و اما نهاية ترقيهم فلا نهاية لها لان الله سبحانه و تعالي خلق الجن ( الخلق خ‌ل ) للبقاء دون الفناء و انما ينقلهم من دار الي دار لاستكمالهم و ترقيهم [ص 46] صعودا و ( او خ‌ل ) نزولا لان السكون في الامكان محال و البقاء بدون الترقي بعد رفع الموانع محال آخر لان الله سبحانه و تعالي لايختار الا ما هو الاكمل و لا شك ان الكمال و عدم وقوفه الي حد اشرف من النقصان و هو سبحانه و تعالي لايترك الاولي فقال تعالي في الحديث القدسي كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية الخ ، فلاتنتهي ترقياتهم الي حد ينقطعون ( يقطعون خ‌ل ) دونه كلا و حاشا اماسمعت ان من ضرورة الاسلام ان الجنة و النار لاتفنيان ابدا و كلما تطول المداء يزداد اهلهما نعيما و اليما فاين الوقوف و عدم الترقي فان كان مرادهم في الدنيا فكذلك لان بذر المعرفة اذا تزرع ( انزرع خ‌ل ) في ارض القلب تخرج شجرة تنبت بالدهن و صبغ للآكلين و هي الشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و كذلك بذر الانكار اذا تزرع ( انزرع خ‌ل ) في قلب و سقي ماء حميم من الوساوس و الشكوك و الشبهات تخرج شجرة في اصل الجحيم طلعها كأنه رؤس الشياطين فآكلون منها فمالئون منها البطون و بالجملة فترقيهم لا نهاية له و لا غاية و لكن فليكن عندك معلوم ان الجن بجميع الترقيات الغير المتناهية لايصلون الي مقام الانس بحال من الاحوال بل و لا الي جزء من مأة‌الف جزء من رأس الشعير من مقامات الانس و مراتبهم لاستحالة وصول الشعاع الي مقام المنير و الفرع الي رتبة الاصل و هم يترقون الي ما لا نهاية له و لكنهم في رتبة مقامهم و قد قال عز و جل و ما منا الا له مقام معلوم و يستحيل الترقي ان يكون في السلسلة الطولية و الا جاز للممكن ان يكون واجبا و الضرورة قضت [ص 47] ببطلانه انظر الي ترقي الجماد الميت الي ان صار اكسيرا فعالا يطرح الواحد علي العشرة ( عشرة خ‌ل ) ثم يترقي الي ان يطرح علي المأة ثم الي الالف و هكذا لكنه لايصعد عن مقام الجماد و لايصل الي مقام الحيوان و ما يتراءي في بادي النظر فانه ليس كذلك و ان قال بعضهم فانه كلام قشري ان الجماد يكون نباتا و النبات يكون حيوانا و الحيوان يكون انسانا و هو كلام قشري لا تحقيقي فان الجماد لم‌يكن نباتا و انما صار محلا ( محلا صالحا خ‌ل ) لظهور النبات كالمرآة صالحة لاظهار مثال الشمس فلايقال ان المرآة كانت نورا او كانت شمسا فاعتبر بذلك جميع المراتب و المقامات فالجن يترقون في مقامهم بلا نهاية و لا حد لذلك و الانس كذلك في مقامهم و حقيقة الانبياء في مقامها و الحقيقة المحمدية صلي الله عليها في مقامها و هكذا الاشياء تدور و تسير كل في مركزه بلا نهاية و انما رددت الكلام و كررته للتفهيم .

و اما الفايدة في خلقة الجن فما اغفلك عن قوله تعالي و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و في الزيارة خلق الخلق لعبادته و دعاهم الي طاعته فشقي و سعيد فالسعيد من يتوليكم و الشقي من عاديكم و هكذا الفايدة في خلق كل شيء و ذلك لاينافي ان يكون شيء تابعا لشيء او متبوعا لشيء فرعا لشيء و اصلا لشيء دالا علي شيء و مدلولا لشيء ( مدلولا لشيء كتابا لشيء و مكتوبا لشيء شرطا لشيء و مشروطا لشيء خ‌ل ) لازما لشيء و ملزوما لشيء و متمما لشيء و مكملا لشيء فاعلا لشيء و منفعلا عن شيء ظاهرا لشيء و باطنا لشيء و هكذا ربط الموجودات و اتصالاتها و الله سبحانه خلق كل شيء لطاعته و عبادته ليحصل له الترقي الي مقام قربه و [ص 48] نجواه ليظهر به كرمه الا ان الاشياء بعضها اصل و بعضها فرع و القول بان الغاية و الفايدة خلقة الانسان الكامل كلام مجمل فان كان مرادكم بالانسان الكامل هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليها فصحيح و يدل عليه تأويل قوله تعالي و اصطنعتك لنفسي و قوله تعالي في الحديث القدسي خلقتك لاجلي و خلقت الخلق لاجلك ، و في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام في بيان خلقة نور النبي صلي الله عليه و آله الي ان قال عليه السلام فخر نور النبي مغشيا عليه الف سنة فلما افاق اوحي الله اليه انت الحبيب و انت المحبوب و انت المراد و انت المريد خلقتك لاجلي و خلقت الخلق لاجلك و بالجملة هذا شيء معلوم لا سترة عليه و قد قام عليه اجماع المسلمين و هو ( فهو خ‌ل ) صلي الله عليه و آله غاية الايجاد و علته فلولاه ماكان موجودا و لا مفقودا و لا ظاهرا و لا باطنا و لا عاليا و لا سافلا و لا سماء و لا ارضا و لا برا و لا بحرا و لا غيبا و لا شهودا و لا نورا و لا ظلمة و لا تابعا و لا متبوعا و ذلك لاينافي ان يكون خلقة غيره للعبادة التي هي الغاية في اصل الوجود كما انها غاية وجوده فعبادة الانبياء عليهم السلام لله تعالي لاتتم الا بالاقرار و الاعتراف بالحقيقة المحمدية صلي الله عليها ( بالحقيقة المقدسة خ‌ل ) و خضوعهم و خشوعهم لها و انقيادهم لامرها و نهيها و كذلك عبادة الانسان لله تعالي لاتتم الا بالاعتراف بالحقيقة و بالانبياء و خضوعهم و خشوعهم و تذللهم لهم و انقيادهم و طاعتهم لهم فلو اخلوا بشيء من هذا ماتمت عبادتهم لله و ماعبدوا الله فان العبادة لاتكون الا علي الوجه الذي [ص 49] قرره الله و بالجملة فكل شيء يعبد الله و خلق لعبادة الله الا ان العبادة لها شرايط و آداب تكفلت الشريعة المطهرة لاثباتها و تحقيقها في جميع اطوارها و احوالها و ان كان مرادكم بالانسان الكامل الذي هو غاية الايجاد كل من هو علي الصورة الانسانية ممنوع غاية المنع لان الغاية في الشيء هي العلة لوجوده و كل احد ليست له هذه القابلية مع ان الكامل المطلق لايكون الا من طهره الله عن ادناس لوازم الامكان و اما ما سوي ذلك فلايتحقق فيه الكمال المطلق فافهم .

ثم اعلم انه قد اشتهر بين العلماء من الفرقة المحقة و جرت به الالسن ان آل‌محمد صلي الله عليهم هم غاية الايجاد و هم العلة الغائية و هذا الكلام لاينطبق علي ما اتفقت كلمة العلماء كافة من الحكماء و غيرهم ان العلة الغائية مقدمة في الذكر و مؤخرة في الوجود كالجلوس الذي هو غاية للسرير و الاكل الذي هو غاية للطبخ و امثال ذلك لانهم صرحوا ان العلة الفاعلية و الغائية خارجتان عن حقيقة المعلول الا ان العلة الغائية مقدمة في الذكر و مؤخر ( مؤخرة خ‌ل ) في الوجود و العلة الفاعلية مقدمة في الوجود و الذكر و العلة المادية و الصورية داخلتان في حقيقة المعلول و هذا كلام صحيح لا شك فيه و لا ريب يعتريه تشمله الادلة و يطابقه الحس و التجربة و شاهده الوجدان و العيان فعلي هذا لو كان آل‌محمد صلي الله عليهم هم العلة الغائية علي ما اتفقت عليه كلمتهم ظاهرا يلزم احد الامرين احدهما ان الله سبحانه قد فرغ من الامر و الخلق بعد ايجادهم سلام الله عليهم في هذه الدنيا كما زعمت [ص 50] اليهود و قالت يد الله مغلولة لان العلة الغائية يجب ان تكون بعد وجود المعلول فبعد ظهور الغاية لم‌يبق للمعلول شيء يتوقع في الوجود فاذا قلنا انهم سلام الله عليهم العلة الغائية لكل العوالم و الموجودات فبعد ان وجدوا و تم ظهورهم وجب ان يكون قد تمت خلقة العالم و فرغ الله سبحانه عن الايجاد و هذا هو قول اليهود بعينه و ثانيهما يجب ان لايخلق آل‌محمد سلام الله عليهم بعد لان الله سبحانه كل يوم في شأن و الخلق دائما يتجدد و هم الغاية في الخلق فوجب ان لم‌يخلق بعد و ضرورة الاسلام و الايمان و العقل تقتضي بطلان ( ببطلان خ‌ل ) هذين الامرين فاذا فما معني قولهم ان رسول الله صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام هي ( هم خ ) الغاية و العلة لوجود العالم فيجب حمل كلامهم علي التجوز بزعمهم و انهم ليسوا بالعلة الغائية التي هي من العلل الاربع و انما مرادهم بالغاية هي الاصل لان الله سبحانه خلقهم اولا و خلق الخلق من شعاع نورهم و فيض جودهم و جعل الخلق فرعا لوجودهم كما خلق الشمس و خلق الشعاع عنها و جعله فرعا لوجودها و مظهرا لاحكامها فعلي هذا كل اصل بالنسبة الي فرعه هذا حكمه فالانسان الكامل الذي هو الحقيقة المقدسة صلي الله عليها اصل الاصول و اسطقس الاسطقسات و ايس الايسات ( الايسيات خ‌ل ) و جوهر الجواهر و اوايل جواهر العلل و الخلق ما سويها فروع لها و اشعة لانوارها يتوجهون الي الله تعالي بها و يعبدون الله بدلالتها و كذلك من دونها و اقرب الحقايق اليها اصل لما عداه و هكذا تترامي السلسلة الي الجن و هم فروع و اشعة [ص 51] لحقيقة الانسان و لكنهم ذوات و جواهر اصول بالنسبة الي من دونهم من حقيقة البهايم و النباتات و الجمادات و ساير اطوار الكاينات و هم عون للامام الظاهر في اجراء افعاله و شؤنه في مقتضياته اذا كان له ارادة مثلا و مصلحة في الامكنة ( الاماكن خ‌ل ) البعيدة كالهند و الصين يبعثهم و يستخدمهم و قد سمعت سابقا استخدام سليمان النبي عليه السلام اياهم و فعلهم عجايب الصنايع له عليه السلام و كذلك الجن عون للشيعة يدفعون عنها المضار و يجلبون اليهم المنافع لقد جرت لهم معي قصة طويلة في دفع المضرة عني و جلب الخير الي و لااحب ان اذكر هنا لئلااهتك ستر بعض الاشرار و لااظهر خزيهم و العار و استعنت بالله و توكلت عليه في الاعلان ( بالاعلان خ‌ل ) و الاسرار و هو حسبي و نعم الوكيل .

و بالجملة فوجود الجن من اعظم الفوايد و المنافع لكنها مستورة الآن في اعين ابناء هذا الزمان و اذا استقلت دولة الحق و ظهر المستور الغايب عجل الله فرجه تتبين فوايدهم لانهم يظهرون بالعيان و يشاهدهم كل انسان و يتبين هناك ان فايدتهم كفائدة خلق الانسان الا ان كلا في مقامه .

فتبين من هذا البيان التام ان الغاية في ايجاد الاشياء لاسيما الجن و الانس معرفة الله من توحيده و عبادته لا غير و كلما سوي التوحيد و العبادة يرجع اليهما و ما قلت من ان الفائدة و الغاية خلقة الانسان الكامل معناه ان الله سبحانه خلق ذلك الانسان الكامل اولا و افتتح به الايجاد فكذلك اختتم به و في الزيارة بكم فتح الله و بكم يختم ، و هذا المعني و ان كان في الحقيقة يوجد في الانسان الواحد الكامل [ص 52] و نفسه و من هو من سنخه لكنه يجري في كل شيء بحسبه لان كل شيء له فروع و له اشعة و له صفات و له آثار تتبع ذاته و تتفرع عليها و تقوم بها و اصل بالنسبة اليها و ان كان فرعا بالنسبة الي اعلي منها و الي هذا المعني اشير في الزيارة السلام علي الاصل القديم و الفرع الكريم ، فهو عليه السلام اصل بالنسبة الي ما عداه مما تحته و فرع بالنسبة الي رسول الله صلي الله عليه و آله و من هذا البيان التام افهم معني قوله عليه السلام كلكم راعون و كلكم مسئولون عن رعيته فافهم و علي من يفهم الكلام السلام .

قال سلمه الله تعالي : و علي تقدير تشكلهم بالصور و الاشكال فهل هذا التشكل و التصور بالصور المختلفة حقيقي اصلي او مجازي صوري تصوروا ( تصورا خ‌ل ) لمحض المشابهة و هل هنا انقلاب حقيقة ام لا و يقولون انهم مظاهر قدرة الله الي اي مقام و مرتبة هم مظاهر القدرة و بالجملة بينوا لنا في هذا الباب بيانا كاملا و حققوا تحقيقا شاملا يشمل جميع احوالهم من العقل و الشرع و بينوا لنا علة رؤية ارباب التسخير اياهم دون غيرهم و ما العلاج في دفع ضررهم و اذياتهم .

اقول قولكم تشكلهم بتلك الاشكال حقيقي او مجازي ما المراد منه ان كان مرادكم ان تلك الصورة و ذلك التشكل يخرجهم عما هم عليه من كينونة انفسهم كما اذا تصور الكلب بصورة الملح و تصور الهواء بصورة الماء و الماء بصورة الهواء و النار فليس كذلك بل هم عند تصورهم بالصور المختلفة باقون علي ما هم عليه من الحقيقة و الذات و المشاعر و المدارك [ص 53] و غير ذلك و ذلك كتصور جبرئيل بصورة دحية بن خليفة الكلبي كانقلاب الانسان من صورة الصغر الي الكبر و من السمن الي الهزال و من الصفرة الي الحمرة و من البياض الي السواد و من الطول الي القصر و امثال ذلك و هذا في الانسان تدريجي لانجماد طينتهم و اما في الجن فدفعي لذوبان فطرتهم يتشكلون باي شكل شاؤا كالشمعة التي تصورها باي صورة اردت فاذا اردت بالحقيقي المعني الاول و بالمجازي الثاني فالتشكل مجازي لا حقيقي و ان اردت بالمجازي اختلال العين و تصرف الجن بالقوة الباصرة علي حسب ما يتخيلون كما يفعله اصحاب علم السيميا الذين سخروا الملئكة الثلاثة شمعون و زيتون و سيمون فانهم يظهرون كل صورة يتخيلونها بالحس الظاهر لكنها صورة ظاهرية لا حقيقة لها و انما بقاؤها ما دام خيال المسخر فان اردت الصوري المجازي هذا المعني فتصور الجن و تشكلهم حقيقي ليس بهذا الوجه لان هذا الوجه لا اختصاص له بالجن و انما هو شأن كل احد اذا استعمل ذلك الفن مع انه خرص و احتمال ماقام عليه دليل و لا برهان و كذلك ما قال بعضهم مما نقلنا عنه سابقا من ان تشكلهم بالصور المختلفة عبارة عن تشكل الهواء المطيف بهم فان ذلك ايضا مجاز لا حقيقة فان الجن لم‌يتصوروا بل المتصور ذلك الهواء لا غير و حيث ان المتصرف فيه الجن نسبت الصورة اليه تجوزا بل الحق الحقيق بالتحقيق و التصديق ان تتغير الصورة و تبدل الهيئة و هذا لا اختصاص له بالجن بل انت ايضا اذا لطف سرك و اعتدلت طباعك تتمكن بامر الله سبحانه من ذلك [ص 54] كما تقدم اذ من المستبين ان الصورة التي انت عليها و الحلية التي منك تري عرض في جوهرك فيزيل الله ذلك العرض و يلبسك ما اردت ان تظهر به من صور الاعراض التي هي لانسان او لحيوان او نبات او جماد و جوهرك باق و روحك المدبر علي ما هو عليه من العقل و جميع القوي باق و الصورة صورة جماد او نبات او حيوان او انسان و العقل عقل انسان و هو متمكن من النطق و الكلام فان شاء تكلم باي لسان انطقه الله سبحانه فحكمه حكم عين الصورة كما ان الروح اذا تجسد اذا رأيته في صورة البشر لا بد ان يتكلم بكلام البشر او بصورة حيوان يتكلم بكلام ذلك الحيوان بخلاف الانسان او الجن اذا تصوروا بغير صورتهم ينطقون بنطقهم و يتكلمون بكلامهم فافهم و احفظ و ابن علي هذا امرك فان الجن لغلبة النارية و الهوائية تشكلها دفعي لا تدريجي و الانس منجمد يحتاج الي اذابة المنجمد و حل المنعقد بالعلم و العمل و اما في التصوير الحقيقي فالحكم واحد فان قلت ان التصور و التشكل لو كان كما ذكرت يجب ان لايمكن ان يري الشيء الواحد في الوقت الواحد بالصور العديدة المختلفة لانه حين نزع صورة و لبس اخري لايمكن حين تلبسه بها يلبس اخري لاجتماع الضدين الا علي النحو ( نحو خ ) الصورتين المتقدمتين مما يستعمله اهل السيميا او تصوير الهواء المطيف بذلك الجوهر لكن التالي باطل لان الائمة عليهم السلام قد ظهروا في وقت واحد و زمان واحد لاشخاص متعددين بالصور المتعددة و ظهور اميرالمؤمنين عليه السلام في ليلة واحدة في وقت واحد لاربعين [ص 55] شخص معلوم مشهور و ظهور مولينا العسكري عليه السلام مع القائم عجل الله فرجه لثلاثة اشخاص من اهل قم منهم احمد بن اسحق (ره) مزبور و مسطور و الملازمة ظاهرة قلت ان حكم الائمة عليهم السلام و ظهورهم بالنسبة الي من عداهم غير ظهور غيرهم بعضهم لبعض فانهم سلام الله عليهم علل لوجودهم و الخلق مرايا و حملة لاشراق ظهورهم و ابراز نورهم كظهور نور الشمس في القوابل من المرايا و البلور و غيرهما ( غيرها خ‌ل ) فالمرايا اذا كانت قوابلها متطابقة تري الصور و الاشباح علي عدد المرايا متطابقة و لذا ( لذا رأي خ‌ل . لذا تري خ ) اربعون واحدا كلهم يقول انه اميرالمؤمنين عليه السلام و اذا كانت المرايا مختلفة فتختلف الاشباح و الصور فيها علي حسب اختلاف المرايا فيري الناظر الاشباح مختلفة كل مرآة تحكي ما فيه فيصفون ذلك الامر الواحد مختلفا كما وصف اولئك القميون كل منهم الامامين عليهما السلام بوصف غير وصف الآخر و الكل صادقون يخبرون عن ظهورهما عليهما السلام لهم بهم فاختلافهم دليل اختلاف قوابل حقايقهم و كذلك ظهورهم عليهم السلام للاموات عند الاحتضار يظهرون لكل احد علي حسب ما هو عليه من قوة النور و ضعفه و ان كانت قوابل الموتي الذين لهم قابلية حضورهم قد اشتركت في التصفية البالغة حتي تأهلت لظهورهم فيها و تجليهم عليها و هذا التجلي و الاشراق لم‌يبرحا مع كل احد الا ان الظهور التام لايكون الا بكمال التوجه و هو لايكون الا بقطع العلايق و هو في الغالب يكون عند الموت فتلك الصور التي يظهرون بها سلام الله عليهم ليست نزع صورة و لبس اخري بل انما هي اشباح و امثال و آيات قال تعالي سنريهم آياتنا في [ص 56] الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قد قال مولينا الصادق عليه السلام اي آية اري الله الخلق في الآفاق و في انفس الخلايق غيرنا و هذا بخلاف الجن فانهم يلبسون صورة و ينزعون اخري و هكذا و لايسعهم يظهرون في وقت واحد بآن واحد في شخص واحد بصور متعددة كما في الائمة عليهم السلام الا ان يستعملوا تلك الوجوه من عمل السيميا و ما يستعمله السحرة الاشقياء و ذلك خلاف مقتضي كينونتهم و مقتضي مقامهم و مرتبتهم .

احقاق حق و ازهاق باطل

اعلم ان بعض اهل التلبيس و التمويه يموهون علي الناس بانهم يحضرون الارواح من الجنة و النار اذا شاءوا و كل ذلك تمويه و تلبيس و هم اعجز من ان يخرجوا من حبسهم الله سبحانه في سجن جهنم او انعم عليهم بدخول الجنة ليخرجوهم منهما و انما سخر لهؤلاء الجن فيتصورون بصورة ذلك الاشخاص الذين في الجنة او النار و يعلمون احوالهم بنظر الكواكب و قراناتها و استعمال العلوم التي تكشف المغيبات و هم مع ذلك بين صدوق و كذوب و هو قوله تعالي قل هل انبئكم علي من تنزل الشياطين تنزل علي كل افاك اثيم يلقون السمع و اكثرهم كاذبون و هؤلاء تصويرهم بتلك الاشكال لمحض المشابهة لا غير فليسوا اولئك الاشخاص بل انما ظهروا علي صورتهم و هيكلهم فيظن الناس انهم هم و ليسوا هم و انهم لكاذبون .

و اما قولكم بانقلاب الحقيقة فليس هناك انقلاب حقيقة فان هذا الاختلاف في التشكل في الجسم التعليمي لا غير و الاختلاف في الجسم التعليمي لايوجب الاختلاف في الجسم الطبيعي كما لايوجب اختلاف الشخص بالصغر و الكبر [ص 57] و السمن و الهزال و الحمرة و الصفرة و المرض و الصحة و امثالها اختلافا في حقيقة ( حقيقته خ‌ل ) و ان تبدلت صوره و امثاله فالحقيقة باقية غير منقلبة فلايلزم انقلاب الحقيقة عند تغير ( تغيير خ‌ل ) الجسم التعليمي نعم باختلاف الجسم الطبيعي يوجب الاختلاف في حقيقة الجسم و كذلك الروح و ذلك معلوم واضح لا شك فيه و لا ريب يعتريه .

و اما ما نقلت عن ذلك القائل من ان الجن مظاهر قدرة الله فكلام صوري فان كل شيء من الاشياء و كل موجود من الموجودات مظاهر قدرة الله سبحانه لانه سبحانه اظهر قدرته في تكوينه ثم في تعيينه ( تعينه خ‌ل ) ثم في قدره ثم في قضائه ثم في الاذن لبروزه ثم في كتاب ( كتابه خ ) الذي هو اللوح الحافظ لاطواره و مراتبه ثم في تجدده و تنقله من حال الي حال و طور الي طور و وضع الي وضع و سكون بعد حركة و حركة بعد سكون و ضعف بعد قوة و قوة بعد ضعف و ظهور بعد خفاء و خفاء بعد ظهور و علم بعد جهل و جهل بعد علم و ذكر بعد نسيان و نسيان بعد ذكر و كراهة بعد ميل و ميل بعد كراهة و زيادة بعد نقصان و نقصان بعد زيادة و هكذا في اطوار الشيء و اكواره و ادواره و اوطاره بما يلزمه من متمماته و مكملاته و ما له و عليه و فيه و به و عنه و منه و لديه و ساير احواله فهو بكل طور من هذه الاطوار مظهر قدرة لله ( الله خ‌ل ) عظيمة و نعمة منه جسيمة لاتحصي تلك النعماء و لاتعد تلك الآلاء و لاتقابل تلك القدرة بل تستقهر عندها كل نسمة و لكن مع هذا كله فالاشياء تختلف في هذه المظهرية علي حسب مقامها في الجامعية فكلما هو اقرب الي المبدء يظهر سر الجامعية فيه اعظم فيكون في مظهرية [ص 58] القدرة اعلي و اعظم فاول مظاهر القدرة الحقيقة المحمدية صلي الله عليها و هي مظهر قدرة الله التي استطال بها علي كل شيء و كل مذروء و مبروء من متحرك و ساكن و حاضر و غايب و مجمل و مفصل و ظاهر و باطن و سر و علانية و بالجملة تلك الحقيقة حاملة ( حامل خ‌ل ) القدرة التي نفذت و ظهرت في كل شيء مما وجد في الامكان الي ما لا نهاية له ثم بعدها فالانبياء هم مظاهر القدرة و حملة الهيمنة و مهابط ظهور القيومية في الموجودات كلها بعد الحقيقة المقدسة المقدمة ثم بعدها فالانسان الرعية هم مظاهر القدرة و حملة الفيض الالهي الي جميع الرعية دونهم ثم بعدها فالجن مظاهر القدرة و مهابط الهيمنة الي من دونهم من كل ذرة ثم بعدها فالبهايم من الحيوانات مظاهر القدرة و هكذا تترامي السلسلة الي الجماد ثم الي اشباحها و اشباح اشباحها و اشباح اشباح اشباحها هكذا الي ما لا نهاية له كل اقرب منها اتم في المظهرية و اعلي في حمل القيومية فمظهرية الجن بحسب مقامهم و مرتبتهم لا مطلقا و لكن لما كان في قوس الصعود بعد تمام قوس النزول انجمد الانس الرعية بعض افرادها من الساكنين في الاقاليم السبعة لامور و حكم و مصالح يطول بذكرها الكلام الا ان حصول هذا الامر فيهم غني عن البرهان و الدليل و تجشم القال و القيل و انما خصصناهم بسكنة الاقاليم السبعة لاخراج ما عداهم من اهل جابلقا و جابلصا و الجزيرة الخضراء و التسعة و الثلثون عالما التي من وراء جبل قاف و امثالها من العوالم الالف الف كل اولئك ماجمدوا و لاانعقدوا بل نار غرائزهم ظاهرة و ذوبان طبيعتهم [ص 59] حاصل و اني للجن و ما يظهر من اولئك من الافعال العجيبة و الاطوار الغريبة فظهور القدرة فيهم اعظم و اعظم و اعظم و المظهرية فيهم اتم و اما اهل الاقاليم السبعة فحيث انجمدت غرائزهم بقوا لا تصرف لهم و لا سرعة انقلاب فيهم الا بمجاهدات و رياضات عظيمة شاقة و هي ايضا لاتحصل الا في افراد نادرة اذا نسبتهم الي غيرهم يكونون ( يكون خ‌ل ) كالمعدوم و اما الجن فلاجل غلبة النار فيهم لان النار في الجن خمسون جزء و التراب سبعمأة جزء و اذا اتصل النار بالتراب لاجل موافقتها معه في نصف الطبيعة تتقوي الحرارة و تلين الطبيعة و تجعلها صالحة لكل صورة و محلا لظهور كل فعل خارق لعادة الانسان من اهل هذه الاقاليم ما دام باقيا علي الانجماد و ما يظهر من الجن من الآثار و الافعال كلها اقوي مما يظهر من الانس فكانت افعال الجن خارقة لعادة افعال الانس فظهور القدرة في الجن في هذه الصورة اكثر من الانس و من هذه الجهة سماه بعض من ليس له ضرس قاطع في العلم مظاهر القدرة صورة ظاهرية و الا فالانس بحسب الحقيقة اولي بهذه المظهرية فافهم الكلام فقد اوقفتك علي جوامع العلوم و اسمعتك تغريد الورقاء علي الافنان بفنون الالحان .

و اما العلة في رؤية ارباب التسخير فان تلك العزائم و الاحوال و الاذكار و الاوراد علي الوجوه المخصوصة تقوي بصرهم فيرونهم و يشاهدونهم و اما بدون تلك العزائم و الاسماء و الاذكار علي الاوضاع الخاصة و الترتيبات الخاصة فلايقدرون علي رؤيتهم و قد يتفق لبعض المؤمنين في كل الاحوال مشاهدتهم من دون تلك العزائم و [ص 60] الترتيبات الخاصة و قد يتفق لبعضهم في حال دون حال علي حسب لطف سره و صفاء حسه و ذلك معلوم ظاهر .

و اما علاج دفع اذيتهم فشيئين ( فبشيئين خ‌ل ) الاول ان لاتخاف منهم بمعني ان لاتجعل في قلبك منهم خوف ( خوفا خ ) اذا رأيتهم لانهم اقل مرتبة منك و انهم محتاجون اليك و الي نبيك صلي الله عليه و آله و لست بمحتاج ( محتاجا خ‌ل ) اليهم و لا الي نبيهم و انت اعلم منهم و ابصر بمعرفة دينك و انهم خلقوا من شعاع نورك فحينئذ اي محل للخوف منهم و صورتهم و ان كانت مهولة لكنك اذا تثبت و عرفت مقامك و مقامهم يذهب عنك الهول الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن ان ربنا لغفور شكور و الثاني تلاوة القرآن لاسيما آية الكرسي و الادعية المأثورة عن اهل البيت عليهم السلام و هي كثيرة موجودة في كتب الادعية من تصانيف العالم الزاهر جمال الدين بن طاوس و كتب المجلسي (ره) و غيرهما تتبع تجد فاني في شغل عن كتابة تلك الادعية و الاوراد و اعمل بقوله عليه السلام خذ من القرآن ما شئت تسلم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

قد فرغ من انشادها منشيها يوم الاربعاء الحادي و العشرين من شهر رجب و ذلك في الهور حين التوجه لزيارة اميرالمؤمنين عليه السلام في السنة السابعة من بعد الخمسين و الالف و المأتين حامدا و مسلما و شاكرا و الحمد لله اولا و آخرا .