[ص 1]

رسالة في جواب الميرزا علي الاشرف

من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم

السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي انه قد وردت علي من جناب العالي الجناب لب الالباب الموفق في كل باب العالم العامل و الفاضل الكامل الجامع للفخر و الشرف الآميرزا علي اشرف شرفه الله بكراماته و انعم عليه افضل نعمه و حباته مسائل صعبة بعيدة المنال عزيزة الوصال و انا في كمال اشتغال البال و تعارض الاحوال و تصادم الامراض المانعة من استقامة الحال و حيث لم‌يمكنني رد مسئلته لما الزمت علي نفسي من رعايته و حمايته امليت هذه الكلمات مكتفيا بلطايف الاشارات اعتمادا علي فهمه العالي و ادراكه السامي اذ انا في مثل هذه الحالة لم‌اتمكن من بسط المقال و شرح حقيقة الحال و الاشارة تكفي لمن لم‌يقتصر علي العبارة و المقتصر عليها لايكفيه الف بيان لاحتجابه بحجاب النسيان و جعلت كلامه سلمه الله تعالي متنا و جوابي كالشرح له كما هو عادتي في اجوبة المسائل .

قال سلمه الله تعالي : المعروض علي الجناب المستطاب مفخر اهل العلوم و الآداب سيدنا و استادنا و من اليه في كل الامور استنادنا وحيد عصره و فريد دهره عمدة الفقهاء و المجتهدين و زبدة الحكماء المتألهين و نخبة العرفاء الاولين و الآخرين مجمع البحرين و مطلع الشمسين لا بل الشموس ادام الله ظله علي الرؤس و لم‌يزل انوار معارفه مشرقة علي النفوس .

[ص 3] اقول انما ذكرت هذه الكلمات مع ما اعرف من نفسي خلافها بيانا لاعتقاده سلمه الله تعالي الذي هو كاشف الحجاب و رافع النقاب كما في الحديث ما معناه احسن الظن و لو بحجر فان الله تعالي يلقي الخير به اليك و قال عليه السلام ان الله عند ظن كل امرء ه‍ ، فانه قارع الباب و فاتح الخطاب و الوسيلة لاولي الالباب و لذا كانت الرؤيا علي ما عبرت و انا اقول اللهم لاتؤاخذني بما يقولون و اجعلني خيرا مما يظنون و اغفر لي ما لايعلمون .

قال سلمه الله تعالي : انه قد حصلت لي شبهة في بعض المسائل و لم‌اجدها مفصلا في مظانها من بعض الرسائل ، الي ان قال سلمه الله : فالملتمس ان تبينوا حقيقة المسائل بدون الحوالة علي الكتب و الرسائل .

المسئلة الاولي - ان الملائكة كلها هل هي حقيقة واحدة و رتبة مستقلة مثل الانسان و الجان و ساير المراتب الواقعة في السلسلة الطولية و انما التفاوت فيما بين الاشخاص في العرض ام حقايق متعددة و مراتب متكثرة مختلفة بالعلية و المعلولية و يطلق لفظ الملك عليهم بعنوان الحقيقة بعد الحقيقة مثل لفظ الوجود و العقل و ساير الالفاظ التي يطلق علي المراتب المتعددة .

اقول اعلم ان الملائكة هم حملة الامدادات الخاصة المنبعثة من الرؤس الخاصة الجزئية من المشية الكلية و هي روابط الفيض و حكمها حكم المعني الحرفي في الكلمات فان الحرف لاتفيد معني في نفسها و انما هي حاملة لمعني الفعل و موصلة الي الاسم و ليس لها الا الربط خاصة [ص 4] علي ما هو التحقيق فالملك ايضا حامل للوجه الجزئي من الرأس الجزئي من الفعل الكلي و يظهر علي صفة ذلك الاثر و طبيعته و هيئته و خاصيته و لما كان الفعل الكلي المتعلق بالمفعول الكلي شجرة كلية مشتملة علي جزئيات هي اغصان تلك الشجرة و هي و ان كانت جزئية بالنسبة الي الشجرة لكنها كلية بالنسبة الي الاغصان الجزئية المنشعبة من كل غصن و هكذا نسبته الي باقي الاغصان الجزئية و نسبتها الي الاوراق و نسبة الاوراق الي الاعراض و الصفات و ساير القرانات و هكذا تترامي الكثرات بالنسبة الي رتبة واحدة من جهة المكان و الزمان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و الاضافة و الوضع و الاجل و الكتاب و الاذن و قراناتها و نسبها و اضافاتها و لوازمها و شرايطها و متمماتها و مكملاتها و عللها و اسبابها و مباديها و هكذا ساير احوالها و لما كان الشيء لايكون في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب كان يتعلق بكل ذرة من ذرات الوجود بجميع انحاء الكثرات فعل خاص بها و يتولد من قران الفعل بالمفعول و تعلقه به حامل يربط ذلك الفعل بذلك المفعول و هو نقشه الفهواني و حكايته الخاصة و هو حرف من حروف المفعول قائم بالفعل قيام صدور و قائم به الفعل قيام ظهور كقيام ظهور النار في الحديدة المحماة بها و ذلك الوجه الخاص بالحاملية الخاصة علي الهيئة الخاصة هو الملك الحيوان ذو شعور و ادراك و اختيار الا ان اختياره ضعيف كاختيار الحديدة المحماة للبرودة و كاختيار الجائع المشرف علي الهلاك لشدة الجوع [ص 5] للامتناع من الاكل بعد تمكنه عنه و اقتداره عليه فالملك وجه من وجوه المفعول و شأن من شئونه و تابع من توابعه غارف من بحر ذاته و فارغ ما غرفه في ذلك البحر ايضا الا ان الاغتراف من مبدء الاجمال بل و مبدء النزول و الافراغ في مقام التفصيل عند عدم التعطيل سواء كان في الخير او الشر و سواء كان في الجنة او النار فظهر لك من هذا البيان انه يجب ان يكون الملائكة بعدد ذرات الوجود و سعتها و قوتها علي حسب سعة الموكل عليه و قوته و عدمهما فافهم و لما كانت الاشياء لاجل حكاية قيوميته تعالي و سعة قدرته لها نورا و شعاعا و ذلك النور و الشعاع قد تعلق بهما الفعل من الله سبحانه كان الفعل المتعلق بالشعاع شعاعا للفعل المتعلق بالمنير و حامل الشعاع شعاع لحامل المنير و هكذا حكم شعاع الشعاع و شعاع شعاع الشعاع و هكذا الي ما لا نهاية له لسر عدم قطع الفيض و استمرار مادة المدد و عدم انتهاء القدرة فاذن فالملائكة حقايق مختلفة و ذوات متأصلة كالانسان لصريح الروايات الدالة علي ان المدبرات امرا هم الملائكة و الامر يختلف بالامر الفعلي و الامر المفعولي و الامر المفعولي يختلف بالاصالة و الفرعية و المنيرية و الشعاعية و المناسبة بين المدبر بكسر الباء و المدبر بفتحها مما لا بد منه و قوله تعالي حكاية عن الملائكة و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون يوقف كلا في مقامه و مرتبته فاذن تم ما ذكرنا و صح ما قلنا و اختصاص التدبير بالمدبرات في مقام دون مقام يورث اختلال النظام و فساد الحكمة فمابقي الا ما بينا فخذه و كن من الشاكرين فاذن فالحق [ص 6] هو الثاني فانهم حروف الكلمات و شعاع الحروف حروف للكلمة الشعاعية و لاتساوي حروف المنير و انكار الشعاع و المنير في الكلمات الكونية مصادمة للضروري و مزاحمة للبديهي فحروف المصدر شعاع لحروف الفعل ككلمتيهما فافهم و لاتتوهم من قولنا ان الملائكة قوي للشيء كما زعمته الحكماء و انما هي ذوات روحانية هي روابط لايصال الافاضات و الامدادات الي تلك القوي و الحقايق فافهم ضرب المثل فاطلاق الملك علي كل طبقة من باب الحقيقة بعد الحقيقة .

قال سلمه الله تعالي : فان كان الاول كما حققتم في بعض رسائلكم في بيان السلسلة الطولية و العرضية بانها رتبة تحت رتبة الجان فوق الحيوان و كما بين الشيخ المرحوم في دائرة العقل و الجهل يلزم ان يكون كل فرد من افراد الانسان افضل من كل الملائكة حتي من العالين و الكروبيين و هذا مناف لبداهة العقل و الوجدان فضلا عما نطق به البرهان بل يلزم افضلية الجان ايضا لكونها تحته فضلا عن الانسان نعم في الانسان ايضا وجه لكون بعض افراده افضل لما قال النبي صلي الله عليه و آله ان رجلا من شيعة علي عليه السلام افضل من جبرئيل و هو سلمان بخلاف الجان .

اقول كون الملك رتبة تحت الجان لايلزم كون الانسان او الجن افضل من العالين او الكروبيين لانهم اناسي و ان اطلق عليهم لفظ الملك فان مناسبة لفظ الملك لهؤلاء الذوات الكاملة المقدسة اقوي و اعظم منها بالنسبة الي الملائكة الذين كلامنا فيهم فان الملك اصله مألك فقدمت اللام و اخرت الهمزة و وزنه مفعل مأخوذ من الالوكة و هي الرسالة [ص 7] ثم تركت الهمزة لكثرة الاستعمال فقيل ملك بالتحريك فلما جمعوه ردوه الي اصله يعني قبل الحذف لا قبل التقديم و التأخير فقالوا ملائك فزيدت التاء للمبالغة او لتأنيث الجمع و عن ابن‌كيسان انه فعال من الملك فحذفت الالف تخفيفا و نقل عن ابي‌عبيدة انه مفعل يعني ملأك من لاك اذا ارسل في ملكه شيئا فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال بعد نقل حركتها الي ما قبلها او من الملك اي القهر فان الملائكة مظاهر القهر او لانهم مماليكه او من قولهم عبد مملكة و مملكة بفتح الميم و ضمها اذا ملك و لم‌يملك ابواه و منه الحديث لايدخل الجنة سيئ الملائكة اي سيئ الصنع الي مماليكه و يقال فلان حسن الملائكة اي حسن الصنع الي مماليكه و سميت الملائكة لانهم رسل كما قال تعالي جاعل الملائكة رسلا او لانهم مظاهر القهر او لانهم مماليك ابتداء او لانه احسن صنعهم او احسن اليهم او احسن الي عباده بهم و في كل هذه الوجوه يحصل التشابه بين العالين و الكروبيين و بين الملائكة و ان كانت هذه الوجوه في جانب العالين و الكروبيين اقوي منها في جانب الملائكة فتسميتهم بالملك اولي من الملائكة فالعالون و الكروبيون ليسوا حروفا من الحروف الكونية الغير المستقلة في افادتها و دلالتها و الغير المعتبر اعتبار اقترانها باحد الازمنة الثلثة و انما هم كلمات كونية و ذوات متأصلة مستقلة في الافادة و الاستفادة بل هم مستمرون في الزيادة لايعتريهم وقوف و لا نقصان و قد قال مولانا الصادق عليه السلام في الملائكة انهم ناقصون لايحتملون الزيادة فكيف يقاسون باولئك الذوات الملكوتية و الحقايق [ص 8] الجبروتية و الاسرار اللاهوتية فمحض التسمية لايوجب الافضلية فانهم خارجون عن محل البحث و الكلام و اما ما سويهم من الملائكة الذين في الرتبة الحرفية فهم علي حسب ما وكلوا به في المرتبة فمجرد الاشتراك في التسمية من باب الحقيقة بعد الحقيقة لايورث التساوي و لا الافضلية .

قال سلمه الله تعالي : و ان كان الثاني فلا معني لكونها رتبة تحت الجان بقول مطلق و حصر افراد السلسلة الطولية في الثمانية .

اقول هذا الكلام له جوابان احدهما تتحمله العقول و الثاني بعيد عنها دقيق جدا لايتحمله الا اولوا الافئدة من اهل المنقول اما الاول فنقول لا شك و لا ريب ان المختار اشرف من المضطر و لما امتنع الاضطرار و الجبر فقوي الاختيار اشرف من ضعيفه في النوع و لا شك و لا ريب ان الملائكة ليس اختيارهم في قوة اختيار الانسان و الجن بحيث تكون لهم قوة الفعل و الترك بالفعل ظاهرة موجودة يترتب عليها الآثار و انما اختيارهم في جانب الشر ضعيف جدا لاتظهر آثاره الا نادرا و لذا لم‌تسمع ان الله قد بعث الي الملائكة رسولا و جعل لهم شرايع و ان كانوا لايخلون من ذلك اذا الوجود مبني في تحققه علي التكليف كما برهنا عليه في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا كما قال الله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فاذا كان كذلك فيكون الملائكة بهذا النظر مقامهم في الرتبة تحت الجان لقوة اختيارهم بالنسبة اليهم و لا شك ان قوي الاختيار اعلي رتبة من ضعيفه و لما كانت الملائكة في قوة [ص 9] الادراك و الشعور بل ظهور الاختيار في الجملة اقوي من ساير الموجودات التي رتبتها تحت الجان خصت بهذا المقام و ذلك ظاهر انشاء الله تعالي عند ذوي الافهام و اما الثاني فيجب ستره اذ ما كلما يعلم العالم يقدر ان يفسره فان من العلوم ما يحتمل و منها ما لايحتمل و من الناس من يحتمل و منهم من لايحتمل و لكن لا بد من الاشارة اليها لقوله عليه السلام لاتمنعوا الحكمة من اهلها فتظلموهم و هو ان الملائكة انما هم عند الروابط التفصيلية و لذا يقل اعتبارهم في المراتب الاجمالية الي ان يبلغ الامر الي ان تنتهي وجوداتهم كما قال عليه السلام اذكروا الله بحيث لايسمعه الملائكة و قال ايضا عليه السلام في حديث ارويه عن شيخي و استادي اعلي الله مقامه و رفع اعلامه ما معناه ان المؤمن اذا ذكر لاخيه فضيلة من فضايل آل‌محمد عليهم السلام يوحي الله تعالي الي الملائكة تنحوا عنهم فانهم مشغولون في سر ه‍ و ذلك لقلة اعتبارهم في العوالم الاجمالية لا لاعدام وجوداتهم بل ربما نقول لانتهاءها هنالك فاذا اعتبرنا مقام العلية في السلسلة الطولية انقطع اعتبار التفصيل في المراتب التي تعتبر فيها الوحدة و الاقرار بالوحدانية لله عز و جل و ذلك ينقطع علي الظاهر عند آخر مرتبة الجان فجاء مقام التفصيل و الكثرة فظهرت الملائكة و تفصلت و اما نزول الملائكة علي الانبياء و تدبيرهم للانسان و الجان و هيمنتهم علي الاكوان فذلك في مقام القطبية في السلسلة الطولية و العرضية لقوله تعالي و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون فان العالي [ص 10] لا بد له من الرتبة الجامعية حتي يتمكن من الافاضة و يمكن قوابل السفليات للاستفاضة فالجهة الجامعة تظهر الاحكام المانعة حتي يقتل سيف شمر لعنه الله الف‌الف مرة سيدالشهداء روحي له الفداء مع انه لعنه الله معه عليه السلام في السلسلة الطولية و نزلت الملائكة و قتلت الجان علي وجه الارض قبل خلق آدم عليه السلام لما عصوا و عتوا و تجبروا فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم ،

و اياك و اسم العامرية انني اغار عليها من فم المتكلم

و اما حصر السلسلة في الثمانية فتقريبي فان هؤلاء الثمانية ظهرت آثارها و استقلت كينوناتها و ان كان كل اسفل اضعف فلما بعدت السلسلة ضعفت الآثار و الكينونات فصارت لاتعد في الحساب و لايجري ذكرها في كتاب الا في الكتاب الحفيظ الذي هو ام‌الكتاب و منه البدء و اليه الاياب و الا فكيف تنحصر مراتب الفيض و مقامات الشعاع و شعاع الشعاع و شعاع شعاع الشعاع و هكذا الي ما لا نهاية لها الا ان الاشعة لما ضعفت ضعف اعتبارها فالحصر علي الثمانية دليل النقص في القدرة و هو محال علي رب البرية فكم من عوالم و مقامات و مراتب و آيات عجزت عن ادراكها الابصار الضعيفة و القلوب المظلمة المدلهمة فوجب القول علي حسب متفاهم القوم و لذا قالوا ثمانية و الا فالامر اعظم و اعظم ،

و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكتاب مما يطول

فافهم انشاء الله .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا هل يجب اعتقاد عصمة الملائكة كما يقول به [ص 11] المجلسي (ره) ام لا فان كان الاول فكيف يكون الجواب عن قصة هاروت و ماروت التي اشتهر بين العوام و الخواص و كيف يمكن عصمتهم مع كونهم في الوسط اسفل من الجان و اعلي من الحيوان فان كانوا في اول الوجود كانوار الاربعة‌عشر سلام الله عليهم يمكن القول بعصمتهم بغلبة النور علي الظلمة و اضمحلال الانية و اما في الوسط فكيف يصير مع كون الجان و الانسان الذين هما اعلي رتبة منهم غير معصومين نعم الملائكة العالين و الكروبيين عصمتهم حتي لكونهم عبارة عن حقايق الائمة و الانبياء و اما ساير الملائكة فلا .

اقول اما عصمة الملائكة عليهم السلام فلا شك فيها و لا ريب يعتريها و انا اذكر لك حديثا جامعا لما تسئل من عصمة الملائكة و بيان حال هاروت و ماروت بما لم‌يبق لمحتج حجة و هو ما رواه في كنزالدقايق عن عيون‌الاخيار باسناده الي الحسن بن علي عن ابيه علي بن محمد عن ابيه محمد بن علي عن ابيه علي بن موسي الرضا عن ابيه موسي بن جعفر عن ابيه الصادق جعفر بن محمد عليهم السلام في قول الله تعالي و اتبعوا ما تتلوا الشياطين علي ملك سليمان و ماكفر سليمان و ساق الكلام في تفسير الآية الشريفة و ذكر حال هاروت و ماروت الي ان قال يوسف بن محمد بن زياد و علي بن محمد بن سيار عن ابويهما انهما قالا فقلنا للحسن ابي‌محمد عليه السلام فان قوما عندنا يزعمون ان هاروت و ماروت ملكان اختارهما الله لما كثر عصيان بني آدم و انزلهما مع ثالث لهما الي الدنيا و انهما افتتنا بالزهرة و ارادا الزنا بها و شربا [ص 12] الخمر و قتلا النفس المحرمة و ان الله عز و جل يعذبهما ببابل و ان السحرة منهما يتعلمون السحر و ان الله تعالي مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة فقال الامام عليه السلام معاذ الله من ذلك ان الملائكة معصومون محفوظون من الكفر و القبايح بالطاف الله تعالي قال الله عز و جل فيهم لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و قال عز و جل و له من في السموات و من في الارض و من عنده يعني من الملائكة لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون و قال الله تعالي في الملائكة ايضا بل عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون ثم قال عليه السلام لو كان كما يقولون كان الله قد جعل هؤلاء الملئكة خلفائه علي الارض و كانوا كالانبياء في الدنيا و كالائمة افيكون من الانبياء و الائمة عليهم السلام قتل النفس و الزنا ثم قال عليه السلام اولست تعلم ان الله تعالي لم‌يخل الدنيا قط من نبي او امام من البشر اوليس الله يقول و ماارسلنا قبلك يعني الي الخلق الا رجالا نوحي اليهم من اهل القري فاخبر انه لم‌يبعث الملائكة الي الارض ليكونوا ائمة و حكاما و انما ارسلوا الي انبياء الله قالا فقلنا له فعلي هذا لم‌يكن ابليس ايضا ملكا فقال لا بل كان من الجن اماتسمعان الله يقول و اذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس كان من الجن فاخبر عز و جل انه كان من الجن و هو الذي قال الله تعالي و الجان خلقناه من قبل من نار السموم [ص 13] قال الامام الحسن بن علي عليهما السلام حدثني ابي عن جدي عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله عز و جل اختارنا معاشر آل‌محمد (ص) و اختار النبيين و اختار الملائكة المقربين و مااختارهم الا علي علم منه بهم انهم لايواقعون ما يخرجون به عن ولايته و ينقطعون به عن عصمته و ينتهون به الي المستحقين لعذابه و نقمته قالا فقلنا له فقد روي لنا ان عليا عليه السلام لما نص عليه رسول الله صلي الله عليه و آله بالامامة عرض الله تعالي ولايته في السموات علي فئام و فئام من الملائكة فابوها فمسخهم الله ضفادع فقال عليه السلام معاذ الله هؤلاء المكذبون لنا المفترون علينا الملائكة هم رسل الله فهم كساير انبيائه و رسله الي الخلق افيكون منهم الكفر بالله قلت لا قال فكذلك الملائكة ان شأن الملائكة لعظيم و ان خطبهم لجليل و فيه عن علي بن محمد الجهم قال سمعت المأمون يسئل الرضا علي بن موسي عليهما السلام عما يرويه الناس من امر الزهرة و انها كانت امرأة فتن بها هاروت و ماروت و ما ترويه من امر سهيل و انه كان عشارا باليمن فقال الرضا عليه السلام كذبوا في قولهم انهما كوكبان الي ان قال عليه السلام و اما هاروت و ماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به من سحر السحرة و يبطلوا به كيدهم و ماعلما احدا من ذلك شيئا الا قالا له انما نحن فتنة فلاتكفر فكفر قوم باستعمالهم لما امروا بالاحتراز منه و جعلوا يفرقون بما تعلّموه بين المرء و زوجه قال الله تعالي فيهم و ما هم [ص 14] بضارين به من احد الا باذن الله يعني بعلمه انتهي و فيما ذكرنا من هذه الاخبار كفاية لاولي الابصار و ما ورد في الاخبار في غير هذا المعني فهو محمول علي التقية و هو موافق لمذهب العامة و اما ما ذكره الملامحسن في الصافي في قصة هاروت و ماروت من التأويلات البعيدة و التوجيهات السخيفة و زعم انها طريق الجمع بين الاخبار فكلام خارج عن الاعتبار لايلتفت اليه اولوا الابصار و اما ما ذكرت سددك الله و ايدك ان الملائكة رتبة تحت الجان فلاتمكن عصمتهم و الا لزم عصمة الجان و الانسان لبطلان الطفرة فجوابه ان عصمة الملائكة ليست لقوة الاختيار فان جهة الظلمة فيهم ضعيفة جدا و لهم دائما وجه واحد فلايتجاوزونه بخلاف الانس و الجن فان جهتي النور و الظلمة فيهم قويتان تظهران آثارهما باستخدام القوي و الآلات و الجوارح و لا كذلك الملائكة اذ ليس لهم الا جهة واحدة و لذا كانوا ناقصين لايحتملون الكمال علي ما روي عنهم عليهم السلام فعصمتهم لضعف كينونتهم اي ضعف قوة المعصية فيهم كالعنين الذي ليست له قوة الجماع و لا شهوته لا لانهم مجبورون مضطرون بل فيهم الاختيار لكنه ضعيف بالنسبة الي المعصية لقلة الظلمانية في حقايقهم و عصمة الانبياء و الائمة عليهم السلام لقوة اختيارهم و شدة اختيارهم بحيث ازاحوا الظلمة و اناروا بتسديد الله سبحانه السريرة و الطوية و الفطرة فلايعصون ابدا و اما ساير الخلق من الجن و الانس فلما لم‌يكونوا في القوة مثل الانبياء عليهم السلام و لا في ضعف جهة الظلمة و قلتها مثل الملائكة فتظهر منهم المعاصي و السيئات [ص 15] فلاتدل عصمتهم علي قوتهم في الرتبة و لا عصيان غيرهم علي نقصانهم اذ جهات العصمة و عللها مختلفة فعصمة الملائكة لنقصان تركيبهم و هذا لا كمال فيه و عصمة الانبياء لقوته و شدته و كثرة العناية في الشريعة العملية و هذا هو الكمال الذي لايدانيه كمال و الجمال الذي لايساويه جمال نعم نوع الملك لطهارتهم و نورانيتهم و كونهم محل العناية و حاملي الارادة الالهية اشرف من نوع الانس و الجن و لذا كانوا مؤثرين فيهم و مقدمين في الذكر اذا ذكروا معهم كالحروف العاملة في الفعل و الكلام مع تأخر رتبتها عنهما اجماعا من اهل اللغة بل العقلاء باجمعهم فافهم و علي من يفهم الكلام السلام نعم قد يصدر من الملائكة احيانا نادرا ترك الاولي من جهة ما فيهم من الاختيار الضعيف و الانية لاجل بعض المرجحات الخارجية كما وقع لفطرس و الملائكة الذين اعترضوا علي الله سبحانه و قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء ثم تابوا بالاقتران بمعين خارجي و باللواذ بباب رحمة ذاتية حقيقية كلواذ الملائكة بالعرش و لواذ فطرس بالحسين عليه السلام و ذلك لحكمة ربانية الهية سبقت المشية بها و نفذت الكلمة بها و مثل هذا لايعد معصية بخلاف الجن و الانس و اما الحديث المروي في البحار عن الباقر عليه السلام في امر ذلك الملك الذي عجب بعد ما خلق السموات و الارض فاحرقه الله تعالي بما خلق لما ان دخله العجب ان صح فمحمول و مأول قال تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قال ايضا عز و جل الشمس و القمر بحسبان قال [ص 16] عليه السلام علي ما رواه القمي في تفسيره و عبره في عبره ان الشمس الاول و القمر الثاني و حسبان طبقة من طبقات جهنم فافهم .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة الثانية - انه بعد فناء هذا العالم و خراب الدنيا اي النفخ الثاني و قيام القيامة الكبري هل يكون في دار التكليف ايضا مكلف موجود متأصل مستقل ذو شئون و اطوار مثل هذا المكلفين لهم ايضا عقل و نفس و شعور و ادراك و نبي و امام و جنة و نار غير هذا بالجملة عالم غير هذا العالم جواهرها و اعراضها بل كل السلسلة الطولية و العرضية ام لا بل كلما يأتي و يكون بعد القيمة من فروع المكلفين و توابعهم مثل خلق الواحد منهم الف حورية و الف اولاد بل كل ما يتخيل الحاصل هل يكون اساس غير هذا الاساس من اول ما صدر الي آخر ما نزل او كلما يكون من توابع بواطن هذا العالم و توابعه و يترقي و يتنزل كل شيء في رتبته و ينفصل المخروطين كل عن صاحبه و يلحق كل باصله النور في سلسلته و الظلمة في سلسلتها كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما .

اقول قد روي الصدوق (ره) في آخر كتاب الخصال عن جابر عن ابي‌جعفر عليه السلام في تفسير قوله تعالي افعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد ان الله تعالي اذا افني الخلق و احياهم و حشرهم و ادخل اهل الجنة الجنة و اهل النار النار يخلق في هذه الدنيا خلقا من غير فحولة و لا اناث يعبدون الله تعالي و يوحدونه ثم قال عليه السلام يا جابر اتري ان الله سبحانه خلق عالما واحدا و آدم واحدا [ص 17] بل خلق الف‌الف عالم و الف‌الف آدم انتم في آخر تلك العوالم و اولئك الآدميين نقلت الحديث بالمعني و الذي يظهر لي ان هذا الخلق ليسوا خلقا مستقلا غير مرتبط بهذا العالم فان تدبير الله سبحانه لايختلف و انما هو علي نظم واحد قال تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قال عز و جل و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر فلا تباين في الصنع و التدبير و ذلك تقدير العليم الخبير و ليسوا من بواطن هذا العالم كما يشير اليه كلام جنابك لان الطفرة في الوجود باطلة و الاخس لايتقدم الاشرف و قد تقدم القوس الصعودي فالرجوع الي هذه الدنيا فلايصح من العالم الاعلي نزول و ادبار بعد ما بلغوا مقام الصعود بعد النزول و قد قام البرهان علي امتناعه و نطق القرآن علي بطلانه فاذن لايصح ان يكون المتجدد بعد خراب العالم من بواطنه فيجب ان يكون من قشوره و ظواهره و يجب ان يكون اضعف من هذا العالم بنية و تحققا و وجودا و شرفا و مكانة و نحن نري بالعيان ان الفواضل و القشور اذا تعفنت و نضجت و صلحت كانت مادة تكون حيوان من البهائم و الحشرات كالفارة و امثالها فافهم ضرب المثل فان الله تعالي يقول و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون و لذا قال عليه السلام من غير فحولة و لا اناث مثل حكم حور النابتات و بنات جزاير الواق الواق هؤلاء مكلفون لهم دين و كتاب و شريعة و حامل شريعتهم من قبل نبينا صلي الله عليه و آله اما من وراء حجاب كما كان الامر كذلك من بدو ظهور آدم علي محمد و آله و عليه السلام او بغير حجاب و الاول اقرب الي الحق [ص 18] و اولي بالصواب و يؤيده قوله عليه السلام انتم في آخر تلك العوالم و اولئك الآدمين .

و اما ان لهم عقلا و نفسا الي آخر المراتب فنعم لان هذه المراتب مما اقتضته حكمة الايجاد بسر الانوجاد و ان اختلفت محالها و مواقعها باللطافة و الكثافة و القوة و الضعف و النورانية و الظلمانية و اما سر التسبيح باجتماع الكيان مع الكيفيات لتحقق الكمال و بلوغ الوصال و ظهور الآمال فمما لا بد من الجعل في الخلق الاول و الثاني و قد ذكرنا وجه حصر العوالم في السلسلة العرضية في الثمانية و هي الفؤاد )١( و العقل )٢( و الروح )٣( و النفس )٤( و الطبيعة )٥( و المادة )٦( و المثال )٧( و الجسم )٨( في جواب مسائل الملا حسينعلي الرشتي فان ما فيها غنية للطالب و كذلك الحكم في الجنة و النار و الثواب و العقاب و كذلك الحكم بعدهم و بعدهم و بعدهم الي ما لا نهاية له فان فيض الله لاينقطع و حكم الله لاينفد و وجه الله لايفني و المقامات لا تعطيل لها في كل مكان و من دخل الوجود امن من العدم نعم تعتور عليه الاحوال بكسر و صوغ لجري حكم الاسباب لينال نصيبه من الكتاب و يري الامر واضحا مرتفع الحجاب مكشوف النقاب ان ذلك لذكري لاولي الالباب و اما حكم الخلط و اللطخ و التمييز ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة فمما لا بد منه في كل تكليف في كل عالم الا انه في كل عالم علي حسب مقامه و مرتبته خصوصا في عالم القشور و استتار النور و ذكر الغيور و ذلك ظاهر واضح انشاء الله تعالي .

[ص 19] قال سلمه الله تعالي : المسئلة الثالثة - هل الفعل اشرف و اكرم ام المقامات و اسم الفاعل فبناء علي اشرفية اسم الفاعل كما ينقلون عن الشيخ المرحوم اعلي الله مقامه و رزقني الله ادراك كلماته حيث كان يقول الفعل اقرب و ذاك اكرم فما وجه اشرفيته و اكرميته فانه لا شك ان الاشرفية و الاكرمية هناك ليس الا بالقرب كالاشعة فلايمكن تعقل اشرفية الوسط عن المتصل القريب بالسراج كما هو المعلوم .

اقول قد دلت الادلة القطعية من العقلية و النقلية ان عالم الالفاظ و الكلمات و الحروف علي طبق المعاني و الذوات و الصفات و الحقايق و قد افردنا لها رسالة علي حدة فاذن لا شك و لا ريب ان اسم الفاعل مشتق من المصدر المشتق من الفعل و المشتق فرع من المشتق منه اجماعا فاسم الفاعل فرع للفرع للفعل فكيف يداني الفرع من الاصل فضلا عن المساواة فضلا عن الافضلية و الاكرمية مع ان الفعل هو الاصل في العمل و التأثير و اسم الفاعل هو الاصل في الانفعال و المعمولية و لكنه قد طرءته العاملية لاجل المناسبة و المشابهة للفعل فاذا كان كذلك فكيف يصح القول باشرفية اسم الفاعل ان هذا الا زور و بهتان و اما المنسوب الي مولانا و استادنا اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه فهو بمحل من قبول الا ان القائل مافهم مراده و لارام مرامه و اين هو منهم و اين الثريا من يد المتناول و الذي قال اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه هو المأخوذ من الحديث الشريف ان روح القدس اقرب الخلق الي الله و ليس باكرمهم عليه ه‍ ، و المراد من روح القدس هو العقل الكلي [ص 20] و لا شك انه اول ما خلق الله و اقرب الخلق الي الله و اما الاكرمية و الاشرفية فلا لان الجامع المطلق الذي هو العاقل لا شك انه اشرف من العقل الكلي لانه بشرافته مرتبة من مراتب العاقل فله شرافته و زيادة و الكل لا شك انه اكرم و اشرف و اعلي من الجزء لاشتماله علي الكل و حيازته شرافة الكل و هذا انما يتم في الجزء و الكل و الجامع و ذو الرتبة الواحدة و اما الشعاع و المنير و العلة و المعلول و الاثر و المؤثر فلايتم ذلك ابدا و ان كان الشعاع كلا جامعا في رتبته فلايساوي الجزء في رتبة المنير و لايدانيه ايضا ابدا و الاسم الفاعل فرع للمصدر و المصدر شعاع و اثر للفعل فكيف يكون افضل منه و ان كان فيه ذكر الذات فانا قد بينا بالبراهين القاطعة ان الذات المعتبرة في المشتقات امثال و آيات و حكايات و ظهورات للذات لا نفس الذات الا ان الظهور لما كان مضمحلا عند الظاهر بالظهور و هو عند الذات فلاينصرف الذهن عند سماع اللفظ الا الي الذات و لذا قلنا في تعريف اسم الفاعل انه حكاية الفعل للمفعول المطلق عدم استقلالية نفسه فهو في الحقيقة اثر للفعل و لذا كانت اسماء الفاعلين من صفات الافعال لا صفات الذات كالقائم و القاعد و الآكل و الشارب و امثالها و اما المقامات المشار اليها في كلام مولانا تغمده الله برحمته فهي مركبة من الفعل و التعلق بالمفعول المطلق في مقام الوجود المطلق لا الوجود المقيد في اعتبار مخلوقيته فان الامام الصادق عليه السلام قال خلق الله الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها فلما اعتبرت مخلوقية المشية فلا بد من اعتبار تعلق فعل عليها بضرورة استحالة تحقق المفعول بدون الفعل و لما لم‌يكن فعل غيرها كان ذلك منها و من رتبتها فتكون النسبة بينهما نسبة الكل الي الجزء اذ لايجوز ان [ص 21] تكون النسبة في هذا المقام نسبة الشعاع الي المنير لعدم مذكورية الشعاع في رتبة ذات المنير و المقصود هنا ايجاد الفعل نفسه و اعتبار المفعولية في نفسه بجميع مراتبها و مقاماتها فان الايجاد يستلزم الكثرة علي النهج المقرر في العالم الاكبر فيكون عالم الوجود المطلق عالما برأسه يعتبر فيه جميع ما يعتبر في غيره الا انه علي جهة الوحدة و البساطة و عدم الاختلاف و الكثرة فاسم الفاعل الذي هو المقامات التي هي اشرف من الفعل هو في هذا المقام في كينونة الفعل بنفسه و هي التي لا تعطيل لها في كل مكان من عوالم الامكان علي وجه الحقيقة فان ما سواها و ان كان لا تعطيل له في كل مكان لكن الكلية جزئية و النسبة اضافية فهذا مراد شيخنا اعلا الله مقامه من اشرفية المقامات علي الفعل و اقربية الفعل بالنسبة اليها فانه ح تكون نسبة الجزء الي الكل و نسبة العقل الي المرتبة الجامعة و الدليل علي ما ذكرنا موجود في كلامه اعلا الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه فانه ذكر في جواب مسئلة اشتراك الوجود نسبة الفعل الي اسم الفاعل و قال ان نسبته اليه نسبة السراج الي الاشعة و نسبة المقابل الي الصورة المرئية في المرآة فعرفنا ان عنده ان اسم الفاعل شعاع للفعل و نور له يحكي الذات به عنه فطابق هذا الكلام ما عليه علماء اللغة بجميع فنونها من اشتقاق اسم الفاعل عن الفعل و مبدئية الفعل له و عمل الفعل فيه و قال ايضا في شرح‌الفوائد في مسئلة الوجود المطلق و ذكر اسمائه و ان منها الحقيقة المحمدية و ذكر فيه ان اسم الفاعل مركب من الفعل و اثره فعرفنا ان هذا [ص 22] الاسم الفاعل ليس مباينا للفعل و لا شبحا منفصلا عنه لاطباق العقول و تصريحه اعلا الله شأنه ان الشيء لايتركب من نفسه و اثره كما في الفوايد في مبحث الجعل فاذا فيكون هذا الاثر هو الاثر المتصل و هو من سنخ الفعل و حقيقته و تنزل مرتبته كالعقل من الفؤاد فعلي هذا تكون هذه المقامات اشرف من الفعل لانها جامعة له و لغيره و ان كان الفعل وحده اقرب فان الفعل بشرافة قربه موجود فيه مع شيء زايد فتكون جامعة لشرافته و شرافة غيره فذو الشرفين اشرف من ذي شرف واحد هذا مراده اعلا الله مقامه فيما افاده فافهم و ادرك كلامه فانه ليس مشرعة لكل خائض و لا منهلا لكل وارد بلغنا و اياك التوفيق و سقانا الله و اياك من رحيق التحقيق .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة الرابعة - انه بناء علي ما قررتم في مسئلة الحركة الجوهرية من ان الذاهب عين العائد و العائد عين الذاهب كالنهر المستدير كيف يمكن ان تصدر الحركة لان الحركة علي ما قرروه في محله هي توسط الشيء بين المبدء و المنتهي او ما يحصل من هذا السبب استمرار ذاته و اختلاف نسبه الي حدود المسافة كما عرفه الملامحسن في عين اليقين فبناء علي هذا لا معني للحركة في الحركة الوضعية اذ ليس فيها مبدء و لا منتهي خصوصا علي ما قررتم في محله بعدم جواز الترقي في الطول بل باعتبار في العرض ايضا لان العقل و النفس و ساير المراتب لاتترقي عن مرتبتها بالبديهة سلمنا الترقي في العرض لكن اذا لم‌يكن في الطول فلا معني للحركة بل هو عين [ص 23] السكون لان كل شيء في مقامه و مرتبته لايصعد و لاينزل و ما منا الا له مقام معلوم لا ابتداء و لا نهاية .

اقول هذا آخر مسائله بلغه الله منتهي امله و ما ذكره من تعريف الحركة ماادري هل المجموع تعريف واحد او تعريفان و علي اي تقدير فلايعقل عليه و لايركن عند التحقيق لديه فان توسط الشيء بين المبدء و المنتهي ان اراد بالشيء الحركة كان دورا و تعريفا للشيء بنفسه و ان اراد به المطلق يلزم ان لايوجد الا الحركة اذ كلما دخل في الوجود من الجواهر و الاعراض و الذوات و الصفات متوسطة بين المبدء و المنتهي علي فرض حدوث الاشياء و مبدء كل شيء كمنتهاه بحسب ذلك الشيء من النهاية و اللانهاية و الغير المتناهي متناه عند مبدئه و خالقه فان قيل ان الحركة هي التوسط لا المتوسط قلنا يلزم ان تكون الاشياء كلها متحركة و عندهم ان الحركة لاتقع الا في مقولات اربع الكم و الكيف و الاين و الوضع و جعل بعضهم الجوهر و الاشياء منحصرة في هذه المقولات و الجوهر و يلزم ان يكون السكون ايضا متحركا لانه متوسط بين المبدء و المنتهي اي ايجاده و انوجاده فمبدئه في ذاته لا في ذات علته و كذا قوله استمرار ذاته و اختلاف نسبه فانه لايتم الا في الحركة في الاعراض و اما في الجوهر فلايتم ذلك لعدم استمرار الذات هناك و الحاصل ان هذا كلام لا محصل له الا ان يقيد بقيود كثيرة لايناسبها مقام التعريف و علي فرض التسليم لايرد النقص بالحركة الوضعية لان لها مبدء و منتهي فان المبدء اما ان يراد مبدء الحركة او ذات الشيء او علته فان كان مبدء [ص 24] الحركة فهو بعد ايجاده و خلقه كما ان الافلاك خلقها الله تعالي حين كان طالع الدنيا السرطان و الكواكب في اشرافها فتكون الشمس في الرابع في كبد السماء وقت الظهر و كان النهار مقدما علي الليل كما نص عليه تعالي بقوله و لا الليل سابق النهار ثم تحركت الافلاك بالحركة الوضعية فغابت الشمس و جاء الليل ثم جعل الحساب من الليل فصار الليل مقدما علي النهار كما هو المتعارف الآن و ذلك في النزول الصعودي و ذلك مبدء الحركات الوضعية الفلكية و اما منتهاها فبين النفختين بعد الاولي نفخة الصعق فتبطل الحركات و تسكن الموجودات من الذوات و الصفات و تندك الافلاك و تنفطر و تتغير النجوم و تنتثر فيبقي بلا حركة الي انقضاء اربعمائة عام و ذلك بتقدير العزيز العلام و الا فليس هناك حركة حتي تعرف مقادير الزمان ثم يجدد الله سبحانه الخلق و يحيي الافلاك فيأخذ في الحركة فتستدير علي وجه مبدئها شائقة لقاء ربها و مصفاة عن جميع العوارض المانعة لها و لما لم‌يمكن الوصول فليس لتلك الحركات فتور و غايتها الوصال فلاتزال لاجله هائمة ازل الآزال فلا نهاية لحركتها و لا وقوف لمشيها و طلبها فالمنتهي دائما في نظرها و تتحرك اليه فاذا وصلت سكنت و اني لها الوصول كما تري في الحركة الاينية مثلا اذا كان لشخص مطلوب لايصل اليه و هو يظن الوصول فلايزال يتحرك اليه من غير فتور و لايسكن حتي ينفخ في الصور فافهم فالنهاية الفعلية غير معتبرة في الحركة نعم يجب اعتبارها للمتحرك و الا امتنعت الحركة و لذا تري الغني بالذات عن كلما عداه لا حركة له [ص 25] و لا سكون و ان كان المراد بالمبدء الذات و العلة فاثبات الابتداء و الانتهاء للمتحرك اوضح شيء في الكون و الوجود و كذلك القول في الحركات الدهرية المجردة التي للعقول و النفوس كلها استدارات ذاتية حقيقية لها مبدء و منتهي بالوجوه الثلثة كما عرفت في الافلاك فان عالم الغيب علي طبق عالم الشهادة حرفا بحرف كما قال مولانا الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و الدواير الوجودية و الحركات الجوهرية الذاتية تبتدئ من مبدئها الذي هو الفعل و المشية و تنتهي اليها و لاتزال بايادي فقرها طارقة باب غني مبدئها و هو يفيض اليها من خزائن جوده و كرمه كل آن و دقيقة فلا نفاد للفيض و لا وقوف للطلب فلا سكون اذن للحركة و كلما يأتي اليه من فوارة الفيض يصاغ ذاته بعد كسرها مع ذلك المدد ثم يأتي آخر فيكسر و يصاغ كذلك و لما جري التقدير الالهي ان يكون لكل فيض نازل من سماء الجود و المشية اقبال و ادبار و صعود و نزول فلا جرم اذا نزل ذلك الفيض من بحر الابداع و الاختراع و تخصص بالشئ حين تخصص بالقيودات المشخصة نزل من عوالمه العلوية الي عوالمه السفلية فيصعد اليه ما كان قد نزل عنه فدائما يذهب منه شيء و يأتي اليه آخر بدله و يعود الذاهب علي ما هو عليه مصاحبا للمدد الجديد لا وحده بعين ما ذهب و لايلزم التغير الموجب لانقلاب الحقيقة المستدعي لرفع الثواب و العقاب بل الحقيقة علي ما هي عليه مع زيادة كالطفل الذي يكبر و ينمو شيئا فشيئا اذ ليس النمو مغيرا لحقيقته [ص 26] نعم ذلك يستلزم الكسر و الصوغ و هما المعبر عنهما بالحركة و السكون فالقول بانقطاع المدد قول بان يد الله مغلولة و القول باستغناء الخلق عن المدد قول بقدم الاشياء و وجوبها و القول بالاستغناء في المادة و الصورة و الافتقار في الحفظ و البقاء قول باجتماع الحدوث و القدم و سلب للكمال المطلق للغني المطلق و اليه يشير في التأويل قوله تعالي افعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد فافهم .

و اما القول بعدم الترقي في الطول فحق لا شك فيه و لا ريب يعتريه و الا لانقلبت الحقايق و جاز الصعود الي مقام الوجوب و لايقول به عاقل .

و اما استلزام ذلك السكون و عدم الحركة فممنوع فان الحركة انما تقع للطلب فيما يمكن الوصول اليه لا فيما لايمكن و قد قلنا ان الحركة استمداد الحادث بفقره من مبدئه و مدد كل شيء يصل اليه مما هو في مقامه و مرتبته فهو يتحرك الي نحو مبدئه لاستمداده و ذلك ابد الابد و دهر السرمد فدائما يحصل له مقام لم‌يكن قبل ذلك و يترقي في رتبته كالحجر الذي يترقي الي ان يصير اكسيرا فعالا و مؤثرا فيما سواه من المعادن و الفلزات ثم لايزال يتحرك في مراتب القوة و الشدة و زيادة التأثير الي ما لا نهاية له و لانعني بالحركة الا هذا لا ان الشيء بالحركة يخرج عن مركزه و يلحق بالاصل الاعلي فان ذلك محال و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون فلايلحق النفس بالعقل ابدا بالحركة نعم يتحرك النفس من مقام ذلها طالبة لمقام كمالها فتتحرك من مقام النفس الامارة الي الملهمة و منها الي اللوامة و منها الي المطمئنة و منها الي الراضية [ص 27] و منها الي المرضية و منها الي الكاملة و منها الي مراتب الكمال في القوة و الشدة الي ما لا نهاية له و هذا معني الحركة و كذلك العقل يتحرك من العقل المنخفض الي العقل المستوي و من المستوي الي المرتفع و منه الي ما لا نهاية له من المراتب و المتحرك في مقام العقل صاعدا نازلا جوهرة بسيطة نورانية يحصل لها مراتب بحسب سعيها و حركتها اما في المراتب السافلة او في المقامات العالية و ذلك النور الساري هو المتحرك المترقي قال تعالي و لكل درجات مما عملوا و كذلك في مقام النفس هي جوهرة بسيطة بالحركة تحصل مراتب و مقامات و تلك المراتب ايضا لها حركات ذاتية الي شئونها و مطالبها و هكذا الي ما لا نهاية له في اطوار الجنة و مقاماتها و ما يضاعف لكل مؤمن في كل جمعة و الحركة لاتقع الا في ما يمكن للشيء الطلب لا فيما لايمكن و السكون لايكون الا فيما يقع فيه الحركة و لذا لايجوز لله تعالي ان يقال له انه ساكن لانه لايجوز ان يقال له انه متحرك فالشئ في رتبة العلة لا ذكر له ابدا فكيف تقع الحركة في السلسلة الطولية و كذلك في العرضية الا بقلب الحقايق و ماجرت حكمة الله سبحانه في العادة بذلك لوجوه له لايناسب هذه العجالة لذكرها و الاشياء تتحرك في حوزتها و تقرء حروف نفسها و لاتخرج عما هي عليه في ذاتها ذلك ان تقول انها ساكنة و ما منا الا له مقام معلوم و لك ان تقول انها متحركة و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب صنع الله الذي اتقن كل شيء و لذا جري السكون و الحركة في الاعراب اللفظية و السلام .

[ص 28] قد فرغ من تسويد هذه العجالة مع كمال اغتشاش البال و اختلال الاحوال منشيها في سلخ شهر محرم الحرام سنة ١٢٤٣ حامدا مصليا مسلما مستغفرا .