اختلف الحكماء و العلماء في العلم هل يحد ام لا و من قال لايحد اختلفوا هل يمتنع تحديده لبداهته ام لاستلزام ذلك الدور فقال طائفة من الحكماء العلم صورة ( صورة المعلوم خل ) الذهنية الحاصلة عند المدرك و هو ان النفس المدركة تقابل المعلوم في زمان وجوده و مكان حدوده فتنتزع في مرءاتها صورة المعلوم علي ما هو عليه و تلك الصورة هي العلم و هي مجردة عن المادة و المدة فالعلم عندهم من مقولة الكيف و طائفة منهم قالوا ان العلم هو حصول تلك الصورة لا الصورة نفسها لانهم ينفون الوجود الذهني فلميثبتوا فيه صورة فالعلم عندهم من مقولة الاضافة اي تعلق النفس الناطقة بصورة المعلوم الخارجي فالحكماء و المحققون من المتكلمين كالمحقق نصيرالدين علي [ص 23] الاول و اكثر المتكلمين علي الثاني و منهم من مزج بين القولين و قال بالوجود الذهني كالاولين و قال ان العلم من مقولة الاضافة كالاخرين فقال ان العلم عبارة عن التعلق الخاص اي تعلق النفس الناطقة بالمعلوم الذهني و منهم من جعل العلم عبارة عن قبول الذهن لتلك الصورة الذهنية فهو من مقولة الانفعال و اكثر الاصوليين قالوا في تعريفه انه صفة توجب لمحلها تميزا لايحتمل النقيض اي توجب للنفس الناطقة تميزا في الصورة الي صلة ( الحاصلة خل ) عندها او في التعلق الحاصل بين العالم و المعلوم و المراد بالصفة قوة قامت بالناطقة قيام عروض و ارادوا بعدم احتمال النقيض في متعلق التميز لان التصورات لا نقيض لها و في التصديق هو الحكم بثبوت النسبة او نفيها و ربما قيل عليه ان التصور و التصديق هو ذلك التميز فاذا كان العلم هو الصفة الموجبة للتميز لميكن شئ منها ( منهما خل ) علما هذا خلف فينبغي ان يقال ان العلم تمييز الخ و يمكن ان يقال ان التميز هو ادراك الناطقة للتصور و التصديق فيبقي الحد علي حاله سالما و ربما عبروا في التصديق بانه الاذعان بوقوع النسبة و عدمه و قيل هو ادراك ان النسبة واقعة او ليست بواقعة و هذه العبارة و ان كانت مشهورة الا انه يدخل فيها التخيل و الشك و الوهم علي الاصح في تعريف الشك فان اريد بهذه الثلاثة و هي الحكم و الاذعان و الادراك هذا المعني رجع الاعتراض و المراد بها ان الحكم الذي هو الاعتقاد و الاذعان بمعني ادراك الصورة لكن الاقوي ان معني الاذعان هو انقياد العقل لوقوع النسبة او لاوقوعها بمعني ان الواقع من احد حالي ( حالتي خل ) النسبة حكم بما هو عليه [ص 24] في نفسه فاطاعه العقل و معني التصديق ان الواقع اخبر العقل بما هو عليه فصدقه و الادراك ان العقل شاهد الواقع و اما الحكم فايجاب العقل لمقتضي الحال الواقع علي ما ينسب اليه او يترتب عليه او علي ما دونه من القوي بحال النسبة فهو انشاء عنه و قضاء منه موجب لتصديق تلك القوي التي هي النفس و الخيال و الحس المشترك بحال النسبة فعلي هذا يكون تصديقا لانه موجب للتصديق و ان اريد بهذه الثلاثة اعني الحكم و الاذعان و الادراك هذه المعاني المذكورة لميتجه الاعتراض الا علي الادراك و هو متروك لما يدخل فيه و قال بعض اهل الاصول ان هذا التعريف يدخل فيه الادراك الحس ( الحسي خل ) الظاهري فالاولي ان يقال فيه انه صفة ينجلي بها امر معنوي لمن قامت به فبقولنا معنوي يخرج ادراك المحسوسات الظاهرة و فيه ما قيل في الاول فان الامر المعنوي هو التصور و التصديق و العلم ليس مغايرا لهما و اجود التعاريف لمن اراد ان يقول بتعريف العلم هو الاول و هو صورة حاصلة عند المدرك و بيان ذلك و شرح اسبابه يطول به الكلام و لكن لا بأس بذكر مراتب المشاعر للانسان علي سبيل التعداد فنقول ان اعلي مشاعر الانسان ( ادراك خل ) الحقيقة الانسانية بل كلها هو نور المعرفة و هو ينجلي في الفؤاد و به يعرف الله سبحانه لانه هو الذي يتجلي به للعبد و هو نور مجرد عن المادة و المدة و الصورة و المعني و الاشارة و الكيف و الحيث و من دونه مرتبة العقل و هو نور يشرق في القلب و هو معاني المعلومات المجردة عن المادة و المدة و الصورة فالمعقولات بلا [ص 25] واسطة هي المعاني و لايدرك العقل غيرها الا بواسطة و لاتسمي تلك المعاني معلومات و انما تسمي معقولات و من دونه مرتبة العلم و هي ( هو خل ) يتحقق في الصدر اي صدر النفس و هو الخيال فانه لوحها يكتب العقل فيه بواسطة الخيال و المعلومات صور المعلومات و معناه ان الخيال يقابل المعلوم فتنتقش فيه صورة ذلك المعلوم كما تنتقش صورة الوجه في المرآة فتلك الصورة هي العلم و لهذا لايمكنك ان تتصور شيئا غائبا عنك او تذكر امرا غير حاضر لديك حتي يلتفت قلبك بمرآة خيالك الي ذلك الشئ في مكانه و زمانه فتنتقش في خيالك صورته في مكانه و زمانه و بدون ذلك لاتقدر علي ادراك معلوم قط و اما قول بعض ان العلم صورة في العقل و ( او خل ) ان العلم جودة الذهن من حيث استعداده لاكتساب المطالب او ان العلم هو الفهم او انه هو العقل او غير ذلك فهو مجازفة و مسامحة في العبارة او عدم معرفة بالفرق بين مراتب الشعور من الانسان و منهم من قال حد العلم ما اقتضي سكون النفس و قيل انه اعتقاد للشئ علي ما هو به مع سكون النفس و ذكر في العدة الاول و اختاره و جعله اولي من الثاني و علل ذلك و قال لان الذي يبين العلم من غيره من الاجناس هو سكون النفس دون كونه اعتقادا لان الجهل ايضا اعتقاد و كذلك التقليد و لايبين ايضا بقولنا اعتقاد للشئ علي ما هو به لانه يشاركه فيه التقليد ايضا اذا كان معتقدا علي ما هو به و الذي يبين به هو سكون النفس فينبغي ان يقتصر عليه و ليس من حيث ان ما اقتضي سكون النفس لايكون الا اعتقادا للشئ علي ما هو به [ص 26] ينبغي ان يذكر في الحد كما انه لا بد و ان يكون عرضا و موجودا و محدثا و حالا في المحل و لايجب ذكر ذلك في الحد من حيث لايبين به ذلك الخ ، و منهم من قال حد العلم معرفة المعلوم علي ما هو به مع طمأنينة النفس و قيل هو اعتقاد يقتضي سكون النفس و ارادوا من العلم المذكور في هذه التعريفات العلم بالمعني الاخص اعني الاعتقاد الجازم المطابق الثابت و لا اشكال في جواز تحديده بهذا المعني عندهم لجواز تأليف حده من التصور و سيأتي تمام البيان و من منع تحديد العلم قال بعض منهم لانه بديهي فهو غني عن التعريف لانه من الكيفيات الوجدانية كالالم و اللذة و الغم و الفرح لان ما يجد العاقل من نفسه لايحتاج في معرفته الي تحديد و انما يحتاج الي التحديد ما يجهله و لان كل احد له علم بانه موجود و ان لميكن من اهل النظر فكان حاصلا له بلا نظر و هو علم خاص و العلم العام اولي بالبداهة و اجيب بأن الضروري الذي ذكرتم حصول ماهية العلم و المدعي تصور العلم و الحصول غير التصور و قال بعض منهم لانه يلزم من تحديده الدور لان غير العلم لايعرف الا بالعلم فلو عرف العلم بذلك الغير لزم الدور و استدل فخرالدين علي ذلك بانه لو كان معرفا لكان المعرف له اما نفسه او غيره و القسمان باطلان فكونه معرفا باطل اما الملازمة فظاهرة و اما بطلان القسم الاول من قسمي التالي فلأن المعرف للشئ يجب ان يكون متقدما علي المعرف في المعرفة و اجلي منه و الشئ يستحيل ان يكون متقدما علي نفسه و ان يكون اجلي من [ص 27] نفسه و اما بطلان القسم الثاني فلأن ذلك الغير لايعرف الا بالعلم لان ماعدا العلم لايعرف الا به فلو كان معرفا للعلم كان كل واحد منهما معرفا لصاحبه و هو دور محال و يلزم كون كل واحد منهما اعرف من الاخر و اجلي منه ( عنه خل ) و ذلك ملزوم لكون كل منهما اعرف و اجلي من نفسه و انه محال انتهي ، و اجيب عن الكلام الاول بانك ان اردت ان تصور غير العلم يتوقف علي حصول ( تصور خل ) حقيقة العلم فهو باطل اذ ليس كل من تصور شيئا عرف حقيقة العلم و تصوره بل يتصور اشياء كثيرة من لايعرف حقيقة العلم و ان اردت انه يتوقف علي حصول علم جزئي انتفي الدور لان الحصول غير التصور علي تقدير ان حصول ذلك الجزئي يستلزم حصول ماهيته ( ماهية خل ) الكلي علي انا نمنع الاستلزام الكلي و عن القسم الاول من كلام الرازي في قوله ان المعرف للشئ يجب ان يتقدم ( ان يكون متقدما خل ) عليه فتكون ( فيكون خل ) متقدما حينئذ علي نفسه بأن المعتبر في التقدم هو ذات العلم و حصوله و المتأخر هو تصوره فلا محذور في تقدم حصوله و تأخر تصوره و توقفه عليه و عن القسم الثاني بمعني ما مر من ان تصور العلم يتوقف ( توقف خل ) علي ذلك الغير و ذلك الغير يتوقف علي وجود العلم لا علي تصوره فلا دور اقول هذا ملخص ما ذكروا و التحقيق ان يقال ان كان المراد بالتحديد و التصور تحديد نوع العلم و بعضه بأن يكون قولهم العلم صورة حاصلة عند المدرك يراد به ان نوع العلم و جنسه هو صورة المعلوم الحاصلة عند المدرك فهو تحديد و بيان لبعض منه في الحقيقة يعرف بذلك ان العلم هكذا فلا اشكال في صحة ذلك و وقوعه و ان [ص 28] كان المراد بذلك تحديد جميع ما يصدق عليه العلم فلا شك في استحالته لاستلزامه الدور او التسلسل و بيانه ان العلم صورة المعلوم الذهنية و تحديده صورة ذلك العلم الذي هو تلك الصورة الذهنية و هي من ذلك العلم المحدود و تحديد ذلك صورته الذهنية و هي من المحدود و هكذا فيكون الشئ حادا لنفسه او يترامي الي غير النهاية فيستحيل تحديده الا ان يقال انا نحدد ( يقال تحدد خل ) ذلك التحديد بنفسه كما يقال اوجد الله الوجود بنفسه لا بوجود اخر و الا لدار و ( او خل ) تسلسل و هذا و ان كان صحيحا في الواقع لكنهم لايريدونه و بقي شئ احب ان اوقفك عليه ينفعك اذا قلت تحديد ( بتحديد خل ) العلم و اردت التحديد الحقيقي فان العلماء القائلين بتحديده انما رسموه ( وسموه خ ) ببعض خواصه و من حده بذاتياته ربما لايدري ما يقول و انما هو كما قال الشاعر :
قد يطرب القمري اسماعنا و نحن لانفهم الحانه
و بيان ذلك يحتاج الي تقديم كلمات و هي ان الحد التام الحقيقي ان يكون مشتملا علي جنس و فصل قريبين و هما مادة المحدود و صورته الذاتيان ( الذاتيتان خ ) فاذا اردت تحديد الانسان قلت حيوان ناطق فاخذت من الجنس الشامل للانسان و غيره و هو حقيقة الحيوان لا بشرط علي الاصح حصة خاصة بالانسان لانها له بشرط لا و تلك الحصة من الحيوان هي مادة ذات الانسان فهي بالنسبة الي ذات الانسان كالخشب المهيا الصالح للسرير و لايكون ذلك الخشب المهيا سريرا لا بالصورة الشخصية الخاصة به فاذا ركب الخشب علي الهيئة المعلومة كان السرير فحقيقة السرير الخشب [ص 29] المصور بتلك الصورة الخاصة به فالخشب و الصورة ذاتيان للسرير فتلك الحصة الخاصة من مطلق الحيوان مادة ذات الانسان فاذا اضفت اليه الناطق الذي هو الصورة الانسانية الخاصة تكملت حقيقة الانسان فالشئ لاتتقوم ذاته الا بمادة و صورة فالحصة من الحيوان مادة و الناطق صورة فهما ذاتيان للانسان فافهم هذا البيان المكرر المردد بالفهم المسدد فاذا اردت حد العلم الحقيقي التام فحدده بمادته و صورته الذاتيين فاذا تحقق عندك ذلك فاعلم ان العلم علي القول المختار صورة المعلوم المرتسمة في مرءاة الخيال و هي صورة انتزعها ( انتزعتها خل ) تلك المرءاة من المعلوم الخارجي او من المعني المتولد من الفاظ الخطابات و غيرها من الدوال الاربع و غيرها او من المعني العقلي بعد نزوله الي الخيال و هي ايضا معان خارجية بالنسبة الي ذهن المتصور ( المتصورة خل ) لانها خارجة عنه فمادة تلك الصور ( الصورة خل ) العلمية تخطيط ذلك المعلوم و هيئته و كيفه و وضعه و صورة تلك الصور العلمية ما تقومت به من نور الخيال و هيئته و كيفه و وضعه فتنتقش صورة المعلوم بنسبة الخيال و ذلك المعني علي قدر جامع للهيئتين و الوضعين و الكيفين كما تعاين ( تغاير خ ) صورة الوجه في المرءاة ( المرءاة و اختلاف صورة الوجه في المرءاة خل ) بالطول في الطويلة و بالعرض في العريضة و الاعوجاج في المعوجة و كمال الظهور في تامة الصقالة و الخفاء في العكس ( بالعكس خل ) و كذلك اللون لاختلاف هيئة المرءاة و نورها و لونها ( كونها خل ) و وضعها و اختلاف كيف الوجه في المرءاة بالبياض و الصفرة و الحمرة لاختلاف كيف المرءاة و الوجه لميتغير في كيفه و لميحكه بتمامه الا المرءاة المعتدلة في نورها [ص 30] و هيئتها و كيفها و سعتها بحيث تحيط به كذلك اختلاف العلوم بالنسبة الي العالمين و المعلوم لميتغير فاذا اردت العبارة من ( عن خل ) حد العلم التام الحقيقي المشتمل علي الجنس و الفصل القريبين قلت ظل ملكوتي ذهني فقولنا ظل يخرج الذات و قولنا ملكوتي يخرج الظل الملكوتي ( الملكي خل ) و قولنا ذهني يخرج الملكوتي الخارجي و هي و ان كانت علم علي ما نعلم داخلة في المحدود الا ان العبارة جارية علي المتعارف و الا ففي الحقيقة لايحتاج الي قيد ذهني فافهم و حيث تعرف ان المراد من تحديد العلم بيان نوعه لتعرف به الكل كالانموذج للشئ لا تحديد جميع ما يصدق عليه العلم كما مر يظهر لك ان الاقوي صحة تحديده كما ان الاقوي امتناع تحديد جميع ما صدق عليه العلم كله .
فائدة - قد ذكرنا سابقا ان مشاعر الانسان الكلية ثلثة الفؤاد و القلب و الصدر و اما الذكر الاول للانسان فاعلي مراتبه في العقل و هو ( فهو خل ) ان يذكر به معني الشئ المغاير لذاته و ذلك المعني ليس مغايرا له و الذكر الثاني في الصدر و هو ان يذكر فيه صفة ذلك الشئ يعني صورته و هو مرتبة العلم فنقول الذكر النفسي و نريد به الذكر الثاني و هو جنس يشمل العلم و الاعتقاد و الظن و الوهم و الشك و الجهل المركب فان كان ذلك الذكر و هو المتعلق ( متعلق خل ) بالنسبة اثباتا او نفيا لايحتمل النقيض اصلا فهو العلم فيكون جازما مطابقا ثابتا فيخرج بالجازم ما يحتمل النقيض كالظن و بالمطابق الجهل المركب لانه يتحقق بدعوي المطابقة مع عدمها و الجهل البسيط هو عدم الصورة فلايقابل بالمطابق و يحتمل البسيط و [ص 31] المطابقة ( المقابلة خل ) بين الصورة و عدمها و بالثابت علم المقلد للحق لانه و ان كان باعتبار معتقده بالنسبة الي علم مقلده بفتح اللام مطابقا لكنه في الحقيقة ظن و انما جاز له العمل به مع ان ظنه لايعتبر لاستناده الي ظن من يعتبر ظنه و علمه و لهذا اذا تيقن لميجز له التقليد كما لو علم نجاسة الماء المحكوم بطهارته او تفرد برؤية الهلال مع عدم ثبوته عند الحاكم فعلم المقلد ليس مطابقا للواقع و انما هو تابع لحكم الحاكم الذي هو معرض الزوال و المراد الواقع ( بالواقع خل ) الواقعي التكليفي هنا سواء كان الواقعي الوجودي ام لا و يأتي تمام البيان و ان كان لايحتمل النقيض عند الذكر ( الذاكر خل ) فهو الاعتقاد فيكون جازما فقط سواء كان مطابقا كما لو وافق الحكم عن الدليل الموجب القطعي ام لا لتمكن الحاكم من نقض متعلقه لعدم استناد ذلك الاعتقاد الي موجب معتبر و لهذا يشمل الجهل المركب و التقليد مطلقا اي سواء طابق تقليده نفس الامر ام لا و ان احتمل النقيض المرجوح عند الذاكر فهو الظن فان كان مستنده سببا شرعيا فهو متعين المصير اليه و مطابق للواقع التكليفي و الا فان اسند ( استند خل ) الي قرائن حالية فحكمه علي حسب حال الظان في قبول اعتبارها منه و عدمه كحال المكلف بحكم قد فقد العلم فيه او الظن المستند الي سبب شرعي علي ما فصل في الفقه و الا فحكمه حكم الشك بل حكمه مطلقا مع معارضة ( معارضته خل ) لليقين حكم الشك كما سماه الباقر ( الصادق خل ) عليه السلم في صحيح زرارة مع معارضته لليقين شكا و ان احتمل النقيض الراجح عند الذاكر فهو الوهم و هو بعكس الظن كلما قوي الظن ضعف و كلما ضعف الظن قوي و ان تساويا [ص 32] بالنسبة الي وقوع النسبة و الا وقوعها فهو الشك بمعني نعاود ( تعاور خل ) وقوع النسبة و عدمه علي التعاقب بحيث لاترتسم صورة احد الطرفين حتي تدافعها الاخري قبل استقرارها و ذلك بسبب توجه الذهن الي كل واحد منهما علي التعاقب من غير استقرار في تغلبه و قيل الشك سلب الاعتقادين و فيه ان الاعتقاد لايطلق علي ما لايستقر و ان سلب الاعتقادين هو الجهل البسيط و الجاهل و العاقل ( الغافل خل ) لايقال لواحد منهما شاك و قيل هو تساوي الاعتقادين فان اريد علي سبيل التعاقب فحسن و الا فلا معني لتساويهما الا اجتماعهما و هو متعذر اذ المراد بالتساوي تعاقب الصورتين علي السوا و لهذا عبر عنه بعضهم بانه تردد الذهن بين وقوع النسبة و اللاوقوعها و الجهل المركب دعوي الذكر المطابق للواقع مع العلم بعدم المطابقة و انما سمي مركبا لانه تركب من دعوي العلم و من العلم بعدم المطابقة و معني هذه الدعوي حتي شملها الذكر النفسي ان النفس تحدث بتخيلها ما هو شبيه بحكم النسبة في الوقوع و عدمه فلاتقابل بمرءاتها معلوما و انما تلتفت الي ما تنزل من تخيلها المجتث الذي يحسبه الظمان ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا و انما هو شئ سماه و لا اصل له في الوجود قال تعالي و تخلقون افكا اما دعوي الذكر المطابق مع عدم العلم بالمطابقة و مع عدم العلم بعدم بالمطابقة ( المطابقة خل ) فمع الجزم بالدعوي اعتقاد و مع عدم الجزم فالظاهر انه جهل مركب مع الظن بعدم المطابقة او مطلقا و الجهل البسيط هو عدم الصورة من التصور و التصديق مطلقا او عمن ( عما خل ) من شأنه ان يكون واجدا لها فهو جزء [ص 33] بعض افراد المركب ، فاذا وقفت علي ما ذكر فاعلم انهم ذكروا العلم في حد الفقه فقالوا الفقه في الاصطلاح العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية و اورد علي اعتبار العلم في هذا الحد اعتراض مشهور و هو ان العلم قد عرفت ما يريدون منه عند الاطلاق بانه الذكر النفسي الجازم المطابق الثابت و الاحكام الشرعية انما هي ( هو خل ) نتايج الادلة و كلها ظنية و الدليل الظني لاينتج عنه القطعي و انما يتولد عنه ظن مثله بل اذا كانت المقدمات ظنية كانت النتيجة دائرة بين الظن لانها متولدة من الظنون و بين الشك لان راجحية النتيجة فرع راجحية المقدمتين و الفرع يتطرق اليه ما لايتطرق الي الاصل اذ وصمة الفرع لاتدخل علي الاصل و وصمة الاصل تدخل علي الفرع و لانه لايساوي الاصل في التحقق لابتنائه علي اصالته و عليته و لما انتفي الشك هنا بالاجماع تحقق الظن فيكون ( فتكون خل ) الاحكام الشرعية ظنية لابتنائها علي الادلة الظنية فكيف تطلقون عليها العلم الجازم المطابق الثابت فان قلت انما قالوا العلم بالاحكام الشرعية و معناه ان يحصل للفقيه علم قاطع بحصول الحكم الشرعي الظني عن دليله التفصيلي و هذا امر وجداني لايشك فيه فوقوع الحكم الظني ( الظني عن الدليل خل ) ثابت مطابق للواقع قلت انهم لايريدون ان الفقه هو العلم بما يحصل عن الدليل علي اي حال حتي يلزم انه لو حصل له من الدليل احتمال مرجوح صدق عليه انه علم علما جازما مطابقا للواقع بحصول مرجوح عن الدليل فاذا كان العلم صورة المعلوم الذهنية و معني الجزم فيه انه بعد وقوع ما حصل عن الدليل غير متحمل لعدم وقوعه [ص 34] بل هو واقع و ثابت و مطابق صدق العلم بل المراد بأن الفقه هو العلم بالاحكام الخ ، ان الصورة التي هي العلم صورة ما استنبط الفقيه من الاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية علي النحو المقرر و لاتكون تلك الصورة جازمة ثابتة مطابقة للواقع حتي يكون الحكم المستنبط الذي ارتسمت منه تلك الصورة في الذهن مقطوعا بوقوع متعلقه من نفي او اثبات و هذا معني التصديق فان معناه ان يطابق اللفظ ما في نفس الامر بأن يخبر الواقع بما هو عليه من الوقوع و اللاوقوع باعطاء صورته فيصدقه العقل بقبول تلك الصورة في مرءاته و غير العلم من اقسام الذكر النفسي لايكون معلومه و متعلقه كذلك فلهذا توجه الاعتراض المشهور علي اخذهم العلم في حد الفقه فاجابوا عنه بثلثة اجوبة من ثلث طوايف كل علي حسب اختياره فقال قوم المراد بالعلم هنا الظن فان اطلاق العلم علي الظن كثير قد استعملوه غالبا حتي انهم ذكروا بأن تلك الادلة امارات شرعية فيستقيم بذلك الحد فانه ظن مستفاد من ظن و فيه ان ارادة الظن علي خلاف الاصل و يلزم منه استعمال المجاز في التعريف بلا قرينة و دعوي ان شهرة الاستعمال مسوغة و كافية عن القرينة غير ( ليس خل ) مقبولة لكثرة الخلاف و قوته و لعدم الشهرة المدعاة و خصوص الاستعمال علي تقديرها و استلزامه الالتباس الممنوع منه لاسيما في الحدود فحمل الاطلاق علي ارادة الظن بمجرد حصول الاستعمال او الشهرة مع مخالفة الظن له في ذاته في الصفات الثلث غير وجيه و قال قوم يراد به القطع بظهور الحكم من هذا الدليل فيكون معناه القطع بأن [ص 35] هذا الحكم ظاهر من هذا الدليل الظني و فيه انه ان ارادوا بأن العلم بالاحكام هو القطع بظهورها من الادلة فلا اشكال و لكن العلم فيما نحن فيه ليس هو القطع بظهور الاحكام و انما القطع النافع هو القطع بوقوع متعلق الحكم لا مجرد ظهور الحكم مع امكان النقيض و اختلاف الموضوع و هذا القول ليس بشئ ايضا لما فيه من الحمل علي خلاف الظاهر المتبادر عند الاطلاق فان مثله لايليق بالتعريفات و قال قوم يراد بالعلم بالاحكام القطع بتعين العمل بها بمعني انه اذا استدل علي حكم بدليل ظني معتبر و اداه اليه اجتهاده اي دل ذلك الدليل الظني عليه اي بوقوع النسبة او لاوقوعها بحيث لايكون عنده ارجح منه و لا مساو له فانه يتعين عليه ذلك الحكم للاجماع علي وجوب عمل المجتهد بظنه و هذا اوجه الثلثة و اقواها الا انه كذلك اذا اريد منه ما ستسمعه من التوجيه و الا فهو كالاولين فيما يرد عليهما فان القطع ليس هو العلم و انما العلم صورة المعلوم القطعي الوقوع فاذا اريد من العلم نفس تعين العمل بالحكم المظنون كان كالاولين و ربما قيل ان هذا المعني هو المشهور في تفسير قولهم و ظنية الطريق لاينافي علمية الحكم و الحق ان يقال في معناه ان كون الطريق ظنيا لاينافي كون الحكم الناشي عنه قطعيا و من فسر كون الحكم الناشي عنه قطعيا يتعين ( بتعين خل ) العمل علي قسمين منهم من اراد تعين العمل به و هو كما تري لاتصلح للتعويل ( لايصلح خل ) عليه و منهم من اراد ان الحكم هو النسبة الحكمية المتحققة و الظن انما هو في الدليل فاذا حكمنا بصحة هذا الدليل الظني و تعين العمل بمقتضاه [ص 36] كما هو اجماعي وجب القطع بتحقق النسبة الحكمية التي هي نفس الحكم فتنقش في الذهن صورته و هي صورة الحكم الواقعي الوجودي المتحد و ذلك هو العلم لايقال ان العلم هو الجازم الثابت المطابق للواقع و هو عبارة عن وقوع النسبة نفيا او اثباتا فيما ( فما خل ) لميقطع بمطابقته للواقع لميكن علما لانا نقول ان حكم هذه النسبة مطابق للواقع من حيث الدليل الواجب الاتباع شرعا و ليس لك ان تقول ان ذلك مخصوص بالحكم الواقعي الذي لاتكثر فيه لانا نقول الواقعي قسمان الواقعي الوجودي و الواقعي التكليفي فالاول واحد لاتكثر فيه و الثاني متكثر و التكليف دائر مدار الواقعي المتكثر و هو في الحقيقة واقعي يكون العلم المتعلق به جازما ثابتا مطابقا لما في نفس الامر لانه صورة الواقعي الوجودي المتحد و سر ذلك ان المتحد في اللوح المحفوظ و هذا المتكثر في الالواح الجزئية و الالواح الجزئية بمشخصاتها في اللوح المحفوظ فهو مطابق كالمتحد و انما تعدد هذا لتعدد جهات الادلة المذللة لسلوك الطرق الموصلة الي الواحد المتحد فقد يتحد التكليفي و الوجودي لان الوجودي هو المطلوب لا غير و قد يتعددان و ذلك لانك اذا اوصلك الدليل الي حكم فاما ان تقطع باصابة المتحد او تظن اصابته و لايجوز غير هذين فعلي فرض الظن يجوز الاتحاد و علي فرض القطع فاقوي مظنته ( مظنة خل ) باصابته و لاتتحتم الاصابة عندك الا نادرا كما في الضروريات بين المسلمين و اما في المتفق عليه عند الفرقة المحقة خاصة فهو الظاهر و فيه احتمال اشرنا اليه في رسالتنا الموضوعة في الاجماع في [ص 37] امكان تعاكس الطائفتين المجمعتين في الاجماع المركب و ان لميكن هناك صريحا لبشاعته ( اي لكراهته ) عند الاسماع فالمدار كله علي المتحد و لمتؤمر الا بطلبه فان اصبته بعينه فذلك المطلوب و الا اصبت بدله الذي هو اقرب امثاله اليه بالنسبة الي حال الطالب و هو الواقعي التكليفي و هو ما في نفس الامر بالنظر الي الدليل و الامر بالطلب و لهذا لايراد منه غيره و ليس في نفس الامر باعتبار التكليف الخاص به غيره فهو جازم لقطعك بأن الله سبحانه لايريد منك غيره ثابت لانه لايتغير و ان تغير ظنك عنه فيما بعد الي فرد اخر بحيث يجري فيه ما قلنا سابقا في الاول لان المعدول عنه لميتغير لمطابقته لمراد الله في الدنيا و الاخرة حتي عند نفسك بعد عدولك عنه و لهذا لاتستدرك شيئا من اعمالك التي مضت عليه و انما عدلت عنه للدليل و قيام الحجة عليك فان الله امرك ان تعدل الي الثاني للدليل فهو في الحقيقة نسخ للاول و نظيره في حق النبي صلي الله عليه و آله انه صلي الي بيتالمقدس بامر الله ثم عدل الي الكعبة بامر الله و لايلزم من نسخ الاول فساده و لا اصابة غير الواقع في المنسوخ و لانعني بالثابت الا ما كان هكذا و هو مطابق للواقع لما مر من انه لا معني لكون الحكم مطابقا للواقع الا انه مطابق لما امر الله به و هو صادق علي هذا المشار اليه حقيقة و بيان كون المتحد في اللوح المحفوظ و المتعدد في الالواح الجزئية و هي الواح المحو و الاثبات مذكور في محله و ليس هذا محل ذلك نعم هو فيما سيأتي من المثال في جواب الاعتراض بالتصويب فانه مما يستفاد منه [ص 38] علم ذلك لان التعدد و التكثر فيه انما هو بالنظر الي الدليل لتعدد جهاته و مداركه من المستدلين فان قلت هذا قول بالتصويب قلت ان القول بالتصويب هو ان احكام الله تعالي متعددة في الواقع بتعدد المستنبطين بمعني ان الواقعة لميكن لله فيها حكم الا ما يظهر علي يدي المجتهدين فكل من استدل من اهل الاستدلال عليها اظهر سبحانه حكمه فيها علي حسب ما يقتضيه اجتهاده و هذا باطل من وجوه منها استلزامه نفي الواسطة بين الله و بين خلقه من قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة الاية ، فقالوا ربنا باعد بين اسفارنا الاية ، و منها توقف تعين حكمه فيها علي احكامهم الي غير ذلك من الموانع و اما نحن فنقول ان لله تعالي فيها حكما واحدا لايتغير و لايتعدد في نفسه و ان تغير او تعدد فانما هو بتغير الموضوعات او تعددها فاختلاف ( و اختلاف خل ) الصفات و اما هذا الحكم المتعدد فانما هو ابدا له مبنية و هي مبنية علي وجوده و انما تعددت لتعدد المرايا و اختلافها و مثاله مرءاة صافية معتدلة في الجوهر و الصورة قابلت وجه انسان فحكت الوجه بتمام صفته و كمال صورته ثم وضعت في مقابلها عشر مرايا مختلفات في الجوهر و الصورة و المقدار فكل واحدة منهن حكت تلك المرءاة الاولي و ما فيها من الصورة فاختلفت صورة المرءاة الاولي في المرايا فكل حكت علي قدر صورتها و جوهرها و قدرها فالوجه هو حكم الله الواحد الواقعي الوجودي و المرءاة الاولي هي قلب حجة الله صلوات الله عليه علي خلقه في كل زمان و المرايا هي [ص 39] قلوب المجتهدين و هذا الحكم من المجتهد اما ان يكون هو ذلك الواقعي الوجودي فهو اذن تكليفي وجودي او مثاله و بدله و هو التكليفي و كل منها ( منهما خل ) مطابق لما في نفس الامر الا ان الاول علي الاصالة و الثاني علي التبعية و لا ريب ان ما في المرءاة الثانية هو ما في الاول ( الاولي خل ) من الصورة و ان كان بالواسطة فالتغيير ( فالتغير خل ) و التبدل المحتمل علي تقديره فانما هو من بدل الي بدل فقد ظهر مما بينا و اوضحنا ان القول الثالث هو الاقوي و ان المراد من تفسير قولهم ان ظنية الطريق لاتنافي علمية الحكم ان الحكم هو النسبة الحكمية المتحققة و ان الظن انما هو في الدليل و انه بعد الحكم بصحته و وجوب العمل بما يعطيه تكون نسبة الحاكم بوقوعها قطعية و هو العلم كما قررنا فان الادلة الشرعية و ان كانت ظنية فانها تثمر القطعيات و هو المعبر عنه بتعين العمل بها علي تسامح في العبارة و ظني ان اكثرهم انما ارادوا بهذه العبارة ذلك المعني الاول الذي لاينبغي التعويل عليه لكن الحق الحقيقة ( الحقيق خل ) بوجوب الاخذ للطالب للصواب من ذلك هو ما نبهناك و دللناك عليه فخذه راشدا موفقا .