رسالة في جواب بعض العلماء ( الملا مهدي )
في انه هل يبقي جسد الانبياء و الاوصياء في الارض بعد موتهم
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
الحمد لله ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و اله .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحساۤئي انه قد بعث اليّ بعض العلماۤء الافاضل ● ايده الله بمساۤئل يريد جوابها علي حال اشتغال البال ببواعث الدنيا و بالامراض المانعة من التوجّه و لكن لا بد من ايراد ما يحصل به التّنبيه علي الجواب في الجملة اذ لايسقط الميسور بالمعسور و الي الله ترجع الامور و قد جعلتُ كلامه الشريف متنا ليحصل لكل كلام ما يناسبه من الجواب و من اللّه الهام الصواب .
قال سلّمه اللّه : اما بعد فالباعث من تصديع جنابكم هو ان تمنّوا علي العبد الفقير بالجمع بين الاحاديث التي ذكرها الشيخ الطوسي في التهذيب في كتاب الزِيادات و بين الحديث الذي ورد انّ موسي عليه السلام اخرج عظام يوسف عليه السلم و ما قال العسكري عليه السلام في حقّ ذلك الرجل ان في يده عظماً من عظام نبي من الانبياۤء عليهم السلم .
اقول اعلم انّ المعلوم بالدليل القطعي ان اللّه عز و جل لميخلق شيئا من الاجسام المعروفة خارجاً عن حيطة محدّد الجهات و ليس وراۤءه شيء مخلوق بل لا شيْء وراۤءه و امّا ما نثبتُه من عالم الاشباح و الهيولي المجردة عن الزمان و المكان و العناصر كَعَالَمِ المثال و ما نثبته من الاجسام المجردة عن الزمان و المكان و العناصر كذلك كجوهر الهباۤء المذكور و الطباۤئع الاُول و النفوس و ما نثبته من الجواهر المجرّدة عن الزمان وَ المكان و العناصر و تمام الصورة كالارواح و ما نثبته من المعاني القاۤرّة و الجواهر المجردة عن الزمان و المكان و العناصر [ص 3] و الصور كالعقول و ما نثبتُه من اضدادِها و عكوسِها فانّما هي في جوف هذه الاجسام التي اعلاها محدّب محدّد الجهات و اسفلها اسفل التخوم من الارض السابعة المسمي بمرْكز العالم فهي في غيب هذه الاجسام و قولنا ليس وراۤء محدّد الجهات شيء ، نريد به ما قاله الحكماۤء الاوّلون من انّه ليس وراۤءه خلاۤء و لا ملاۤء و معناه غير ما قاله المشّاۤؤن و اتْباعهم من المتكلمين لانّهم يتوهّمون شيئا هناك فضاۤء لايوصف بخلاۤء لانّ فيه مجرداتٍ و لا بملاۤءٍ لانّ المجردات ليست اجساماً لتملأ ما هي فيه ، كذا زعمه بعضهم و امثال هذا مما ليس بشيء لانهم نقلوا هذه العبارة عن الحكماۤء الاوّلين و لميفهموا مرادهم منها و الاوّلون اخذوها عن الانبياۤء عليهم السلام و المعني ما قلنا لك و ليس قولنا انّه لا شيء نفياً للامكان بل هو نفي للممكن اذ لا واسطة بين الامكان و الوجوب و المحال لايصلح للواسطة بحالٍ من الاحوال لا في الواقع و لا في الفرض و ليس وراۤء المحدّد وجوب ، تعالي اللّه عن ان يكون معزولاً عن خلقه كما ليس محصوراً فيهم فالذي وراۤء الامكان ليس شيئا بمعني انه لميكوّنْ لا بمعني انه لايمكن فيه التكوين كما قاله من جهل قدرة اللّه سبحانه فنفاه علي حسب ما اقتضاه عقله و لسنا بصدد بيانه فاذا عرفتَ انه لميوجد شيء من الاجسام المعروفة الّا الفلك الاطلس و ما في جوفه فاعلم انّ عالم المثال عالم ذو اعاجيب و هو في الاقليم الثامن اسفلهُ عَلي محدّدِ ٱلجهات و المراد انّه كذلك في الرّتبة لا انّه خارج عنه و في هذا العالم جنة الدنيا التي هبط منها ادم و اليها تأوي ارواح المؤمنين و هي الجنّتان المدهاۤمّتان و هي في جهة المغرب قال تعالي و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّا و منها تستمد الانهار الاربعة سيحان و جيحان و النيل و الفرات و فيه نار الدنيا في جهة المشرق و اليها تأوي ارواح [ص 4] الكفار و المنافقين و المشركين قال تعالي و حاق بٰال فرعون سوۤء العذاب النار يعرضون عليها غدوّا و عشيّاً ، و هذا العالم اذا خلعتَ جسدك في النوم رأيت ما هناك لانّك اذا دخلتَ في النوم خلعتَ الجسد العنصري البشري الكثيف و بقيتَ في الجسد العنصري الذٖي هو من ارض هورقليا من هذا العالم المذكور و هذا الجسد الذي خلعته عند النوم هو الذي يدرك في هذه الدنيا من العناصر الاربعة الزمانية المعروفة من المزاج المتركّب منها الساري بالاغذية من الطعام و الشّراب فاذا خلعته لمتدرك بهذه الابصار و انّما تُدرَك بابصار اهل ذلك العالم و اهل العصمة عليهم السلام يدركون في هذه الدنيا ما في ذلك العالم و ما وراۤءه فقد رأي رسول الله صلي الله عليه و اله ليلة المعراج و قد عرج بجسده الشريف الذي خرج به في الدنيا لاهل زمان بِعْثتِهٖ رأي جميع ما في عالم الغيب و الشهادة و ما في الدنيا و ما في البرزخ وَ ما في الاخرة و اوقفه الله سبحانه علي جميع ما خلق كلّ في مكانه و وقته من عالم الملك و الملكوت و الجبروت و معني كلامي انّه صلي اللّه عليه و اله رأي ليلة المعراج عند وصوله الي مقام قاب قوسين عقل الكلّ في الوقت الذي خرج فيه من كتم غيب الامكان الي الوجود الكوني و رأي ما دونه الي ما تحت الثري كذلك و رأي ما فوق العقل و تحت المشيّة في مقام اوْ اَدْنَي فاذا عرفتَ هذا فاعلم ان الاجساد جسدان جَسد عنصري بشري و هو المرئي المحسوس و جَسد عنصري برزخي من عناصر هورقليا و هذا هو الذي يبقي في القبر مستديراً و يحشر فيه بعد تصفيته [ص 5] و هو الباقي الذي خلق للبقاۤء نزل في الاصل من باۤء بسم الله الرحمن الرحيم و الجسد البشري العنصري هو المتكوّن من الاغذية و هو داخل خارج دخوله و خروجه علي السواۤء و لايتعلق به في نفسه ثواب و لا عقاب و ليس له بقاء بل هو فانٍ لايعود لانه بحكم الثوب لبِسَه و يخلعه نعم هو حامل في الدنيا للجسد الباقي المذكور و هذا الجسد العنصري الفاني له ارتباط بالباقي و ذلك الارْتِبٰاط مختلف في الاشخاص فمن كان طيّبا طاهراً زاكيا نقيّا من المعاصي و الذنوب كان ارتباط الفاني فيه بالباقي ضعيفاً فهو اقلّ و اضعف من ارتباط الثوب الذي تلبسه بجسدك و هذا الطيّب اذا اراد خلعه في الحيوة كان اسهل عليه من خلع ثوبه و من كان خبيثا نجساً متهتِّكاً مُخَلِّطاً كان الفاني في باقيه مُعَرِّقاً متمكنا لايتخلّص منه الّا بعد طول بعيد و مكثٍ في اطباق الثري طويل بعد تقطّع اَوْصاله و تبدّد اعضاۤئه وَ تَفَتُّتِ عظامه لان جسديه قد تمازجا لما بينهما من التقارب و التناسب بخلاف جسد الطيّب مع ما يلحقه من العنصري فانه قشر عليه ظاهرٌ صحبه الي وقتٍ مقدّر له و من اصوافها و اوبارها و اشعارها اَثَاثاً و متاعاً الي حين و مَن بين الطيّب و الخبيث مختلِف التعلّق و الارتباط و لكلٍ درجات مما عملوا فعلي هذا يكون المعصومون اسرع خلعاً لبشريّتهم و اسرع غيبُوبة عن ابصار اهل الدُّنيا و غيرهم ابطأ و قد ثبت بالاجماع و الاخبار المتواترة معني بأن النّبي نوحا علي محمد و اله و عليه السلم عند الطوفان استخرج عظام ادم عليه السلم من سرنديب او من مكة علي اختلاف الروايتين و [ص 6] حمله في السفينة و في رواية استخرج جسد ادم عليه السلم و حمله في السفينة و دفنه بعد استواۤء السفينة عَلي الجودي في ظهر الكوفة فهو الٰان ضجيع نوح خلف قبر اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه و كان عمر ادم علي ما رواه الصدوق في الاكمال سبعمائة سنة و ثلاثين و المستفاد من كلام مروّج الذّهب للمسعودي مع انضمامه الي الرواية المذكورة ان بين موت ادم عليه السلام و حمل نوح عليه السلام لجسده في السفينة الف سنة و خمسمائة سنة و اربععشرة سنةً و قد ثبت في اللغة العربيّة استعمال لفظ العظام في الجسد لانّها معظم الجسد و لهذا ورد وجوب صلوة الاموات علي مجموع العظام كما وجبت علي الجسد و ان لميكن فيها شيء من القلب كما في صحيح علي بن جعفر عن اخيه موسي عليه السلم و ايضا روي في المشهور المقبول من الروايات انّ موسي علي محمد و اله و عليه السلم حمل عظام يوسف علي محمد و اله و عليه السلم من شط نيل مصر و دفنه في بيتالمقدس و كان بينهما اربعمائة سنة تقريباً او تنقص قلٖيلاً و كان يوسف عليه السلم من عباد الله المخلصين فلاينقص عن حال آدم عليه السَّلام و المراد باخراج عظامه اخراج جسدِهٖ و انّما عبّرَ عنه بها لانّها مَعْظَمُ الجسَدِ و استعمال ذلك كثير في كلام العرب في خطاباتهم و مُحَاوَراتهم و في اشعارهم و منه ما قال الشاعر يرثي طلحة بن عبيدالله بن خلف و يسمّي طلحة الطلحات لان امّه صفيّة بنت الحارث بن طلحة بن ابيطلحة بن عبدمنافٍ قال :
رحم اللهُ اعظُماً دفنُوها بِسِجستان طلحة الطَّلَحاتِ
فسمّي جسده المدفون بسجستان اعظُماً و استعمال ذلك غير منكور في لغة العرب و انت اذا عرفتَ ما حقّقنا لك قبل لمتشُكّ في انّ الذي حمله [ص 7] نوح و موسي علي محمد و اله و عليهما السلام هو الجسد لا العظام و مثال جسد المعصوم عليه السلام كسبيكة الذهب الصافي اذا لحقها غبارٌ فانّك اذا جلوتها انكشف عنها و هي باقية علي هيئتها لان الغبار لميَغُصْ فيها كما ان البشريّة لمتغُصْ في بواطن اجسادهم لانّها نورانيّة طٰاهرة و لهذا تنطوي لهم الارض و يمشون علي الماۤء و في الهواۤء اذا شاۤؤا لانّ اجسادهم كنفوس غيرهم و مثال جسد الشخص من ساۤئر الناس كمثل سبيكة ممزوجة من ذهب و نحاس او فضّة و نحاس فانّك اذا صفّيتها لاتصفو الّا باذابتِها و تصفيتها و كسرها من اصلها لان الخلط ممازج لها و لهذا تراه يحتلم في المنام و يجنب لان البشريّة مازجت ظاهره و باطنه و ان لمتكن من حقيقته و المعصوم (ع) لايجنب في المنام و لاينام قلبُه و ان نامت عينه فافهم و امّا ما قال ابومحمد العسكري صلوات اللّه عليه في حقّ ذلك الرجل و هو ما رواه في كتاب ثاقب المناقب و خراۤئج الراوندي روي عن علي بن الحسين بن سابور قال قحط النّاس بسرّمنرأي في زمن الحسن الاخير عليه السلم فامر الخليفة الحاجب و اهل مملكته اَن يخرجوا الي الاستسقاءِ فخرجوا ثلاثة ايّام متوالية الي المصلَّي يستسقون و يدعون فماسُقوا فخرج الجاثليق في اليوم الرابع الي الصحراۤء و معه ٱلنَّصارَي وَ ٱلرُّهْبَان و كان فيهم راهبٌ فلمّا مدّ يدَهُ هطلَتِ السّماۤء بالمطر فشكَّ اكثر النّاسِ و تعجّبوا و صَبوا الَي دين النّصرانيّة فانفذ الخليفة الي الحسن عليه السلم و كان محبوساً فاستخرجه من حبسِهٖ و قال اِلْحَقْ اُمَّة جدِّكَ فقد هلكَتْ فقال له اني خارج [ص 8] في ذلك و مزيل الشّكّ انشاۤء اللّٰهُ فخرج الجاثليق في اليوم الثالث و الرُّهْبَان معه و خرج الحسن عليه السلم في نفرٍ من اصحابه فلمّا بصر بالراهب و قدْ مَدّ يده امَر بعض مَماليكه ان يقبض علي يده اليمني و يأخذ ما بين اصبعيه ففعل و اخذ من بين سَبَّابتَيْهِ و الوسطي و اخذَ عظماً اسود فاخذه الحسن عليه السلام بيده ثم قال استسقِ الٰان فاستسقَي و كانت السماۤء مغيّمةً فتقشّعت و طلعت الشمس بيضاۤء فقال الخليفة ما هذا العظم يا ابامحمد قال عليه السلام هذا رجل مرّ بقبر نبيّ من الانبياۤء فوقع في يده العظم و ماكُشِفَ عن عظم نبي الّا هطلت السماۤء بالمطر ه ، فيحتمل انه قطعه من جسده و كشف عنه لحمه ليكون العظم بارزاً و ذلك انّه سمع ذلك من بعض الكتب المنزّلة او من كلام بعض الانبياۤء عليهم السلم فقطعه و كشطه لاجل هذا السرّ و من الامارات الدالّة علي هذا كونه اسود لانه لو اخذه بالياً لكانَ ابيض و قولي من الامارات لاحتمال ان يكون اسودادُه من مسّ الراهب لاجل ذنوبه كما في الحجر الاسود و كان حين اخذه آدم عليه السلام دُرّاً ابيض و انّما ترجّح الاوّل لانّه هو الظاهر المحسوس المشاهد بخلاف الاحتمال الثاني فانّه امر مَعْنَوِيٌّ و اذا قام الاحتمال المساوي بطل الاستدلال فكيف بما اذا قام الاحتمال الراجح و بيان الارجحيّة انّه لا قاۤئل بالفرق بين ادم و بين غيره من الانبياۤء بل كلّ من قال بانّ اجسادهم لاتبقي عمّم و كل مَن لميقل بذلك بل حكم بالبقاۤء عمّمَ و اذا ثبت عدم الفرق و ثبت ان نوحاً حمل جسد ادم او عظامه عليهما السلام فقد ثبت بالوجدان انّ من حكم ببلاۤءِ لحمه و انّ الارض تأكله حكم علي العظم بذلك و ان كان العظم ابْطَي اضمِحلالاً و لو جاز انّ الارض تأكل لحم آدم عليه السلام اكلَتْ عظامه فلايبقي منها شيء اصلا لان مدّة مكثه في الارض كما ذكرنا اوّلاً الف سنة و خمسمائة [ص 9] سنة و اربععشرة سنةً و يستحيل بقاۤء العظام هذه المدة تامة الّا لسرٍّ عظيم و هذا السر المانع من اضمحلال العظام هو بعينه المانع من اضمحلال اللحم و من تغيّر الصورة مع ما ورد في الاخبار من انّ الله تعالي حرّم علي الارض ان تأكل لحومهم فافهم و يأتي انشاۤء الله تعالي تمام الكلام .
قال سلمه الله : و الاحاديث التي ذكرها الشيخ رحمه الله في يب في كتاب الزِيادات بسنده عن عطية الابزاري قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول لاتمكث جثة نبي و لا وصي في الارض اكثر من اربعين يوما ه .
اقول يريد عليه السلام ان ابطأ خلع البشريّة يكون اربعين يوماً و قد يكون اقلّ من ذلك و لو كان المراد بها مكث الجثّة علي المعني المفهوم عند العوام لماوجد نوحٌ ادم عليهما السلم و لماوجد موسي يوسف عليهما السلم لما سمعت من طول المدة بينهما و انّما خصّ اخر الخلع باربعين يوما دون الاقل منها و الاكثر لانّ عدّة اللّبس و الخلع متساوية فانّ لبس البشريّة في النزول مساوٍ لخلعها في الصعود و كانت مراتب اللبس في النزول اربعين و ذلك لانّه مخلوق من عشر قبضات من الافلاك التسعة و من الارض من كل واحد قبضةً فمن الاطلس قلبه و من المكوكب نفسه و من فلك زحل عقله اي تعقّله و من فلك المشتري علمه و من فلك المريخ وهمه و من فلك الشمس وجوده الثاني و من فلك الزهرة خياله و من فلك عطارد فكره و من فلك القمر حياته و من العناصر الاربعة جسده فهذه عشر قبضات و ادار كلّ قبضة اربع دَوْرَاتٍ دورة [ص 10] عناصرها و دورة معادنها و دورة نباتها و دورة حياتها في كل شيء بحسبه فهذه اربعون و هي مراتب الوجود بعدد ميقات موسي عليه السلم و في الخلع البطيء التدريجي كذلك اربعون نازلاً و صَاعِداً .
قال سلمه الله تعالي : في يب بسنده عن زياد بن ابيالحلال عن ابيعبدالله عليه السلام قال ما من نبي و لا وصي يبقي في الارض بعد موته اكثر من ثلاثة ايام حتي يرفع روحه و عظمه و لحمه الي السماۤء و انما يؤتي مواضع اثارهم و يبلغهم السلام من بعيد و يسمعونهم في مواضع اثارهم من قريب ، و في يب ايضا بسنده الي علي بن بزرج الخياط قال حدثنا عمرو قال جاۤءني سعد الاسكاف قال يا بنيّ تحمل الحديث فقلتُ نعم فقال حدثني ابوعبدالله عليه السلام انه قال لمّا اصٖيبَ اميرالمؤمنين عليه السلام قال للحسن و الحسين عليهما السلم غَسِّلاني و كفِّناني و حَنِّطاني و احملاني علي سريري و احملا مؤخّره تكفيانِ مقدّمَهُ فانكما تنتهيان الي قبر محفور و لحدٍ ملحود و لِبنٍ موضوع فالحداني و اَشْرِجا اللِّبن علَيَّ و ارفعا لِبنَةً ممّا يلي رأسي و انظرٰا مٰا تسمعانِ فاخذا اللِّبنةَ عند الرأس بعد ما اشرجَا عليه اللِّبنَ فاذا ليس في القبر شيء و اذا هاتف يهتف اميرالمؤمنين كان عبداً صالحاً فالحقه اللّٰهُ بنبيّه و كذلك يفعل اللّٰهُ بالاَوْصياۤء بعد الانبياۤء حتّي لو انّ نبيّا ماتَ في المشرق و مات وصيّه بالمغرب لَاَلْحَقَ اللّٰهُ الوصي بالنبي ، انتهي .
اقول في الحديث الاوّل اشارة الي ما اشرنا اليه من اختلاف مدّة خلع [ص 11] ٱلبشريّة و معلوم انّ منهم عليهم السلم من يخلع بشرِيّتَهُ في ثلاثة ايّامٍ و يراد من هذا الحديث البعض المخصوص عنْدهم و ان كان ظاهره يدلّ علي العموم جمعاً بين الاخبار فان قلتَ هذا صريح في انّ جميع الجسد و ما يتعلّق به من غيبه و شهادته يرفع حتي يَبقي موضعه خالياً و تأويله علي ما تدّعيه خلاف الظاهر و الاصل عدمه قلتُ قد ثبت بالادلّةِ القطعيّة انّ آدم عليه السلام نقله نوح عليه السلم من موضع مَدْفنه بسرنديب او بمكة من الارض العنصرية هذه و كذلك يوسف مع موسي عليهما السلم و قد بقي ادم و يوسف عليهما السلم هذه المدّة الطويلة و يمكن تأويل هذه الاخبار علي مثل ما ذكرنَا سابِقاً و هو تأويل متّجه و لايمكن التوجيه و التأويل في استخراج ادم و يوسف عليهما السلام و نَقْلِهِمٰا و صرفه عن ظاهره و لا قاۤئل بالفرق فيجب المصير الي ما قلنا فانه اذا خلع الصورة البشريّة فقدْ رُفع بذلك الي السماۤء في الرّتبة و الي العرش كما في قصّة الحسين عليه السلم كما يأتي ذكره فهو و ان بقي في قبره لٰكنه لايراه غير المعصوم الذي يري ببصره ما في عالم البرزخ و ما في عالم الغيب و لو نبشهما غير معصومٍ لمير شيئا كما رواه محمد بن جعفر بن قولويْه في كامل الزيارة عن عبدالله بن بكر الارجَاۤئي في حديث طويل عن الصادق عليه السلام الي ان قال قلتُ جُعِلتُ فداك اخبرني عن الحسين عليه السلم لو نُبِش كانوا يجدونَ في قبره شيئا قال يا ابنبكر ما اعظم مساۤئلك الحسين مع ابيهِ و امّه و الحسنِ في منزل رسول اللهِ صلي الله عليه و اله [ص 12] يُحْبَون و يرزقون و لو نُبِشَ في ايّامه لوجد فاَمّا اليوم فهو حيّ عند ربّه ينظر الي معسكره و ينظر الي العرش متي يؤمر اَنْ يحمِلَهُ و انّه لعلي يمين العرش متعلّق يقول يا ربّ انجز لي ما وعدتني و انّه لينظر الي زوّاره و هو اعرف بهم و باسماۤئهم و باسماۤء آباۤئهم و بدرجاتهم و منزلتهم عند اللّهِ من احدكم بوُلده و ما في رحلهم و انه ليري من يبكيه فيستغفر له رحمة له و يسئل اَبٰاه الاستغفار له و يقول لو تعلم ايّها الباكي ما اُعِدَّ لك لفرِحتَ اكثر ممّا جزِعتَ و يستغفر لَهُ كُلُّ من سمع بكاۤءَهُ مِنَ الملاۤئكة في السماۤء و في الحير و ينقلب و ما عليه من ذنبٍ ه ، فقوله عليه السلام لو نُبِش في ايّامه لوُجد ، يراد منها اكثر من ثلاثة ايام لان ايّام جمع قلةٍ اريد به جمع كثرةٍ و ذلك لانّه لوْ نُبِشَ في ايّامه و لميوجد لانكر الاعداۤء كونه مقتولاً و علي هذا لو نُبِش بعد الاربعين يَوما وُجِدَ و بعد السنة و السنتين و ازيد لانّها من ايّامه و لو اريد ما في الحديث المتقدّم لماكان ينبغي ان يقال في ايّامه و هو يريد بها يومين او ثلاثة لانه لو اريد بهذا الكلام انه لو نُبِش بعد دفنه بيوم او يومين او ثلاثة لماحسن ان يقال في ايّامه اذ لاتفهم الثلاثة من هذه العبارة في العرف و للعلّة المذكورة و رفع روحه و عظمه و لحمه الي السماۤء ، يراد منه ما قلنا الّا انهم صلّي الله عليهم يتكلّمون بالحقاۤئق و نحن نتكلّم بظواهر اللغة و لو اردنا ان نتكلّم بالحقيقة لمنجد عبارة عنها احسن ممّا قالوا فان الجسد اذا خلع البشريّة عنه الّتي هي ارض بالنسبة الي الاجساد الباقية العنصريّة و هي سماۤء لها مع انّا قدّمنا لك ان [ص 13] هذه البرزخيّة في الاقليم الثامن و اسفله علي محدّب محدِّد الجهات يعني في الرتبة فكيف يدركه اهل الدنيا غير المعصومين عليهم السلام و كيف لايقال انّه في السماۤء و قوله و انما يؤتي مواضع اثارهم الخ ، لانّها هي محلّ خلع البشريّة فاذا خلع الجسد الباقي الجسدَ العنصري الثقيل في محلّه من القبر الذي تدركه العوام بقي الجسد الباقي في سماۤئه من ذلك القبر فيأتون الزوّار محلّ القشر الملقي و لعمري ان الجسد الباقي فيه في غيبه الي يوم القيمة عند ربّه يرزق و قوله يبلّغهم السلام من بعيد ، لبعد ما بين الخالع و المختلَع و قوله و يسمعونهم من قريب ، لان الزوار بعيدون عن الخالع و الخالع في القبر في غيبه فيسمعهم من قريب لانهم لايرونه و هو يراهم و لايسمعونه و هو يسمعهم و حديث كامل الزيارة بهذا المعني و امّا حديث سعد الاسكاف فهو كغيره و روي ان الذي رفع مقدّم السرير هو اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه لانه كما قال عليه السلم في كلامه لسلمن و ابيذرّ ان ميِّتَنا اذا ماتَ لميمت و ان مقتولنا لميقتل و كان علي عليه السلم يغسّل رسول الله صلي الله عليه و اله يوم مات و هو يتقلّب و لايحتاج الي مَن يُقَلِّبه و كلّ هذا و امثاله لضعف بشريّتهم و قوّة نوريّتهم فهم احياۤء كهم اموات فافهم و قوله فاذا ليس في القبر شيء روي انه بعد ما يجتمع بنبيّه صلّي الله عليه و اله يعود الي حفرته و هو كثير في اخبارهم و في الزيارات المروية عنهم عليهم السلام في زيارة اميرالمؤمنين صلوات الله عليه : السلام عليك و علي ضجيعَيْك ادم و نوح ، و ذلك لان جسده الشريف في القبر الي الأن و الي ما بعد [ص 14] ذلك اي الي ما بعد خروج صاحب العصر عليه السلام عجل الله فرجه و بعد قتله عليه السلام بثمان سنين فجسده الشريف في قبره المشهور بظهر الكوفة في غيبه علي المعني المتقدّم مضاجعا لنوح و ادم عليهم السلام كما في صريح الزيارة و الاصل في الاستعمال الحقيقة و احتمال خلافه مرجوح لايخرج عن حكم الاصل المؤيّد بالادلّة العقلية و النّقلية .
قال سلّمه الله : و ما قلتم ان الائمة عليهم السلام يكونون في القبر و لكنهم لايرونهم الناس لانخِلاعهم البشريّة عنهم لايوافق حديث الاخير فان الامام يري الامام الاخر .
اقول قولي هذا حق و قولكم فانّ الامام يري الامام الاخر حقّ ايضا و لكنه حينئذٍ لايرٰيهُ في بشريته الي ان يرجع بعد اجتماعه بالنبي صلي الله عليه و اله و بعد رجوعه يرٰيه في بشريته الي اوان الخلع العاديّ له و مع هذا اذا اراد الامام ان يري الامام الميت بعد خلعه البشرية فيها رءاه فليس بينهم غيبةٌ و لا فرقة ابداً و ان حصل ذلك في الظاهر و من المعلوم انّ الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام يحشرون من مواضع حفرهم و ليس لانّهم يدفنون فيها مرّة ثانية بعد ما يرفعون الي السماۤء فادم و نوح عليهما السلم يحشرانِ من قبريهما بظهر الكوفة و قوله في حديث كامل الزيارة و انه لَعلي يمين العرش متعلِّق ، ليس لانه هناك بل علي نحو ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام صحبوا الدنيا بابدانٍ ارواحُها معلقة بالمحل الاعلي يعني توجهها اليه و هذا انشاۤء الله تعالي ممّا لا اشكال فيه و الحمد لله ربّ العالمين و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين و كتب العبد المسكين احمد بن زينالدين بيده الجانية حامدا مصليا مسلما مستغفرا .