ابعد بعدت بياضا لا بياض له لانت اسود في عيني من الظّلم

قال ابن‌جنيّ في بيانه اراد لانت اسود من جملة الظّلم و يرد عليه ما ذكر في سابقه اوّلا و في الاوّل قيل فان قيل يلزم من قولكم بطلانه لانّ النيّة من افعال القلوب و هي غير الاعمال فكيف تكون من جملتها و اجيب بجواز ان تسمّي النيّة عملا كما تسمّي فعلا و فيه انّ سياق الكلام في الحديث ملحوظ فيه المغايرة فكيف يقصد منه في لحاظ واحد مع ذلك المجانسة و تاسعها ما نقل عن الغزّالي بانّ النيّة سرّ لايطّلع عليه الّا اللّه تعالي و عمل السّر افضل من عمل الظّاهر و فيه انّ العمل المراد به الصّحيح شرط صحّته ان يكون بالنيّة الصّادقة فلاتكون النيّة وحدها افضل منه و عاشرها ما ذكره البهائيّ (ره) في الاربعين من انّ المراد بنيّة المؤمن اعتقاد الحقّ و لا ريب انّه خير من اعماله ( عمله خ‌ل ) اذ ثمرته الخلود في الجنّة و عدمه يوجب الخلود في النّار بخلاف الاعمال و فيه انّ اطلاق النيّة الّتي هي القصد و الباعث شرعا علي الاعمال علي الاعتقاد الّذي هو اليقين و الثّبات علي الحقّ خلاف الاصل و خلاف المراد من الحديث و حادي‌عشرها ممّا ذكره البهائيّ (ره) انّ طبيعة النيّة خير من طبيعة العمل لانّها لايترتّب عليها عقاب اصلا بل ان كانت خيرا اثيب عليها و ان كانت شرّا كان وجودها كعدمها بخلاف العمل فانّه من يعمل مثقال ذرّة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره فصحّ انّ النيّة بهذا الاعتبار خير من العمل ه‍ ، و هذا الوجه و ان كان توجيها حسنا لكنّه غير المراد من [ص 53] الحديث لانّه خلاف المفهوم و المتبادر منه و ثاني‌عشرها ايضا انّ النيّة من اعمال القلب و هو افضل الجوارح و فعله افضل من عملها الاتري الي قوله تعالي اقم الصّلوة لذكري حيث جعل الصّلوة وسيلة الي الذّكر و المقصود اشرف من الوسيلة و ايضا فاعمال القلب مستورة عن الخلق لايتطرّق اليها الرّياء و نحوه بخلاف اعمال الجوارح و فيه ايضا انّه خلاف المعروف من ظاهر الحديث فانّ المعلوم منه انّ النيّة احسن من العمل و ثالث‌عشرها انّ المراد بالنيّة تأثّر القلب عند العمل و انقياده الي الطّاعة و اقباله علي الاخرة و انصرافه عن الدّنيا و ذلك يشتدّ بشغل الجوارح بالطّاعات و كفّها عن المعاصي فانّ بين الجوارح و القلب علاقة شديدة يتكاثر ( يتأثر خ‌ل ) كلّ واحد منهما بالآخر كما اذا حصل للجوارح آفة سري اثرها للقلب فاضطرب و اذا تألّم القلب لخوف مثلا سري اثره الي الجوارح فارتعدت و القلب هو الامير المتبوع و الجوارح كالرّعايا و الاتباع و المقصود من اعمالها حصول ثمرة القلب فلاتظنّ في وضع الجبهة علي الارض غرضا من حيث انّه جمع بين الجبهة و الارض بل من حيث انّه بحكم العادة يؤكّد صفة التّواضع في القلب فانّ من يجد في نفسه تواضعا اذا استعان باعضائه و صوّرها بصورة التّواضع تأكّد بذلك تواضعه و امّا من سجد غافلا عن التّواضع و هو مشغول القلب باغراض الدّنيا فلايصل من وضع الجبهة علي الارض اثر الي قلبه بل سجوده كعدمه نظرا الي المطلوب منه و كانت النيّة روح العمل و ثمرته و المقصد الاصليّ من التّكليف به فكانت افضل اقول هذا الوجه قريب من الّذي قبله و ان كان اخصّ من الاوّل الّا انّ [ص 54] الّذي فيهما متقارب و رابع‌عشرها و هو آخر ما ذكره البهائيّ (ره) و هو طويل و يرجع معناه الي انّ النيّة في نفسها انّما هي قصد القلب و انبعاثه الي العمل و لاتتهيّأ لصاحبها الّا بتحصيل الاسباب الموجبة لميل القلب الي فعل الشيء من المقاصد حتي انّه ليفعل الشّيء و لم‌يتوجّه له القلب اذا لم‌يحصل له ميل اليه لوجود مقصده فيه فلم‌تكن النيّة اختياريّة و انّما الاختيار في المنويّ فكانت اشقّ من العمل و احمز فلا تنافي بين قوله (ص) افضل الاعمال احمزها و بين قوله (ص) نيّة المؤمن خير من عمله و نيّة الكافر شرّ من عمله بل هو كالمؤكّد و المقرّر ه‍ ، اقول و هذا ايضا مثل السّابقة في عدم انطباقه علي المراد من الحديث اذ ليس المراد بيان انّ النيّة اشقّ من العمل ليدخل في قوله افضل الاعمال احمزها و اين هذا من معني الحديث و خامس‌عشرها انّ نيّة المؤمن بجملة الطّاعات خير من عمله يعني عملا واحداً و نيّة الفاجر كك فالنيّة داۤئمة و العمل موقّت و الدّائم خير من الموقّت اقول و هذا فيه ايضا ما في الوجوه المتقدّمة و سادس‌عشرها انّ العمل يوجد بالنيّة لا النيّة بالعمل اقول هذا الوجه ايضا غير وجيه بل هو ابعد من كثير ممّا تقدّمه و سابع‌عشرها انّ سبب هذا الحديث انّ رجلا انصاريّا نوي ان يعمل جسرا كان علي باب المدينة قد انهدم فسبقه يهوديّ فعمله فاغتمّ الانصاريّ لذلك فقال النبيّ (ص) نيّة المؤمن خير من عمله يعني خير من عمل اليهوديّ اقول بيان ذلك بهذا الحديث جار علي الطّريقة الّا انّا نقول ان كان لم‌يرد ذلك الحديث الّا في هذه الرّواية و لم‌يستعمله [ص 55] احد من الائمّة عليهم السّلام في غير هذه الرّواية لا منفردا و لا مستشهدا به و ان كان في هذه الرّواية فقد انتهي القول في بيان ذلك الحديث و لايحسن توجيهه بغير ما في هذه الرّواية و ان كان قد استعملوه (ع) منفردا او استشهدوا به فلا حاصل في هذه الرّواية لبقاء الاشكال علي حاله و ثامن‌عشرها انّ المراد بالنيّة الارادة بمعني انّ ارادته و اخلاصه بجميع الاعمال خير من عمله اقول هذا و امثاله لايحصل منه المراد كما ذكرنا و تاسع‌عشرها انّ نية المؤمن اَلّايرجع من الايمان خير من عمله و الكافر علي ضدّه اقول و هذا يرجع الي الثّالث و العاشر و فيه ما فيهما و العشرون انّ نيّة المؤمن علي ان يزداد خيراً ان قدر عليه خير من عمله و كذا نيّة الفاجر اقول و هذا يرجع الي بعض ما سبق و يرد عليه ما يرد علي ذلك و الحادي و العشرون ما ذكره بعض متأخّري المتأخّرين و هو انّ خيرا و شرّاً منصوبان علي انّهما مفعولا نيّة و ان كان وجه حذف الالف منهما يبادر كونهما صيغتي تفضيل و انّهما خبرا المبتدئين فوقع فيهما تحريف و المعني انّ المؤمن اذا نوي خيراً و ان لم‌يفعله كان ذلك محسوبا من جملة ( محسوبا عليه من خ‌ل ) اعماله و الكافر اذا نوي شرّا كان ذلك محسوبا من اعماله فيثاب المؤمن بذلك و يعاقب الكافر به و فيه تنبيه علي انّ هذا من العمل الّذي في قوله تعالي فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره و في تنكير خير و شرّ في الحديث دلالة علي انّ كلّا منهما و ان كان قليلا يكتب له و عليه و قد دلّ الحديث الّذي نقله الشّهيد (ره) علي انّ المؤمن يكتب له الحسنة بمجرّد النيّة و لا بُعْدَ في كون [ص 56] السيّئة تكتب علي الكافر بمجرّد النيّة و بالجملة فان كان ما ( قد خ‌ل ) تكلّم به العلماء علي هذا الحديث بعد ثبوته عندهم بالنّقل مرفوعا و الّا فهذا وجه وجيه كذا قال الشّيخ يوسف البحرانيّ صاحب الحدايق في الدّرر النجفيّة اقول و في هذا الوجه من البعد و خلاف الظّاهر ما لايخفي من التكلّف البعيد بل و خلاف نفس الامر فانّه يلزم عليه ( علي خ‌ل ) انّ نيّة الكافر مجرّدة عن العمل تكتب سيّئة و لا دليل عليه بل الدّليل علي خلافه بانّها كعدمها لاتحسب و ان ( و ما خ‌ل ) دلّ علي انّها قد تحسب في الامم الماضية و الحديث الّذي نقله الشّهيد (ره) لايدلّ الّا علي نيّة المؤمن فان قيل انّ كون نيّة الشرّ مجرّدة عن العمل كعدمها انّما هو في حقّ المؤمن و امّا الكافر فلايدخل في هذا الحكم قلنا ليس المراد بنيّة الكافر خصوص الكافر بل المراد انّ المؤمن يهمّ من الطّاعات بما لايقدر عليه و انّ غير المؤمن الصالح يهمّ من المعاصي بما لايقدر عليه و لهذا ورد كما تقدّم و نيّة الفاجر شرّ من عمله فلايختصّ المراد بالكافر ليخصّص احتساب نيّة الشرّ بغير هذه الامّة فانّ كثيراً من فسقة هذه الامّة داخل في قوله و نيّة الفاجر و الكافر شرّ من عمله لانّ المراد انّ غير المؤمن سيّء السّريرة و لو سلّمنا ذلك لم‌تكن نيّة الكافر شرّا من عمله لانّ المفروض انّ العمل مع النيّة ،

اقول يظهر لي من معني الحديث ان يراد به معنيان كلاهما فيما افهم و يظهر انّه مراد له (ص) و ان كان ما اذكره اوّلا في نظري اظهر المعنيين للحديث الاوّل انّ المؤمن يعزم علي ان يعمل اعمالا من الخيرات لايسعه ايقاعها لحصول عوايق الدّنيا و اشغالها و ما يجري عليه من الامراض و من مخالطة النّاس لا من [ص 57] جهة كثرة الاعمال الصّالحة و لا من اصلاحها و اخلاصها و الاقبال عليها ممّا كان في نيّته ذلك مشفوعا بعزمه انّه لايعصي اللّه ابداً و لهذا ورد عن اهل العصمة (ع) ممّا في نيّاتهم لانفسهم و تعليمهم لشيعتهم في الدّعاۤء و بلّغني من طاعتك و عبادتك املي فاذا كان هذا عزمه و هذه نيّته بانّه لايترك شيئا من الخيرات الّا و يتمنّي و يترجّي ان يفعله كما يحبّ اللّه و مع ذلك فلاتحصل منه الّا بعض الاعمال و تحصل منه التّقصيرات الكثيرة فنيّته خير من عمله و يمكن ان يراد بهذا المعني ليس محض الموازنة بحيث يكون العمل احمز بل المراد منه انّه في نيّته لايفقده اللّه حيث يأمره و لايجده حيث ينهاه بخلاف عمله الثّاني انّ شرط كمال نيّة المؤمن انضمامها الي العمل و شرط صحّة عمله انضمامه الي النيّة فاذا انضمّا و اجتمعا كما يحبّ اللّه حصل العمل الصّالح الباقي فالنيّة روحه و العمل جسده فهو مركّب منهما و النيّة افضل الجزئين و اقواهما و اشرفهما و احبّهما الي اللّه تعالي و اقربهما منزلة منه و كك الكلام في نيّة الكافر و الفاجر في حكم العكس فتدبّر و الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلوة علي محمّد و آله الطّاهرين و كتب احمد بن زين‌الدّين .

الحديث السّابع‌عشر : قد روي في عدّة اخبار و في طرق عديدة من الاثار انّ الرّسول المصطفي اكل الكراع ( الذراع خ‌ل ) المسموم و كذا الحسن المجتبي و الكاظم و عليّ بن موسي الرّضا شرب الماء الممزوج و اكل التّمر الملطّخ و العنب الملطّخ بالسّم و انّ اميرالمؤمنين (ع) قد عرف قاتله و اللّيلة الّتي يقتل فيها و الموضع الّذي يقتل فيه و انّه (ع) لمّا سمع صياح الاوزّ ( الاوز قال (ع) خ‌ل ) [ص 58] صوايح تتبعها نوائح و قول امّ‌كلثوم له لو صلّيت اللّيلة داخل الدّار و امرت غيرك يصلّي بالنّاس فابي عليها و كثر دخوله و خروجه تلك اللّيلة بلا سلاح و الحال انّه يعلم انّ ابن‌ملجم قاتله بالسّيف و كك الحسين (ع) كان عالماً بقاتله و وقت قتله و موضعه و هكذا الرّضا (ع) و ساير الائمّة كما قال الكاظم (ع) حين ارادة اكل الرّطب اللّهمّ انّك تعلم انّي لو كنت قادرا لتركه لماالقيت نفسي الي التهلكة و يشكل بانّ الامام (ع) اذا كان عالما بقاتله و موضع قتله و وقته و سببه من السمّ و غيْره فاقدامه علي ما يعلم انّ فيه سمّا و فيه ضررا القاء باليد الي التّهلكة و هو حرام بنصّ القرءان و السنّة و ان كانوا غيْر عالمين فيلزم انّ علمهم كان اقلّ من تلك المرأة و من جعيدة و من الرشيدين .

اقول : الاشكال في هذه المسئلة من وجهين الاوّل انّ الاخبار قد تكاثر تواردها من الائمّة (ع) انّهم لايخفي عليهم شيء في الارض و لا في السّماۤء و ممّا يدلّ علي ذلك ما رواه جعفر بن قولويه في نوادر كامل‌الزّيارة عن عبداللّه بن بكر الارجانيّ عن الصّادق (ع) في حديث طويل و فيه يا بن بكر انّ قلوبنا غير قلوب النّاس انّا مطيعون مصطفون نري ما لايري النّاس و نسمع ما لايسمع النّاس و انّ الملاۤئكة تنزل علينا في رحالنا و تتقلّب علي فرشنا و تشهد طعامنا و تحضر موتانا و تأتينا باخبار ما يحدث قبل ان يكون و تصلّي معنا و تدعو لنا و تلقي علينا اجنحتها و تتقلّب علي اجنحتها صبياننا و تمنع الدّواب ان تصل الينا و تأتينا بما في الارض من كلّ نبات في زمانه [ص 59] و تسقينا من ماء كلّ ارضٍ نجد ذلك في آنيتنا و ما من يوم و لا ساعة و لا وقت صلوة الّا و هي تنبّهنا لها و ما من ليلة تأتي علينا الّا و اخبار كلّ ارض عندنا و ما يحدث فيها و اخبار الجنّ و اخبار اهل الهواۤء من الملاۤئكة و ما من ملك يموت في الارض و يقوم غيره الّا اُتِيْنا بخبره و كيف سيرته في الّذين قبله و ما من ارض من ستّة ارضين الي الارض السّابعة الّا و نحن نؤتي بخبرهم الي ان قال قلتُ جُعِلْتُ فداك فهل يري الامام ما بين المشرق و المغرب قال يا ابن بكر فكيف يكون حجّة علي ما بين قطريها و هو لايراهم و لايحكم فيهم و كيف يكون حجّة علي قوم غيّب لايقدر عليهم و لايقدرون عليه و كيف يكون مؤدّيا عن اللّه و شاهدا علي الخلق و هو لايراهم و كيف يكون حجّة عليهم و هو محجوب عنهم و قد حيل بينهم و بينه ان يقوم بامر ربّه فيهم و اللّه يقول و ماارسلناك الّا كاۤفّة للنّاس يعني به من علي الارض و الحجّة بعد النبيّ صلّي اللّه عليه و آله يقوم مقام النبيّ صلّي اللّه عليه و آله علي ما تشاجرت فيه الامّة و الاخذ بحقوق النّاس و القيام بامر اللّه و المنصف لبعضهم من بعض فاذا لم‌يكن معهم من ينفذ قوله و هو يقول سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم فايّ آية في الٰافاق غيرنا اراها اللّه اهل الٰافاق و قال و مانريهم من آية الّا هي اكبر من اختها فايّ آية اكبر منّا و في الكافي قال ابوعبداللّه (ع) ايّ امام لايعلم ما يصيبه و الي ما يصير فليس ذلك بحجّة اللّه ( لله خ‌ل ) علي خلقه و فيه عن الباقر (ع) انّه اُتِيَ علي بن الحسين عليهما السّلام ليلة قبض فيها بشراب فقال يا ابه [ص 60] اشرب فقال يا بنيّ انّ هذه اللّيلة الّتي اُقْبَضُ فيها و هي اللّيلة الّتي قبض فيها رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و فيه عن ابي‌عبداللّه (ع) قال كنت عند ابي في اليوم الّذي قبض فيه فاوصاني باشياۤء في غسله و كفنه و في دخوله قبره فقلتُ يا ابه واللّه مارأيتك منذ اشتكيت احسن منك اليوم مارأيت عليك اثر الموت فقال اماسمعتَ علي بن الحسين عليهما السّلام ينادي من وراۤء الجدار يا محمّد تعال عجّل و في الكافي انّ موسي بن جعفر عليهما السّلام لمّا قال السّندي بن الشّاهك لعنه اللّه يا هؤلاۤء انظروا الي هذا الرّجل هل حدث به حدث الي ان قال موسي بن جعفر عليهما السّلام انا ( ان خ‌ل ) ما ذكر من التّوسعة و ما اشبهها فهو علي ما ذكر غير انّي اخبركم ايّها النّفر انّي قد سقيت السّم في سبع تمرات و انا غدا احضر و بعد غدٍ اموت و هذه و امثالها صريحة في انّهم يعلمون متي يموتون و من اين اوتوا فكيف يخفي عليهم ما فيه هلاكهم الثّاني انّ كونهم عالمين بمناياهم ممّا لا اشكال فيه عند الفرقة المحقّة وراثة من رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله فاذا ثبت ذلك و هم قادرون علي الامتناع من ذلك فاقدامهم عليه القاۤء بايديهم الي التّهلكة المنهي عنه و الجواب انّهم عالمون بذلك علم عيان و اخبار امّا العيان فلما صحّ عنهم انّ اللّه يعطي وليّه عمودا من نور يري فيه اعمال الخلائق كما يري احدكم الشّخص في المرءاة و انّهم يرون اعمال الخلائق و لايخفي عليهم شيء من احوالهم و امّا الاخبار فلانّ رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله اخبرهم عن الوحي بالكليّ و الجزئيّ و ما يجري [ص 61] عليهم و علي غيرهم و لانّ عندهم علم القرءان كلّه و فيه تفصيل كلّ شيء و تبيان كلّ شئ و عندهم الجفر يعلمون به كلّ شيء و عندهم الجامعة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و فيها كلّ ما يحدث علي مستقبل الدّهور و عندهم مصحف فاطمة (ع) و فيه جميع الملاحم و الحوادث و عندهم الغابر فيه كلّ ما كان و عندهم المزبور و فيه كلّ ما سيكون و عندهم الاسم الاكبر و به يعلمون ما شاۤءوا و عندهم النّكت في القلوب و هو الالهام و النّقر في الاسماع و هو السّماع قالوا و هذان افضل علومهم فهم يعلمون ما يجري به القضاۤء عليهم حين يجري و قبل ان يجري اذا كان محتوما مطلقا اي ليس له مانع في الغيب و الشّهادة و لكن اذا جري القضاۤء عليهم غاب عنهم الملك المُحَدِّثُ عن امر من اللّه ( عن امر الله خ‌ل ) ليجري عليهم القضاء فيأكل الامام السمّ و هو غافل و هذا اي غيبوبة ( غيبوبة الملك خ‌ل ) المحدّث هو معني ما ورد من انّ اللّه ينسيهم ليجري عليهم القضاۤء و بيان هذا و الاشكال الثّاني هو انّهم (ع) يعلمون مناياهم عند حضورها و اسبابها و انّه من المحتوم عليهم لينالوا به الشّهادة و الدّرجة العليا الّتي لاينالونها ( لن‌ينالوها خ‌ل ) الّا بهذه الشّهادة و الاقدام عليها و ليس ذلك القاۤء باليد الي التّهلكة لانّهم مأمورون بذلك عن اللّه و ترك امر اللّه هو الالقاۤء باليد الي التّهلكة لا امتثال امره فانّه جهاد واجب عليهم لانّ اللّه تعالي اشتري منهم انفسهم بما يرضون من ثوابه الاتري انّك اذا امرك الامام (ع) بان تمضي بنفسك الي بعض اعداۤئه و تقاتلهم حتّي تقتل و انت تعلم قطعا انّك مقتول [ص 62] لا محالة فانّه يجب عليك ذلك حتّي تقتل و ليس ذلك القاء باليد الي التّهلكة و انّما هو الشّهادة و السّعادة و علي هذا النّحو خرج الحسين (ع) و انصاره و قاتلوا و هم يعلمون انّهم مقتولون لا محالة و لو سلّموا لسلموا و لكنّه لايجوز لهم التّسليم لطلب السّلامة بل يجب عليهم الجهاد حتّي يقتلوا كما قد فعلوا عليهم التحيّة و الرّضوان و هذا صريح قوله تعالي انّ اللّه اشتري من المؤمنين انفسهم و اموالهم الٰاية ، فيقدم الامام علي ما امر به من اهل ( اكل ظ ) المسموم امتثالا لامر اللّه تعالي و اذا اراد الاكل انساه اللّه تعالي ذلك و بعبارة اخري غاب عنه المحدّث اي الملك يعني روح القدس الّذي يكون معهم يسدّدهم و المعني في الاوّل انّه (ع) اذا توجّه الي ما امره اللّه تعالي به من الاكل استغرق بجميع مشاعره استغراقا ذاتيّا في امتثال امر اللّه تعالي و التّوجّه اليه حتّي يغفل عن كلّ ما سوي اللّه حتّي عن نفسه فيأكل غير ملتفت الي نفسه و لا الي ما يترتّب عليه من هلاكه كما يكون في صلوته يأتي بها بما يريد اللّه تعالي غير ملتفت الي نفسه و لا الي صلوته بل كلّ مشاعره مستغرقة في خدمة ربّه و امتثال امره و هذا معني الانساۤء و معني ذلك انّ اللّه سبحانه جذب جميع مشاعره بجمال جلاله عن نفسه و عن كلّ شيء و معني غيبوبة الملك انّه يغيب به عنه و هو غيبوبته بتوجّهه عن نفسه و عن ساير احواله بمعني انّه لايشعر بغير امتثاله الامر و هو معني انّ اللّه انساه لانّ الملك يسدّده عن النسيان و الغفلة و السّهو و هو لايزال معهم لايفارقهم الّا حالة جريان القدر عليهم فانّه يفارقهم يعني يفارق ما يتعلّق بظاهرهم الي ما يتعلّق بباطنهم و هو مرادنا بغيبوبته ( بغيبوبة الملك خ‌ل ) عن [ص 63] الامام (ع) لا انّه يفارق باطنهم اذ لا مكان له في الوجود الّا قلوبهم بل قلوبهم شرط وجوده فهو يغيب و غيبوبته عن ظاهرهم هو انساۤء اللّه لهم لانّ اللّه ينسيهم بغيبوبة الملك فافهم فقد ذكرت لك الجواب عن الاشكالين بل عن جميع الاشكالات و امّا قولكم و لولا انّهم يعلمون لكانت جعيدة بنت الاشعث لعنهما اللّه و اليهوديّة اعلم من رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و ابنه الحسن (ع) لانّهما عالمتان بالسمّ الّذي وضعتاه فليس بمرتبط لانّ الّذي يفعل الشّيء عالم به البتّة بخلاف غيره فلايدخل منه ( فيه خ‌ل ) اشكال للسّؤال و كتب احمد بن زين‌الدّين .

الحديث الثامن‌عشر : روي سيّد ( السيد خ‌ل ) الرضيّ رضي اللّه عنه في نهج البلاغة عن سعدة بن صدقة عن الصّادق (ع) و روي الصّدوق في التّوحيد و العيّاشي في تفسيره انّ اميرالمؤمنين (ع) خطب بهذه الخطبة علي منبر الكوفة و ذلك انّ رجلا اتاه فقال يا اميرالمؤمنين صف لنا ربّنا لنزداد له حبّا و معرفة فغضب (ع) و نادي الصّلوة جامعة فاجتمع النّاس حتي غصّ المسجد باهله فصعد المنبر و هو مغضب متغيّر اللّون فحمد اللّه سبحانه و صلّي علي النبيّ (ص) و قال الحمد للّه و ساق الخطبة الي ان قال فقال (ع) فانظر ايّها السّائل فما دلّك القرءان عليه من صفته فائتمّ به و استضئ بنور هدايته و ما كلّفك الشّيطان علمه ممّا ليس عليك في الكتاب فرضه و لا في سنّة النبيّ و ائمّة الهدي اثره فكل علمه الي اللّه سبحانه و تعالي فانّ ذلك مقتضي حقّ اللّه عليك .

اقول : اشار (ع) الي انّ كلّما اراد اللّه من خلقه ان يعرفوه به فانّه قد نبّه عليه فاراد ان يوحّدوه في ذاته فنبّه علي ذلك و قال اللّه لاتتّخذوا الهين اثنين انّما هو اله واحد و اراد ان يوحّدوه في صفاته فقال [ص 64] ليس كمثله شيء و اراد ان يوحّدوه في افعاله فقال اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات و اراد ان يوحّدوه في عبادته فقال و لايشرك بعبادة ربّه احدا فمن وحّد اللّه بزعمه في ذاته فقال انّه سبحانه احديّ الذّات و جعل بينه و بين صفاته الذّاتيّة مغايرة و لو في الاعتبار فانّه لم‌يصدق لفظه علي معتقده و لقد شافهنا كثيرا منهم من يقول ( كثيرا مما يقول خ‌ل ) في قوله تعالي و هو مع كلّ شيء و محيط بكلّ شيء انّه مع كلّ شيء بعلمه و محيط بكلّ شيء بعلمه فاذا قلنا له مع كلّ شيء بذاته و محيط بكلّ شيء بذاته انكر ذلك و ليس ذلك الّا لانّه يفرق بين الذّات و العلم فالعلم عنده مغاير للذّات و ان كان يقول ان علمه عين ذاته و الّذي يدلّ القرءان عليه انّه اله واحد فكون علمه مغايرا لذاته في حالٍ مّا او اعتبارٍ مّا و العلم قديم يدلّ علي تعدّد الٰالهة و من وحّد اللّه بصفته و قال انّ اللّه خلق ليس كمثله شيء ثمّ يقول انّ الخلق خلق من سنخ الحقّ سبحانه او من ظلّ الحقّ عزّ و جلّ او قال بانّ العلم يقتضي معلوما او قال بانّ الخلق ينتهي الي الخالق سبحانه او قال بين الخلق و بينه فصل او بينه و بينهم وصل او قال انّه يعرف بذاته و ان لم‌تدرك صفاته او قال انّ الوجود يطلق عليه و عليهم بالاشتراك و غير ذلك فانّ قوله ليس كمثله شيء لم‌يصدق علي معتقده فانّ من كان شيء من سنخه او كان له ظلّ ليس بقديم و امثاله كثيرة و من انتهي اليه المخلوق فهو مخلوق لانّه غاية المخلوق و قد ادركه المخلوق فهو مثله و من كان بينه و بين شيء فصل او وصل فهو حادث كما انّ بينك و بين عمرو فصل و بينك و بين بعضك وصل و من كان كذلك فله امثال من [ص 65] الخلق و كذلك المعروف بذاته مصنوع و من يدرك بذاته و لم‌تدرك صفاته مختلف و المختلف له نظير من الخلق و المشارك فيما يدلّ عليه مشارك فيما يميّزه و يختصّ به و هو حادث و كذلك العلم اذا اقتضي معلوما كان بينه و بين المعلوم اقتران و هو حادث فمن قال بامثال هذا ليس بقائل في الحقيقة انّه ليس كمثله شيء و الّذي يدلّ القرءان عليه انّ الخلق ليس من سنخه كقوله تعالي و جعلوا بينه و بين الجنّة نسبا و لقد علمت الجنّة انّهم لمحضرون و انّ الخلق ليس ظلّا له سبحانه و انّ علمه لايقتضي معلوما و الّا لكان مقترنا بغيره فيكون مشابها للمخلوق لقوله تعالي و من كلّ شيء خلقنا زوجين لعلّكم تذكّرون و انّ الخلق لاينتهي الي الخالق و الّا لكان مدركا لهم و قد قال تعالي لاتدركه الابصار وَ هُوَ يدرك الابصار و انّه ليس بينه و بين الخلق فصل و الّا لكان معزولا عنهم و قد قال تعالي و نحن اقرب اليه من حبل الوريد و نحن اقرب اليه منكم و لكن لاتبصرون ، ام لهم آلهة تمنعهم من دوننا و انّه ليس بينه و بينهم وصل لانّه يقول و جعلوا له من عباده جزءاً انّ الانسان لكفور مبين و انّه لايعرف بذاته لانّه يقول و لايحيطون به علما و انّه لايشاركونه فيما يختصّ به لانّه سبحانه قال و ذروا الّذين يلحدون في اسماۤئه سيجزون ما كانوا يعملون ، انّ الّذين يلحدون في آياتنا لايخفون علينا و قال تعالي حكاية عن ندامة المجرمين و اتباعهم تاللّه ان كنّا لفي ضلال مبين اذ نسوّيكم بربّ العالمين و من وحّد اللّه بفعله فقال ليس له شريك في صنعه و ملكه ثمّ يقول انّ العبد مستقلّ بافعاله و اقواله و انّه يكون في ملكه ما لايريد ان يكون فانّ كلامه هذا خلاف ما قال اللّه تعالي في كتابه فانّه يقول [ص 66] اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السّموات و اسرّوا قولكم او اجهروا به انّه عليم بذات الصّدور الايعلم من خلق و هو اللّطيف الخبير ، و ماتشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّه ، قل لن‌يصيبنا الّا ما كتب اللّه لنا هو مولينا ، افمن هو قاۤئم علي كلّ نفس بما كسبت ، له معقّبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر اللّه و من وحّد اللّه في عبادته فقال بقوله تعالي فمن كان يرجو لقاۤء ربّه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربّه احدا ثمّ يعصي اللّه تعالي فيما تشتهيه نفسه و يطيع غير اللّه في معصية اللّه و اللّه سبحانه يقول افرأيت من اتّخذ الهه هواه ، و مايؤمن اكثرهم باللّه الّا و هم مشركون ، الم‌اعهد اليكم يا بني آدم الّاتعبدوا الشّيطان انّه لكم عدوّ مبين و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم و ذلك لانّهم لايعبدون في ظنّهم الّا اللّه و لكنّهم يراۤءون و يمنعون الماعون و يفعلون ما يشتهون فقد ضلّ سعيهم في الحيوة الدّنيا و هم يحسبون انّهم يحسنون صنعا فاذا كان يوم القيمة قال اللّه لهم اين شركاۤؤكم الّذين كنتم تزعمون ثمّ لم‌تكن فتنتهم الّا ان قالوا واللّه ربّنا ماكنّا مشركين انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون فلاجل انّهم في الدّنيا اشركوا و لم‌يعلموا انّهم اشركوا قال الصّادق (ع) هيهات فات قوم و ماتوا قبل ان يهتدوا و ظنّوا انّهم آمنوا و اشركوا من حيث لايعلمون و كذلك ما اراد سبحانه منهم ان يعرفوه من شأن نبيّه (ص) و خلفاۤئه و اهل بيته (ع) و الانبياۤء و الاوصياۤء و ما جاۤء به محمّد صلّي اللّه عليه و آله من احوال النّشأتين ممّا قد علّمهم و اشار اليه لهم في كتابه ممّا لايسع الدّفاتر شرحه و بيانه و في خلاف ما ذكرنا قد كلّفهم الشّيطان باخذه و اعتقاده فمنه شيء قالوا فيما عرفوه بخلاف ما عرفوه و تكلّفوا ما لم‌يعلموا [ص 67] فبيّن (ع) فيما تقدّم من كلامه منتهي حقّ اللّه علي العباد ثمّ قال (ع) و اعلم انّ الرّاسخين في العلم هم الّذين اغناهم عن اقتحام السُّدَدِ المضروبةِ الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم‌يحيطوا به علما و سمّي تركهم التعمّق فيما لم‌يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا فاقتصر علي ذلك و لاتقدّر عظمة اللّه سبحانه علي قدر عقلك فتكون من الهالكين اقول اشهد الّا اله الّا اللّه و اشهد انّ محمّدا رسول اللّه (ص) و اشهد انّ عليّا وليّ اللّه و خليفة رسول اللّه (ص) و حجّة اللّه علي خلقه و انّ الائمّة من ولده كلمة اللّه و حجج اللّه علي اهل الدّنيا و الٰاخرة و الاولي و اشهد انّ ما اتي به محمّد (ص) و اتوا به هو الحقّ المبين و الصّراط المستقيم و اشهد انّ كلام سيّدي و مولاي اميرالمؤمنين (ع) حقّ باطن و سرّ ظاهر و ضياۤء مشرق و نور زاهر و انّ من خالف قوله هذا فقد جاز عن الهدي و هوي الي الرّدي و نقل عن الامام الحقّ جعفر بن محمّد الصّادق عليه و علي اباۤئه و ابنائه الطاهرين السّلام قال :

علم المحجّة واضح لمريده و اري القلوب عن المحجّة في عمي

و لقد عجبتُ لهالكٍ و نجاتُهُ موجودةٌ و لقد عجبتُ لمن نجا

صلّي اللّه عليه و علي آباۤئه و ابناۤئه الطّاهرين و الحمد للّه ربّ العالمين و كتب احمد بن زين‌الدّين .

الحديث التّاسع‌عشر : روي المحمّدون الثّلث رحمهم اللّه في الكافي و التّهذيب صحيحا و في الفقيه مرسلا عن الصّادق (ع) انّه قال الصّلوة لها اربعةٰ‌الاف حدّ و روي الصّدوق ايضا في الفقيه مرسلا و في العلل و العيون مسندا عن الرّضا (ع) قال الصّلوة لها اربعة‌الاف حدّ .

اقول : الحدّ يراد به الحكم و المعني انّ الصّلوة لها اربعة‌الاف حكم من [ص 68] واجب و حرام و مندوب و مكروه و هي مذكور اكثرها في كتب العلماۤء مفصّلة مثل الفيّة الشهيد و نفليّته و مثل اثني‌عشريّة البهاۤئيّ الصّلاتيّة و غيرها من اراد ذلك طلبه و كتب احمد بن زين‌الدّين .

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم السّؤال مختصر : فسّروا تشبيه العاۤمّة عليّا (ع) بالشّكل الرّابع حيث اسقطه بعضهم عن درجة الاعتبار لمخالفته الاوّل و اعتبر جمهورهم الثّاني بعد الاوّل لموافقته معه في اشرف المقدّمتين ثمّ اعتبروا الثّالث لموافقته معه في مقدّمته الاخري فما وجه الشّبه في مخالفة الشّكل الرابع للاوّل و مخالفة عليّ (ع) لابي‌بكر و كذا في الاشكال و الخلفاء .

الجواب : الشّكل الثّاني يوافق الاوّل في الصّغري كموافقة الثّاني للاوّل في زهده و تركه الدّنيا و في تأصّله ( تألمه خ‌ل ) في الخلافة الّذي هو شبيه الاصغر في اشتراكه فيهما بكونه موضوعا و الشّكل الثّالث يوافق الاوّل في الكبري كموافقة الثّالث للاوّل في استحقاق الخلافة بالمشاورة و التّدبير و الاتّفاق عليه و امّا الشّكل الرّابع فهو عكس الاوّل في المقدّمتين فيكون عليّ (ع) عكس الاوّل في استحقاق الخلافة و تأصّله و في عدم اتّفاق الصّحابة عليه و الشّكل الرّابع يخالف الثّاني في الصّغري كمخالفة عليّ (ع) للثّاني في الاستحقاق و التأصّل و الشّكل الرّابع يخالف الثّالث في الكبري و عليّ (ع) يخالف الثّالث في عدم الاتّفاق عليه من كثير من الصّحابة فانّهم قد اتّفقوا علي الثّالث و لم‌يتّفقوا علي عليّ (ع) سيجزيهم وصفهم انّه حكيم عليم و من اسقط الشّكل الرّابع قال هو لاينتج الّا بردّه الي الاوّل فلا اعتبار به بل الاعتبار بالاوّل و قال انّ عليّا (ع) لايصحّ له الخلافة الّا بشرط ردّه الي الاوّل بان يكون تابعا له و مأموما و رابعا للخلفاۤء و امّا انّ له خلافة ابتدائيّة فلا فلا اعتبار في الحقيقة بخلافته و لهذا خالفه اصحاب الجمل و حاربوه و حاربه القاسطون و المارقون انّ اللّه لعن الكافرين و اعدّ لهم سعيرا اولۤئك يلعنهم اللّه و يلعنهم اللّاعنون .

[ص 69] السّؤال : انّ في الحديث اذا احببت احدا من اخوانك فاعلمه بذلك فانّ ابراهيم (ع) قال ربّ ارني كيف تحيي الموتي قال اولم‌تؤمن قال بلي و لكن ليطمئنّ قلبي ، كيف يستنبط اعلام المحبّة للاخوان من الٰاية المذكورة في مقام التّعليل بدليل فاء ( الفاء خ‌ل ) التّعليليّة .

الجواب من وجهين : احدهما انّ القلوب شواهد اذا احببت شخصا فاعلم انّه يحبّك لانّ الارواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف ( ائتلف و ما تنكر منها اختلف خ‌ل ) و قد تحتمل الطّبيعة البشريّة خلاف ذلك فاذا اخبرك اطمأنّ قلبك كذلك كما انّ ابراهيم (ع) يعلم انّ اللّه يحيي الموتي و يعلم كيفيّة ذلك و تجوّز الطّبيعة البشريّة احتمال انّ الكيفيّة غير ما يعلم و لو لم‌ير بالبصر الكيفيّة لجاز ان يضطرب قلبه بتلوّن طبيعته البشريّة كالاخ المؤمن تحبّه و هو يحبّك و تحتمل بشريّته غير ذلك فاذا اخبرته اطمئنّ قلبه فلمّا سأل (ع) عن كيفيّة الاحياۤء قال اللّه له الم‌اخبرك بها قال بلي و لكن ليطمئنّ قلبي و ينتفي عنّي تجويز الطّبيعة بمعني انّ التّعليم للقلب و الباطن و الرّؤية للظّاهر و ثانيهما انّ اللّه سبحانه اوحي الي ابراهيم انّ لي خليلا لو سئلني احياۤء الموتي لاجبته و كان يعلم بالتوسّم انّه هو و لكنّه لايحتم علي اللّه فاحبّ ان يطمئنّ بما يعلم انّه خليل اللّه تعالي فقال ربّ ارني كيف تحيي الموتي و مراده ليعلم انّه خليل اللّه فقال اللّه له اولم‌تؤمن قال بلي يعني انّك تحيي الموتي و لكن ليطمئنّ قلبي بالخلّة كذلك المؤمن يعلم بقلبه انّ زيدا يحبّه لانّه يحبّ زيداً و هذا من التوسّم و لكن لايقطع علي جهة الحتم فاذا اعلمه زيد انّه يحبّه اطمئنّ قلبه .

[ص 70] السّؤال : انّ في الحديث اذا اراد احدكم ان لايسئل ربّه شيئا الّا اعطاه فلييأس من النّاس و لايكون له رجاۤء الّا من عند اللّه فاذا علم اللّه تعالي ذلك من قلبه لم‌يسأله شيئا الّا اعطاه فحاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا عليها ، فما وجه تفريع المحاسبة علي الامر باليأس .

الجواب : تفريع المحاسبة للنّفس علي اليأس من النّاس هو انّ اللّه سبحانه خلق الخلق ليعبدوه و ضمن لهم كلّما يحتاجون اليه في الدّنيا فمن عبد اللّه و توكّل عليه فقد حاسب نفسه بمعني ادّي ما يجب عليه و من لم‌يتوكّل علي اللّه فانّ اللّه يسئله غداً يقول له كيف طلبت رزقك ممّن لايملك شيئا و كيف لم‌تصدّق بضماني و قد اقسمت لك في كتابي فقلت لك و في السّماۤء رزقكم و ما توعدون فوربّ السّماۤء و الارض انّه لحقّ مثل ما انّكم تنطقون فلم‌تقبل منّي فان توكّل عليه فقد يئس ممّا في ايدي النّاس و حاسب نفسه و في قوله تعالي فوربّ السّماۤء و الارض اشارة الي انّه مالكهما و مالك ما فيهما فاعتمدوا عليه و فيه اسرار اُخَر .

السّؤال : في الحديث عن الباقر (ع) يا جابر انّ الدّنيا عند اهل اللّبّ و العلم باللّه كفيء الظّلال فاحفظ ما استرعاك اللّه من دينه و حكمته و لاتسألنّ عمّا لك عنده الّا ما له عند نفسك فان تكن الدّنيا علي غير ما وصفت لك فتحوّل الي دار المستعتب انتهي ، بيّنوا و فسّروا كلامه (ع) و لاتسالنّ عمّا لك الخ ، و كذا قوله فتحوّل الي دار المستعتب ما المراد به .

الجواب : بسم اللّه الرّحمن الرحيم - المعني انّ الدّنيا الّتي هي الزّينة و التّفاخر و التّكاثر عند اولي الالباب كفيء الظّلال سريع الزّوال و هذا ظاهر و انّما يراد منك و كلّفت ما استرعاك اللّه من دينه من الاعمال المأمور بها و من حكمته من الاعتقادات الصّحيحة و لايراد حبّك ( حسبك خ‌ل ) ان تسأل عمّا لك عنده من الرّزق و الثّواب [ص 71] علي صالح الاعمال و انّما يراد منك ان تسأل عما له عند نفسك و هو التّكاليف و شكر نعمه فان كانت دنياك عند نفسك غير ما وصفت لك ممّا يراد منك من الاعتقاد او الاعمال فاعرض عنها و تحوّل الي دار المستعتب يعني تحوّل في الدّنيا عن الدّنيا الّتي هي كفيء الظّلال الي ما يراد منك من صالح الاعمال الّتي هي افضل الزّاد الي الاخرة الّتي هي دار المستعتب .

السّؤال : افيدوا رضي اللّه عنكم كما رضيتم عنه انّ الرّوح الّذي يثاب و يعاقب ايّ روح من الارواح الاربعة او الخمسة و هل هو الشّريك الاقوي من البدن او لا فان كان اقوي فبيّنوا السّبب و الجهة و ان لم‌يكن اقوي فلم يحزن او يفرح في عالم البرزخ و البدن لا حسّ له و هو فارغ عنهما فيه و هل هو الرّوح الّذي يفارق الجسد في المنام و يذهب من مقام الي مقام ( مقام آخر خ‌ل ) او غيره فان كان غيره فبيّنوا اسم كلّ منهما .

الجواب : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم - الّذي يثاب و يعاقب هو الانسان نفسه الحيوان النّاطق المشتمل علي الارواح كلّها لا روح واحدة فانّ روح المَدْرَج هي القوّة الّتي بها يسعي الانسان و هي من قواه و روح الشهوة بها يأكل و يشرب و ينكح و هي من قواه و روح القوّة بها يحمل الاثقال و هي من قواه و روح الايمان بها يحتمل ثقل التكليف ( التكاليف خ‌ل ) من الاعتقادات و الاعمال و هي من قواه فالمثاب و المعاقب هو الانسان نفسُهُ الذي هو ( التي هي خ‌ل ) الكلّ و كتب احمد بن زين‌الدّين .