رسالة في جواب السيد حسين بن السيد عبدالقاهر
في قضية موسي و خضر عليهما السلم و امر الرجعة
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي ان السيد السند حسين ( السيد حسين خل ) بن السيد عبدالقاهر ايده الله بمدده قد كتب الي مسئلتين طلب جوابهما علي الحقيقة و هما مسئلتان ينبغي التوجه لهما لصعوبة الجواب منهما ( عنهما خل ) لابتنائه علي لسان اولي الالباب فمن عرف لغة العلماء العارفين و فهم بذكاء المؤمنين الممتحنين وصل بهذا الجواب الي اليقين فكتبت سؤاله و تكلمت علي حسب ما يحضرني علي كل كلام بمآله و الله المستعان و هو حسبنا و نعم الوكيل .
المسئلة الاولي - قال سلمه الله تعالي : ما يقول شيخنا في قضية موسي علي نبينا و آله و عليه السلم مع الخضر عليه السلم كيف يصح ان يكون الخضر اعلم من موسي (ع) و هو حجة الله عليه و ليس طريق العلم بالمغيبات من امثال ما ذكر الا بصفاء العقل و قبوله للفيض الرباني و ليس الجهل بامثالها الا لعدم الاستعداد ضرورة فكيف يصح مع ذلك ان يكون موسي عليه السلم افضل من الخضر (ع) و حجة عليه فان قيل موسي عليه السلم اعلم بالامور التكليفية قلنا الاطلاع علي مراد الله من التكليف اعسر من الاطلاع علي غيره من المعارف و دقائق العلوم كما نص عليه العلماء فكيف يجوز استعداد العقل لمعرفة ما يحتاج الي زيادة مجاهدة و كشف و لايستعد لمعرفة ( لمعرفة ما هو خل ) دون ذلك فيما ذكر ما هذا الا شيء ينفر الطبع السليم عن قبوله و تحكم الفطرة برده .
الجواب : اعلم ان العلم قسمان قسم يتعلق بتكاليف المكلفين من الاعمال و الاعتقادات و الاداب الشرعية التي اسس الشارع بنيانه كعلم التوحيد [ص 3] و ما يتبعه من المعتقدات و ما يترتب علي ذلك من الادلة و الايات و كعلم الاخلاق و توابعه كذلك و كعلم الشريعة و ما يتعلق ( يتوقف خل ) علي ذلك من العلوم ( العلم خل ) و قسم يتعلق باحوال البدا و العلل و الكيفوفة و ما يتعلق بالقدر و القضاء و ارتباطهما بالمقدرات و المقتضيات ( المقضيات خل ) و مظاهر العدل و تعلقاته و اسباب الخلق و امثال ذلك مما لايكون من المعتقدات و لا الاخلاق و لا التكاليف و لا ما يرتبط بذلك و يتوقف عليه فالاول هو الذي ارسل الله به الرسل و انزل به الكتب و اقام له الدلالات و نصب لاجل ابلاغه الحجج لعدم استغناء المكلفين عن ( من خل ) ذلك و الثاني ليس كذلك فيكون العالم بالاول حجة ( الحجة خل ) علي كل مكلف حتي علي العالم بالثاني اذا لميكن عالما بالاول لعدم حاجة المكلفين الي الثاني و عدم استغنائهم عن الاول اذ به قوام دينهم و دنياهم و معتقداتهم فموسي علي نبينا و آله و عليه السلم هو العالم بالاول و هو الحجة علي جميع اهل زمانه و منهم الخضر عليه السلم و هو يأخذ احكام دينه منه و الخضر عليه السلم قد علم بعضا من العلم الثاني لمصالح يجريها في العالم بفتح اللام حسبما امر لكونه احد الاركان ( الاركان الاربعة خل ) للقطب الذي هو محل نظر الله و هو الغوث في اصطلاح اهل التصوف و ان كان في احد الاصطلاحين الحاد في كثير من المواضع و هو ما يذهبون اليه من ان الغوث الذي هو محل نظر الله من العالم قد يكون جزئيا و هو الالحاد الذي اشرنا اليه لان الحق ان الغوث لايكون الا معصوما بل في الحقيقة لايكون الا كليا فافهم الاشارة فالخضر عليه السلم قد اودع بعض ( بعضا خل ) من الثاني لمصالح لاتتعلق بالمكلفين من حيث هم مكلفون و انما كان الخضر عليه السلم حجة علي موسي في تلك المسائل المذكورة لتكليفه بخصوصه [ص 4] بتلك المسائل لما كانت في حال من الاحوال بالنسبة اليه من علم الاخلاق رفعا لشأن موسي عليه السلم و تزكية له و ذلك انه خطب بنياسرائيل و ذكر ما انعم الله به عليه و فضله اقرارا بنعمة الله و طلبا للمزيد فاحب سبحانه لموسي (ع) مقاما اعلي من ذلك المقام الذي هو الشكر ( مقام الشكر خل ) و هو مقام العبودية و الفقر جزاء لشكره لانه سبحانه يجزي الشاكرين كما يحب و يختار لهم لا كما يحبون و يختارون فامره ان يصحب الخضر و الهم الخضر (ع) ما لايعلمه موسي عليه السلم ليصدق فقر موسي و عبوديته لانه سبحانه يختار لمن انعم عليه و اراد رفع درجته الانكسار علي مقام الشكر و ان كان الشكر يستوجب المزيد لان مقام الانكسار و الانحطاط اعلي و اشرف لاولي الفضائل و النعم و اوفر في طلب المزيد من مقام الشكر فكان الخضر عليه السلم حجة علي موسي عليه السلم في هذه المسائل لتحصل ( لتحصيل خل ) الغاية اذا كلف بقبولها و موسي كما تقدم حجة علي الخضر عليه السلم فيما يريد الله من العباد و اعلم من الخضر و نظيره في التمثيل ان المجتهد العالم ( العام خل ) القائم بجميع ( لجميع خل ) الاحكام للمقلدين فانه حجة عليهم و فيهم العالم بعلم الطب ( الطب الذي خل ) يكون حجة علي ذلك العالم العام فيما يضطر اليه من معالجة المرض الذي فيه و ان كان العالم ( ذلك العالم خل ) اعلم من الحكيم و حجة عليه من ( في خل ) سائر الاحكام و قوله سلمه الله و ليس طريق العلم بالمغيبات من امثال ما ذكر الا بصفاء العقل الخ ، جوابه ان شرف العلم بشرف المعلوم و صفاء العقل بصفاء المعقول و كان معلوم موسي عليه السلم و معقوله و هو الله و صفاته و افعاله و احكامه و مراداته [ص 5] اشرف و اعلي و اصفي من معلوم الخضر و معقوله من هذه المسائل و امثالها و معرفته بالله اعلي من معرفة الخضر بالله و هذا ظاهر و اما وجه صعوبتها و عدم اطلاع الخلق عليها فلعدم حاجتهم اليها فحجب عنهم علم ما لايحتاجون اليه و لما جعل الخضر عليه السلم موكلا بذلك توجه الي الاستعداد بقبوله و لو توجه موسي (ع) الي ذلك لناله باسهل من استعداد الخضر و لكنه ليس مما يعنيه و لا مما يراد منه كما اريد من الخضر (ع) و الاصل في ذلك ان اعلي مراتب الامكان مرتبة الانسان و كل مرتبة في الامكان فهي تحت مرتبته فصح له انه يمكن فيه كل ما خرج عن صقع الربوبية فافهم و راجع ففي ما امليناه جميع ما تحتاج اليه في بيان هذه المسئلة و ما يتعلق بها ( يتعلق بها المسئلة الثانية و قوله فان قيل موسي عليه السلم اعلم بالامور التكليفية قلنا الاطلاع علي مراد الله من التكليف اعسر من الاطلاع علي غيره من المعارف و دقائق العلوم الخ ، مؤيد لما قررناه لان الاطلاع علي مراد الله من التكليف هو مقام موسي عليه السلم لا الخضر لان الخضر (ع) انما يطلع علي مراد الله فيما يخصه و يعنيه بتبعية موسي عليه السلم خل ) .
المسئلة الثانية - قال سلمه الله تعالي : ما يقول شيخنا في الرجعة المعلوم ثبوتها ضرورة من السنة و من مذهب الائمة عليهم السلم ما حقيقتها فان الظاهر منها رجعة الاجساد بعد التلاشي و ذلك معاد جسماني فهل تكون تلك الاجسام المعادة بمنزلة هذه الاجسام التي بين ايدينا في الكثافة ام تكون كاجسام اهل الجنة في اللطافة التي قد قيل فيها لو برزت لنا في هذه [ص 6] النشأة لمتدركها ابصارنا فان كان الثاني لميحصل ( لميحصل لهم خل ) الانس مع اهل الارض من اخوانهم الذين لميموتوا بعد و لمينتظموا في سلكهم فكيف تتم بهم النصرة و تأتلف بهم الكلمة مع اهل هذه النشأة و ان كان الاول فكيف يمكن تعقل العود كذلك من جهة العقل و قصاري العقل ان يدرك العود الجسمي بالمعني الاول اذا بلغ الغاية في التلطف و عرف الصناعة الاكسيرية .
اقول اعلم ان الرجعة ( الرجعة المذكورة خل ) و خروج الاموات عند خروج الحجة و خروج الحسين عليهما السلم هي رجعة الاجساد بعد التلاشي و هو معاد جسماني فهي في الرؤية بمنزلة هذه الاجسام بمعني انهم يكونون مع من لميمت و يتزاوجون معهم و يستأنسون و الاصل في هذا العود و انه في الصورة بحكم هذه النشأة ان الاجسام الاصلية التي هي الطينة تمتزج بمواد الاغذية و لطائف المطاعم و ذلك كله من هذا التراب الكثيف فاذا امتزجت تلك الاجزاء اللطيفة بالاجزاء الكثيفة كانت منها هذه الاجسام الكثيفة لكثافة الخلط فما دامت الارض كثيفة لايخرج منها الا الكثيف بخلاف بعث الاخرة لانهم اذا ( انما خل ) يبعثون من الارض بعد تصفيتها بنفخة الصور الثانية فيكونون في غاية الصفاء نعم يكون العالم كله عند قيام القائم عليه السلم من الارض و الناس و الانعام و النبات اصفي من هذه الحالة التي نحن فيها مثل صفاء اجساد الاولياء و الانبياء في هذا الزمان بمعني انهم خفوا من اثقال الذنوب بحيث لو سار انطوت له الارض لغلبة النور عليه و ان كان كثيفا في الظاهر و لاجل ذلك [ص 7] يرون الملائكة و الجان و يدركون اشياء نعجز عنها و يحصل للمؤمن قوة اربعين رجلا الي غير ذلك بل روي ان اخر الرجعات تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة و ما وراء ذلك بما شاء الله و كذلك النخل و الشجر يحمل كل سنة مرتين الي غير ذلك مما لايصح مع هذه الكثافة التي نحن الان فيها و قوله ايده الله تعالي فكيف يمكن تعقل العود ( العود كذلك من جهة العقل جوابه ان العقل انما يتعقل العود خل ) علي هذا الوجه الذي هو الاول المشار اليه في السؤال و هذا ظاهر و قوله ايده الله و قصاري العقل ان يدرك العود الجسمي بالمعني الاول اذا بلغ الغاية في التلطف و عرف الصناعة الاكسيرية جوابه ان العقل يدرك الاول ببداهة كما بينا و انما يحتاج العقل الي التلطف و معرفة الصناعة الاكسيرية في ادراك المعني الثاني لان الصناعة الاكسيرية انما تمت لما دبرت علي هيئة العود الاخروي في التطهير لتلك الاجسام عن الغرائب و الكثائف بحيث تكون ارض الاكسير ارضا مقدسة صافية كجرادة الفضة في البياض و كجرم البلور في الشفيف بكثرة الغسل بفتح الغين المعجمة بالانثي الغربية بعد بلوغها و بحيث تكون تلك الارواح بالغة بالحرف و التفصيل و التزويج بالزوجات الاربع و التوليد للبنات الست و تقويتها باكليل الغلبة الي ان تكون الارواح صابرة علي الجحيم و النعيم بكثرة التربية فيهما و تكون الارض مشاكلة للارواح بكثرة التمشية و تعلمها معها الصعود الي القوابل بكثرة الحل و العقد و ادراك العقل لذلك الذي هو مرءاة العود بالمعني الثاني يحتاج فيه الي التلطف بعد التوقيف لا المعني الاول و شرح الحال في هذا المحال ( المجال خل ) يحتاج الي بسط كثير و توقيف من بصير .
[ص 8] قال سلمه الله تعالي : ثم نقول بعد ذلك كله هل يستقيم لمن منع المعاد الجسماني في الاخرة و اول ما ورد فيه من الايات و الاخبار ان يعمل مثل ذلك فيما ورد في امر الرجعة ام لا و هل نقل عن احد من علمائنا ام لا افيدونا مما افاضه عليكم الحبيب و زكوا عرفانكم لتنمو و تطيب و لاتقولوا عليكم ان تسألوا و ليس علينا ان نجيب فان اليتيم لميجد له من يأويه و الاسير لميجد له من يفديه و السلام . الي هنا انتهي كلامه اعلي الله مقامه آمين رب العالمين .
اقول اعلم ان معاد الجسماني قد اجمع علماء المسلمين علي القول به و اعتقاده و انما اختلفوا في الدليل المثبت له هل هو الشرع لا غير و لا طريق للعقل الي اثباته بحكمهم بعدم احساسه لذاته بعذاب و لا نعيم و لا شعور له حتي يصح توجه التكليف اليه المستلزم للجزاء المستلزم للاعادة ام يكون اثباته كما يصح من جهة الشرع يصح من جهة العقل لانه شرع باطن كما ان الشرع عقل ظاهر و علي الاول اكثر العلماء من المتكلمين و اهل العرفان حتي ان ملا صدرا في كتابه شواهد الربوبية ذكر ان اثبات المعاد الجسماني لا طريق الي اثباته من جهة العقل و انما الطريق الي اثباته هو الشرع و بالثاني قال قليل من العلماء و الحكماء لصعوبة المسلك و سعة المأخذ و دقته و هو الحق لان العلة الموجبة لاعادة الارواح هي العلة الموجبة لاعادة الاجساد بعينها لا لمباشرة الاجسام للاعمال و ان الارواح لايمكن مجازاتها الا بكونها في الاجساد بل لان الارواح و الاجساد من هيولي واحدة بسيطة ففيها من الادراك و الشعور و الاحساس و الفهم و غير ذلك من الامور الموجبة للتكليف الموجب للجزاء الموجب للاعادة كما في الارواح بل هو من شيء واحد الا ان ما في الارواح اقوي مما في الاجساد بنسبة ما فيها من اللطافة و الكثافة علي [ص 9] حسب قوة الوجود و ضعفه فهو فيهما مشكك و بالجملة فالعقل يشهد بالمعاد الجسماني و ان دق مأخذه و بيان ذلك لمن اراده مذكور في علم الصناعة فمن اراده طلبه هناك من عند اهله و اما من منع المعاد الجسماني فانما منعه من جهة العقل لا من جهة الشرع فلايأول احد من علماء المسلمين فيما اعلم ما ورد في الاخبار و الايات من المعاد الجسماني يوم القيمة الكبري نعم كان الجمهور ينكرون المعاد الجسماني في الرجعة و تابعهم قليل من هذه الفرقة و قولي قليل استضعاف لقوله و قد قال الله تعالي في كتابه و اقسموا بالله جهد ايمانهم لايبعث الله من يموت بلي وعدا عليه حقا و لكن اكثر الناس لايعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه و ليعلم الذين كفروا انهم كانوا كاذبين انما قولنا لشيء اذا اردناه ان نقول له كن فيكون و هذه الاية في التأويل في الجمهور الذين انكروا البعث الاول و القران مشحون به و الاخبار ناطقة به و اولوا ما ورد منهما علي البعث الاخير فقال تعالي ردا عليهم بلي وعدا عليه حقا و الوعد الحق هو الحجة عليه السلم و لكن اكثر الناس لايعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه و الذي يختلفون فيه هو الصاحب عليه السلم و رجعة السفاح عليه السلم بعده الي اخر الرجعات و ليعلم الذين كفروا و هم الذين كفروا ببعض الكتاب و ان امنوا ببعض فهؤلاء يأولون ما ورد من القران و الاخبار و يحملون ذلك علي البعث الاخير و لهذا رد الصادق عليه السلم علي ما ( من خل ) قال بذلك و اول قوله تعالي و يوم نحشر من كل امة فوجا ببعث القيمة الكبري حيث قال عليه السلم يحشر من [ص 10] كل امة فوجا و يدع الباقين و بالجملة فالرجعة في الدنيا بعد الموت سر الله اوعزه الي نبيه و آله صلي الله عليه و آله فبشروا به اولياءهم فامنوا بالغيب و فيهم افراد شاهدوا اياتها بعقولهم الطاهرة فشهدوا بالحق و هم يعلمون و الحمد لله رب العالمين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
تمت بقلم منشئها في الثانيعشر من شهر ربيعالثاني سنة ١٢١٤ اربععشر بعد المأتين و الالف من الهجرة صلي الله علي مهاجرها و آله الطاهرين حامدا مستغفرا مصليا مسلما .