قال سلمه اللّه تعالي : السؤال الثالث‌عشر - المرجو من جنابكم تحقيق [ص 22] مسألة النسخ و البداۤء و الفرق بينهما و بيان مجراهما من الاحكام التكليفية و الافعال التكوينية بحيث يرفع الحجاب و يكشف النقاب .

اقول : اعلم ان الله سبحانه خلق كل شيء بقابليته و قابليته بمشخصاتها و متمّماتها و اصولها الكم و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و فروعها كثيرة و لايكون شيء عن فعل الله سبحانه الّا بعد استكمال شرايط ايجاده و في الحديث بطرق متعدّدة لايكون شيء في الارض و لا في السماۤء الّا بسبعة مشية و ارادةٍ و قدر و قضاۤء و اذن و اجلٍ و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر و في رواية فقد اشرك و في رواية علي نقض واحدة بالضاد المعجمة ، فكل شيء فله اجل و لكل اجل كتاب يعني ان الموجود لوجوده وقت يظهر فيه و وقت ينعدم وجوده فيه او يتغيّر و لبقاۤئه وقت فاذا استكمل الشرائط بقي واقفاً بالباب حتي يؤذن له بالخروج و الذهاب و الذوات عالم مستقل و الصفات عالم برأسه و الافعال عالم برأسه و الاقوال عالم برأسه و الحروف عالم برأسه و الحركات عالم براسه و الطباۤئع عالم برأسه و الالوان عالم براسه و الطعوم عالم براسه و الرواۤئح عالم براسه و الاشعة عالم برأسه و هكذا فكل نوع عالم مستقل فاذا عرفت ما اشرنا اليه ظهر لك ان النسخ و البداۤء شيء واحد بمعني واحد و انما فرق بينهما باعتبار متعلقيهما فوجود الحكم له مدّة يجري علي المكلفين به فيها فاذا انتهت رفع و هو معني نسخ الحكم و وجود الشيء له مدّة يجري علي كونه في الاعيان بما لبس من حلّة الاكوان في تلك المدة فاذا انتهت رفع ذلك الوجود او تغيّر و هو معني البداۤء و لهذا قال [ص 23] السيد الداماد البداۤء نسخ وجودي كما ان النسخ بداۤء تشريعي و نعم ما قال هذا ذكر الاشارة الي علّة البداۤء و النسخ و امّا ذكر الاشارة الي وصف كونهما فاعلم انّ البداۤء هو محو ما كان ثابتاً و اثبات ما لم‌يكن ، مثاله انّ اللّه سبحانه جعل علي زيدٍ ملاۤئكة موكلين به في جميع قواه و طباۤئعه في تدبير جميع انحاۤئها فاذا نظروا مثلاً الي آلات نفسه التي تخرج باختلالها عرفوا بان تلك البنية تقتضي انه يعيش عشرين سنة بمعني ان تلك الٰالات لم‌تتحلّل قبل العشرين سنة انتقش في اذهانهم انه يعيش عشرين سنة فاذا فعل ما ينقص العمر من الاعمال المنهي عنها كالزنا ضعفت تلك البنية لانّ الزنا يحبس كثيراً من المدد الذي به قوام تلك الطباۤئع حتي كانت البنية لاتقتضي البقاۤء اكثر من خمس سنين فاذا نظر اليها الملاۤئكة الموكلون بهٖ وجدوا بنيته لاتقتضي اكثر من خمس سنين انمحي ما كان في اذهانهم من انّ بنيتَهُ تقتضٖي عشرين سنة و انتقش فيها ان بنيته تقتضي البقاۤء خمس سنين فقد محا سبحانه ما كان ثابتاً و هو العشرون السنة من الواح المحو و الاثبات التي هي اذهان الملاۤئكة الموكلين بهٖ و اثبت فيها خمس سنين فقد محا من الالواح الجزئيّة و اثبت كل واحدٍ بمشيّته و كذلك لو عمل زيد اعمالاً صالحة كالاحسان و البرّ خصوصاً بوالديه و اقاربه قويَ مجري المدد من فعله تعالي الي قوابل بنيته فتقوي بنيته بحيث تقتضي البقاۤء خمسين سنة فاذا نظر اليها الملاۤئكة انمحي ما كان انتقش في نفوسهم من مدّة العشرين و انتقش في نفوسهم بقاۤؤه خمسين فقد محا سبحانه من الالواح الجزئيّة الواح المحو و اثبت في الالواح الجزئيّة [ص 24] الواح الاثبات و كل ذلك بمشيته و كذلك الكلام في النسخ الحكم كان مثبتاً في بعض الالواح التي تحت اللوح المحفوظ ما دام الوقت و المكان و الموضوع فلما تغيّر احدها ارتفع حكمه فهو كالانسان حرفاً بحرفٍ فما دام شيء من رزقه المكتوب له و من عمره فهو حي فاذا انقضي احدهما مات .

قال سلمه الله تعالي : الرابع‌عشر - بيّنوا تقرير الشبهة المشهورة المنسوبة الي ابن‌كمونة و دفعها و ابطالها علي القول بقدم العالم و علي القول بحدوثه .

اقول : قال الملا صدرا في الاسفار ان مما تشوّشت به طباۤئع الاكثرين و تبلّدت اذهانهم ما ينسب الي ابن‌كمّونة "٢" و قد سماه بعضهم بافتخار الشياطين لاشتهاره "-٢" بابداۤء هذه الشبهة العويصة و العقدة العسرة الحلّ فاني قد وجدتُ هذه الشبهة في كلام غيره ممن تقدَّمَهُ زماناً و هي انه لمَ لايجوز ان يكون هناك هويّتانِ بسيطتانِ مجهولتا الكنهِ مختلفتان بتمام الماهيّة يكون كل واحد منهما واجب الوجود بذاته و يكون مفهوم واجب الوجود منتزعاً منهما مقولاً عليهما قولاً عرضيا فيكون الاشتراك بينهما في هذا المفهوم العرضي المنتزع عن نفسِ ذاتِ كلٍ منهما و الافتراق بصرف حقيقة كلٍ منهما انتهي كلامه لنقل شبهة ابن‌كَمّونة و انا اقول هذه الشبهة انما تكون شبهة عند مَن لايعرف اللّه الّا بمفاهيم العبارات و امّا مَن عرف الله بما وصف به نفسه فلاتكون هذه شبهة عنده و انما هي كلمات متناقضة لايحدث منها توهّم و لا اشكال بحالٍ من الاحوال و نحن [ص 25] قد ذكرنا ما ينفيها و لكن اجدّد ما يدلّ علي معرفته تعالي كما وصف به نفسه اعلم انّ قول ابن‌كمونة هناك يشير به الي الازل و قد بيّنّا مراراً انّ الازل ليس مكانا او وقتا مغايراً للذات المقدسة تعالي شأنه بان يكون مكاناً واسعاً و الواجب في موضعٍ منه او وقتا ممتدّا و الواجب في مدّة منه ، تعالي عن ذلك علوّاً كبيراً بل هو ذاته البحت بكل اعتبار من مواضع الاعتبارات في الذهن و في نفس الامر و في الخارج و بكل احتمال و فرضٍ فكيف يمكن فرض هويّتين بسيطتين مجهولتي الكنه مختلفتين بتمام الماهية يكون كل واحدٍ منهما واجب الوجود لذاته في هويّة واحدةٍ بسيطةٍ واجب الوجود بذاته لا اختلاف فيها بذاتٍ و لا صفةٍ و لا حيثيّة و لا كمّ و لا كيف لا في التصور و لا في نفس الامر و لا في الخارج بكل اعتبار او فرض او احتمال و تجويزٍ هذا مستحيل الفرض و ممتنع التجويز الَّا ان يعتقد بانّ الازل مغايرٌ للذات و انه فضاۤء واسع او وقت مُمتدٌّ فانّه للجاهل اَن يفرض هويّتين و انّما قلتُ للجاهل لان العارف يمتنع عنده الفرض مع الوجوب لانّ اية ذلك التي اراكم اللّه ايّاها في الافاق منها السراج و اشعته فان نفس السراج اية الواجب و ليس للسراج مكان او وقت غير نفسه و ما خرج عن نفسه فهو اشعته و اثاره كذلك الواجب هو الازل نفسه ذات بحت و ما سوي تلك الذات فهو الامكان فكما لايمكن فرض سراج او سراجين في السراج للتنافي و لا في اشعته لانه مكان الاثار لا مكان المؤثر كذلك لايمكن فرْضُ ذاتَيْن في ذاتٍ واحدةٍ و لا في خارج الذات لانه امكان و هو محل الاثار لايصلح ان يكون محل المؤثر و قوله و يكون [ص 26] مفهوم واجب الوجود منتزعاً منهما يناقض قوله و الافتراق بصرف حقيقة كلٍ منهما و قولَه مختلفتان بتمام الماهيّة لان الانتزاع ان كان من جهة جامعةٍ بينهما ناقض قوله بسيطتان للزوم التركيب مما به الاجتماع و مما به الافتراق فتكونان مركبتين سواۤء كانا من ذاتيين ام عرضيّين اَمْ من مختلفين لا بسيطتين و ان لم‌يكن الانتزاع من جهة جامعةٍ بينهما مع اختلافهما كان المفهوم المنتزع مركبا و هو يناقض مفهوم واجب الوجود اذ لايجوز ان يكون مركّبا و يناقض ايضا قوله مقولاً عليهما قولاً عرضيّاً ، لان المفهوم البسيط لايقال علي هويتين مختلفتين بسيطتين نعم ان كانا مركبتين مما به الاختلاف و مما به الاتّحاد امكن ان يقال المفهوم البسيط مقول علي ما به الاتحاد و ايضا يناقض قوله قولا عرضيّا ، لان المنتزع من الذات يكون مقولا بالذات لان المنتزع من الذاتين البسيطتين و ليس منتزعاً من صفتيهما العارضتين عليهما لايكون المنتزع مقولاً علي الذاتين بالعرض و ان بني الانتزاع علي ما هو الحق عندنا من ان المنتزع سواۤء كان من نفس الذات ام من صفتها العارضة او اللازمة لايكون الّا عرضيّا لانّ الذهن لايحله الّا الصور و الاشباح المنفصلة التي هي اظلّة المنتزع منه و اشعته صحّ كون المنتزع مقولاً بالعرض مطلقاً اي سواۤء انتزع من الذات ام لا و لكنه يناقض كون الهويتين بسيطتين مختلفين لان المفهوم ان كان منتزعاً من كل منهما من جهة جامعة كما لو كانتا مشتركتين في الصفة لزم تركبهما مما به الاشتراك و مما به الاختلاف كما تقدم فلايكونان واجبين و ان كان منتزعاً ممّا به الاختلاف او من حيث هما مختلفتان كان المنتزع مركبا فلايصلح ان يكون مفهوماً لواجب الوجود [ص 27] فظهر مما ذكرنا مكرّراً مردّداً ان هذه الشبهة ليست شبهة الا عند من يري ان المعرفة طريقها القضايا الحملية و المفاهيم اللفظية و يعتقد ان الازل ظرف ممتدّ واسع و الواجب في زاويةٍ منه و يعتقد صحة الفرض بالنسبة الي الواجب نظراً الي ان الذهن يتعلق بشيء هو القديم و في ذلك المحل منه يتعلّق بغيره و ان الذهن يسع تعدّد القدماۤء لانه لايعرف من معني القديم و الواجب الّا انه شيء و الشيء يجامع غيره في حكم الذهن فاذا تعذّر الخارج عن التعدّد لم‌يتعذر الذهن عن تعدّد جهاته و مفهوماته لانه داۤئر مدار القضايا و انا اقول الحمل لايجدي في معرفة الله سبحانه نفعاً بل اقول الحمل سقط و اقول قضيّة و لا اباحسن لها و اقول ان اردت ابطالها فاسمع ما كتبتُ فيها و تفهّمه راشدا و اما قولكم علي القول بقدم العالم و علي القول بحدوثه فاعلم ان القول بقدم العالم و حدوثه لا ربطَ له بهذه الشبهة و لا بابطالها لان القاۤئلين بقدم العالم مع اثباتهم الصانع كالمنقول عن ثاليس المطلي يدّعون تأخر العالم عن الصانع رتبة و ان كان وجوده لازما لوجود الصانع تعالي كقوله ان علّة وجوده التامّة كرمه و المعلول لايتخلف عن علته التاۤمة و نحن نقول لو سلمنا قوله كان قولا بحدوث العالم لان العالم معلول مسبوق بعلته و ان كان لايتخلف عنها فانا لانريد بالحٰادث الّا المسبوق بالغير و يلزم من كونه مسبوقا بالغير انه عدم في رتبة السابق فيصدق عليه انه مسبوق بالعدم كما هو رأي آخرين و مَن فرض تعدّد القدماۤء لم‌يجوّز كون شيء منها سابقا او مسبوقا بل هي كلها سواۤء فلا فائدة في ذكر حدوث العالم او قدمه في [ص 28] حل هذه الشبهة و ذكر الادلة و الالزامات و امثالهما لايقتضيه المقام .

قال ايده الله تعالي : الخامس‌عشر - قال الرئيس فان قيل ما علة الانسان في انه انسان قلنا لا علّة لكونه ذاتا فان العلة لوجوده لا لماهيته و كونه انسانا ه‍ ، و هو يرشد الي نفي جعل الذات و تعلق الجعل بالوجود المنتزع عنها و ليت شعري كيف يجوز استغناۤء الماهيّة الحقيقية عن الجاعل و افتقار الامر الاعتباري القاۤئم بها قياماً انتزاعيا الي الفاعل ام كيف يمكن القول بكون الوجود هو المجعول مع انه لا موجود و لا معدوم و افادة الفاعل مثله غير معقولة .

اقول : ان كان كونه ذاتا شيئاً فلايخلو اما ان يكون قديما او حادثا فان كان قديماً اتّجه كلام الرئيس لكنه ليس بقديم قطعاً و ان كان حادثا فله علة قطعاً و ان لم‌يكن كونه ذاتاً شيئا فلا معني لنفي العلة عنه لان النفي فرع الثبوت و ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت الشيء الذي ثبت له و قوله فان العلة لوجوده لا لماهيته و كونِه انسانا ، غلط بل الحق ان اوّل معلولٍ من الانسان كونه و هو وجوده وَ ثاني معلولٍ من الانسان ماهيته و اَنّه هو و كلّ معلول فله علة الّا ان كلامه مبني علي القول بقدم الماهيات لانها هي الاعيان الثابتة في علمه الذي هو ذاته تعالي او انّها معلقة بعلمه و ذاته كتعلق الظل بالشاخص و ليست مجعولة و هذا مرض مهلك نعوذ بالله من سخط الله و اعتراضاتك علي كلامه واردة عليه متجهة و كلها حق .

قال سلمه الله تعالي : السادس‌عشر - منوا علينا ببيان ما هو الحق في تحقيق الاوعية الثلاثة مِن الزمان الذي هو نسبة المتغيّرات الي مثلها و [ص 29] الدهر الذي هو نسبة المتغيّرات الي الثّابتات و السرمد الذي هو نسبة الثابتات الابديات الي مثلها و ان ايّها يأبَي عن المسبوقيّة بالعدم حفظكم الله .

اقول : ان الظروف الثلاثة في الحقيقة هي مُدَدٌ لوجودات مظروفاتها و ماهياتها و لوجودات حركاتها و سكناتها و قد يمكن تعقُّلها بحركات المظروفات اي يمكن تَعَقُّل كلِ ظَرْفٍ بنسبةِ حركةِ مظروفه السّريعة الي البطيۤئة لَا انّ تلك الظروف هي تلك الحركات كما قالوا انّ الزمان عبارة عن مقدار حركة الفَلَكِ و علّة قولهم ما وجدوا في عبارات الحكماۤء المتقدّمين في بيان تعقّل الزمان باَن مَثَّلُوا انّه لو ابتدأ ساۤئرانِ في مسافةٍ مقدرّة احدهما يسير بحركة سريعة يقطع المسافة في ساعةٍ و الآخر بحركة بطيۤئة يقطعها في ساعتين الي اخر ما مثّلوا و يريدون به تعقّل المُدَد و ربّما توهم مَن تأخّر عنهم انهم ارادوا بذلك التمثيل ذكر حقيقة الزمان فقالوا ان الزمان عبارة عن حركة الفلك و ليس كذلك و انما مثّلوا بذلك لتعقّل الزمان لا لبيان حقيقته لانّ حقيقته هي مدة مكث الجسم او انتقاله في افعال الجسم و في الجسم نفسه مدة نموِّه و ذُبولِهٖ و ترقيه في الرتب العالية كالصفاۤء و النورانية و هبوطه في الدركات السافلة كالكدورة و الظلمة و قول مَن قال الزمان نسبة المتغيّرات الي مثلها ، يصلح لارادة بيان الحقيقة و ارادة بيان التعقل فالاوّل ان المتغيّر له تنقّل و مكث و مدّة بقاۤء كلِ واحد منهما في كونه او فناۤئه اذا نسب الي مثله في تنقّله او مكثه مع اختلافهما في المدة او اتفاقهما في التقضّي هو الزّمان و الثاني اذا نُسِب المتغيّر الّذي هو المتحرك [ص 30] السريع الي المتغير الذي هو المتحرك البطيۤء في قطع المسافة المقدرة كانت تلك النسبة هي تعقّل الزمان فنسبة انقضاۤء تنقّل المُنتقل الذي هو المتغير لاختلاف احواله و انقضاۤءِ مكثه الي مثله اي الي انقضاۤء تنقّل منتقلٍ اخر و مكثه هو الزمان و هو ظاهر و الدَّهْر هو نسبة المتغيرات الي الثابتات اي نسبة تجدّد المتجدّد و تقضّيه و تبدّله الي المتعيّن الباقي القاۤرّ فتجد ثباتاً قاۤرّاً مُتَعيِّناً ليس فيه تجدّد و لا استعداد و لا تبدّل و لا ما بالقوة فيحصل من ذلك تعقل الدهر لا معرفته في نفسه بل كما قالوا ان الزمان عبارة عن حركة الفلك و هذا لايكون تعريفاً لحقيقة الزمان و انما هو لتعقله كذلك هذا في الدّهر الاتري انهم يقولون الدهر نسبة المتغيّر الي الثابت فاذا حملوا نسبة المتغير عليه كان المعني ان الدهر هو المتغير اذا نسب الي الثابت الذي هو مظروفه فيكون الظرف مخالفا لمظروفه في التغير و الثّبات و لو كان كذلك لماقيل في الزمان انه نسبة المتغير الي المتغيّر لان هذا يدل علي تساويهما فيكون المعني في قولهم ان الدهر نسبة المتغير الي الثابت يعني اذا نسبت المتغيّر الي الثابت و عرفتَ تقضّي المتغيّر و تبدّله الذي كان صفة للزمان عرفت انّ الدهر هو الوقت القار الثابت الذي لا تغيّر فيه لانه روح الزمان كما ان مظروفه الذي هو المجردات روح مظروف الزمان الذي هو الاجسام و الدهر في تعقّله هكذا بخلاف الزمان في تقضيه و تجدّده و هذا بالنسبة الي الزّمان و الّا فالدهر ايضا متقضٍّ و متجدد ايضا كالزمان الّا انه لسعته اذا طُوبِق بالزمان كان الزمان من اوله الي اخره لحظة في الدهر فيتقضّي الزمان و يتجدد في آنٍ من [ص 31] الدهر بحيث يفني الزمان و يتجدد في آنٍ من الدهر لم‌يعقل فيه تجدّد و لا تَقَضٍّ فلذا قال الحكماۤء الاوّلون الذين اخذوا الحكمة من الوحي بواسطة الانبياۤء عليهم السلم ان الزمان قارّ ثابت و لايريدون بهذا ما فهمه المتأخرون من كلامهم بل يريدون ان ثباته بالنسبة الي الزمان المتغير و الّا فهو في نفسه متغيّر بتقضٍّ و تجدّد كيف لايكون كذلك و هم قد نصّوا بان جميع الحادثات تحتاج في بقاۤئها الي المدد و انّها قاۤئمة بفعل الله ابدا قيام صدور و امّا تعريفه في نفسه فكما قيل في الزمان لان الظاهر طبق الباطن فقد قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان ما هنالك لايعلم الّا بما هيٰهنا ، فيكون المعني في طلب معرفته ان الثابت اعني عالم العقول و النفوس و الارواح و الطبائع الكلية و المواۤدّ المحصّصة قبل تعلق الصور بها في ثباته و عدم تنقله و في دوام مكثه و مدة دوامه و فعليته فيما له و عدم ما بالقوّة فيه له استمرار غير منقطع بدون تقديم او تأخير او تجدّد او تقضٍّ فذلك الوقت القاۤرّ الذي هو وعاۤء هذه المذكورات و امثالها المطابق لها في فعليّتها و عدم التقضّي و التجدّد و التقدم و التأخر و عدم الانقطاع هو الدهر و لهذا تري الزمان و المكان و ما وقع فيهما غير زاۤئل و لا متغير و لا متبدّل و لا فانٍ و ان كانت فانيةً في الزمان مثاله اذا رأيتَ زيداً يصلّي يوم الجمعة في المسجد ثم غبت عنه او هو غاب بقي مثاله يصلّي في غيب المسجد و غيب يوم الجمعة الي يوم القيمة فكلّما التفتَ ذهنك رأيتَ المثال يصلي في ذلك المكان و ذلك الوقت ابداً سواۤء كان زيد حيا ام ميتا و هذا المثال و المكان و الوقت [ص 32] تراهما بخيالك في الدهر لانّ الزمان تقضي و الدهر ثابت فكان ذلك المثال في مكان من امكنة المجردات و غيب يوم الجمعة آن من الدهر قاۤرّ الي يوم القيمة فافهم ، و امّا قولهم السرمد نسبة الثابتات الابديات الي مثلها فبمعني ما عبّروا به في الزمان بانه نسبة المتغير الي المتغير و هنا السرمد نسبة الثابت الي الثابت الّا ان مقتضي تعبيرهم في الدهر بانّه نسبة المتغير اي الزمان او الجسم الي الثابت اي المجرّدات يدل علي انّهم يريدون من الثابت المنسوب هو الدهري و الثابت المنسوب اليه هو السّرمدي ليجري الكلام علي نسقٍ واحدٍ و في كلامهم مفاسد كثيرة ترد عليهم فيها الزامات قبيحة يطول بذكرها الكلام بلا فاۤئدة لان الغرض بيان معني السرمد عندهم فليت شعري ما يريدون بالسرمد هل يريدون منه ما يريد المتكلمون من انه ظرف للواجب اذ الاول هو الازل و الاخر هو الابد و ما بينهما الجامع لهما هو السرمد فان ارادوا به هذا فنعوذ بالله من سخط الله آمنتُ بما كفروا و اعترفتُ بما انكروا و اجبتُ الي ما دعوا لا اله الا الله ربي و رب اباۤئي الاولين و ان ارادوا به ظرف فعل الله كما نقول نحن فحسن و لكن كيف يعرف او يتعقل بامثال هذه العبارة نعم يمكن معرفته بمعرفة اثاره كما نعرف حركة يد الكاتب بالكتابة و علي هذا فكما تقرّب في الزمان و في الدهر اللذين هما اثاره فقرّب في المؤثر من جهة تأثيره لان كل اثر يشابه صفة مؤثره من جهة تأثيره فيه فافهم .

قال سلمه الله تعالي : السابع‌عشر - اريد منكم تحقيق مسألتي الخير و الشر و القضاۤء و القدر بتقرير وافٍ و بيان شافٍ .

[ص 33] اقول : امّا هذا السؤال فهو مذكور في رساۤئلنا مكرّرا و امّا اني اقرّره علي مقتضي السؤال فاني لايسعني الحال نعم لايسقط الميسور بالمعسور مما هو اقل المقدور و انا عند الله ان شاۤء الله تعالي معذور لضعف حالي و ضيق وقتي فاقول الخير و الشر من افعال العباد خلق الله الخير من النور بفعل المكلّف للمأمور به و خلق الله الشر من الظلمة بفعل المكلف للمنهي عنه بعد علمه و هما راجعان الي افعال العباد الاختيارية ليس لله فيما يفعلون منهما الّا المعونة بالمدد لفعل الطاعة اذا ائتمر المكلف بها فان الله تعالي ح يُمِدّه بمدده بضم الياء و كسر الميم من اَمَدّ و المعونة بالخذلان و الترك لفعل المعصية اذا ائتمر المكلف بها فان الله سبحانه يَمُدّه بمدد خذلانه و تركه و هوي نفسه بفتح الياۤء و ضم الميم مِن مَدّ و ذلك اذا لم‌يقبل امره و ترك ما هداه اليه مما فيه نجاته بعد التقدم بالوعيد و التلطّف في الترغيب و ضرب الامثال و اِطالة الاِمهال و معني قولي ان الله سبحانه يخلق الخير و الشر انه اذا فعل العبد باختياره ما امره به خلق الله من فعل العبد و امره تعالي ثواب عمله من انارة قلبه و اعانته علي الخير و بناۤء قصور له في الجنة و حور عين و غير ذلك من اطالة عمره و اِدْرارِ رزقه و دفع البلايا و الامراض عنه و غير ذلك و اذا فعل العبد باختياره خلاف ما امره به خلق الله من فعل العبد و من ترك امره سبحانه عقوبة عمله من ظلمة قلبه و منعه الخير و نقص عمره و امتحانه بالبلايا و عقوبات الاخرة فهذا معني قولنا ان الله خلق الخير و الشر و امّا القضاۤء فهو اتمام الشيء بعد تقديره فهو مؤخر في الرتبة و في [ص 34] الذكر عن القدر عند اهل البيت عليهم السلم لان القدر هو تقدير الشيء قبل قضاۤئه مثل ما اذا اراد النجار عمل السرير قدّر الخشب من طوله و عرضه و هذا هو القدر ثم ركبه و هذا هو القضاۤء بخلاف ما يذهب اليه الجماعة و انت اختر لنفسك مَن في متابعتهم النجاة هؤلاۤء الحكماۤء المتأخرون و الصوفيّة الجاهلون يقدمون القضاء علي القدر و هذا محمد و اله اجمعون صلي الله عليه و عليهم اجمعين يقدمون القدر و يؤخرون القضاۤء و اختر لنفسك ما يحلو و امّا التعبير الكافي الشافي علي جهة الاختصار فاقول خلق الله عزّ و جل الانسان من ركنين وجود هو مادته و ماهية هي صورته و الركنان محدثان لا بقاۤء لهما الّا بالمدد و المدد لكل واحدٍ من جنسه فمدد الوجود من النور لانه نور و مدد الماهيّة من الظلمة لانها ظلمة فلا محالة يكون كل واحد منهما له ميل الي نوعه لاجل الاستمداد فلمّا حَصّصهم اي جعلهم حصصاً متمايزة جعل فيهم الاختيار لاجل مقتضي الركنين النور و الظلمة فان شاۤءَت تلك الحصّة قبلت بميل الوجود و ان شاۤءت انكرَتْ بمَيْل الماهيّة ثم كشف لهم عن عليّين كتاب الابرار فاَراهم صور الطاعات و قال هذه صور طاعاتي فمن اجابني اذا دعوته البستُه صورة ما اجابني به من صور طاعاتي ثم كشف لهم عن سجّين كتاب الفجار فاَراهم صور المعاصي و قال هذه صور معاصِيَّ فمن عصاني اذا دعوته البستُه صورة ما عصاني فيه من صور معاصِيَّ ثم دعاهم فقال لهُمْ ألستُ بربّكم قالوا بلي فخلق من اجابتهم صورتهم الانسانية الجسميّة ثم قال لهم ألستُ بربكم و محمّد نبيّكم فسكتوا لانّهم اوّل الامر انما اجابوا لظنهم انه يقتصر علي ذلك و انه لايريد منا ما نتنافس [ص 35] عليه لانه ليس من نوعنا فلمّا دعاهم الي النبوّة قالوا انّه تجاوز عن حكم نفسه الي من هو من نوعنا لكنه اخذ له العهد ليس لنفسه بل لذاته تعالي فيحتمل اَنَّ مُحمّداً لايُنَافِسُنا اذ لم‌يؤخذ له عهد يرجع اليه بل الي اللهِ لكنا لانجيب حتي ننظر فان اقتصر علي هذا امكن تلافي الاجابة و الّا بقينا علي سكوتِنا حتّي يتجاوز عن هذا فلانقبل فلما دعاهم الي الولاية و قال لهم ألستُ بربكم و محمدٍ نبيّكم و عليّ وليّكم قالوا نعم يعني لستَ بربِّنا الذي يأمرنا بطاعة مثلنا و يولّي علينا بشراً مثلنا فقال بعضهم لبعضٍ و لئن اطعتم بشراً مثلكم انّكم اذاً لخاسرون ، هذا حكم المنكرين من الكافرين و المنافقين و المشركين و امّا المؤمنون فاجابوا في الدعوات الثلاث بقلوبهم و السنتهم فمن اجابه باختيارِهٖ البسه صورة اجابته و مَن عصاهُ باختياره اَلْبَسَهُ صورة معصيَتِهٖ فبلغت حجته و تمّت كلمته و ما ربّك بظلّام للعبيد .

قال ايده الله تعالي : الثامن‌عشر - ما معني قول بعضهم ان العبد مجبور بصورة المختار و لا بد من الاتمام بتحقيق مسئلة الجبر و الاختيار .

اقول : قال المحقّق الطوسي نصيرالدين انا مجبورون في اختيارنا و يريد انا لانقدر علي اَلّانختار احد الطرفين بل لا بد لنا من ان نختار الطاعة او المعصية فنحن مجبورون في اختيارنا ليس لنا اَلّانختار و اعلم انّ مَنْ قال بالمنزلة بين المنزلتين باعتبار احوالهم علي ثلاثة اقسام القسم الاول مَن يقتصر علي مفاهيم الالفاظ و هؤلاۤء اقوالهم صحيحة و الفاظهم موافقة و لكنهم لايعرفون المنزلة بين المنزلتين بقلوبهم و انما يدركون مدلولات الالفاظ بخيالاتهم و يقولون المكلفون مختارون في افعالهم علي [ص 36] طبق اراداتهم ان شاۤؤا فعلوا الخير و ان شاۤؤا فعلوا الشر و هؤلاۤء لفظهم صحيح و اكثر اعتقادهم او اعتقاد اكثرهم قبيحٌ و القسم الثاني من ينظر الي اصل تركيب الانسان و انّه لاينفكّ عن الميل و ذلك لازم لوجوده كالمحقق الطوسي و اتباعه فيظهر لهم انهم مجبورون في الاختيار و بهذا المعني عندهم يتحقق القول بالمنزلة بين المنزلتين و يقرب من قول هؤلاۤء قول من يقول بمثل ما في السؤال انّ العبد مجبور بصورة المختار و كلا القولين راجع الي القول بالجبر امّا الاوّل فلان العبد اذا كان مجبوراً علي الاختيار كان مجبوراً علي ما يختار لانه قد لايحبّ واحداً منهما و ان كان لاينفك عن احدهما اذ لايلزم من عدم انفكاكه عن احدهما جبره علي اختيار احدهما و اما الثاني و هو ما في السؤال فلان العبد اذا كان مجبوراً كان كونه في صورة المختار ليس موجباً للاختيار بل تكون افعاله و نفسه في افعاله ايضا مع كونها جارية علي الجبر كأنها جارية علي الاختيار كأن يكون راضياً بما يقع منه و الرضا اعمّ من الاختيار و هذا سمّاه كثير بالاختيار فقد قالوا انّ الله سبحانه مختار بهذا المعني اي بمعني انه راضٍ بفعله و قاصد له لا انه لو شاۤء لم‌يفعل اذ ليس له ذلك و هو قول بان الله عز و جل موجب لا مختار و الذي حداهم الي هذا القول الشنيع توهّمهم بانه لو جاز اَلّايفعل لوقع علمه جهلاً فوجب من القول بان علمه لايتغير و لاينقلب جهلا انه ليس له ان شاۤء فعل و ان شاۤء لم‌يفعل و انما معني الاختيار في حقه تعالي هو انه راضٍ بما يفعل قاصد له حتي دعاهم هذا [ص 37] الجهل الي ان جعلوا علم الله الذي هو ذاته مستفاداً من المعلوم قال الملا محسن في الوافي في باب الشقاوة و السعادة ان احديّة المشيّة تنافي الاختيار لانها نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم انت و احوالك انتهي ، و قد ذكر هذا الكلام الشنيع عبدالرزاق الكاشي في شرح الفصوص لمميت‌الدين ابن عربي الي ان قال في الوافي بعد ذلك الكلام فليس له تعالي الّا وجه واحِدٌ و هذا هو الذي يليق بجناب الحق ه‍ ، و الحاصل ان كلامهم هذا و امثاله قول بالايجاب و بالاجبار في افعال العباد و امّا القول الثالث فان العبد هو الفاعل لافعاله بالالات و القوي و الارادات و غيرها من شراۤئط الاستطاعة التي خلقها لاجل الطاعة صالحة للمعصية و العبد و ما اعطاه الله من الالات و الحركات و غيرهما كلها قاۤئمة بامر الله قيام صدور فما دام الله حافظا لها فهي بحفظه شيء و بذلك يفعل ما يختاره من الخير او الشر ففي الحقيقة هو مع كونه مستقِلّا بالفعل لم‌يكن شيئا يفعل او يترك الّا بحفظ الله له فلايفعل الّا بالله اذ لو لم‌يحفظه و يحفظ عليه لم‌يكن شيئا و مايشاۤؤن الّا ان يشاۤء الله رب العالمين فهو يعمل خيره او شره بقدر اللّه تعالي و لم‌يكن فاعلاً لفعله و لا مشاركا له فيه و انما ذلك لانه لايمكن ان يفعل او يترك الا بقدر اللّه لانّ القدر في فعل العبد هو حفظ العبد و جميع آلاته و شراۤئط استطاعته بامره الّذي به قام كل شيء و هذا هو الحق و هو الذي يشهد له صحيح الاعتبار و نطقت به الاخبار مثل ما قاله علي بن الحسين عليهما السلم ما معناه او يقرب من لفظه ان القدر و العمل كالروح و الجسد فكما ان الروح لاتُحَسُّ [ص 38] بدون الجسد و الجسد لا حراك له بدون الروح كذلك القدر و العمل فلو لم‌يكن القدر بموافقة من العمل لم‌يعرف الخالق من المخلوق و كان القدر شيئا لايُحَسُّ و لو لم‌يكن العمل بموافقة القدر لم‌يتم و لم‌يمض و لله فيه العون لعباده الصالحين و هذا القول الاخير ما اكثر من يدّعيه و لم‌يقفوا علي حقيقته حتي ظهرت منهم اقوال متعدّدة غير ما ذكر و هي مع كثرتها لم‌يوافق شيء منها هذا القول الاخير و بعضها يوافق القولين الاولين و بعضها يلزم منه التفويض و كلها خارجة عن الطريق المستقيم ما سوي هذا الاخير فمن كان له في فهمه نصيب فقد اخذ بحظّه سهم المعلّي و الرَّقيب .

قال سلّمه الله تعالي : التاسع‌عشر - قد وجدتُ مرضا في الشفاۤء حيث ذكر ابن‌سيناۤء فيه تارة ان العدم لايتحقق بدون الوجود فاذا لم‌يكن هناك وجود لم‌يكن عدم و ان كان علي سبيل السلب التحصيلي و اخري ان كل عدم فانه يتحقق بالوجود فما يكون له رفع يكون له ثبوت و ما يكون له ثبوت كان ثابتا .

اقول : ان الشفاۤء من حيث هو شفاۤء لايكون فيه مرض و كلامه هذا كله حقّ قد نطق به روح القدس علي لسانه اذ العدم ليس شيئا و لا عبارة له الّا اذا اريد به العدم المفهوم المدرك للاذهان فانه شيء خلقه الله و كل مخلوق فله وجود الّا ان الوجود قسمان قسم اثبات لما لم‌يثبت و هو وجود و قسم هو نفي ما ثبت و هو وجود فان نفي ما ثبت انّما حدث علي ذلك المنفي بعد ثبوته و لو لم‌يكن شيئا مخلوقا موجودا لم‌يحدث و لم‌ينف ما قد ثبت و لانه ان لم‌يكن موجودا لم‌يكن [ص 39] مخلوقا و اذا لم‌يكن مخلوقا كان سابقاً للثابت المنفي به فيجب اَلّايثبت ذلك المنفي لان نفيه قد سبقه و لان لاشيء لايزيل الشيء و لان النفي لفظ مستعمل فاذا لم‌يكن النفي الذي هو سمّاه شيئا كان لفظا مُهْملاً لا مستعملاً و لان الموت منه و هو مخلوق قال الله تعالي الذي خلق الموت و الحيوة فكيف يكون الموت لاشيء و هو مخلوق و يؤتَي به يوم القيمة في صورة كبش املح بعد دخول اهل الجنةِ الجنةَ و اهل النارِ النارَ فيذبح بين الجنة و النّار و ينادي منادي يا اَهْل الجنّة خلود و لا موت يا اهل النار خلود و لا موت و معني هذا وارد مجمع عليه بين المسلمين فكيف يكون الموت نفيا بمعني لاشيء و ليس بموجود ما هذا الّا جهل محض و غلط صِرفٌ فكأنهم مايعرفون من الموجود الّا الاجسام و الذوات المصوّرة و الحاصل انّ ما ذكره في هذا الموضع من الشفاۤء من هذا الكلام شفاۤء لا مَرضٌ .

قال ايّده اللّه تعالي : العشرون - اختلف العلماۤء في ان الكفّار مأمورون بفروع الشريعة ام لا و الحقّ الاوّل عند المشهور و ح فتكليفهم مع علمه تعالي بعدم الاتيان هل هو تكليف حقيقي و فساده ظاهر او ابتداۤئي لازدياد العقاب و هو يستلزم الجبر .

اقول : هذه اخر مساۤئله و اعلم ان المشهور بين علماۤئنا وجوب الفروع علي الكفار و كثير منهم نقل الاجماع علي ذلك و خالف فيه شاۤذ منّا و جمهور العاۤمة و ربّما استدلّ من خالف منا مثل الملّا محسن في ذلك بقوله عليه السلم كيف تجب عليه الصلوة و هو لايشهد ان محمّدا رَسُول الله صلّي اللّه عليه و اله او كما قال و حمله الاصحاب مع الطعن في السند بالحمل علي التقيّة او علي ان الصلوة هنا هي الصلوة علي محمد و اله لا ذات الاركان او علي ان المراد كيف [ص 40] يقبل و يلتزم بوجوب الصلوة و هو لايشهد بالنبوة او علي معني كيف تجب وجوباً مسقطاً للقضاۤء و موافقاً للامر بها و موجباً للثّواب و غير ذلك و علي كل حالٍ فوجوبها علي الكفار لايوجبُ تركه عقوبة مثل عقوبة تركها من المسلم لكون الوجوب في الحقيقة مشروطا بشرطٍ لايتعسّر تحصيله فهو في الجملة معلّق علي مقدماته بخلاف ذلك مع وقوع الشرط و حصول المقدّمات كما قال عليه السلام في حقّ القدريّة المنكرين للقدر انهم يعذبون بالنار قبل الكفار فيقولون يا ربّنا كيف عذبتنا بالنار قبل الكفار فيأتيهم النداۤء ذوقوا مس سقر انا كل شيء خلقناه بقدر و يقال لهم انّ من لايعلم ليس كمن يعلم و كما قيل لقتلة الحسين عليه السلم فافهم و امّا تكليفه لهم مع علمه تعالي بعدم الاتيان فهو تكليف حقيقي و لا فساد فيه بوجهٍ و الاشارة الي كشف الاشكال صعب المنال علي اكثر عقول الرجال و لو بسطنا الكلام فيه لضاق به المجال و بعد فهمه لكثرة الشقوق و فتح باب الاعتراض و السؤال و لكن يكون من باب التلويح لان كل ما ظهر ظهر بيانه و كلّ ما خفي خفي برهانه فنقول و بالله المستعان و عليه المعول و الاتّكال اعلم ان العلم قسمان قسم ينسب الي الفعل و هو منشأ التكليف و هو سابق علي الايجاد و قسم ينسب الي المكلّف و هو عين المعلوم و الاوّل كذلك عين معلومه فمعلوم الاوّل انه يمكن وقوع ما كلّف به و عدمه من المكلف فان نسبة الاتيان بالمأمور به و عدمه عنده علي حدٍّ سواۤء في جميع ما يترتب عليه الفعل و الترك فيرد من العلم الاول التكليف لانه قبل الفعل و العلم الثاني هو عين الفعل الواقع من المكلف و عدمه في [ص 41] وقته و مكانه و هذا علم اشراقي لم‌يحصل الا عند حصول معلومه لانه هو هو و الشيء لايحصل قبل حصوله و منه قوله تعالي و ماكان له عليهم من سلطانٍ الا لنعلم مَن يؤمن بالاخرة ممّن هو منها في شك و ربّك علي كلّ شيء حفيظ و العلمان عند اللهِ في رتبتهما من الامكان يحصلان حين يحصلان و يعدمان حين يعدمان و متعلّق الاوّل الذي هو نفسه امكان وقوع المأمور به و عدمه من المكلف باختياره و استطاعته للامتثال و تركه قبل الامتثال و تركه فانهما قبل الوقوع ممكنان للمكلّف باختياره فيتوجّه اليه الامر و النهي حينئذٍ و متعلق الثاني الذي هو نفسه وقوع احدهما باختياره حين وقع لا قبله و العلمان اشراقيان يحصلان للعالم حين يحصلان في انفسهما و يفقدان حين يفقدان في انفسهما و هما فعليّان و العلم الذّاتي هو ذاته تعالي لاينسب اليه شيءٌ و لاينسب الي شيء و بيانه الالزامي ان العلم لا بد ان يكون مطابقا للمعلوم و واقعا عليه و مقترناً بهٖ و هذا مما لا اشكال فيه عند احدٍ من العقلاۤء فلو قلتَ انّ العلم المنوط بتكليف المؤمن و الكافر بوقوع الفعل و ايقاعه و عدمهما هو العلم الذاتي الذي هو اللّه فما معني قولك ان ذات اللّهِ مُطَابِقةٌ لفعل المكلف اَوْ واقعة عليه او مقترنة به فان قلتَ ليست مطابقةً لم‌يجز ان يكون العلم غير مطابق للمعلوم و الّا لكان جهلا و كذا الوقوع و الاقتران و الحاصل التكليف حقيقي لانه امر لمكلّف مختار مستطيع للفعل و عدمه قبل ان يفعل شيئا و لم‌يكن ما فعل فاذا فعَل اَحَد الطَّرفَيْنِ باختياره و قدرته علي تركه و فعل ضدّه وقع العلم اللاحق حين فعل بما فعل كما اشار [ص 42] اليه جعفر بن محمد عليه السلم في رواية صالح النيلي كما في الكافي و غيره في قوله و لكن حين كفر كان في ارادة الله و علمه ان يكفر الحديث ، و بيان هذا لايرتوي به منه من اراد ازالة الظمأ عنه اصلاً الّا بالمشافهة او بطول الكلام و هو متعسر عليّ لضيق وقتي و الحمد لله رب العالمين و كتب احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي في اواسط جميٰدي‌الثانية سنة الثالثة و الثلاثين من الهجرة النبوية علي مهاجرها و اله افضل الصلوة و السلام حامداً مصليا مسلما مستغفرا .

تمت .