رسالة في جواب الشيخ محمد بن الشيخ علي بن عبدالجبار القطيفي
و في بعض النسخ الشيخ محمد بن الشيخ عبدعلي بن عبدالجبار
عن عشر مسائل منها معني العلم نقطة كثرها الجاهلون
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد الامين و آله الطيبين الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي قد ارسل الي الشيخ الممجد الشيخ محمد ابن الشيخ عبدعلي بن عبدالجبار امده ( آمنه خل ) الله من الخطا و الخلل و سدده في القول و العمل ارسل الي بمسائل عرضت له في حال بلبال و تشويش احوال و لكن لما اعتني بها في مثل ذلك الحال وجب علي اذ ذاك اجابة السؤال اسعافا لطلبته و اجابة لمسئلته فنسخت صورة سؤاله علي مجري عادتي معه و مع امثاله و الله المستعان و عليه التكلان .
قال ايده الله تعالي : و نلتمس من جناب مولانا ان يمن بجواب هذه المسائل سريعا و هي : ما معني العلم نقطة كثرها الجاهلون ما الوجوه المحتملة فيه علي حسب المقامات و ما هذه النقطة التي تجتمع ( تجمع خل ) الشتات و ما هذا العلم .
اقول صورة الحديث علي ما رواه في المجلي العلم نقطة كثرها الجهال ، و بالجملة فان التفاوت في الجملة سهل بعد دخول الالف و اللام المفيدة للعموم و اما كون العلم نقطة فلأنه لا اختلاف فيه و لا في مسائله في الحقيقة و انما الاختلاف في مراتبه بحسب تفاوت مراتب المعلوم و لهذا كانت ايات الكتاب و اخبار السنة مختلفة و هي في الحقيقة متفقة الا ان معني هذا الحديث في كذا و معني الاخر في كذا كما ورد عنهم عليهم السلم انهم لايعلمون الغيب حتي تبرءوا ممن يزعم ذلك فيهم و ورد انهم يعلمون كل شيء مما كان و مما يكون ، فعلي تكثير العلم عند الجهال [ص 3] قال بعضهم لايعلمون الغيب و من ادعاه فيهم فهو غال كافر و قال بعضهم هم يعلمون الغيب و تلك الاخبار محمولة علي التقية و هذان القولان من تكثير العلم و اما علي انه نقطة فحيث ان دعوي علم الغيب قد لايحتمله من يسمعه اذ ليس كلما يعلم يقال و لا كلما يقال آن وقته و لا كلما آن وقته حضر اهله و انهم يتكلمون بالكلمة و يريدون منها احد سبعين وجها فاذا قلنا انهم لايعلمون الغيب فالمراد بالغيب الذي لايعلمونه هو غيب الهوية و رتبة الازلية لامتناع ذلك علي مقام الامكان و انما اريد هذا المعني دون غيره مع اطلاق اللفظ من غير بيان دفعا لظنون الغالين و ازالة لتزويق المبطلين و لو بين هذا الاطلاق و قيد لماانطفت نائرة الجهال و لكنه بين لاهل التبيين و عرف لتأسيس اليقين و اذا قلنا انهم لايعلمون ( يعلمون خل ) الغيب فالمراد انهم يعلمون كلما سوي مرتبة الوجوب مما حواه الامكان من ذرات الوجود فلا منافاة و كذلك الكلام في الحقيقة و المجاز في اليد فان يد الله حقيقة و اذا قلنا ليس له جارحة فكذلك و كذلك في رحمة الله و عينه فالقول بانه ( بان ذلك خل ) مجاز و لايصح الحقيقة تكثير ( تكثيرا خل ) للعلم و الاصل في ذلك ما قلنا ان العلم شيء واحد بسيط باعتبار انه ليس علي انحاء مختلفة الكينونة لاستلزام اختلاف الكينونة اختلاف الذات البسيطة هذا خلف بيان ذلك ان العلم صورة المعلوم و العلم ذات العالم و كينونته التي هي كونه علي ما هو عليه فلا اختلاف في الذات البسيطة و اختلاف المظاهر لاختلاف المراتب و القابليات لايوجب اختلاف الذات الظاهرة بخلاف ما لو اختلف المظاهر مع اتحاد الرتبة و الجهة فانها تدل علي اختلاف الذات و جميع علوم الخلق ان جرت علي كينونة واحدة بان يكون الاختلاف انما هو بالمراتب تكون نقطة [ص 4] و ان اختلفت في انفسها وجبت ( اوجبت خل ) اختلاف الذات و هو ممتنع لان احدا لايشك انه اذا حكم شخص بحرارة النار و شخص ببرودتها لا باعتبار اخر بل بالاعتبار الذي حكم به الاخر بالحرارة ان ذلك لايصح ان يحكم بكون كل واحد من الحكمين علما و ان ذلك انما صدر عن الجهل فتسمية كل منهما ( منهما علما خل ) تكثير العلم و منه اختلاف العلماء في المسائل الشرعية اذ لو اقتصر في الحكم من كل منهما علي المعاينة لماوقع الاختلاف و لكن لما كان امر المعاينة متعسرا او متعذرا مع كثرة العلماء مع عموم البلوي من المكلفين و انتشار المكلفين في اقطار الارض حيث لايصح التعليل ( التعطيل خل ) كان الاقتصار علي الظن في الحكم لسد الرمق كأكل الميتة في المخمصة حتي يأتي الفرج من الله و ليس المعاينة ما يدعيه بعض الناس من ان العمل بالخبر او بالاية هو اليقين لان ذلك انما يحصل بما يثبت من الكتاب الذي قد اجمع علي تأويله بلا خلاف من الفرقة المحقة و من الاخبار التي لا اختلاف فيها بلا خلاف و من القياس الذي تعرف العقول عدله و لاتحتمل غيره و اما حصول اليقين بمجرد الترجيح في مواضع الاحتمال لغير اصحاب المعاينة فدونه خرط القتاد و كفي بمدعيه بدون ذلك جهلا و طريق ( طريق المعاينة في ذلك ان تري طريق خل ) ذلك الحكم في الافاق و في الانفس فاذا رأيت ( رأيت ذلك خل ) الطريق المخلوق الذي خلقه الله اية ( اياته خل ) لذلك الحكم و لغيره او له خاصة فقد عاينت و حصل لك اليقين و ان كان في مواضع الخلاف و الاحتمال الا انك اذا رأيت ذلك ذهب عنك الاختلاف و بطل لديك الاحتمال و لكن كما قال الشاعر : ضاع الكلام و لا ( فلا خل ) كلام و لا سكوت معجب ، و معني كون العلم [ص 5] نقطة انه صفة الذات او صفة الصفة و هكذا ففي الحقيقة لايخالف الواقع و القولان المختلفان ان كان تنافيهما في مادة واحدة كان احدهما من العلم دون الاخر فان قلت ان كلا منهما يسمي علما في الظاهر فكيف تنفي تسميته بذلك قلت ان الحديث ليس واردا علي ما ظهر و علي ما تسميه العامة علما بل علي الحقيقة لان المراد بالعلم الحقيقي المطابق للواقع .
قال ايده الله تعالي : و ورد ان السنة ثلثمائة و ستون يوما هلالية فلما خلقت السموات و الارض في ستة ايام اختزلت منها فالسنة ثلثمائة و اربع و خمسون يوما ما معناه .
اقول اعلم ان الله سبحانه ( و تعالي خل ) خلق اسما بالحروف غير متصوت ( مصوت خل ) و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ الي اخر الكلام كما في رواية ابرهيم بن عمر اليماني عن ابيعبدالله ( الصادق خل ) عليه السلم الي ان قال فجعلها كلمة تامة علي اربعة اركان ليس منها واحد ( واحدا خل ) قبل الاخر فاظهر منها ثلاثة لفاقة الخلق اليها و حجب واحدا منها و هو الاسم المكنون المخزون فهذه الاسماء التي ظهرت فالظاهر هو الله تبارك و تعالي و سخر سبحانه لكل اسم من هذه الاسماء اربعة اركان فذلك اثنيعشر ركنا ثم خلق لكل ركن منها ثلثين اسما فعلا منسوبا اليها فهو الرحمن الرحيم الملك القدوس الخالق البارئ المصور الحي القيوم لاتأخذه سنة و لا نوم العليم الخبير السميع البصير الحكيم العزيز الجبار المتكبر الخ ، و اذا كانت الاسماء الثلثة لكل واحد اربعة اركان و خلق لكل ركن ثلثين اسما كان مجموع الاسماء التي علي [ص 6] اركان الثلثة الاسماء ثلثمائة و ستين اسما و تلك الاركان الاربعة لكل اسم من الثلثة علي احد الوجوه فظاهرها الطبائع الاربع فظهر علي الاركان الفصول الاربعة فاول كل من اركان الثلثة الاسماء مظاهرها الحمل و الاسد و القوس و مظاهر ثانيها الثور و السنبلة و الجدي و مظاهر ثالثها الجوزا و الميزان و الدلو و مظاهر رابعها السرطان و العقرب و الحوت و كل ركن عليه ثلثون اسما مظاهرها ايام الشهر الثلثون فيكون مجموع السنة ثلثمائة و ستون يوما فاستجنت طبائع الاسماء و اسرارها في الايام ثم لما كان الخلق لايخرج الي عالم الكون الا مشروحا مبينا مرتبا مسبباته ( مسببا خل ) علي اسبابه للدلالة علي الوحدانية كان خلق السموات و الارض في ستة ايام لكن لما كانت ايام الكلي يجب ان تكون كلية و ايام الجزئي يجب ان يكون جزئية تحقيقا للسببية كانت الايام الستة التي خلقت فيها السموات و الارض كلية فالاول يوم الاحد و هو العقل الاول بمنزلة النطفة للانسان و الثاني يوم الاثنين و هو النفس الكلية بمنزلة العلقة للانسان و الثالث يوم الثلثا و هو الطبيعة الكلية بمنزلة المضغة و الرابع يوم الاربعا و هو هيولي الكل بمنزلة العظام و الخامس يوم الخميس بمنزلة اكتساء العظام لحما و هو شكل الكل و السادس يوم الجمعة و هو جسم الكل بمنزلة انشاء الخلق الاخر الذي هو نفخ الروح في الجسد و حيث كان لكل يوم اسم من الثلثالمائة و الستون ( الثلثمائة و الستين خل ) اسما اختصت الايام ( بالايام خل ) الكلية بالاسماء الكلية و هي البديع الباعث الباطن الاخر الظاهر الحكيم و حيث كانت هذه الستة الاسماء مهيمنة ( المهيمنة خل ) علي باقي الاسماء كانت الايام الستة قد تقومت بها الايام [ص 7] كلها و ايام السنة انما يعدها القمر لانه صاحب العدد و الحساب و التفصيل و قد استقرت فيه قوي الاسماء الثلثمائة و الستين فاذا جري في المنازل التي لو سار فيها كل منزلة باسم لمتنقص السنة و لكن القمر جري بما حق فيه من جميع الاسماء قطع ازيد مما يخص اسما واحدا و الفلك لميتقدر علي جميع الاسماء لان السنة الكلية لاتحويها المنازل الجزئية نعم توجد بكلها ( كلها خل ) في كلها فيقطع الفلك في ثلثمائة و اربع و خمسين يوما لقوة سيره لما فيه من الزيادة المذكورة فاختزلت هذه الستة الايام من السنة القمرية هذا ( و هذا خل ) وجه باطن في جواب المسئلة و وجه اخر ان الاسماء الكلية ظهرت في ايام كلية بالنسبة و هي الاربعة الايام التي خلقت فيها الارض و اقواتها و هي فصل الربيع و فصل الصيف و فصل الخريف و فصل الشتاء و اليومان اللذان خلقت فيها ( فيهما خل ) السموات و هو يوم المادة و يوم الصورة فاختزلت من الايام الثلثمائة و ستين يوما علي نحو ما قلناه في الوجه السابق و هذا كله علي مجري القمر لما استجن فيه من قوي الاسماء كما تقدم .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني ان المؤمن انما يحس بالم النار اذا خرج منها اما فيها فلا .
( اقول ) و الاصل في ذلك انه حالة الدخول و حالة الكون فيها الغالب عليه طبيعتها فهو و ان كان يتألم بنسبة ما فيه من الوجود الا ان اغلبية ميل الطبيعة ينسيه حينئذ تألمه لشغل ( لغفل خل ) الطبيعة بما يجانسها و اما حالة الخروج فسببها اغلبية خيرات الوجود علي طبيعة الاعدام التي هي طبيعة النار فيكون اذ ذاك حيا ( حبا خل ) فيتألم لقوة احساسه كالمؤمن اذا زني فانه حال الدخول في الزني و حال الزني لايحس بالم المعصية التي هي النار لخروج روح [ص 8] الايمان منه المعبر عنه باغلبية الطبيعة و ادبارها فاذا اقلع و تاب ذاق الم المعصية لحياته بعود روح الايمان التي هي الحياة و خروجها هو الموت و لهذا لايحسون بالنار اهل النار في الدنيا مع قوله تعالي و ان جهنم لمحيطة بالكافرين و قوله تعالي يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغائبين فلايحس بالم النار الا من كان حيا قال تعالي لينذر من كان حيا ، اومن كان ميتا فاحييناه و قوله تعالي و ما انت بمسمع من في القبور فافهم الاشارة .
قال سلمه الله تعالي : و ما الجمع من ( بين خل ) النصوص و الايات الدال بعضها علي الاحباط و بعضها علي الجزاء بكل ( بكل الاعمال خل ) حسنة كانت ام قبيحة .
( اقول ) اعلم ايدك الله تعالي ان الايات و الروايات الدالة علي الاحباط فانما هي في الاعمال المجتثة لان الاعمال الصالحة انما تكون ثابتة اذا كان اصلها ثابتا اي متصلا بالوجود المتصل بالموجد سبحانه و تلك لايتطرق عليها الاحباط لان الاحباط انما هو موازنة الحسنات بالسيئات و قد ثبت ان الحسنات وجودات و السيئات اعدام فلايصح الموازنة بين الشيء و بين اللاشيء و اما الحسنات المجتثة و هي التي مااوقعت علي الوجه المأمور به بل اوقعت رياء مثلا او كانت مشروطة بشرط من الاعمال و المعتقدات او غير ذلك فتكون تلك الحسنة لا اصل لها لانها مجتثة لعدم اتصالها حقيقة بالوجود فهي صنم لا روح فيه فهي في الحقيقة عدم و تصح ان ( او خل ) توزن بالسيئة العدم لانها في الحقيقة من جنسها و في مرتبتها و لهذا قال سبحانه و الذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء و وجه اخر و هو ان الموازنة تقتضي [ص 9] المعادلة بين الموزونين اما في الوزن الصنجي او الطبيعي او القيمي او الوصفي او الرتبي او غير ذلك من اعتبارات الموازنة و ليس بين الحسنة الثابتة و بين السيئة معادلة بنحو من اعتبارات الموازنة لا في الصنجي المعبر عنه بالكم هنا فان السيئة بمثلها و الحسنة بعشر فلاتصح الموازنة و اما الطبيعي فطبيعة الحسنة الحرارة و الرطوبة او الرطوبة و البرودة و طبيعة السيئة الحرارة و اليبوسة او البرودة و اليبوسة فلاتصح موازنة علة الكون بعلة الفساد و انما قلت ان طبيعة الحسنة الحرارة و الرطوبة و البرودة و علة السيئة الحرارة و اليبوسة و البرودة لما قلت من علة الكون و الفساد لان الحسنات حيوة المحسنين و السيئات كما مر عدم و لايقال ان الغضب لله طبعه الحرارة و اليبوسة مع انه طاعة و كذلك الصبر و ان الفراغة ( القناعة خل ) و الرضا برودة و يبوسة مع انه طاعة لانا نقول ان الروح الامري الذي تستمد منه ( عنه خل ) الاعمال التي كانت قبل ذلك طبيعتها بخلاف الكون هو مادة الحيوة و الكون في كل شيء و هو الماء الذي قال الله تعالي و جعلنا من الماء كل شيء حي فحيث كانت تلك الاعمال مستمدة من تلك الروح انقلبت ما في طبائعها من علل الفساد الي علل الكون و هذه اشارة و بيانها معروف عند اهل البيان و كذلك قيمة ( قيم خل ) الحسنات و الوانها و مراتبها لاتوزن بها قيمة السيئات و الوانها و مراتبها الي غير ذلك و قد بسطنا الكلام بما لا مزيد عليه في رسالتنا في اجوبة الشيخ عبدالله بن محمد بن غدير تغمده الله بغفرانه ( برحمته خل ) و رضوانه و الايات التي تدل علي عدم الاحباط محكمة كقوله تعالي لها ما كسبت و [ص 10] عليها ما اكتسبت ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره و غير ذلك و النصوص و الرواة و العقلاء ( العقل خل ) جارية علي الاستشهاد بها في ذلك و الايات و الروايات التي تدل علي الاحباط متشابهة تأويلها في الاخبار الجامعة بين هذه و بين تلك و التدبر شاهد به و هو ان الاحباط انما يكون في الحسنات المجتثة الباطلة فانها تكون ظاهرا في صورة الحسنة و ان كانت في الباطن سيئة بل اسوء من السيئة فاذا قابلتها السيئة بطلت صورتها فرجعت الي اصلها السيء و لذا ورد انه اذا دخل في العبادة بنية صادقة لايضره ما طرء عليه من العجب فهذا و امثالها هو الجمع بين الايات و الروايات فلا احباط و الا لزم الظلمة ( الظلم خل ) كما اشرنا اليه سابقا لعدم امكان الموازنة فافهم .
قال ايده الله تعالي : و في النصوص ان الذنوب انما تخفف بالتصفية في كل بحسبه حتي ان منهم من لايطهره الا النار هذا في اهل الايمان و في روايات ان كثيرا من الناس يسقط عنهم العقاب بالواسطة منهم ( عنهم خل ) او من خواصهم فهل الشفاعة مختصة ببعض دون اخر ما المرجح و ما برهانه مع ان غير المخلد انما يخرج من النار بايمانه لا بالشفاعة اذ لا اثر لها و لو قلنا ان الايمان منهم فهم ( فهو خل ) المشفعون و الشفاعة من الدنيا حاصلة و هو و ان كان حقا الا انه لا اسقاط حينئذ و باقي البيان موكول لفهم ( الي فهم خل ) سيدنا اه .
اقول لايخفي ان الذنوب انما تخفف بالتصفية الا ان من التصفية اهوال البرزخ و اهوال المحشر و دخول النار و الشفاعة اما غير الشفاعة فظاهر و اما الشفاعة فاعلم ان اصل قابلية الاشياء للوجود الذي هو الخير المحض [ص 11] انما هو بواسطة الشفاعة و الي ذلك الاشارة بقول علي عليه السلم نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا ، فهم الوسائط بين الخالق و الخلائق في كل شيء و هم ( هو خل ) الابواب للجواد الوهاب فافهم فالتصفية في الحقيقة انما هي كسر المصفي و صياغته علي الفطرة المستلزمة لفعل الخير و ذلك اذا اعوجت الطبيعة و خالفت الفطرة التي هي صفة فعل الله ( صفة فعله خل ) بسبب عارض غريب لما بين ذلك العارض الغريب و بين الطبيعة التي هي خلاف كينونة الحق سبحانه من المناسبة لان الغريب غير الفطرة فكونه خلاف كونها و الطبيعة كونها خلاف كون الفطرة فتوافقا علي مخالفة الفطرة و التصفية كسر تلك الصورة المخالفة الشيطانية و صياغة هيولاها الثانية علي صورة الفطرة لتطابق الفطرة فتقتضي مقتضاها و المصفي هو الواسطة و هو الشافع و بيان ذلك ان الاشياء علي ثلاثة اقسام قسم صبغته تزيد علي وجوده الاول و يكون فيها فضل و قسم صبغته بقدر وجوده و قسم صبغته اقل من وجوده فالقسم الاول كالسراج فان فيه من النور ما يزيد علي وجوده فلذا كان ظاهرا في نفسه و مظهرا لغيره اما كونه ظاهرا في نفسه فيحصل بصبغة تساوي وجوده كالقسم الثاني و اما انه مظهر لغيره فلانه مكمل لما كان صبغته اقل من وجوده كالقسم الثالث و هي الاشياء الغاسقة التي تحتاج في كونها ظاهرة في نفسها الي الضياء من غيرها ( من غير خل ) كالجمادات الغاسقة فانها لاتستبين في الظلمة و اذا كانت الصبغة بقدر الوجود استبان ذلك الشيء مطلقا كالقسم الثاني مثل الجمرة فانها تظهر في الظلمة و الزيادة التي في القسم [ص 12] الاول كالسراج من الصبغة بحيث تكون تلك الزيادة مظهرة لغيرها من الموجودات الغاسقة مكملة لما نقص من صبغتها عن وجودها و الشافع من القسم الاول و هو الذي صبغته تزيد علي وجوده و الطبيعة الموجبة ( المعوجة خل ) كما قلنا انما اعوجت لقلة ما فيها من الصبغة فاذا قابلها الشافع كمل ما نقص فيها و وصلها بفضل لطيفته و الحقها باوائل جواهر عللها و معني كسره لها صوغه لها علي هيكل الفطرة التي هو هيكل الصبغة و معني الصبغة هي الايجاد الثاني و معني الوجود الايجاد الاول فالكل في الحقيقة وجود و الي ذلك المعني الذي اشرنا اليه من ان التصفية من الشفاعة قول الحجة عليه السلم في دعائه لشيعته و ان خفت موازينهم فثقلها بفاضل حسناتنا الخ ، فخفة الميزان من المعصية لانها عدم لا وجود و العدم لا شيء قال تعالي حتي اذا جاءه لميجده شيئا و تثقيله بفاضل حسناتهم عليهم السلم تصفية و كسر للخفة و صوغها ثقيلة بذلك الفاضل لانه وجود و انما قالوا عليهم السلم بفاضل حسناتنا لانهم عليهم السلم يعملون من الصالحات ازيد مما به النجاة و الخروج عن ربقة التقصير و بتلك الزيادة سموا سابقين و كانوا مقربين و الحسنات هي الصبغة و الوجود الثاني ( الثاني بيان هذا خل ) هذا في الباطن الذوقي و اما في الظاهر ايضا فليس ثم منافاة بين الادلة لان التصفية لاناس كانت ذنوبهم تقابلها محن الدنيا و شدائد الموت و المحاسبة و القبر و البرزخ و اهوال القيمة و الشفاعة لقوم ذنوبهم لاتقابلها تلك المحن و ربما تكون الشفاعة بعد دخول النار لانها [ص 13] من التصفية فلاتختص الشفاعة باناس دون اخرين الا ان لها شرطا و هو ان يجري عليه الرضي بوجه من الوجوه قال الله تعالي و لايشفعون الا لمن ارتضي لان الشفاعة لايحسن لغير من ارتضي دينه و كذلك التصفية لاتجري الا بهذا الشرط و الي هذا الاشارة بقوله تعالي و ليمحص الله الذين امنوا و يمحق الكافرين فكانت التصفية و الامتحان تمحيصا للذين امنوا و محقا للكافرين فظهر مما اشرنا ان الشفاعة لاتختص و لكنها غاية التصفية و التمحيص و بذلك يظهر المرجح و يظهر البرهان و قوله سلمه الله تعالي مع ان غير المخلد انما يخرج من النار بايمانه لا بالشفاعة اذ لا اثر لها الخ ، يظهر جوابه مما قلنا لان ذلك انما يخرج من النار بعد التصفية بمعني انه لايبقي عليه ذنب يعاقب به فيخرج لعدم الموجب لعقابه مع بقاء الموجب لثوابه و هو الايمان فان خرج بعد فناء جميع ذنوبه فذلك من التصفية و قد سمعتها و انها من الشفاعة و ان بقي من ذنوبه شيء فلايخرج الا بالشفاعة و قوله و الشفاعة من الدنيا حاصلة هو ما ذكرناه سابقا و قوله الا انه لا اسقاط حينئذ الخ ، مر بيانه بان الشفاعة اسقاط سواء جرت علي سبيل التصفية او علي ظاهر الشفاعة او علي صورة الايمان لما قلنا من ان فاضل الصبغة تكسر صورة الطبيعة المخالفة للفطرة بمحو الموهوم و تصوغها علي هيكل صورة المعلوم فراجع .
قال سلمه الله تعالي : و ما اول الميزان ( الزمان خل ) الذي يجب فيه معرفة الله هل هو متي حصلت للمكلف قوة التمييز و ان لميبلغ البلوغ الشرعي اذ معرفته و شكره واجب عقلا فلايتوقف علي توقيت شرعي و الا [ص 14] لزم خلاف المفروض او اوله البلوغ الشرعي و ان كان وجوبه عقليا ابينوا لنا حقيقة الحال .
اقول اما في الظاهر فان اول ما يجب من ( تجب فيه خل ) المعرفة من الزمان هو عند البلوغ و ما سبق علي ذلك فلايعتمد علي اثره و لهذا قال الفقهاء ان المميز لو اسلم دون ابويه لايعتبر اسلامه فلايصح عتقه في الرقبة المؤمنة نعم يفرق بينه و بين ابويه لئلايستزلاه عن عزيمته و هذا معني عدم الاعتماد علي اثره فاذا كان اثره غير معتمد لايجب ( لاتجب خل ) قبل البلوغ و الا لكان اثره معتمدا و يترتب عليه احكام الاسلام نعم مسئلة المثال المذكور فيها خلاف هل يعتبر اسلام الصبي المميز فيجري عليه الاحكام ام لا و الذي يظهر لي ان ما يتعلق بالاخرة من الاحكام يجري ( تجري خل ) علي اسلام الصبي المميز في ثوابه و عقابه و ما يتعلق بالدنيا مما يترتب عليه احوال المعاملات و غيرها لاتجري عليه نعم يلزم من باب التمرين بما يتأدي به الواجب و لو بعد حين و اما في الباطن فاول ما يجب فيه المعرفة من الزمان ما ادرك فيه الصبي ان له صانعا هو صانع كل شيء فيجب عليه ما يحتمله في كل وقت من مراتب المعرفة من غير توقيت شرعي لان النور الذي يقع في قلبه لايكون دفعة فيكون وجوب المعرفة دفعة بل يقع في قلبه بالتدريج فيتم عند البلوغ و يقوي الي ثمانيعشرة سنة و يشتد عند ثلثين سنة او ثلث و ثلثين سنة و يكمل عند الاربعين و عند كل مقام يجب فيه ما يخصه من المعرفة باعتبار النور الواقع في قلبه من العقل المطبوع [ص 15] و باعتبار القول ( النور خل ) الظاهر في قلبه من العقل المسموع و اما انه وجوبه عقلي فذلك باعتبار الدليل و الا فانه شرعي بل العقل شرع باطن و الشرع عقل ظاهر فيلزم من هذا وجوب التوقيت اما في الظاهر فعند البلوغ الظاهر و اما في الباطن فعند البلوغ الباطن فاذا بلغ حدا وجب عليه ما فيه من المعرفة سواء كان ذلك البلوغ مطبوعا ام مسموعا فافهم .
قال ايده الله تعالي : و هل القاصد لاربعة فراسخ و لميرجع الي يومه هل هو بالخيار ام يجب عليه الاتمام الا ان يرجع ليومه ما اختياركم و ما محمل روايات عرفة .
اقول القاصد الي اربعة فراسخ و لميرد الرجوع ليومه يجب عليه الاتمام في الصوم و الصلوة و لا معني للتخيير كما يذهب اليه الشيخ الطوسي و لايقصر ( لا للقصر خل ) في الصلوة دون الصوم كما يذهب اليه الشيخ المفيد و لا ان شرط القصر ان يعزم علي الرجوع قبل عشرة ايام كما يذهب اليه ابن ابيعقيل بل الذي نختاره وجوب الاتمام علي من قصد الاربعة الا ان ينوي الرجوع ليومه و الاخبار صريحة باعتبار ثمانية فراسخ في القصر و ان الاقل منها يجب فيه الاتمام و من تتبع الاخبار وجد فيها هذا الحكم ليس عليه غبار و اما ما يدل علي ان القصر يكون في بريد فهي قابلة للتأويل مخصصة بمثل صحيحة معوية بن عمار و موثقة محمد بن مسلم عن ابيعبدالله عليه السلم بعد ان سأله عن التقصير فقال في بريد فاستغرب محمد بن مسلم هذا الحكم لشهرة كون القصر انما هو في الثمانية لا اقل فلما قال له في بريد قال محمد بن مسلم في بريد فقال عليه السلم اذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه فبين عليه السلم [ص 16] ان البريد انما يكون مسافة للقصر اذا ذهب و رجع في يومه بحيث يشغل بالذهاب و الاياب يومه و هو حجة المشهور و عملهم يعضد الرواية المذكورة و هي مستند حكمهم بالتقييد و اما اخبار عرفة فهي محمولة علي التقية و لايقال ان هذه الروايات تدل علي خلاف مقتضي التقية لان الجمهور منهم من يري القصر في ثلاثة ايام و منهم في يوم و ليلة و منهم في روحة و اما اخبار عرفة فانها تدل علي حصول القصر في بريد و لميقل به احد من الجمهور لانا نقول ان التقية كما هو الاصح لاتنحصر في اقوالهم الموجودة بل يجوز ان تحصل التقية بمجرد حصول الخلاف بين هذه الفرقة فان القاء الخلاف بينهم مطلوب لاهل العصمة عليهم السلم لتسلم شيعتهم كما تدل عليه رواية عبيد بن زرارة علي انه ربما يكون به قائل من الجمهور فيما مضي او فيما يأتي لان اقوالهم ليس ( ليست خل ) محصورة لانها دائرة مدار الرأي و الاستحسان و القياس و المماراة و المباهاة كما تشعر به النصوص و هنا محمل لتلك الاخبار ايضا و هو ان مكة شرفها ( شرفها الله تعالي خل ) من المواضع الاربعة التي يستحب فيها الاتمام للمسافر و ورد ايضا استحباب نية الاقامة لمن اراد اتمام الصلوة هناك يومين او اكثر تشبيها بناوي الاقامة عشرا ليصلي تماما لسر الله في البقعة و لصورة نية التمام و هكذا ( هذا خل ) يصلي تماما ما دام في مكة فاذا خرج الي عرفة صلي قصرا لانه مسافر لميقطع سفره بالقواطع المذكورة للسفر فلعل تلك الاخبار جرت علي هؤلاء فانهم اهل ( من اهل خل ) مكة في الجملة لنية الاقامة اليومين و الثلاثة و مرد ذلك الي التقية كما قلنا و اذا قام الاحتمال [ص 17] بطل الاستدلال و المشهور اعرضوا عن هذه الاخبار ( الاخبار و وضعوها في زاوية الطرح و الهجران علما منهم باختصاص القصر في الثمانية الفراسخ و قد ذكرنا جواب هذه المسئلة في المسائل التي كتبنا للشيخ عبدالله بن غدير ره و ذكرنا الاخبار خل ) التي لها تعلق بما نختاره من اراد ذلك طلبها .
قال سلمه الله تعالي : و ما حد الزمان الذي يجوز معه تطليق الغايب زوجته .
( اقول ) اعلم ان الغايب عن زوجته مدة يظن فيها انتقالها من الطهر الذي واقعها فيه الي طهر اخر و يكفي في ذلك الظن المستند الي الامارة العادية فانه يعرف عادتها و لو باستواء شهرين في الابتداء و هذا امر اغلبي و اما عدم حصول الظن له لعدم تلك الامارة كان تكون مبتدأة او مضطربة لميستقر لها عادة وقتية فهو قليل الوقوع بالنسبة الي الاولي نعم لو كان ذلك وجب عليه تحصيل الظن و هو قد يحصل بما يكون عليه اكثر النساء بل بما لايكون نادرا جدا كأن تحيض في كل سنة مرة او في كل تسعة اشهر مرة و لهذا ورد التحديد بالشهر كما هو في غالب النساء و ورد في ثلثة اشهر كما في صحيحة جمل ( جميل خل ) لوجود ذلك في المسترابات من النساء و ورد خمسة او ستة اشهر كما في بعض النساء و بالجملة فالحد الذي يجوز معه تطليق الغايب زوجته علي الاصح هو ما يحصل فيه ( فيه الظن خل ) بانتقالها من طهر المواقعة الي طهر اخر و اما تحديده بما في احدي الروايات نظرا الي صحة سندها او ( و خل ) بعض المرجحات فليس بشيء بعد معرفة ما ذكرنا من مراد الشارع عليه السلم في هذه المسئلة و غيرها في ذوات العدد بما لايخفي عن ( علي خل ) من يعرف المراد من الايراد و [ص 18] لايقتصر علي العبارة فان المخاطب بها يعرف مراد المخاطب بنحو غير محصور في اللفظ الظاهر الصريح فافهم .
قال سلمه الله تعالي : و ما مقدار ما ينتظر بزوجة المفقود حتي تتزوج افتونا مثابين مأجورين .
اقول ان كان المفقود في مكان محصور اي محيط به بلدان عمران تصل اليها المسافرون و تصل منها الي بلد المفقود و لميصل خبر عنه فلاينتظر بها اكثر مما يحصل به ذلك و ان كان غير محصور و ليس له ما يسد خلتها من مال او ولي ينفق عليها و رفعت امرها الي الحاكم و لمتصبر اجلها اربع سنين و ارسل الي كل صقع من يبحث عن خبره و بعد المدة يأمرها ان تعتد عدة الوفاة و هذا معروف لديهم .
قال ايده الله تعالي : ما العلة في جعل الكافر الملائكة اناثا و اثبتوا لله بناتا لا ذكورا .
( اقول ) اعلم ان المشائين و الرواقيين من الحكماء قالوا ان الملائكة قوي وجودية كالطبائع في العقاقير لا انها ذوات متشخصة بنفسها مجردة منزهة عن الحلول بما وكلت به بل هي قوي و معني انها موكلة بكذا انها خلقت فيه فقال الكافرون ان هذه القوي من خالق الاشياء و القوة انثي فهي بنت مصيرا منهم الي تأنيث لفظ القوة و كونها بنات و انه تعالي عما يقولون علوا كبيرا يلد لان هذه الاشياء المخلوقة لاتكون الا من شيء علي زعمهم لما رأوا توالدهم و زروعهم من البذر فحكموا علي تلك القوي بانها ( بانها بنات خل ) مولودة اي متولدة من الفاعل فتعالي عما يقولون و سبحان ربك رب العزة عما يصفون لقد جاؤا شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه و [ص 19] تنشق الارض و تخر الجبال هدا لا اله الا الله الملك الحق المبين و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و كتب مؤلفه العبد المسكين احمد بن زينالدين في سلخ عاشورا سنة اربععشرة بعد المأتين و الالف من الهجرة حامدا مصليا مستغفرا .