رسالة في جواب الشيخ يعقوب بن الحاج قاسم الشرواني
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
الحمد لله ربّ العالمين و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي انه قد عرض عليّ جناب العالم العارف جناب الشيخ يعقوب بن حاجي قاسم الشّرواني مسئلة عويصة كان سمعها منّي و سمِعها من بعض العلماۤء و الحكماۤء مشافهة و نقلاً غير معني ما سمع مني طالباً من السؤال معني ما اريده و لاجل ان مقصوده غير ما سمع منهم كان التعبير غير مطابقٍ للمقصود و لكن الجواب مني آتٖي به علي حسب ما افهم من عبارته و الله سبحانه ولي التوفيق و هو حسبنا و نعم الوكيل الهادي الي سواۤء الطريق .
قال سلمه الله : ان الذاهب من المدد ولد له مادة و هي النور و صورة و هي الرحمة .
اقول معني مراده من كلامه ان الشيء المصنوع لا بد ان يكون له مادة و هي وجوده و هو الاب و له صورة و هي ماهيّته و هي الام فيكون الشيء متولداً منهما و سعادته و شقاوته في الصّورة و ذلك كما اشار عليه السلم الشقي مَن شقي في بطن اُمِّهٖ كما ان الخشب يعمل بابا و صنما و شقاوة الصنم في الصورة اذ لا قبح في الخشب و قوله و صورة و هي الرحمة يكون في السعيد كما قال الصادق عليه السلم انّ الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته الحديث ، امّا لو كان المخلوق غير مؤمنٍ فانه بعمله يصبغه في غضَبه لانّ الرّحمة صبْغ مَنْ اَجابَ دعوة اللّهِ و امّا مَن انكرَ دعوة اللّهِ فصِبغه في غضَبِهٖ و اعلم انّ اصل [ص 3] المسئلة انهم اختلفوا في الممكن الباقي هل يحتاج في بقاۤئه الي المدد ام لا فقيل لايحتاج قياساً منهم علي الجدار فانه انما يحتاج في انشاۤئه الي المدد و امّا في بقاۤئه فلايحتاج و هذا القول باطل و الّا لكان مستغنياً و الاكثر قالوا يحتاج في بقاۤئه الي المدد مطلقا اي سواۤء ( كان ظ ) جماداً ام نباتاً ام حيوانا و لكن اكثرهم ذهبوا الي ان المدد في كل آنٍ جديد بمعني انّه لميرد علي الشيء قبل ذلك فاذا احتاج الي مددٍ آخر اتاه غير المدد الاول و اذا ذهب منه شيء لميعُدْ ابداً فالشيء مثل النّهر كلّ ما ذهب منه لايعود و لكنه باقٍ بصورته النّوعيّة فما دامت الصّورة النّوعيّة موجودة فالشيء موجود و اِنْ تبدّلت الماۤدّة لان الماۤدة تتغيّر و تتبدّل دائماً و تضْمَحِلّ و علي هذا القول تلزم مفاسد منها انّ الماۤدّة المباشرة للعمل الحسن او القبيح تذهب قبل ثواب المحسن و عقاب المسيۤء فاذا وقع الجزاۤء اُثيبَ من لميحسن و عُوقِبَ مَن لميُسِئۤ و يلزم من هذا العبث و ٱلظلم من ٱلغني الحكيم ٱلعدل العليم و منها انه يلزم من ذلك القول بعدم المعاد الجسماني لان الجسم انّما هو جسم بماۤدّته و امّا الصورة فانّما تؤخذ في تمييز الجسم بان يكون ناميا حيوانيا او نباتيّا او غير نامٍ و في تشخّصه بان يكون صغيراً او كبيراً ذكرا او انثي ابيض او اسود و ما اشبه ذلك فالجسم في الاَصْل هُوَ الماۤدة و الصورة انّما تخلق من الجسم لان الماۤدة في نفس الامر هي الجنس و الحصّة من الجنس كالحيوان و الصورة هي الفصل كالناطق و الصاهل و الفصل مخلوق من الجنس و قولهم الاجناس متقوّمة بالفصول ، يريدون انّ الحصّة الحيوانيّة [ص 4] انما تتعيّن للنوع بالفصل كما اذا اخذتَ حصّة من الخشَبِ لتعملها سريراً انّما تتشخّص للسرير بحيث تتعين له اذا فصّلتها علي الهيئة الصَّالِحةِ للسرير و ليس المراد انّها لاتوجد الّا بالهيئة الصالحة للسرير فانها كانَتْ موجودة بصورة النوع اعني الخشبية الصالحة لنوع السّرير و الباب و السفينة فهي موجودة بالصورة الجنسيّة و ليس قولي بالصورة الجنسية انها لاتوجد الّا بها بل توجد الحصّة فيما قبل الفصل بصورة النوع و هم يريدون ان الحصص انما تتقوّم بفصولها و لايريدون ان الجنس متقوّم بفصول انواعه لان الجنس يتقوم بالصورة الجنسيّة بلا شك و الحصص فيها حصص من الصورة الجنسية تتقوّم بها الّا انّها لاتتعين الحصّة منها للنوع الّا بفصله و هي موجودة قبل ذلك في الجنس بحصةٍ من الصورة الجنسيّة و الحاصل لاتتوهم من قولهم ان الاجناس متقوِّمة بالفصول ان الفصل مخلوق قبل الجنس بل الجنس قبل الفصل لانّ الجنس هو الماۤدة و الفصل هو الصورة و الماۤدة هي الوجود و الصورة هي الماهيّة كٱلخشب فانه هو الماۤدة و الصورة اِنّما خُلِقَتْ منها و ان كانت الماۤدة تتوقف علي الصورة في الظهور كالكسر فانه قبل الانكسار و يتوقّف علي الانكسار و ان كان مخلوقاً من الكسر و المادة اب للشيء و الصورة اُمٌّ له فهو ولدهما و ذلك كما ذكره الصادق عليه السلم في قوله ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امّه الرحمة الحديث ، و لمّا ثبتَ بالدليل ٱلعقلي و النَّقْلي انّ الاَجْسامَ المباشرة للطاعة او المعصية لا بدّ اَن تُعادَ [ص 5] لِتجزي كلّ نفسٍ بما تسعي و انّ الاجسام انما هي اجسام بالماۤدّة و الصورة و ان المُجازَي بالثواب المباشر للطاعة و المُجازَي بالعِقابِ المباشر للمعصية و اَنَّ كل ممكن انّما هو شيء بغيره فتتوقّف شيئيّته علي مقوِّمٍ تقويمَ صدورٍ و هو فعل الله سبحانه و مقوِمٍ تقويم تحقّقٍ و هو الماۤدة و الصورة و لما كانتا ايضا ممكنتينِ احتاجتا الي الامدادِ السيّالي من نوع ما يذهب منه و لو بقي طرفة عين بدون امداد كان عَدماً و لمّا دلّ الدليل علي ان الذاهب هو العامل المباشر للطاعة او المعصية و هو المطلوب وجب ان يكون هو العائد اذ لو كان العاۤئد غيره لزم ان يكون الشيء في كل آنٍ غير مطيعٍ و لا عاصٍ لان المطيع و العاصي ذهب و هذا غيره فيأتي زيد يوم القيمة جديداً ليس له ثواب لعدم طاعته و لا عليه عقاب لعدم معصيته و ذلك كما ذهب اليه اولٰۤئك القاۤئلون بانه كالنهر الجاري فان النهر الجاري في كل آنٍ ماۤؤه جديد غير ماۤئه في الٰان الذي قبله و امّا اذا كان العاۤئد هو الاوّل كان اذا عاد متّصِفاً بعمله قبل المفارقة فيعود بما لَه من الخير الّا ان يفعل ما يحبط عمله و بما عليه من الشرّ الّا ان يتوب و هنا بحث شريف و كشف سرّ لطيف تقاصرَ عن ادراكه افهام الحكماۤء و العلماۤء لايقف عليه الّا اهله صلي الله عليهم اجمعين او مَن اوقفوه عليه و الحمد لله رب العالمين و هو ان العقلاۤء باجمعهم من العلماۤء و الحكماۤء و اهل الملل و الاديان من اهل العصمة عليهم السلم و غيرهم قالوا ان كلّ ما لَه اوّل فله اخر و قالوا كلّ ما سبقه العدم لحقه العدم و قد اتفق اهل الملل المحقون ان كل ما سوي الله من المصنوعات [ص 6] له اوّل فيجب ان يكون له اخر و كل ما له اخر متناهٍ فانٍ و ان ما سوي الله من المصنوعات سبقه العدم بمعني انه لميكن موجوداً في وقتِ ما هو قبله فيجب ان يلحقه العدم و كل ما يلحقه العدم فهو متناهٍ فانٍ و اتفق اهل الشراۤئع الالهية ان الجنة و النار باقيتان و اهلهما باقون لايلحقهم العدم و لا اخر لوجودهم و هذا مما لا اشكال فيه فما التوفيق بين هذا و بين القاعدتين المتفق عليهما فاعلم ان العلماۤء و الحكماۤء تحيروا فمنهم من قال بقدم العالم ليتخلص من هذا الاشكال و منهم مَن قال ان المخلوقات منقطعة الاول للادلة القطعية و الجنة و النار و اهلهما غير منقطعي الاخر لنص الشرۤائع الالهية علي ذلك و هذا امر ممكن فيكون الممكن اوّله منقطع و آخره غير منقطعٍ و هذا الكلام ممّن نُقِل عنه السيد محمد الداماد و هو صحيح و لكن ليس هذا محلّ السّؤال انّما محلّ السّؤال كيف تكون القاعدتان صحيحتين و المخالف لهما صحيحاً و الجواب المطلوب ان يأتي بما ينطبق علي القاعدتين و علي المخالف لهما بما يكون صَحيحاً في العقول السليمة و هو اَنْ نقول انّ الممكن لايكون الّا من غيره و المستند في وجوده الي غيره يكون وجوده مسبوقاً بوجود ذلك الغير فيكون الممكن غير موجود في رتبة وجود موجده فقد سبق عدمُه وجودَهُ و له اوّل و هو بدؤُه من صنعِ موجده فعلي القاعدتين يكون اخره يلحقه العدم وَ له آخِرٌ ايضاً و قد ثبت انّ الذاهب دَخلَ في ملكِ اللّه فلايخرج من ملكه و انّ الذاهب ايضا مؤلف من عناصره الجسمانية ان كان جسماً و من عناصره الطبيعية ان كان فلكاً او فلكِيّاً و من عناصره [ص 7] الجوهريّة ان كان نفسا و من عناصره المعنويّة ان كان عقلاً و من عناصره السّرمديّة ان كان سرمديّا فاذا ذَهب تفكّكت اجزاۤؤه فذهب كل جزءٍ الي اُسْتقُصِّهٖ و عاد اليه عَوْدَ مُمٰازجةٍ الّا انّه متميّز متعين في علم اللّهِ في كتاب رُتْبتِهٖ هذا بالنسبة الي حروف ماۤدته و اما بالنّسبة الي كلمات ماۤدّته فعَودُها عَود مجاورةٍ فان الحروف المعجمة تعود عودَ ممازجةٍ و المهملة تعود عود مجاورةٍ و كان بعد التأليف الاوّل قبل ذهابها سحقَتْها في الممكن دَوْرُ عناصرها و كرُّ افلاكِ التكليف في ضمن جملة الشيء حتّي نعمت و تلطّفَتْ و اَكلَتْ اَراضي قوابلها ما فيها من غراۤئب مراتبِ تنزّلاتها حتي لميبق من غراۤئبها الّا الْهَيْئات الّتي اكتسبَتْها مِن اَوْصافِ تكاليف الشيء فما رجع منها الي اسْتُقُصِّها لميرجع مكانه الجزئي الاوّل حين اخذه الاوّل للتأليف الاوّل لنعومته و لطافته في ضمن تكليف الشّيء و ان كان من نوع المكان الاول الّا انّه اقرب الي المبدء لنعومته و صفاۤئه و نَضْجِهٖ و لما فيه من الاوصاف التي اكتسبها مِنَ ٱلتَّكْلٖيفِ في ضمن تكليف الشّيء فاذا اُخِذَ للامداد كان مَبْدَؤهُ ٱلثّاني قبْلَ مبدئه الاوّل وقتا و اَعْلَا من الاول مكاناً فيكون بقاۤؤهُ الثاني اَطْولَ من بقاۤئه الاوّل و اشدّ تأثّراً و تأثيراً بالثواب او العقاب و اذا تحَلّلَ و ذهب من الشّيء خلص من غراۤئبه و اعراضه اللاحقة له من مراتب تنزّلاته الّا الهيئات التي اكتسبها من اوصاف تكاليف الشيء و عاد الي مكان و وقتٍ من اسْتُقصِّهٖ اعلي من مكان مبدئه الثاني و قبله لشدّة سَحْقِه و تلطّفه في ضمن تكليف الشيء فاذا اخذ للتأليف الثالث اخذ من مكان اعلي من مكانه حين اخذ [ص 8] للتأليف الثاني و قبله فكان مبدؤه الثالث قبل مبدئه الثاني و اعلا منه فيكون بقاۤؤه الثالث اطول من بقاۤئهِ الثاني و اشدّ تأثّراً و تأثيراً بالثواب او العقاب و هكذا في كلّ آنٍ من الدنيا و الاخرة و العبارة السهلة عن عدم تناهي المتناهي و عن عدم انقطاع المنقطع ان الممكن خلقه الله و لميك شيئا ثم جعله شيئا بجعله و قدرته و الامداد الذي به البقاۤء صنع و خلقٌ كالصنع الاوّل فهو ممكن كالاول و كلّما ذهب شيء اعادَهُ فلايتناهَي حكم كلّما و قد بيّن ذلك في كتابه فقال كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب اي العذاب الداۤئم و قال كلّما ارادوا ان يخرجوا منها من غمٍّ اعيدوا فيها فكانوا خالدين فيها ابداً بحكم كُلَّمَا و مثاله انّك لو وضع لك عشرة دراهم في كيس نفقة عشرة ايامٍ لو لمتُزَد العشرة دراهم فنِيَتْ بعد عشرة ايّام لانّها محصورة في الاول و الاخر و لكن اذا انفقْتَ خمسة دراهم وضعْنا في الكيس عشرة فكانت الدراهم التي في الكيس عشرين فاذا انفقتَ خمسة بقي فيه خمسةعشر فاذا انفقت خمسة و وضعنا في الكيس عشرة بقي فيه عشرون و هكذا ففي الحقيقة اَنّ الّذي في الكيس ثلاثون فكيف ينقطع ما لاينقطع مدده المانع من انقطاعه فاذا كان كل مَدَدٍ تجدّد فان مبدءه قبل مبدء ما قبله في الوقت و فوق ما قبله في المكان و اقرب من مبدء ما قبله في الرتبة و اشرف من مبدءِ ما قبله في الجهة و اكثر من مبدء ما قبله في الكم و اشدّ من مبدء ما قبله في الكيف و كذلك نفس المدد المتجدّد قبل ما قبله من المدد في الوقت و فوق ما قبله في المكان و اقرب مما قبله في الرتبة [ص 9] و اشرف مما قبله في الجهة و اكثر مما قبله في الكم و اشدّ مما قبله في الكيف كان ابطأ ممّا قبله اضمحلالاً بالنسبة الي ما قبله و اسرع استمداداً و اطول بقاۤء و اَعظم استغناۤءً بربّه و اشدّ افتقاراً اليه و آيَةُ ما ذكرنا المركب عند اهل الصناعة فانه كلّما كثر سَحْقُهُ و تكريره و سقيه ازداد عِظماً في الكم و شدّةً في الكيف و كذلك تكسير الاسم عند علماۤء الهٖيمِيَاۤءِ كلّما ازداد تكسيراً ازداد تأثيراً و سرعةً فافهم فانّ اوّل امكان الممكن لايتناهَي فاذا تخلّص من الموانع كان استعداده للاكوان لايتناهي فتكويناته تدريجيّة و بقاۤؤهُ تدريجي كما اشرنا اليه فافهم و اشرب صافياً فقد كشفتُ لك السِّتْر و اطلعْتُك علي ٱلسِّرّ فَخُذْ ما آتيتُك و كن من ٱلشاكرين و ٱلمولود في رتبة الاِمدادِ "٢" ٱلّذي تألَّفَ مِنْهُ "-٢" في القرب و ٱلبعد و السَّعادة و الشّقاوة و الشدّة و الضّعفِ فاهل الجنّة كلّما طال مَكثهُمْ في الجنّة ازدادُوا صحّةً و قوّة و شباباً و كثرت ممالكهم و عظمت شهواتهم و اشتدَّتْ لذّاتهم و تبالغَ نَعٖيمُهُمْ حتّي انّه يكون ادني ما فيها من النّعيم لو وَصل الي احدٍ من اهل الدنيا منه ذرّة كجزءٍ من مائةِالفِ جزءٍ لمَاتَ ذلك الشخص الذي كان من اهل الدنيا و مَنْ قرب منه و لو كالشعاع لان مثال المطيع لايزال مشتغِلاً بتلك الطاعة في غيب مكان الطاعة و في غيب وقتها فان كنتَ تحِبّ اَن تري ما قلتُ لك فافهم تمثيلي لك و هو انّك اذا رأيتَ زيداً يوم الجمعة الثالث من شهر رجب سنة تسعٍ و ثلاثين بعد المائتين و الالف يصلّي في ٱلمسجد كتبتِ الملائكة صورة مثاله في غيب ذلك المسجد و في غيب يوم ٱلجمعة الي يوم القيمة فكلّما التفتَ قلبُكَ بمرءاة خياله انطبع [ص 10] فيها صورة مثال زيدٍ يصلّي في غيب ذلك المكان و ذلك الوقت فهو باقٍ يعمل ذلك العمل الي يوم القيمة لزيدٍ فتقوي اعماله و تستحكِمُ اوصافه فيتبالغ نعيمه من ثمرات الطاعة الواحدة و اذا رأيت عمراً في ذلك اليوم و ذلك المكان يفعل المعصية كتبتِ الملاۤئكة صورة مثاله في غيب ذلك المكان و ذلك الوقت الي يوم القيمة فكلّما التفتَ قلبك بمرءاة خياله انطبع فيها صورة مثال عمروٍ مُتَلبِّساً بفعل تلك المعصية في غيب ذلك المكان و غيب ذلك الوقت فهو باقٍ يعمل ذلك العمل الذي هو المعصية الي يوم القيمة فاذا اتي اليك عمروٌ و هو مصِرّ علي تلك المعصية رأيته بقلبك متلبِّساً بتلك المعصية مكشوف العورة لديك فتقوي معاصيه و تستحكم اوصافه القبيحة فيتبالغ تألّمه من ثمرات تلك المعصية الواحدة و ان اتي اليك عمرو و هو تاۤئب من تلك المعصية رأيته بقلبك و ليس بينه و بين تلك المعصية رَبْطٌ و مثاله الذي تراه متلبِّساً بتلك المعصية ليس مرتبطاً به و ان كان مثالاً له و لايستمدّ ذلك المثال في بقاۤئه من عمل عمروٍ و لا نيّته و انّما يستمدّ ذلك المثال من الصورة التي هي اصله القاۤئمة في سجّين كتاب الفجّار فاذا جاۤء يوم القيمة محا صورة ذلك المثال من غيب ذلك المكان و غيب ذلك الوقت و محا رَسْمه من الارض و من نفوس الملاۤئكة و من الواح ساۤئر الزّمانيّات و الواح سفليّات الدّهر حتي لايبقي لها ذكرٌ في ساۤئر الاوقات و الامكنة فانّه تعالي يستر علي مَنْ تاب و في الدعاۤء يا مَن اظهر الجميل و ستر القبيح .
قال سلمه الله : فان كان الراجع و العاۤئد هو نفس الذاهب فلايخلو [ص 11] امّا ان يكون الراجع هو الماۤدة فقط او الصورة فقط او كليهما و الاولان ليسَا بصحيح لان لكل مادةٍ صورةً و لكل صورةٍ مادّةً .
اقول جواب هذا و ما بعده يُعْلَمُ ممّا ذكرنا و لانذكره مرة ثانية الّا للبيان فنقول اعلم ان العائد هو الماۤدّة و لكن لمّا كانت لاتنفك عن الصورة قلنا انّه لا بدّ من اعادة الصورة الّا ان الصورة منها جنسية و منها نوعية و منها شخصيّة فالجنسية الفصل المميّز بين الاجناس و هذا الفصل قد يكون مميّزاً بين الاجناس العالية كالجسم المميز بين المتحيزات و قد يكون صورة جنسيّة باعتبار كالمتحرك بالارادة فانه صورة جنسيّة بالنسبة الي الحيوان و قد يكون صورة نوعية باعتبار كالمتحرّك بالارادة فانه صورة نوعيّة بالنّسبةِ الي الجسم النّامي و كذلك الصورة النوعيّة قد يكون نوعية باعتبار و جنسيّة باعتبار الي ان تكون صورة لاسفل الانواع فتخلص للنوعيّة كما ان الفصل الاعلي يختص بالصورة الجنسية و الصورة الشخصيّة تختص بافراد النوع الاسفل و هذه الصور كلّ واحدة توجد مع ما تنسب اليه و منها اي من الصورة ما تحصل للماۤدّة من اَعْمالِ ذي الماۤدَةِ من حسن اَوْ قبحٍ فامّا الصور الاول فقد تفارق اصل الماۤدة علي حسب انتقال الشيء بسبب تبدّل اعماله و امّا هذه فلاتفارق الماۤدة و ربّما تتغير بها حقيقة الشّيء و تغيّرُ هذه الصورة تابع لتغيّر ٱلاَعْمالِ و علي كل حال فالماۤدّة انّما تُعٰاد و تحشر في هذه الصورة و لاجل هذا تحشر العصاة في صور اعمالهم فيحشر النمّام عقرباً اي في صورة عقرب او حيّة و يحشر الحريص غراباً و يحشر صاحب الشهوة في النكاح [ص 12] في صورة فرسٍ و يحشر صاحب شهوة الاكل المحرّم خنزيراً و هكذا فتعاد الماۤدة في صورة عملِ ذي الماۤدة اذا مات عليه كما قال صلي الله عليه و اله علي ما تعيشون تموتون و علي ما تموتون تحشرون ، نقلته بالمعني فقوله سلمه الله فالاوّلانِ ليسا بصحيحٍ لانّ لكل مادةٍ صورة و لكل صورة مادّةً مبني علي مطلق الصورة و الكلام هنا كما سمعتَ مما كتبنا فافهم .
قال سلمه الله : علي انها لو كانت هي المادة لايحكم عليها بالحسنة و السيئة و لا بالكفر و الايمان لان ذلك في مقام القدر الذي هو الحدود و الهندسة فيرتفع الثواب و المعاقبة .
اقول لو قلنا ان العاۤئد هو الماۤدة لايلزم خلوُّها من الصورة الّتي اكتسبَتْها من العَمل و ان فرَضْنَا خلوّها مِنَ الصّورة الجنسيَّةِ و النوعيَّةِ لمنفرض خلوّها من الصّورة الشخصيّة ٱلعمليّة التي لزمتها مِنْ اَعمالِ المكلّف لان التقدير للحدودِ الّذي هو الخلق الثاني جارٍ في كلّ مرتبةٍ من مراتب ٱلصّنع كلٌّ بنسبتِهٖ مثلاً جارٍ في الطباۤئع حتي صارت العناصر و فيها حتّي صارت المعادن و فيها حتي صارت النباتات و فيها حتي صار الخشب و فيه حتي صار السّرير فالحدود و الهندسة هي ٱلَّتٖي تتحقق بها الصُّورة في كُلِّ رتبةٍ الّا انّ الصورة التي تكون مميّزة للافراد و هي الصورة الشّخصيّة هي محلّ السعادة و الشقاوة الشخصية و هي المتعارفة و امّا ٱلجنسيّة و ٱلنّوعيّة فكذلك الّا الحكم فيهما يكون شاملاً لافراد الجنس و افراد النَّوْع فتعميم كلامه علي الظَّاهر متّجهٌ .
قال سلمه الله : و علي الثالث يلزم امرانِ احدهما ان زيداً مثلا من مَبدئِه [ص 13] الي منتهاه مافعل الّا فِعلاً واحداً في الباطن و ان تعدّد في الظاهر و ثانيهما انّ كل احدٍ باي مددٍ بدي فبِه يختم ان خيْراً فخير و اِنْ شرّاً فَشَرٌّ و كلا الامرين كما تري .
اقول يريد انا اذا فَرضْنَا اَنّ العٰاۤئِد بعد ذَهابه ان كان هو الماۤدّة و الصورة الاوّلَيْنِ لزمَنٰا اَمْرٰانِ كِلٰاهما غير جاۤئزٍ اَحَدُهُمٰا اَنَّ زيداً و هو ٱلمكلّف الَّذٖي حَكَمْنٰا عليه بالتّغير و التبدّل في كلِّ آنٍ مِنْ اَوَّلِ عُمُرِهٖ الي منتهي اَجَلِهٖ و منْ اَوَّلِ اَعْمٰالِهٖ الٰي آخرها مافعل الّا فِعْلاً واحِداً في الباطِنِ يعني ان المقتضي لفعله قبْلَ اَنْ يَذْهَبَ الذّاهِبُ هو الذَّاهبُ نفسُهُ فاذا عاد بنفسه من غير تغيير و هو المعبر عنه بعَود ماۤدّتِهٖ و صورته فعل ذلك الفعل الاوّل لانّه هو مقتضي طبيعته و الطبيعة لاتغلط و لهٰذا اخبر سبحانه عن الكفار بقولهم يا ليتنا نردّ و لانكذِّبَ بٰايات ربِّنا و نكونَ من المؤمنين انه تعالي قال بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل و لو رُدّوا لعادُوا لما نهوا عنه و انهم لكاذبون فلو عاد الذاهب بماۤدته و صورته لفعل فعله الاوّل و ان كانا في الظاهر اثنين فانّهما في الباطن فعل واحد و ثانيهما انه اذا كان العاۤئد بعينه هو الذاهب كان كل شخص يجري علي مدده الذي خلق منه اَوّلاً فان كان طينته طيبةً فعل خيراً سواۤء تغيّر و عاد كالاول من دون تبديل ام لميتغيّر و ان كانت طينتُه خبيثةً فعل شرّاً تغير ام لميتغيَّر كذلك و فيه انه لايلزم ما ذكر علي فرض الوجه الثالث بل نقول انّ العاۤئد هو الماۤدة و الصورة و مع ذلك تتعدّد افعاله لاجل ما يعرض له من التغيير [ص 14] كما اشرنا اليه سابقاً من ان العاۤئد و ان كان هو الاوّل لكن مبدء تنزّله للشيء اعلي من مبدء تنزّله اوّلاً و قبله اَيْضاً لقوّته بسبب كثرة السّحق و التكرير و التردّد في احوال التَّكْليف و الاَعْمال و ايضاً بسبب ما لحقه ممّا اكتسب من وصَف الاعمال ربّما زاد كمّه كما زادَ كيفه و كما سبق مبدؤه و استعلي في رتبته و ايضا يعود اليه في وقتٍ غير وَقْتِ تنزّله اوّلا و كلّ هذه و امثالها مُشَخِّصات يلزم منها تعدّد افعاله و شدّة اعماله كمّاً و كيفاً في الظاهر و الباطن و قوّة اتّصافه بما اكتسب و شدّة تلك الاوصاف المكتسبة كمّاً و كيفاً بحيث يكون في حال ذَهَابِه اقوي منه في ذهابه اوّلاً و قد اشار الامام الصادق صلوات الله عليه الي هذا المعني لمن كان له قلب اوْ القي السمع و هو شهيد فقال عليه السلم بالحكمة يُستخرَجُ غَوْرُ العقلِ و بالعقل يُستخرج غَوْرُ الحكمة ه ، فتتعدّد افعاله و تشتدّ اعماله و مع هذا نقول ان الطبيعة لاتغلط بل لو عاد ثانياً و لمتتغيّر اعماله و لمتتكثّر افعاله لَجاز لَنٰا اَنْ نقول ان الطَّبيعة غَلِطت لانّها داۤئرة مدار اقتضاۤءِ المقتضي وجوداً و عَدَماً وَ عَلَي ٱلثّاني انّ الخاتمة تابعة للسابقة و لكن السَّابقة ليست السَّابقة زماناً و انّما هي السابقة دهراً بمعني انّها آخرُ عاۤئدٍ لانّه اعلي مراتب الشيء و اَسْبَقُها فٰاخر عاۤئدٍ الي الشيء من المدد قبلَ كلّ شيء من ذلك الشيء وَ اَعْلي كلِّ شيء منه و قد بيَّنّا ذلك سابقاً فراجعه و هذا هو السّابقة التي تكون ٱلْخَاتمةُ تابعةً لها و كاشِفةً عنها و هي منتهي ٱلشيء الّذي يُسِّرَ له حَتَّي خلق منه وَ التّيسير الذي ذكره صلّي الله عليه و اله في جوابه لسراقةَ بنِ مالكٍ في قوله اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ [ص 15] لما خلق له ، قد ذكرناه في الفَواۤئد في الفاۤئدة . . . ( السابعة ظ ) عشرة مَنْ اراد الوقوف عليه طلبه من هُنَاك . فرغ من تسويد هذه التنبيهات مُنْشِئُهَا العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحساۤئي في الليلة الثامنة من شعبان سنة تسع و ثلٰثين بَعْدَ ٱلمائتين و الالف من الهجرة النبوية علي مهاجرها و الهٖ الف الصَّلوة و السَّلٰامُ حٰامداً مُسَلِّماً مُسْتَغْفِراً .