الرسالة الزنجية
في حقيقة كاف ليس كمثله شيء
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 4] بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي انه قد وقع بحث طويل بين الشيخ الارشد الشيخ احمد بن المقدس الممجد الشيخ محمد آلماجد الاوالي و بين السيد السند السيد عبدالصمد بن السيد العلي السيد علي بن السيد احمد الزنجي الاوالي امدهما الله سبحانه بمدد هدايته و رعاهما بعين عنايته في قوله تعالي ليس كمثله شيء و هو السميع العليم بان الكاف في كمثله زائدة او ليست بزائدة و هل يلزم من ذلك اثبات المثل و نفي الواجب علي تقدير اصلية الكاف اذ ليس مثل المثل يلزم ان يكون سبحانه مثلا لمثله مع ما فيه من قبح ثبوت المثل و الكل باطل فسلك الشيخ احمد في بحثه طريقة التأويل و سلك السيد عبدالصمد طريقة الظاهر فاختلفا لاختلاف الطريقين و تباعد المسلكين الي ان بلغ الحال بينهما ان قال السيد المذكور للشيخ احمد حرر ما عندك و ذلك بعد كلام طويل و لعمري ان هذا نزاع مستغني عنه سيما مع اختلاف الارادتين مع ان كلا منهما مصيب في مسلكه كل بحسبه فكتب الشيخ احمد له بعض الالفاظ مشيرا الي بعض ما قال علي سبيل الاشارة و اختصار العبارة فوقع ذلك في يدي فاحببت بيان مرامه فيما ذكر صريحا و ذكره بعض تمامه مما لوح فيه و لميصرح به جهرا و اجعل كلامه متنا و بياني كالشرح .
قال سدد الله موصول احواله و بلغه حصول آماله في مبدئه و مآله : امرت [ص 5] سيدنا بان احرر لجنابك ما فهمته بحسب جهدي الذي تفضل الله به في معني الآية ليس كمثله شيء .
اقول المراد بمعني الآية هنا ما يتحصل من معني الكاف علي تقدير صلتها او اصليتها .
قال ايده الله تعالي : الله تعالي شأنه اجل و ارفع من ان يكون له شريك و مثل و ذلك لانه محيط بالاشياء و العقول دخلت في الشيئية و الفرض و الاعتبار بالعقل .
اقول اخذ سلمه الله يقرر وحدة الحق سبحانه بان الشريك لايمكن الاشارة اليه في الذهن و لا في الخارج بأي ( بأي جهة خل ) من جهات الذكر الوجودية او الاعتبارية اذ ليس شيء من ذلك يخلو من الحق سبحانه سواء كان خارجا او ذهنا او فرضا اعتبارا او غيره فلا محل للشريك و المثل و لا قرار له نعم لما كان مقام الكثرة له التعدد ( مقام الكثرة و التعدد خ ) ظهر فيه من جهة الدواعي العرضية الوهمية مع القطع عن الوحدة حال سلوك تلك الدواعي تجويز الشريك او توهمه او ظنه العرضي فانزل الله سبحانه لذلك و ازالته من الاوهام لا اله الا الله و لا شريك له فليس النفي فرعا علي الثبوت كما توهم بل لان الاوهام لما اغبرت في مقام الكثرة و التعدد فاتي بالنفي مكنسة لغبار الاوهام و لهذا قال علي عليه السلام لكميل محو الموهوم و صحو المعلوم ، و معني كلام العلماء في كثير من عباراتهم حيث يقولون اثبات الصانع ان يمحو ( يمحي خل ) ما في اوهام الجهال من الغبار المذكور لتخلص فيها الوحدة لله سبحانه كما خلصت له في نفس [ص 6] الامر و قوله سلمه الله لانه محيط بالاشياء ، يشير الي ما قلنا من انه سبحانه لايخلو منه مكان و لا نحو من الانحاء فاينما تولوا فثم وجه الله لا في الخارج و لا في الاذهان و لا في الاعتبار و الفرض كما لايجوز ( لايحويه خل ) شيء من ذلك كذلك و قوله سلمه الله و العقول دخلت في الشيئية الخ ، يريد به انه جل و علا خالق كل شيء و كل شيء انما كان شيئا بالله كما قال علي عليه السلام في خطبته يوم الغدير اذ كان الشيء من مشيته ، فان فرض للشريك بكل فرض شيئيته ( شيئية خل ) فانما هي بالله فيكون كان المفروض من الخلق فلايكون شريكا بل عبد داخر ذليل قال تعالي ان الذين تدعون من دون الله عباد امثالكم فلميبق نحو و لا مكان يفرض فيه للشريك ذكر و لا حال من الاحوال الا بالنفي علي نحو ما ذكرنا سابقا كأن تقول لا شريك له و لا اله الا الله .
قال سلمه الله تعالي : ففرض الشريك و اعتبار المثل لا معني لذلك لانه لايتحقق المثل الا بالاحاطة بالممثل و ذلك محال و كذلك الشريك لايمكن فرضه اذ الباري جل و علا مبدء لكل شيء .
اقول قوله ففرض الشريك الخ ، استدلال آخر علي بطلان الشريك و بطلان فرضه بنحو آخر غير الاول و تقريره ان الشريك انما يكون بتحقق المشاركة التامة المساوية للمشارك فيما شاركه و لو في جهة واحدة من الجهات و كذلك المثل كقولك زيد كالاسد لو لميشابهه في الشجاعة و لو بجهة من جهاتها لمتقل هو كالاسد و المشاركة و المشابهة في اربع مراتب : الاول ( الاولي خل ) في الذات بان يكون كل منهما قائما بذاته صمدا ( قائم بذاته صمد خل ) لا مدخل فيه و يكون مبدء لكل ما سواه و كل ما [ص 7] سواه مستند اليه و قائم به ، الثانية في الصفات بان يكون كل منهما في حياته و علمه و قدرته و سمعه و بصره لا نهاية له و لا غاية و لا مغايرة بين تلك الصفة و تلك الذات الا بالفرض و الاعتبار لاجل التعبير و التفهيم و لاجل المسئلة و باعتبار تعلقها بمتعلقاتها عند وجودها ، الثالثة في الافعال بان يخلق كل منهما الاشياء المختلفة و المتباينة و المتضادة بفيض واحد بسيط بجهة واحدة به تتجنس الاجناس و تتنوع الانواع و تتشخص الاشخاص مع اختلاف الكل بالكلمة المتحدة فيكون بها كل شيء من صنعه علي حسب قابليته و استعداده بلا تكلف و لا لغوب كما قال سبحانه و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر ، ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة ، الرابعة في عبادته بان يكون كل منهما يستحق العبادة كما ينبغي اعني لاتنبغي العبادة الا له فلا راد لقضائه و لا معقب لحكمه و اليه يأله كل شيء بما دل علي نفسه و علم من عبادته و تعرف للدلالة عليه و لا ريب ان المشارك في احد هذه المراتب مثلا محيط بالمشارك الآخر و كذلك المماثل اذ من شرط تحقق كل مرتبة للمتصف بها الوحدة الذاتية كما هو صريح كلامنا في المراتب الاربع و الي ما ذكرنا الاشارة بقوله تعالي اذا لذهب كل اله بما خلق و لعلا بعضهم علي بعض .
قال سلمه الله تعالي : فاذا تحقق هذا فالكاف للتشبيه و ليس للنفي المحض و الشبه كما علمت لايلزم منه مطابقة المشبه به .
اقول اراد بقوله الكاف للتشبيه ان الكاف ليست صلة يعني زائدة فان بعضهم انما حكم بكونها زائدة لئلايلزم من ذلك ثبوت المثل و المراد [ص 8] من الآية نفي المثل و لئلايلزم نفي الباري سبحانه و المراد من الآية ثبوته بنفي ما سواه فنقول علي قول ذلك القائل ان الكاف للتشبيه ليست زائدة و لايلزم منه محذور اما اولا فلأن ثبوت المثل علي المعني الصحيح عند اهل العرفان هو حقيقة التوحيد و المراد بذلك المثل الصفة فان صفة الشيء مثله بل لايعرف الشيء الا بصفته التي هي مثله كما وردت الاشارة الي ذلك في الادعية و الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام اسألك باسمائك الحسني و امثالك العليا ، لايقال ان المراد بالامثال جمع مثل بفتح الميم و الثاء المثلثة و هذا غير المدعي لانا نقول ان المراد بالمثل بكسر الميم و سكون المثلثة عندنا هو المراد بالتحريك اذ الاول معناه الثاني و الثاني معناه الاول و شرح هذا البيان حتي يتحقق عند اهل الغباوة ( العبارة خ ) يحتاج الي تطويل كلام و خروج عن مقتضي المقام و اما بيان ذلك عند اولي الافئدة فظاهر لديهم و اما من اتبع هديهم فدليل ذلك قوله تعالي و لما ضرب ابن مريم مثلا و قوله تعالي و له المثل الاعلي في السموات و الارض و هو العزيز الحكيم و المراد بهذا ( بهذا المثل خل ) بالتحريك كما هو ظاهر جهة التمثيل و التشبيه الذي هو معني المثل بكسر الميم و سكون المثلثة و علي كل تقدير فالمراد به الصفة اذ لا شك ان الصفة فيما يراد منها من جهة الموصوف مثل الموصوف فيما يراد منه من جهة الصفة و الا لمتكن الصفة صفة و الموصوف موصوفا فصح بهذا المعني ثبوت المثل و صح نفي مثل ذلك المثل فلاتكون الكاف زائدة و لايلزم من نفي مثل المثل نفي الذات فانها مثل مثلها كما توهمه [ص 9] القاصرون لان الموصوف لايصح ان يكون صفة لصفته و انما قلنا ان الصفة فيما يراد منها من جهة الموصوف مثل الموصوف فيما يراد منه من جهة الصفة لان ما يماثل من الموصوف علة لما يماثل من الصفة و لايصح العكس فلايكون ( و لايكون خل ) شيء من الموصوف في الحقيقة و الرتبة مساويا لشيء من الصفة فقولك زيد القائم ضاحك فان القائم هو مثل زيد و هو صفته ( صفة خل ) و ليس زيد مثل القائم و لا صفته فافهم فثبت ثبوت المثل و امتنع بسبب ذلك الثبوت نفي الذات و لاينحصر المثل في ذات تماثل المماثل بفتح المثلثة بحيث تماثل الصفة الصفة و الموصوف الموصوف بل المثل اكثر ما يرد ( يراد خل ) فيما ذكرنا آنفا لاسيما في القرآن فثبت بما اشرنا ان المثل جار في الصفة و علي ذلك لا بأس باصالة الكاف و لايلزم من نفي مثلها نفي الذات لان الذات ليس مثلها بل هي مثل الذات كما ذكرناه مكررا و قوله ايده الله و ليس للنفي المحض يريد به ان النفي ليس واردا علي ما ثبت كما قيل ان النفي فرع الثبوت بل النفي ( النفي اللفظي خل ) وارد علي النفي المعنوي و صورة النفي اللفظي في كونه صورة نفي وارد لنفي ثابت انما جاءت هكذا لان المنفي عدم محض توهم ثبوته فجاء اللفظي ( اللفظ خ ) مطابقا له و الا فهو في الحقيقة ليس مطلق و نفي محض و لذا قال سلمه الله ليس للنفي المحض و قوله ايده الله تعالي و الشبه كما علمت لايلزم منه مطابقة المشبه به يعني انه لاينحصر المثل في ذات تماثل ذاتا في الصفات بل تحصل المماثلة بين الصفة و الموصوف كما اشرنا اليه فراجع .
قال سلمه الله تعالي : و لما كان الله تعالي امرا شخصيا قائما بذاته واجب [ص 10] الوجود حقيقيا لا اعتباريا فالحقيقة ذات بسيطة لا اعتبار فيها و لا كيف و لا لم و لا متي و الاعتبارات كلها في الصفات .
اقول انه يأتي جواب لما في البحث الذي يأتي و قوله امرا شخصيا يريد به احدي المعني لا كثرة فيه و لا تعدد علي اي اعتبار في كل حال لا انه امر شخصي ذو تشخص فتلزمه الحواية و يكون محصورا محدودا مخصصا في الذهن او في الخارج او في الاعتبار كما انه ليس بكلي فتشاركه جزئياته في مقام الجمع و الظهور فيها في الحواية و التحديد و ما هذا حاله لاتقع عليه الصفات لذاته لانه سبحانه كما قال سلمه الله ذات بسيطة لا اعتبار فيها الي آخر ، لان الاعتبار و الكيف و اللم و المتي هي جهات الصفات و مناط جميع الاعتبارات و هو معني قوله سلمه الله تعالي و الاعتبارات كلها في الصفات .
ثم قال سلمه الله تعالي : و الصفات منها ما هو ذاتي و منها ما هو فعلي فالانسان مثلا كذلك و قد خلق الله تعالي آدم مثالا لذلك و ذلك انك تقول ان الله سميع و كذلك ابن آدم ( ابن ادم و الله بصير و كذلك ابن آدم خل ) و كذلك في سائر الصفات و لكن سبحانه سميع و لكن الله سبحانه ليس ( و لكن الله سبحانه سميع و ليس خل ) بشيء زائد عليه و بصير و ليس بامر زائد عليه و ابن آدم يسمع بآلة و يبصر بآلة و لو كان بدون آلة لكان مثلا و حيث انه يصدق عليه انه سميع بصير و غير ذلك و لكنه بآلة كان كالمثل فليس نفي لمماثلة ذلك الشيء الذي هو كالمثل هذا ما عندي و الله و رسوله اعلم ، انتهي كلامه اعلي الله مقامه .
اقول اعلم ( و اعلم خل ) ان هذا الكلام يستدعي تحقيقه تطويلا و تقديم [ص 11] مقدمات و لا حاجة داعية الي ذلك فلنشير ( فلنشر خل ) الي بعض مقصوده كما فعلنا سابقا فقوله و الصفات منها ما هو ذاتي الخ ، يريد ( يريد به خل ) من صفاته تعالي او اعم من ذلك و الصفة الذاتية هي التي لاتوصف الذات بضدها لذاتها كالعلم فلاتوصف الذات لذاتها بالعلم و ضده و هو الجهل و اما الصفات الفعلية فهي التي توصف الذات بها لذاتها و بضدها كذلك كالارادة و الكراهة و الرضي و السخط و قوله فالانسان مثلا كذلك يريد به ان له صفات ذاتية و صفات فعلية و لكنه هو و صفاته مستندة ( مستند خل ) الي الحق ( سبحانه خ ) و صفاته و قوله سلمه الله تعالي و قد خلق الله تعالي آدم مثالا لذلك الخ ، يريد به ان ذاته في الحقيقة هندسة تلك الهيئات و هيمنة ( تلك الهيئة و هيمنته خل ) تلك الصفات قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال تعالي و في انفسكم افلاتبصرون و فيما ينسب الي علي عليه السلام :
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
اتحسب انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و نقل عن اميرالمؤمنين عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجموع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الشاهد علي كل غائب و هي الحجة علي كل جاحد و هي الصراط المستقيم الي كل خير و هي الصراط الممدود بين الجنة و النار انتهي ، فذاته آية ذات الله و صفاته الذاتية آية صفاته الذاتية و صفاته الافعالية آية صفاته الافعالية فما هنا مثل لما هنالك و قوله ايده الله تعالي و ذلك انك [ص 12] تقول ان الله سميع و كذلك ابن آدم ( ابن آدم الخ خل ) تمثيل و تنظير لما قلنا لك ان ما هنا مثل لما هناك فمثل بشيء من ذلك ليستدل بما ذكر علي ما لميذكر و هذا ظاهر و قوله و لكن الله سبحانه سميع و ليس بشيء زائد عليه الخ ، تبيين للوحدة الحقة المطلقة و قوله ( و قوله ايده الله و ابن آدم يبصر بآلة الخ ، يشير الي الوحدة المجازية المقيدة و قوله خ ) سلمه الله و حيث يصدق عليه انه سميع بصير و غير ذلك و لكنه بآلة كان كالمثل يعني انه ليس مثلا بمعني ذات ذات صفات مماثلة لذات ذات صفات ذات كذات و صفات كصفات بل هو مثل مثل يعني صفة كما قدمنا القول فيه و قوله سلمه الله فليس نفي لمماثلة ذلك الشيء الذي هو كالمثل معناه ان كلمة ليس في الآية الشريفة نفي فليس مبتدء و نفي خبره اي نفي لمماثلة صفات الصفة لصفات الموصوف بل نفس الصفة مماثل للموصوف فيما له ( لها خل ) منه اي في مباديها منه كما اشرنا اليه سابقا فلايكون لنفس صفته شيء مماثل اذ ليس مثلها شيء غيرها لانه ليس غيرها شيء الا صفة الصفة و هي و ان ماثلتها فيما لها منها لاتماثلها علي نحو ما قلنا في الصفة و الموصوف بلا فرق فمعني الكلام ليس لصفته مثل و لا نظير و لا مشابه و ان قلنا بان الكاف زائدة كان معني التشبيه منها مؤكدا لمعني المثل و يكون المعني ظاهرا و لسنا بصدد غير ما ذكرنا من الاقوال و الاعتراضات و السلام علي من اتبع الهدي و الحمد لله رب العالمين و فرغ من تسويدها مؤلفها في الليلة الخامسةعشرة من شهر رجب سنة ١٢١٢ حامدا مصليا مسلما مستغفرا .
خ استفاده شد ) [ص 13]