[ص 1]

الرسالة الطينية

في جواب الشيخ جواد بدكه

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و منكري فضائلهم اجمعين الي يوم الدين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان الاخ الامجد الانجد الجواد الشيخ جواد بدكه سلمه الله و ابقاه و حرسه و وقاه قد اتي بحديث ( الحديث خ‌ل ) صعب مستصعب من قولهم عليهم السلام ان حديثنا صعب مستصعب اجرد كريم ذكوان مقنع لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن ممتحن امتحن ( مؤمن امتحن خ‌ل ) الله قلبه للايمان و اراد رفع ( دفع خ‌ل ) حجابه و كشف نقابه و حل مشكله و فتح مقفله و تحقيق معانيه و شرح دقائق مبانيه و قد ظن السراب شرابا و التراب كتابا و الزجاج جوهرا و الاجاج عذبا فراتا و السحاب سماء و ما انا و الولوج في هذا البحر المتعاظم و التيار المتلاطم الا انه سلمه الله تعالي حيث ظن ( تعالي ظن خ‌ل ) في خيرا ارجو منه سبحانه ان يمدني للصواب و يؤيدني بفصل الخطاب فان من احسن الظن و لو بحجر القي الله الخير به اليه كما ورد عنهم صلوات الله عليهم .

قال سلمه الله تعالي : سيدنا و عمادنا و مولينا ما معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام و قد سئل هل رأيت رجلا في الدنيا فقال عليه السلام رأيت رجلا و انا الي الآن اسئل عنه فقلت له من انت فقال ( قال خ‌ل ) انا الطين فقلت من اين فقال من الطين فقلت ( قلت خ‌ل ) الي اين فقال الي الطين فقلت من انا فقال انت ابوتراب فقلت انا انت فقال حاشاك حاشاك هذا من الدين في الدين انا انا [ص 3] و انا انا انا ذات الذوات و الذات في الذوات للذات فقال عرفت فقلت نعم فقال فامسك ( امسك خ‌ل ) .

اقول اعلم ان هذا الحديث الشريف رواه الشيخ رجب الحافظ البرسي في كتابه مشارق الانوار و هو من غرايب الاخبار و معضلاتها قد تاهت في حله طامحات العقول و الاحلام و حسرت عن ادراكه الاكابر من الحكماء و العلماء الاعلام و قد احببت ان اكلف بشرح ( لشرح خ‌ل ) هذا الحديث الشريف في حال اجتماع ( اجتماع القلب و خ‌ل ) الحواس لازيل عنه بواضح البيان كل شبهة و اشكال و التباس و اني لي في هذه الحال مع كمال تبلبل البال و اختلال الاحوال و عروض الاعراض المانعة من استقامة الحال شرح حقيقة الحال و البسط في المقال و استخراج غوامض الاسرار و لكن الميسور لايسقط بالمعسور .

فاقول و بالله التوفيق ان السافل في جميع الاحوال و الاطوار لم‌يزل مستمدا من العالي و سائلا منه المدد في التكوين و التشريع و في العلم و التصور و الوجود و لما كان مولينا و سيدنا اميرالمؤمنين عليه السلام هو العلي العالي الاعلي و هو المستعلي المشار اليه في الدعاء في الصحيفة السجادية بعد الفراغ من صلوة الليل و استعلي ملكك علوا سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لم‌يبلغ ادني ما استأثرت به من ذلك اقصي نعت الناعتين الدعاء ، و لما كان هو العالي و ليس اعلي منه و من اخيه و سيده رسول الله صلي الله عليه و آله و هما حقيقة واحدة و لكنه عليه السلام في مقام التفصيل و مظهر احكام الرسول صلي الله عليه و آله [ص 4] كان هو عليه السلام مسئول كل سائل و مطلوب كل طالب و السؤال انما يسئل عنه و الجواب انما يراد منه فهو عليه السلام مجيب كل سائل و حلال كل مشكل بنفسه الشريفة او بابداله الائمة الهداة عليهم السلام او بالسنته و نوابه و خلفائه و حملة علومه و معارفه و سننه و آدابه لانه الحكم الذي جعله الله سبحانه للناس عند التشاجر و التنازع و الاختلاف و قال عز من قائل فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك في ما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما و لما جعله حاكما و بالحق ناطقا و للامة هاديا و الي الصراط دليلا مرشدا و للرشد مبينا ( بينا خ‌ل ) قال عز من قائل يوم نصبه و اظهاره علما و الي الحق سلما اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و لما كان الجهل بالحقائق و الاسرار ليس من اكمال الدين و لا من اتمام النعمة بل هو نقص في الدين و نفي للنعمة و نقض لغرض الحكيم فانه تعالي خلق الخلق للمعرفة و جعل عليها دليلا من ( في خ‌ل ) ارشاده بقوله هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة فاذا ثبت ان اميرالمؤمنين عليه السلام هو الحكم العادل و العالم الفاصل للخطاب توجه اليه سؤال ( السؤال خ‌ل ) السائل هل رأيت رجلا و هذا السائل علي ما يظهر لي ( لي هو خ‌ل ) رجل من الكروبين و هم ( هو خ‌ل ) قوم من الشيعة خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم و هم الذين يصلحون لهذا السؤال بلسان المقال و الحال و الفطرة و الكينونة و اما ما عداهم فسؤالهم بمحض [ص 5] اللسان المقالي دون الحالي و الاستعدادي و تقرير السؤال انك يا اميرالمؤمنين عليك و علي آلك السلام هل رأيت رجلا يعني انسانا كاملا جامعا لجميع الكمالات و مهيمنا علي معاني كل الصفات و مظهرا لجميع الظهورات بحيث يكون الكاينات كلها و الموجودات باسرها لديه كالرحي الدائرة علي القطب و كالخاتم في الاصبع و ذلك لكمال خضوعه لله و تسليمه لامر الله و انقياده لحكم الله و طاعته لله و الاذعان لامره و نهيه و مراده بذلك ان يعرف الولي المطلق و المهيمن القاضي بالحق ليكمل ايمانه و يعظم ايقانه و ينال بالانقياد له في طاعة الله سبحانه منتهي المرام من السكني في الجنة دار السلام و هذا هو المراد بقوله هل رأيت رجلا اذ لو كان مطلق الرجل كان سؤاله سؤالا عن البديهيات و طلبا للضروريات و ذلك مع قبحه في نفسه لايناسب هذا البيان الغامض لوجوب التطابق بين السؤال و الجواب فكيف يكون السؤال عن ( من خ‌ل ) البديهي و يجيب اميرالمؤمنين عليه السلام و هو العلي العظيم ( الحليم ، الحكيم خ‌ل ) عن النظري الذي لايصل الي ادني معانيه الا واحد العصر و فريد الدهر و علامة الكون فصح ما ذكرنا من ان مقصود السائل هو الرجل البالغ الكامل ( الحامل خ‌ل ) المهيمن في الظاهر و الباطن و الصورة و الحقيقة علي الوجه الاكمل و الكمال الابلغ الذي ليس دونه كمال و لا فوقه جلال و لا جمال في الرتبة الامكانية الخلقية و لما كان الجواب يجب ان يكون علي مقدار معرفة السائل و ادراكه و الا فكان الجواب عبثا و المجيب لايكون حكيما و لما كان الخلق كما ثبت بالادلة القطعية من العقلية و النقلية قد خلقوا [ص 6] من شعاع نور الحقيقة المحمدية ( نور المحمدية خ‌ل ) صلي الله عليه و آله و انت تعلم ان الشعاع و النور انما يكون اشراقه و تحققه بعد تحقق جميع مراتب المنير و تماميتها الي كمال ظهوره في عالم الشهادة باتمام جسمه و جسده فاذا تمت كينونة المنير ظهر و برز منه الشعاع و النور فالنور مستند في تذوته و تجوهره و تحققه الي عالم الشهادة من المنير اي مقام جسمه كما تري من استناد نور الشمس و السراج فانهما مستندان الي شهادة الشمس و السراج و ظاهر جسمهما لا الي غيبهما و حقيقتهما كما هو الظاهر المعلوم فحيث كان الامر كذلك كانت الموجودات من حجاب الكروبين الي ما لا نهاية له مستندة الي جسم الحقيقية المحمدية بعد تمام مراتبها من مقامات الارواح و العقول و النفوس و تنزلها الي عالم الاجسام و الاجساد الجوهرية اراد ان يبين عليه السلام للسائل ان ذلك الرجل الكامل الذي هو الذات و ذات الذوات في كل الذوات ( الذرات خ‌ل ) هو بشريتهم الظاهرة في مقام الشهادة الجسمانية ثم اراد ان ينبه عليه السلام ان عالم شهادتهم ليس هو ذاتهم و حقيقتهم و انما هو سبيل ظاهريتهم و مقام تنتهي الي اشباحه و شؤنه كلما سويهم عليهم السلام و انهم عليهم السلام في ذاتهم و حقيقتهم غيب لايحاط به علما و لاينال حدا و لا رسما و مع ذلك عباد مكرمون لايملكون لانفسهم نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و بشرح هذه الاحوال يكمل وصف هذا ( ذلك خ‌ل ) الرجل المفضال و ينزه الحق سبحانه عن حادثات الذوات و الصفات ( الصفات و الافعال خ‌ل ) و الاحوال .

[ص 7] فاشار الي القسم الاول بقوله عليه السلام و روحي له الفداء : فقال رأيت رجلا و الي الآن اسئل عنه .

و هذه الرؤية رؤية احاطة عيان و لا اخبار يورث اليقين المعبر عنه بعلم اليقين المكني عنه بالرؤية و هذا الرجل هو بشريتهم الظاهرة فان شئت قلت بشريته عليه السلام او بشرية باقي الائمة عليهم السلام فانهم كلهم سواء في هذا المعني فنحن نفرد الضمير و نشير في ما بعد الي اميرالمؤمنين عليه السلام لانه روحي فداه في هذه الاحوال فخرهم و سيدهم و ولي الامر و يميرهم العلم اي يكيل و يقدر لهم من قوله ( تعالي خ‌ل ) و نمير اهلنا و لذا كان علي اميرالمؤمنين ( كان اميرالمؤمنين خ‌ل ) دون غيره و مرادنا بالبشرية ليست هي الظاهرة في الخلق من قوله تعالي قل انما انا بشر مثلكم و قوله تعالي و للبسنا عليهم ما يلبسون و انما المراد بها رتبة الجسم لان الحدود علي الوجه الاكمل انما ظهرت في عالم الاجسام دون غيرها و ظهور الشعاع و النور هو ذوات الموجودات و حقائقها و كينوناتها انما تذوتت و تحققت و تأصلت و تشيئت بعد تمام عالم الشهادة الذي هو عالم الجسم بالنسبة اليه فذوات الحقايق كلها اليه تنتهي .

و قوله عليه السلام و الي الآن اسئل عنه . و هذا السؤال ليس عن جهل حاشا و كلا و انما هو من قبيل قوله تعالي و ما تلك بيمينك يا موسي و امثالها و انما اراد عليه السلام بهذا السؤال هو الكشف عن لسان كينونته و ذاته فهو عليه السلام في مقام ذاته و حقيقة ( حقيقته خ‌ل ) يفيض الي مقام جسمه و هو اي جسمه دائما ينطق و يتكلم بنحو ما اخبر عنه عليه السلام و لما كان مقام الجسم مقام الانجماد و الكثافة و الغلظة و لايكون ذلك الا بغلبة اليبوسة و البرودة فان الحرارة ترقق و تلطف و تذيب .

[ص 8] قال عليه السلام : فقلت له من انت فقال انا الطين .

يعني قلت للجسم الغليظ الذي كل الموجودات الكثيفة الغليظة و اللطيفة الرقيقة ( الرقيقة التي خ‌ل ) تنتهي اليه من انت و ما حقيقتك و ذاتك ليعلم الناس مقامك و منزلتك مع ما انت عليه من سمو المنزلة و علو الدرجة فاجاب و قال انا الطين اي انا حقيقتي التراب ادني المقامات و اسفل الدرجات لا درجة و لا مقام و لا مرتبة اسفل و ادني من مرتبتي و منزلتي فان التراب له مقام يكون كل شيء من الموجودات بسائطها و مركباتها اعلي منه و انما قال الطين و لم‌يقل التراب لان الطين فيه انجماد و انعقاد بخلاف التراب فانه اعم من ذلك فمراده ان مقامي مقام الانعقاد و الكثافة بالنسبة الي العوالم و المقامات التي فوقي فانه مقام الذوبان و مقام ظهور الاسماء و الصفات و انحاء التجليات و اطوار الربوبيات بخلاف مقامي فانه طين منعقد و تراب منجمد و اشار ايضا الي ( الي كمال خ‌ل ) مقام العبودية و الخضوع و الخشوع و المسكنة و التذلل و الامكان و الفقر و الفاقة و قلة الحيلة و ظهور تمام الضعف و انفعاله المطلق و انكساره العام و عدم الارتفاع و كمال الانخفاض و امثالها من المراتب المناسبة لمقام الطين و التراب فان الجسم الشهودي بالنسبة الي المقام الغيبي كما ذكر عليه السلام من لسانه المقالي و الحال ( الحالي خ‌ل ) فلو كان له مقام ( كان مقام خ‌ل ) ادني و اقل و اضعف من التراب لعبر عنه به و لكنه ادني ( ادني و اقل خ‌ل ) و اسفل من التراب ليس في الوجود شيء و لذا عبر عنه به .

ثم سئل عليه السلام تعليما له و تنبيها للخلق حتي يقع السؤال و يذكر الجواب عن مبدئه و مادة وجوده و اصل نشوه و حقيقة [ص 9] ذاته فقال روحي فدائه و عليه السلام : فقلت له من اين فقال من الطين .

فلما كانت الاشياء لاتتعدي مبدئه و انما تنتهي الي ما خلقت منه و لما كان عالم الاجسام انما خلقت من التراب بمعني انه الجزء الغالب لانه ليس فيها عنصر الا التراب و انما المراد ان الغالب فيه هذا العنصر و الشيء انما ينسب الي الغالب كما يقال فلان صفراوي او دموي او بلغمي او سوداوي مع انه فيه غيرها و لكنه نسب الي الغالب فلذا قال هذا الرجل العظيم الكريم مبدئي من الطين كما قال تعالي للملائكة اني خالق بشرا من طين فاذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين و قال تعالي و من آياته ان خلقكم من تراب ثم اذا انتم بشر تنتشرون و قال تعالي خلق الانسان من صلصال كالفخار و قال تعالي منها خلقناكم و لا ريب ان آدم ابا ( ابو خ‌ل ) البشر ابو الاجسام و الاجساد دون الارواح و الاشباح فثبت ان الجسم انما خلق من الطين و هو الغالب و لذا صح الانعقاد و الانجماد و سكن الارض و استقر في التراب كل ذلك دعته المناسبة الفطرية و المشابهة الكينونية و لما كان المقام مقام الجسم اتي بالجواب الصواب و قال اتيت من مقام الطين و التراب و خلقت منه عبرة لاولي الالباب .

ثم سئل عليه السلام بلسان امداده و افاضته من الرجل الجسماني عوده و منتهي سيره فقال روحي فداه و عليه السلام : فقلت له و الي ( له الي خ‌ل ) اين ؟ فقال بلسان مقاله و استمداده و استرفاده ( استزداده خ‌ل ) و كينونته : الي الطين .

لما كانت الاشياء تعود الي ما بدئت ( بدء خ‌ل ) منه و هذا الرجل الكامل انما كان بدو ايجاده و حقيقة انوجاده من الطين كما نص عليه سبحانه و اعترف هو تبعا لله [ص 10] سبحانه فيكون عوده اليه و هو قوله تعالي كما بدءكم تعودون و قوله سبحانه اشارة الي هذا الرجل و افراد ( انوار خ‌ل ) اشباح نوره بالتبعية منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة اخري فهذا الرجل هو الرجل خلق من الذليل و يعود الي الذليل و ذلك بالنسبة الي خالقه و مبدئه و المراتب المتقدمة عليه من نحو قوله عليه السلام في الزيارة الجامعة و ذل كل شيء لكم لان مبدء الاشياء و علة وجودها اذا ذل لشيء فالاشياء بالطريق الاولي لان المعلول ذليل ( ذليل عند علته و الشعاع ذليل خ‌ل ) عند منيره و الفروع ذليلة عند اصولها فاذا كان المنير و الاصل ذليلا لشيء فهو بالتذلل اولي و لما كان الامام اميرالمؤمنين عليه السلام قد ظهر للعالم في مقام جسميته و ليس للخلق طريق الي ما وراء هذا المقام حتي يعرفوه بما عندهم من العلم ( العلة خ‌ل ) لان حقايق الموجودات كلها منقطعة عند هذه الظاهرية التي تنتهي الي مقام جسمه الذي هو اسفل مراتبه و آخر مقاماته و لاتري الاشياء فوق هذه الرتبة رتبة و لا ( هذه الرتبة و لا خ‌ل ) وراء هذه المرتبة و تري ان تلك الحقيقة الالهية منحصرة في هذه الرتبة الجسمية اراد عليه السلام كشف هذه الحقيقة و ذكر هذه الدقيقة و بيان ان الذي ظهر للخلق ادني مقاماته و آخر مراتبه و درجاته و لما كان ابانة هذا المعني بلسان الرجل الذي هو منير و مبدء لما سويه من الذوات و الصفات اولي و اكمل بل هو المتعين اذ العالي يعرف مقامه للسافل الذي ينتهي ( تنتهي خ‌ل ) اليه نسبته و لذا سئله عليه السلام تبينا ( تبيينا خ‌ل ) للمقال و توضيحا لشرح حقيقة الحال كما قال تعالي لعيسي (ع) يا عيسي (ع) ءانت قلت للناس اتخذوني و امي [ص 11] الهين من دون الله حتي يقول عليه السلام سبحانك مايكون لي ان اقول ما ليس لي بحق الآية .

فمن هذه الجهة سئل اميرالمؤمنين عليه السلام هذا الرجل الكامل الترابي دفعا لشبهة ما تخيل للناس ( الناس خ‌ل ) من جهلهم بحقيقة الواقع او يلبس عليهم اهل التلبيس فقال روحي فداه : فقلت من انا فقال انت ابوتراب فقلت انا انت فقال حاشاك حاشاك هذا من الدين .

فسئل اولا عن رتبة مقامه عليه السلام و مرتبة ذاته وحدة و حقيقة ( مرتبة ذاته و حقيقته خ‌ل ) فاجاب الرجل بالرسم و الاثر فقال انت ابوتراب يعني ليس لي حظ من معرفة ذاتك و حقيقتك الا اني فرع من فروعك و شعبة من شعب نورك و حيث كنت انا التراب و قد انشعبت منك ( عنك خ‌ل ) و تفرعت عنك ( منك خ‌ل ) و تقومت بك و تحققت لك و انا بيت ظهوراتك و مأوي تفاصيل حدودك فانت ابوتراب و المراد بالاب هو الاصل الذي تفرع عنه الفروع و تقومت به و حيث اني خلقت من التراب و عودي الي التراب و انما انا تقومت بك ( انا انما تقومت خ‌ل ) و تحققت بك فانت ابوتراب فلا حظ لي في معرفتك اكثر من ذلك و اليه يشير الشاعر بقوله :

منتهي الحظ ما تزود منه الحظ ( اللحظ خ‌ل ) و المدركون ذاك قليل

فليس لي علم بحقيقة ذاتك ( علم بحقيقتك و ذاتك خ‌ل ) و لا باطوار مراتبك و لا باسرار حقيقتك مااعرفك الا انك اصلي و بك تحققي لانك البشر الذي خلق من الماء في قوله تعالي هو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا و لا ريب ان هذا البشر ليس غيرك و حيث انك خلقت من الماء و انا من التراب و الماء اصل و اب للتراب فانت اذن [ص 12] ابوتراب فلما كشف عن حقيقة المقال و صرح بحقيقة الحال و بين انه عاجز عن ادراك ذاته و حقيقته فضلا عن الوصول الي درجته و مرتبته اراد عليه السلام زيادة التوضيح و زيادة البيان و شرح حقيقة الحال بالتصريح فقال عليه السلام فقلت انا انت يعني انا معك متحد الحقيقة و متحد الذات كما يتراءي للخلق فاجاب بكله و سره و لبه فقال حاشاك حاشاك انت اجل من ان تنسب الي باتحاد الحقيقة و انت اعلي من ان يقال انا انت انت السر اللاريب و انت الغيب الذي لايدرك انت في مقام اللاتعين انت اول قصبة الياقوت انت حجاب الله في اللاهوت و انا شخص ناسوتي و وجه شهودي و اصل ترابي و اين التراب و رب الارباب اين الثري من الثريا اين السافل من العالي اين المادي من المجرد المحض اين المستمد من الممد اين الفرع من الاصل اين النهاية من اللانهاية انت الاصل و انا الفرع انت اللاتعين و انا آخر مراتب التعين انت الغير المحدود و انا المحدود في ادني مقامات الحد انت الغير المتناهي و انا المتناهي انت في حجاب الواحدية و انا في الرسوم الجسمية انت سر اللاهوت انا اصل الناسوت انت البحر التيار المتلاطم انا القطرة المنعقدة المنجمدة ببرودة الانية انت شمس الازل انا كوكب عالم المثال انت سر المثال و انا فرع المثال و لكن بين المثال الذي انا فرع له و المثال الذي انت سر له مراتب لاتتناهي و لاتتكيف بل لا نسبة و لا ارتباط انت سر الاسم الاعظم الاعظم الاعظم و انا اللفظ الادني الادني انت سماء الكرامة و انا ارض المذلة انت ماء الحيوة انا تراب [ص 13] الممات انت معدن العلم انا مظهر الجهل انت سر الرفعة و انا منتهي الضعة و بالجملة و اين الثريا من يد المتناول و اين انا منك حتي يقال انا انت ثم لما استبعد ( استعبد خ‌ل ) و تحاشي عن هذه النسبة كما تحاشي و استبعد عيسي و نزه ربه و قال سبحانك الآية ، كذلك هذا الرجل الكامل و الانسان الواصل عرف مقامه مع مباديه العالية و جواهر اوائل العلل و خضع و استكان و اعترف و ابان ثم اراد ان يبين ان هذا الذي ذكرت و هذا الجواب الذي فصلت هذا من الدين الذي يجب علينا ان نعتقده و نقر به و نعترفه و الا فما انا و الوصول الي رتبة مقامك لاني مااقول الا ما هو في مقامي و ماادرك الا ما يناسب رتبتي كما قلت سيدي انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و لكن الدين الذي ادين به و الطريق الذي اسلكه دعاني هذا الاقرار و الاعتراف فقولي هذا من الدين الالهي و في الدين يعني للدين كما يقال الحب في الله اي لله فاعترافي هذا للدين الذي ادين الله به و اعتقده فانه يجب علي من الله ان اسلم لاهل الفضل فضله و انقاد و اخضع للذي فضله الله علي و علاه الي مقامه فهذا هو ( و هذا خ‌ل ) شرح حالي و حقيقة ذاتي اما ذاتك فلااعرفها سوي انك ابوتراب و اما ذاتي فهي التي عرضتها عليك و انت اعلم بي ( به خ‌ل ) مني باني الطين و من الطين و الي الطين و اما انت انا فحاشاك ( انت فحاشاك خ‌ل ) حاشاك اين التراب و رب الارباب و اين الثريا من يد المتناول .

فلما شرح هذا الرجل مقام خضوعه و خشوعه و تسليمه و انقياده لباب مدده اراد ان يبين مقامه بالنسبة الي غيره من ساير المخلوقات و الموجودات و الذوات و الصفات [ص 14] و الحقايق و المجازات و الجواهر و الاعراض و الاصول و الفروع و ساير مراتب الموجودات فقال : انا انا و انا انا .

اعلم ان انا انما يقال عند التعين و التشخص و حمله بانا ليقال انا انا للدلالة علي الاستقلال و التذوت و التحقق كما في قولهم انت انت فانت المحمول ليس من باب حمل الشيء علي نفسه و انما يراد به الاستقلال و التذوت و الكمال فقوله انا انا يعني اني انا ( يعني انا خ‌ل ) المتفرد المستقل الكامل و اليه الاشارة بقوله عليه السلام في حديث عمران الصابي في معني الاختراع انه خلق ساكن لايدرك بالسكون يعني خلق مستقل بالنسبة الي ما عداه بالله سبحانه لكن لايدرك بالسكون الذي هو ضد الحركة اذ ليس هو المراد من هذه العبارة و انما يراد به الاستقلال و التذوت الاضافيان او انه و ان كان مستقلا لكن حين تذوته و اظهار افعاله لايلحظ و لايدرك و لاينظر الي استقلاله و انما الاستقلال لله سبحانه فحين لايلاحظ استقلاله مستقل متذوت و ان لوحظ استقلاله فانه مضمحل فاستقلاله في اضمحلاله كما ان اضمحلاله في استقلاله و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة النفس الملكوتية الالهية نعيم في شقاء و عز في ذل الحديث ، و الي هذا المعني اشار قول الشاعر :

اقتلوني يا ثقاتي ان في قتلي حيوتي

و حيوتي في مماتي و مماتي في حيوتي

فاذا عرفت المراد من قوله عليه السلام حكاية عن الرجل الترابي انا انا فاعلم ان الموجودات ما سوي الحقيقة المحمدية صلي الله عليها انما خلقت من فاضل شعاع نورها و الروايات به متظافرة متواردة بل متواترة معني و هو قولهم عليه السلام انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا [ص 15] من شعاع انوارنا ، و لا ريب ان الاثر و الشعاع انما يكون بعد تمام المنير في جميع مراتبه الذاتية في تنزلاته اذ الشيء قبل ان يتم ( تتم خ‌ل ) كينونته لايمكن ان يكون مصدرا و منشأ للشيء الآخر بالضرورة و لما كانت مراتب التنزلات كما برهنا عليه في ساير مصنفاتنا و اجوبتنا للمسائل انتهت الي عالم الجسم و هو المرتبة ( الرتبة خ‌ل ) السادسة التي بها تمام الشيء فيكون النور المتشعشع المشرق علي قوابل جميع الكاينات و ذرات الموجودات من فاضل نوره اي نور الجسم و هو الرجل الترابي فلجسمه الشريف هيمنة و استقلال و استعلاء بالنسبة الي جميع ما سويهم و هذا الاستقلال عين الاضمحلال كما فسرنا لك و فسر لك الرجل بانه من الطين و الي الطين و انه هو الطين و اي خضوع اعظم من ذلك و لكنه مع هذا الاضمحلال ( الاستقلال خ‌ل ) له هيمنة و استقلال و استعلاء علي كافة الموجودات من الكروبين و الانبياء و المرسلين و جميع المخلوقين فهو و ان قال انا من الطين و الي الطين بالنسبة الي ابي‌تراب و لكنه بالنسبة الي غيره قال و يقول انا انا يعني المتفرد المستقل و كلما سواي جعلني الله سببا لامدادهم و افاضتهم فانا بالنسبة الي الخير ( الغير خ‌ل ) انا و بالنسبة الي اميرالمؤمنين و حقيقته طين و تراب فافهم الفرق و اعرف الصدق و تفهم المقام ( المقال خ‌ل ) و علي من يفهمه السلام و انما قال انا انا و انا انا مرتين ( قال انا انا مرتين خ‌ل ) لان الموجودات لاتخلو من مقامين مقام المتبوع و مقام التابع و مقام الاصول و مقام الفروع و مقام المبدء و مقام المشتق و مقام الاجمال و مقام التفصيل و مقام الغيب و مقام الشهادة و مقام العلة و مقام المعلول و [ص 16] مقام المنير و مقام النور و مقام الكلمة و مقام الدلالة و مقام الظاهر و مقام الباطن و مقام التعين و مقام اللاتعين و مقام المقدمات و مقام النتيجة و مقام الوحدة و مقام الكثرة و مقام العالي و مقام السافل و مقام اللفظ و مقام المعني و مقام الالف و مقام الحروف و مقام الحركة و مقام الآثار و بالجملة فجميع الموجودات لاتخلو من هذين القسمين و هذا الرجل الترابي ابو البشر الجسماني الجسداني هو المستقل المتفرد في هذه المراتب كلها فهو الذي يقول انا انا في مقام المتبوع و يقول انا انا في مقام التابع و يقول انا انا في مقام الاصول و يقول انا انا في مقام الفروع و يقول انا انا في مقام المبدء و يقول انا انا في مقام المشتق و يقول انا انا في مقام المنير و يقول انا انا في مقام النور و هكذا ساير المقامات التي لاتخلو من مقامين و الكل اليه مستند و به معتمد و عنه يستمد ( يستند خ‌ل ) فهو عاد العدد بمنتهي ( و منتهي خ‌ل ) الامد فهو لا غيره و هو الذي ورد انه دابة الارض و الذي ورد انه اميرالمؤمنين عليه السلام فالمراد انه عليه السلام اياها من حيث ظهوره في عالم الاجسام و تلبسه لباس النقش و الارتسام و الا فهو عليه السلام في رتبة ذاته : بريء المعاني عن صفات الجواهر ،

يجل عن الاعراض و الاين و المتي و يكبر عن تشبيهه بالعناصر

فاستناد الكاينات و حقايق الذرات الي مقام جسمه و شخص رسمه و جسمه عليه السلام بنوره جعله الله سبحانه سببا للافاضة و الاستفاضة و الامداد و الاستمداد فقوله عليه السلام في زيارة آل يس فما شيء منا الا و انتم له السبب يريد ( يراد خ‌ل ) بهذه السببية في مقام الجسم لا الحقيقة و لكنه ليس ذلك هو الجسم الظاهر بمدلول قوله تعالي و للبسنا عليهم [ص 17] ما يلبسون و قوله تعالي قل انما انا بشر مثلكم و قوله تعالي لقد جاءكم رسول من انفسكم بل المراد به هو الجسم الذي اشار اليه مولانا السجاد عليه السلام بقوله و لو ظهرنا للناس بالصورة التي خلقنا الله عليها مارآنا احد الا و قد مات كيف لا و قد روي عن الصادق عليه السلام علي ما في الصافي و كنزالدقائق و بصائرالدرجات و غيره ( غيرها خ‌ل ) من الكتب المعتبرة ان الذي تجلي لموسي علي نبينا و آله و عليه السلام فخر موسي صعقا و اندك الجبل و هلك بنواسرائيل رجل من الكروبين امره الله سبحانه ان يتجلي لموسي اظهارا لكمال قدرته سبحانه بمقدار سم الابرة من نور ذلك الرجل و هو ملك من الكروبين و الملائكة خدامهم فما ظنك بهم سلام الله عليهم لو ظهروا بصورتهم الاصلية اذن والله هلكوا و قد ورد ان الحورية لو علقت شعرة منها بين السماء و الارض لمات اهل السموات و الارض من حسنها و طيبها و ورد ان المؤمن جالس علي سريرة ( سريره خ‌ل ) في الجنة فاذا بنور عظيم قد اشرق عليه فمن عظم ذلك النور ظن ان الجبار قد تجلي له فرفع رأسه و نظر فاذا الحورية اشرقت علي قصره و سريره فلما نظرت اليه تبسمت و هذا النور هو المشرق من ثناياه ( ثناياها خ‌ل ) فاذا كانت ثنايا الحور ( الحورية خ‌ل ) هذا صفة نوره فما ظنك بساير جسده و الجنة بحورها و قصورها كافة خلقت من نور الحسين عليه السلام فما ظنك بنوره لو ظهر .

فتبين لك مما بينا ان الذي ظهر حجاب قد احتجبوا عليهم السلام للرعية حتي يتمكنوا من رؤيتهم و ينظرون اليهم من وراء حجاب و اما جسمهم الحقيقي الذي مقام ترابهم فهو الذي باشراق نوره تذوتت الموجودات و [ص 18] تحققت الكاينات و بذلك النور الظاهر من هيكل ذلك الرجل فتح الله الوجود و به يختم فافهم المراد و كن من اهل السداد لتهتدي ( لتهدي خ‌ل ) الي سبيل الرشاد فذلك الرجل الترابي هو الذي يقول انا انا و انا انا و انا انا ( انا و انا انا خ‌ل ) و هكذا الي ما لا نهاية له تعبيرا لاستقلاله و تجوهره بالنسبة الي الكاينات و حقايق الموجودات و ما يلحقها من الاعراض و الصفات فلما ابان الرجل الطيني و الهيكل الترابي ما جعله الله له من الهيمنة و الاستقلال و الاستعلاء علي ساير الذوات ( الذرات خ‌ل ) و عبر عن ذلك بالضمير المنفصل اراد ايضاح الامر و تبيينه مع مزيد فايدة قد مرت الاشارة ( مرت و اشار خ‌ل ) اليها في مطاوي جوابه حيث كان الجواب لبيان الغير و تعليمه كما سئل اميرالمؤمنين عليه السلام رسول الله صلي الله عليه و آله عن احوال الملئكة و فضل الانبياء عليهم و هكذا ساير مسؤلات ( سؤالات خ‌ل ) الائمة عليهم السلام و الا فهم اعلم من المسؤل من انفسهم بتلك المسئلة و لو كان السؤال له عليه السلام كان قبيحا و لولا المصلحة لظهور الجواب في هذا المقام من نفس الرجل حسب ما اشرنا اليه لمااجاب بل وقف و جمد و سكن و اعترف بالعجز كما فعل سلمان لما قال لاميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الي ان ( عليه السلام الي ان خ‌ل ) قال يا محنة ايوب فلما سئله اميرالمؤمنين عليه السلام و قال ( قال خ‌ل ) اوتدري ما محنة ايوب قال لاادري و هذا الرجل افضل من سلمان بل من جميع الانبياء و اعرف و اعلم منهم فكيف يتصدي في الجواب لكن لما كانت المصلحة في جوابه بلسانه خاصة لمصلحة تقدمت الاشارة اليها اجاب .

[ص 19] ثم اراد الايضاح في الامر و الكشف عن معني قوله انا انا و انا انا فقال : انا ذات الذوات و الذات في الذوات للذات .

يعني الذوات و الحقايق و ان تأصلت و تحققت و الجواهر و ان تجوهرت الا ان تجوهرها و تحققها ( تحققها و تجوهرها خ‌ل ) بي فانا الذات التي قامت تلك الذوات و الجواهر بي فانا ذات لها فهي بالنسبة الي اعراض و ان كانت ذواتا و جواهر و الي هذا المعني اشار الشاعر بقوله في مدحه عليه السلام :

يا جوهرا قام الوجود به و الناس بعدك كلهم عرض

و هذا العرض القائم ليس قيامه عروضيا كالالوان للاجسام بل القيام صدوري كقيام الاشعة بالمنير و الانوار بالشمس و الصور في المرايا بالشاخص الخارجي فلما بين الرجل انه الذات لتلك الحقايق و انها قائمة به اراد ان يبين ان هذا القيام اي قيام الاشياء به و تقويمه ( الاشياء و تقويمه خ‌ل ) اياها ليس باستقلال من نفسه و لا مشاركة مع ربه و لا تفويض يوجب الاعتزال بل هو عبد و ملك ( ملك و عبد خ‌ل ) للذات الحق سبحانه لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا ( موتا و لا حيوة و لا نشورا خ‌ل ) و هو سبحانه القائم علي كل نفس بما كسبت و لكن هذه الذات جعلها الله سبحانه سببا لقيام الاشياء و تحققها و في الزيارة فما شيء منا الا و انتم له السبب ، كما ان الماء و التراب سبب للزرع و الله سبحانه هو الزارع فنفي عن نفسه الاستقلال و اثبت انها ملك للغير و حقيقتها الطين و اصلها الطين و مرجعها الطين و مع ذلك مصدر هذه الافعال العجيبة و الآثار الغريبة و اول جواهر العلل فلايتوهمن متوهم انه مستقل في اظهار هذه الافعال و الآثار او له شراكة مع الله سبحانه او ان الله سبحانه فوض اليه الامر بل هو السبب الاعظم في الافاضة و الامداد و [ص 20] الاعطاء و الله سبحانه هو الذي ( سبحانه الذي خ‌ل ) يجري فعله بالاسباب حتي اشتهر عند جميع الناس من العوام و الخواص ان الله سبحانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و ذلك شيء معلوم .

ثم قال ( قال خ‌ل ) عليه السلام : قال عرفت قلت ( فقلت خ‌ل ) نعم قال فامسك .

و هذا القول من الرجل لاميرالمؤمنين عليه السلام مع كماله و معرفته و علمه بانه عليه السلام اعلم بنفسه من نفسه فضلا عما يتعلق بغيره كان من باب اياك اعني و اسمعي يا جارة فالمقصود الرعية الغير المطلعين كما ان الله سبحانه بعد ان قص في القرآن قصة نوح و ساير الانبياء قال و كلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك و هو صلي الله عليه و آله كان ( و كان خ‌ل ) ثابت الفؤاد قبل ان يخلق آدم لانه صلي الله عليه و آله كان نبيا و آدم بين الماء و الطين و ذلك ايضا يراد به قومه و ان خاطبه بنفسه صلي الله عليه و آله و كذلك قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و اي ذنب كان لرسول الله صلي الله عليه و آله و بالجملة فقد قال الصادق عليه السلام القرآن من باب اياك اعني و اسمعي يا جارة ، و كذلك قول الرجل لامير المؤمنين عليه السلام عرفت فانه يريد به قومه و شيعته و ذلك ظاهر معلوم ثم انه عليه السلام اجاب عن شيعته قال نعم كما اجاب رسول الله صلي الله عليه و آله عن امته لما عرض عليه التكليف و اجاب صلي الله عليه و آله و قبل قال تعالي آمن الرسول بما انزل اليه ثم انه صلي الله عليه و آله اجاب عن امته كما اخبر الله عنه و قال و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه الآية ، و كذلك في هذا المقام اجاب اميرالمؤمنين عليه السلام عن امته فقال نعم ثم [ص 21] اوصي امته و رعيته و شيعته بالامساك و حفظ السر و عدم اذاعته ما دامت الدولة للفاسقين فقال امسك من باب اياك اعني و اسمعي يا جارة فافهم الكلام .

و هذا الذي جري علي قلمي مع كمال الاستعجال و اختلال البال من المعني الواحد من معاني هذا الحديث الشريف مما ظهر لهذا الحقير المعترف بالتقصير و القصور ( بالقصور و التقصير خ‌ل ) و لو اردنا شرح جميع ما اعرف من معانيه لاقتضي مجلدا كبيرا و انا في شغل عن ذلك و الحمد لله اولا و آخرا و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و كتب مؤلفها يوم الاثنين تاسع شهر جمادي‌الثانية من شهور سنة ١٢٥٨ حامدا مصليا مستغفرا .