و في الوجه الثاني معاني الاسماء و الصفات و مظاهر التجليات و ذكر الحيثيات لظهور بدايع فاطر الارضين و السموات و هذان الوجهان نطلق ( تطلق خ‌ل ) عليهما الحقيقة من ربه فاذا وجدت في كلمات مولينا و استادنا اطال الله بقاه و جعلني فداه الحقيقة من ربه فاحمله علي احد المعنيين المذكورين و المايز قرينة المقام و لكن الاغلب هو الوجه الاول الاعلي الثاني حقيقة الشيء من نفسه و يطلق عليها في اخبار اهل البيت عليهم السلم الأم و الحجاب و الظلمة و المجتث و العدم و الباطل و الجهل و المثل السوء و السجين او قبضة من سجين و الماء المالح الاجاج و العمل و الامل و القابلية و ارض الجرز و امثالها من التعبيرات و المراد بها جهة الانية و حدود الصورة و مقام الانفعال و الانوجاد فان الله سبحانه لما اوجد الخلق انوجد فالوجود في اوجد هو الحقيقة الاولي و الانوجاد الحقيقة الثانية فلولا الثانية لم‌يظهر الاول بل لم‌يوجد و لولا الاولي لم‌تكن الثانية فهما متساوقان في الوجود كل واحدة شرط تحقق الاخري و قيام احديهما بالاخري قيام تحقق و لما كانت الاولي وجه الله سبحانه و جهته كانت الانوار تنسب اليها و لما كانت الثانية جهة النفس و هي خلاف جهة الرب كانت الظلمات تنسب اليها فلهما حركتان ذاتيتان و حركتان عرضيتان فعند ذاتية كل تكون عرضية الاخري فلاتجتمع الذاتيتان للزوم التناقض في حال واحد فان احديهما تطلب الحق بالذات و الاخري الباطل بالذات فان مال [ص 27] الشخص الي الحق فتكون الحركة ذاتية للاولي و تتبعه الثانية بالعرض و كذلك بالعكس و لاتجتمع العرضيتان ايضا لعدم المانع للمجموع و الحاصل ان الثانية هي الصورة و الاولي هي المادة و الصورة هي المشخصات الستة التي هي الزمان و المكان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و هي الماهية و القابلية و كل واحد منها اجزاء لها و حدود و متممات للقابلية و الاولي نور واحد يتقدر بهذه الحدود فافهم ان شاء الله تعالي الثالث الشيء المركب منهما و هو الولد المتولد من الحقيقة الاولي التي هي الاب و الثانية التي هي الام و اول المركبات هي النفس الناطقة المعبر عنها بانا ثم العقل ثم الروح ثم النفس الي آخر المراتب المتقدمة في بيان السلسلة العرضية فراجع .

قال سلمه الله تعالي : مع تذييل الاجوبة بتفسير آية النور و حديث مصباح الشريعة بيانا واضحا شافيا مستنبطا من كلمات ائمة الدين عليهم السلم وفقك الله لادراك جميع الحقايق بحق محمد و آله الطيبين الطاهرين .

اقول اما آية النور فقد فسرها مولينا و مقتدانا و استادنا اطال الله بقاه و جعلني في كل محذور فداه بما يمكن بيانه من طرق الباطن و التأويل فلا حاجة الي اعادتها اذ ما كل ما يعلم يقال و لا كلما يقال حان وقته و لا كلما حان وقته حضر اهله .

و اما حديث مصباح الشريعة فانه سلمه الله تعالي يريد قوله عليه السلم فيه العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في [ص 28] العبودية قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ، الحديث . اعلم ان الربوبية صفة الرب جل و علا و هي علي ثلثة اقسام احدها هي الربوبية اذلامربوب لا ذكرا و لا عينا و هي صفة التوحيد الذي كماله نفي الصفات كما عن اميرالمؤمنين عليه السلم علي ما في نهج‌البلاغة و ثانيها الربوبية اذلامربوب عينا لا ذكرا و هي صفة الالوهية بل نفسها و الظهور الجامع لكل الصفات القدسية و الاضافية و الخلقية و ثالثها الربوبية اذمربوب ذكرا و عينا و هي صفة الرحمانية او نفسها و هذه المراتب الثلثة هي صفات فعلية ثابتة في مرتبتها و مستقرة في ظلها و لايخرج منها الي غيرها و لما ان الله سبحانه خلق الخلق لمعرفته و معرفة اسمائه و صفاته و الممكن لايمكنه الصعود الي الازل حتي يعرفه علي ما هو عليه و الازل لاينزل الي الامكان حتي يتمكن للممكن معرفة ذاته المقدسة و اسمائه و صفاته وجب في الحكمة بيان نفسه و توحيده و اسمائه و صفاته حتي ينتج الخلق نتيجته و يبلغ الممكن غايته من فيض القديم سبحانه و لما كان البيان علي قسمين بيان حالي شهودي عياني و هو اجليهما و اكملهما و اشرفهما و امنعهما و ادلهما و بيان مقالي وصفي لفظي و هو اضعفهما و المجموع اكملهما و اعظمهما وجب عليه سبحانه في الحكمة ان يعرف تلك المراتب بالبيان الشهودي الحالي لتكون حجته بالغة و آياته ظاهرة و انواره باهرة و ان يمن علي الخلق بالمقال ( بالمقالي خ‌ل ) لكمال الامتنان و تمام الاحسان وصف سبحانه نفسه للخلق بالبيانين و لما كان البيان كلما قرب [ص 29] الي المبين له كان اظهر و ابين و ادحض للحجة و المخالفة و ليس اقرب الي الشيء من نفسه اليه و حقيقته لديه جعل سبحانه نفسه اي المخلوق آية و صفة و دليلا علي توحيده و اسمائه و صفاته فالقي سبحانه اشباح تلك الربوبيات الثلثة في هويات الخلق و حقايقهم و ذواتهم ليستدلوا بالاولي علي توحيده و بالثانية علي استيلائه و استحقاقه للعبادة و بالثانية علي قهره و غلبته و حاجتهم اليه و استمدادهم من فضل كرمه و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلم فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و لما كانت الاشباح الملقاة في هويات الاشياء صفات تلك الربوبيات و ليست فيها جهة غيرها استحقت اسم اصلها فسميت تلك الاشباح و الامثال ربوبيات فاختصت كل مرتبة باسم موصوفها من الصفات الثلثة المتقدمة فقوله عليه السلم العبودية جوهرة كنهها الربوبية يريد عليه السلم بالربوبية صفة تلك الربوبية التي هي صفة الرب جل و علا و هذه الصفة ثلثة اقسام كما قلنا لك و هي حقايق الموجودات مع قطع النظر عن روابط الانيات و لوازم الماهيات فما فقد في العبودية من الغناء و الاستقلال و الوحدة المحضة البسيطة و امثالها وجد في الربوبية يحتمل ان يراد بها الصفة الثانوية لانها وجه الموصوف فلا فرق بينها و بينه الا انها عبده و خلقه و عدم الفرق في المعرفة و التعريف و التعرف فمن عرف القائم عرف زيدا مع ان القائم صفته و اسمه بينه و بين زيد بينونة صفة لا بينونة عزلة و يحتمل ان يراد بها الموصوف و المعني في كلا الاعتبارين واحد و ما خفي في الربوبية الاصلية في مقام [ص 30] كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف من احوال الغنا و العلم و القدرة و امثالها من الصفات الكمالية الذاتية و غيرها من الفعلية اما الفعلية الاولية فانها في خزانة الوجود الراجح استقرت في ظلها فلايخرج ( فلاتخرج خ‌ل ) منها الي غيرها و اما الذاتية فهي التي قد سد الغني المطلق باب معرفتها فلايعرف سبحانه الا بما وصف به نفسه لخلقه بخلقه فاذن ما خفي في الربوبية من المعرفة و التوصيف اصيب في العبودية حيث ان الله سبحانه القي في هويات العبيد امثلة صفاته و اشباح كينونات معرفته بتوحيده و اسمائه و صفاته فيظهر لهم بذلك ما خفي عنهم من الصفات التي يليق بجناب الرب عز و جل و هو قوله تعالي فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف و ذلك هو الوجه الذي من عرفه فقد عرف الله و قال عليه السلم من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال صلي الله عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و في الانجيل يا انسان اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا انتهي ، و يريد بالضمير المتكلم الظاهر بالكلام ( الكلام خ‌ل ) لا الذات البحت فانها لاتقيد بخطاب و لا تكلم و لا غيبة و الا اختلفت ( اختلف خ‌ل ) حالاتها و المتكلم صفة الربوبية و هي التي كنهه العبودية و بتلك الصفة عرف الله بالله كما قال عليه السلم اعرفوا الله بالله لان الشيء لايعرف الا بوصفه اللايق له فلايعرف الاحمر الا بالحمرة لا بالبياض و كذا بالعكس و كذلك الحق سبحانه لايعرف بالامكان و صفته فانهما لايجوزان لجنابه و لذا لما وصفه المشركون بصفات الممكنات نزه نفسه عنها و قال سبحان الله عما يشركون الا عباد الله المخلصين بل انما يعرف [ص 31] بصفته و تلك الصفة هي الاية و العلامة التي في انفس الخلايق و في الافاق و هي صفة الحق لايشبه شيئا من احوال الخلق و لا من صفاتهم و هي المثال و ليس كمثله شيء و هو قوله عليه السلم يا من دل علي ذاته بذاته اي دل علي نفسه بنفسه لا بغيره لان الممكن لدناءة مقامه لايعرفه فهو سبحانه بين نفسه لهم بنفسه اي لا بغيره بل بصفته و هي ذلك الوجه في حقيقة الشيء فان الذات تطلق علي ما يقابل الصفة و علي ما يقابل الغير و ان كان بالصفة و في هذا المقام يراد من الذات المعني الثاني لا الاولي ثم استشهد عليه السلم ( السلم علي قوله خ‌ل ) بقوله تعالي سنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و المراد بالاية هي العلامة و هي الاسم و الصفة و هي موجودة في حقايق النفوس و العالم الاكبر بها ظهر الحق سبحانه و عبد و انما اتي بالسين الاستقبالية في هذا المقام و لم‌يأت بها في قوله تعالي كل شيء هالك الا وجهه لان تلك الاية و الصفة و الدليل و ان كانت موجودة لكن لايوصل اليها الا بعد كشف سبحات الجلال من غير اشارة و محو الموهوم و صحو المعلوم و هتك الستر لغلبة السر فلايشاهدها المحتجب المنغمس في بحر الشهوات و الملتهي بعالم الكثرات و لذا اتي بالسين الاستقبالية ثم اشار سبحانه الي بقائها و دوامها و ظهورها في نفسها بقوله الحق الا انه بكل شيء محيط ، و قال عليه السلم في تفسيره اي موجود في غيبتك و حضرتك اي مع مشاهدتك بكشف الحجب و الاستار او غيبتك بالاشتغال بالكثرات و الغفلة عن الواحد من جميع الجهات و هو سبحانه و تعالي محيط بك بك و ناظر [ص 32] بك اليك و متجلي ( متجل خ‌ل ) لك بك و ذلك هو الاية و الدليل و صفة الربوبية او نفسها و شبحها للبيان و في هذا المقام تاهت الصوفية القائلين ( القائلون خ‌ل ) بوحدة الوجود حيث انهم قطعوا جهات انيتهم و وصلوا الي مقام هذه الاية و الصفة حسبوها اصلا و ذاتا فقالوا انا الله بلا انا و لم‌يدروا ان ذلك مثال و صفة ليعرف الخلق اياه سبحانه بها و لا فرق بين تلك الحقيقة و بين قول القائل لا اله الا الله في اللفظ اذ كما ان تلك الكلمة المباركة يدل علي توحيد الحق سبحانه مع انه لا توحيد فيها لا في اللفظ و لا في المعني المدلول عليه الموضع ( الموضوع خ‌ل ) له اللفظ بازائه و كذلك حقيقتك فانها تدل علي التوحيد مع انه خلق حادث لان الصفة من حيث هي و ان كانت اثرا للموصوف لكنها ليست فيها الا جهة الموصوف و ذكره فافهم الكلام فان ذلك من مزال الاقدام و كم زلت للاعلام فيه الاقدام و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم عصمنا الله بمحمد و آله الطاهرين و السلم علي تابع الهدي .