شيخنا الاعظم و مطاعنا الأفخم ، اقل الخليقة محمد دامغاني العَمْرواني يلتمس من جنابك و يستدعي من خدام بابك الأستكشاف عن كيفية معني بسيط الحقيقة كل الاشياء و ما هو الحق فيه عندكم فان اقاويل العلماء فيه مختلفة و الاشكالات الواردة علي كل قول منها مُتَكثرة ، مولانا انا مسافر و لكل مسافر زاد و راحلة فاجعل زادي و راحلتي تحقيق هذه المسئلة و كتابتها بخطّك الشريف في هذه الوريقة و اكرم انّ اللّه يحبّ المكرمين ، مولانا هل يجوز ان يكون هذا الكلام من قبيل الوحدة في الكثرة او الكثرة في الوحدة بنحو الاشرف او من قبيل زيد كلّ الرّجال ام لا ، و هل يكون اعتقاد هذا الكلام "٢" سبباً لدخول النّيران ام لٰا ، و هل يجوز توجيهه "-٢" بتوجيهات البعيدة ام لميكن قابلاً للتوجيه ، و هل تكون هذه القضيّة موجبة كلية ام جزئيّة ام تكون مهملة بيّنوا لنا اجركم علي اللّه تعالي ، مقتدانا جنابكم كتبتم في هذه المسئلة و لكن علي نحو الاجمال و الخصم لايرضي به كما هو ظاهر الحال برهنوا عليها حقيقة الحال كما هو دأب ارباب العقل و الكمال و ان كانت كثرة العلايق و العوايق مانعة عن بيان حقيقتها ، مولانا عبدكم مايَرْضي بالجواب القولي لأنّ لخطّكم حسنٌ و لقولكم حسنٌ آخر و الجمع اكمل و الامر منكم و السلام علي من اتبع الهدي .
الحمد للّه ربّ العالمين و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الهجري انه قد سألني الاكرم الممجد جناب الاخوند الملّا محمد الدامغاني بلّغه الله جميع الاماني عن مسئلة اشتهرت في هذا الزمان بين العلماۤء الاعيان و الحكماۤء اولي الافهام و الاذهان حتي كان القول بها عندهم راس الاعتقاد و فهمها لديهم غاية المطلوب و المراد و هي علي طريقة اهل البيت عليهم السلام ظاهرة الفساد عادلة عن طريق الحق و السداد و هي قولهم بسيط الحقيقة كل الاشياۤء فسألني عن دليلهم عليها و عن دليل بطلانها و ما حال المعتقد لها بين البيان و ما مفاد هذه القضية فاجبته علي تشتت البال و كثرة الاشتغال بتقلّب الاحوال و الي الله سبحانه المرجع و المأل .
قال سلمه الله تعالي في كلامه عن كيفيّة معني بسيط الحقيقة كل الاشياۤء و ما هو الحق فيه عندكم فان اقاويل العلماۤء فيه مختلفة و الاشكالات الواردة علي كل قول منها متكثرة ، الخ .
اقول : اعلم انّ هذه المسئلة اصلها باطل لان مبناه علي الاوهام و التخيُّلات بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير و لقد سألتُ بعض الفضلاۤء القاۤئلين بها فقلتُ له مَن بسيط الحقيقة قال هو ذات الله تعالي و اعلم ان الملّا صدرا الشيرازي من القاۤئلين بها و قد ذكر في المشاعر اصل دليل هذه المسئلة و انا اورده بلفْظِهٖ بتمامِه :
قال . . . في ان واجب الوجود مرجع كل الامور اعلم ان الواجب البسيط [ص 4] الحقيقة و كلّ بسيطِ الحقيقة فهو بوحدته كل الامور لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصيٰها و احاط بها الّا ما هو من باب الاعدام و النقايص فانك اذا فرضتَ بسيطاً هوَ ج و قلتَ ج ليس ب فحيثيّةُ انه ج ان كانت بعينها حيثيّة انه ليس ب حتي تكون ذاته بذاته مصداقا لهذا السلب فيكون الايجاب و السلب شيئاً واحداً و لزم ان يكون مَنْ عقل الانسان مثلا ليس بفرسٍ ان يكون نفس عقله الانسان نفس عقله ليس بفرس لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك فظهر و تحقق ان موضع الجٖيميّة مغاير لموضع انه ليس ب و لو بحسب الذهن فعُلِم ان كل موجود سلب عنه امر وجودي فهو ليس بسيط الحقيقة بل ذاته مركّبة من جهتين جهة بها هو كذا و جهة هو بها ليس كذا فبعكس النقيض كل بسيط الحقيقة هو كل الاشياۤء فاحتفظ بهذا اذا كنتَ من اهله ، انتهي . و قال في اول الكتاب في ذكر ما يتوقف عليه اي علي معرفة الوجود الي ان قال : و مسئلة ان البسيط كالعقل و ما فوقه كلّ الموجودات ، الخ .
و الحاصل انّ مذهبه و مذهب كثير منهم متفق علي ان البسيط يكون هو كل من دونه و كل من معه و نحن نتكلم علي دليلهم علي هذه الدعوي قوله اذا فرضتَ بَسٖيطاً هو ج مثلا و قلتَ ج ليس ب فحيثيّة انه ج ان كانت بعينها حيثيّة انه ليس ب ، فيه ان حيثيّة ج ليست حيثيّة انه ليس ب ، امّا اوّلاً فلانّ المفروض انّ هذا البسيط بسيط مطلق من كلِّ جهة و اعْتبار حيثيّة تنسب اليه باطل لانّ الحيثيّة جهة التمييز و هي غير الذات في نفس الامر و في الفهوم و مطلق التغاير و الاختلاف لايجري علي البسيط المطلق و لا علي ما ينسب [ص 5] اليه و يوصف به و امّا ثانيا فلان حيثيّة انه ج اثبات و حيثية انه ليس ب نفي و لايجتمعان في انفسهما و لا في غيرهما الّا مع فرض تجزئتِه و اختلاف جهته علي انّ مسمّي الاثبات موجود و مسمي النفي مفقود فلايسمي بهما واحد و ما ورد في ذكر الصفات السّلبيّة فليست في الحقيقة صفات له تعالي و انّما هي صفات تنزيهٍ يؤتي بها لنفي الغير لا لاثبات صفةٍ له فان كلّ ما ليس ذاته فهو محدود بالنفي و التّشبيه كما قال الرضا عليه السلم كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه ، فكلامه في الظاهر مطابق لما قلنا لانه ابطل ان يكون البسيط مركباً من الموافق و المنافي و لهذا قال فيكون الايجاب و السلب شيئاً واحداً و لزم ان يكون من عقل الانسان ليس بفرس اَن يكون نفسُ عقله الانسان نفس عقله ليس بفرس لكن اللازم باطل و الملزوم كذلك فظهر و تحقّق ان موضع الجيمية مغاير لموضع انه ليس ب و لو بحسب الذهن و هذا الكلام موافق بحسب الظاهر لكن في الحقيقة هذا غير موافق لانه يفرض حصول البسيط مع الغير في صقعٍ واحدٍ و الحاصل مع الغير لايكون بسيطا مطلقا بل اضافيا و الاضافي انما يسلب عنه المغاير الذي لميتقوّم به و اما ما يتقوّم به فلايسلب عنه لانه سلب لكنهه و مرادنا ان البسيط الذي يفرض معه ما يصح سلبه عنه هو الاضافي بمعني انه محصور في غير ما يسلب عنه فيتحدد بسلب الغير و امّا البسيط المطلق فلايمكن فيه ذلك الفرض و ليس امتناع ذلك الفرض لئلّاتتركب ذاته بل ليس معه في صقعه غيره لا في الخارج و لا في الذهن و لايصحّ الفرض [ص 6] و الامكان و الاحتمال و التجويز لانها كلها في الامكان ليس في الازل منها شيء و لو كان الغير و السِّوي حِصصا من البسيط ميّزت بالحدود لكانت اذا ازيلت الحدود اتّحدت بكلِّها او كليّها كما هو مبني اعتقاد القوم في هذه المسئلة علي هذا و لهذا يقولون كل الاشياۤء يعني ان البسيط اذا ازيلت حدود الاشياۤء المنسوبة اليه اي ازيلت عنها حين النسبة حدودها كان هو كلها فالاشياۤء اشياۤء بحدودِها و البسيط كلّ بلا حدود و ذلك كالمداد الذي كتبتُ منه هذه الحروف اذا ازيل عنها حدودها اجتمعت مداداً بسيطاً كما هو شأن المواۤدّ الكليّة و هذا مذهب الصوفية القاۤئلين بان الوجود شيء واحد بسيط لا كثرة فيه و الاشياۤء المتكثّرة كلها مركّبة من وجودٍ هو الواجب تعالي و من ماهيّة هي الحدود الموهومة و قول هؤلاۤء هو قول اولۤئك بلا اختلاف لا في اللفظ و لا في المعني فقوله فعُلم ان كلّ موجود سُلِبَ عنه امر وجودي فليس هو بسيط الحقيقة ، فيه ما قلنا فان قوله سلب عنه اذا فرض كونه بازاۤئه في صقعِهٖ و ناحيته بل اقول سلِب عنه امر وجودي او عَدمِي لان السلب فرع الايجاب و الثبوت و لو لميفرض شيء مطلقا لماجاز فرض السلب و لا امكانه و احتماله و تجويزه و كل شيء فرض عنه السلب او جوّز او احتمل ذهناً او خارجاً فهو حادث مركب من جهة هي وجهه من فعل صانعه و من جهة هي انّيّته و قابليته لايمكن ان يكون حادث بدونِ هاتين الجهتين فقوله فهو ليس بسيط الحقيقة بل ذاته مركبة من جهتين جهة بها هو كذا و جهة هو بها ليس كذا و انا اقول بل ذاته [ص 7] مركبة من اربع جهات جهة من ربّه و جهة من نفسه و جهة هي انه وحده و هي جهة بها هو كذا كما قال و جهة هو انه ليس غيره و هي جهة هو بها ليس كذا فهو مركب من اربع : جهة انه اثر فعل الله و جهة انه هو و جهة انه وحده و جهة انه ليس غيره فهذه العبارة بيان الاولي فقوله فبعكس النقيض و هو عكس نقيض كل موجود سلب عنه امر وجودي فهو ليس بسيط الحقيقة و هو علي طريقة القدماۤء و هي ان تجعل نقيض التالي اوّلا و نقيض الاول ثانيا فنقيض التالي بسيط الحقيقة مصدّراً بكلمة كلِّ لانها سور الموجبة الكلية و نقيض الاول موجود لايُسْلَبُ عنه امر وجودي فعكس النقيض هكذا كل بسيط الحقيقة موجود لايسلب عنه امرٌ وجودي فلمّا كان في عكس النقيض يكون عكس السالبة الجزئيّة مثل ليس بسيط الحقيقة موجبة كلّية كان عكسها كل بسيطِ الحقيقة و عكس الموجبة الكلية مثل كلّ موجودٍ سلب عنه امر وجودي سالبة جزئية كان عكسها موجود لايسلب عنه امر وجودي و المعقودة منهما كل بسيط الحقيقة موجود لايسلب عنه امر وجودي فحكموا بان كلّ شيء هو بسيط الحقيقة كالعقل الكلي و ما فوقه كالواجب تعالي موجود لايسلب عنه امر وجودي ، فهذا وجه دليلهم و قد ذكرنا في كثيرٍ من رساۤئلنا و في كثير من مباحثاتنا بان دليل المجادلة بالتي هي احسن مثل هذا الاستدلال لايعرف به اللّه سبحانه لانه مبني علي دلالات الالفاظ بما يفهمونه بافهامهم القاصرة و علي المفاهيم الاصطلاحية بما ادركته عقولهم الحاسرة و الاعتماد في مَعرفة المعارف الالهية و الحقاۤئق الربانيّة علي امثال هذه تجارة خاسرة و انما الاعتماد في معرفة تلك الاسرار الخفيّة و [ص 8] الحقاۤئق الغيبيّة علي دليل الحكمة الذي بصره بنور الفؤاد الذي هو نور اللّه في العباد و هو التوسم الكاشف للحجب الشداد و بيان فساد ما قالوا و حلّ ما عقدوا من هذه المقدمة بدليل الحكمة الذي يوصل الي نور العلم بالعيان لا بالخبر هو ان نقول ان حكمهم بهذه الكلية هل هو صناعي ام عياني فان كان صناعيّا و هو ينطبق علي الامر الواقعي القطعي العياني فهو حق و الّا فلا فان قولك فيه لو سألتك عنه انا اقطع بثبوت مدلوله الذي هو المدّعَي فانا اقول لك العقل الكلي بسيط مطلق ام اضافي فان قلتَ اضافي لمتصح فيه دعواك لانه مركب بالنسبة الي ما فوقه و ان قلت انه بسيط حقيقي قلتُ لك فهو اذاً ليس بمخلوق لان المخلوق قد قام علي تركيبه الدليل نقلاً و عقلا امّا النقل فما في اية النور و قد ذكر لكثير من المفسرين بان قوله تعالي مثل نوره هو العقل الكلي و ظني ان ممّن ذكر هذا الملا صدرا في رسالته في تفسير هذه الاية الشريفة و فيها يوقد من شجرة مباركة الي ان قال يكاد زيتها يضيۤء و لو لمتمسسه نار فاخبر بانه من دهن و نار و قول الرضا عليه السلم ان الله سبحانه لميخلق شيئا فرداً قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه ، و الاخبار مشحونة بما يدل علي ذلك و امّا العقل فقد اتفقت كلمة الحكماۤء علي ان كل مخلوق لا بد و ان يكون له اعتبار من ربّه و [ص 9] اعتبار من نفسه فاذا لميكن بسيطاً في حقيقته فما معني كونه كل الاشياۤء مما دونه لاني انّما قلتُ بان دليل المجادلة بالتي هي احسن لايعلم منه المعرفة الحقيقية لمثل هذا بان بنوا علي انه بسيط و هو مركب و اخذوا الحكم ببساطته من الاوهام و ظواهر الحمليات و المفاهيم الوهمية مثل هذا فلمّا نظروا بانه ليس له صورة كصورة النفس حكموا ببساطته من غير تدبّرٍ و مشّوا حكم البساطة باعتبار مدلولها اللفظي بان ساووا به ذات الحقّ ، تعالي الله عما يقولون علوّا كبيرا كما ساووا في حقيقة الوجود بين الحق تعالي و بين الخلق لانه تعالي موجود بالمعني البسيط المعبّر عنه بالفارسية بهَسْتْ و الموجودات كلها موجودة بهذا المعني فصحّ في الكل الاشتراك المعنوي و مفاده التساوي في حقيقة الذات و فرّعوا علي هذا كلمات الكفر و الجحود نعوذ بالله من سخط الله و امّا ذات الله عز و جل و له المثل الاعلي فهو بسيط الحقيقة بكلّ معني اما نحن فنقول هكذا و نحن صادقون و امّا اولۤئك اذا قالوا بانه تعالي بسيط الحقيقة فالله يعلم انه عز و جل بسيط الحقيقة و الله يشهد انهم لكاذبون كيف يكونون عند الله صادقين و هم يقولون بان حقاۤئق الاشياۤء فيه و ان العالم كامن في ذاته متأهل للكون و لقبوله عند ورود كن عليه من الله تعالي فهو كامن معدوم العين موجود بالقوة فاذا ورد عليه الامر من الله سبحانه كان كاۤئنا موجوداً بالفعل و ما بالقوّة هو المكوّن لما بالفعل الّا انّه باللّه تعالي و هم ايضا يقولون بانه كلّ الاشياء و الكل للاشياۤء انما تنسب اليه بتحققها فلو لمتكن [ص 10] متحقّقة هناك لماكان كلها و هي لاشيء لانه لو كان كذلك للزمهم ما نفوه سابقا لانهم ان كانوا هناك و هو يعلم انه عنده غيره فما اكثر القدماۤء عند هؤلاۤء الجماعة و ان لميكونوا عنده بل كانوا لاشيء بمعني انه تعالي يعلم انه لا شيء غيره و ليس معه غيره كان قولهم بسيط الحقيقة كل الاشياۤء مفاده بسيط الحقيقة كل لاشيء فيكون قد اثبتوا ما نفوا فيكون مركباً من شيء و لاشيء و هم ايضا يقولون ان حقاۤئق الاشياء صور علمية غير مجعولة فان كانت في الازل فليس بسيط الحقيقة و ان كانت خارجة عن الازل فهي حادثة و الخيار لهم ان شاۤؤا ان يقولوا هو خلقها او هي خلقت نفسها او لها ربٌّ غيره خلقها سبحانه سبحانه سبحانه و تعالي عما يقولون علوّا كبيرا و هذا معني جوابنا بدليل الحكمة و شرحه ان نقول اما انه بسيط الحقيقة فحقّ لا شكّ فيه انه احدي المعني احدي الذات في نفس الامر و في الخارج و في الذهن لايمكن ان يتصوّر خلاف ذلك و لايحتمل و لايمكن بفرض و لا وهم و لا توهم لا اله الّا هو و امّا انه كل الاشياۤء فهذا باطل حيث لا شيء فاذا كان في الازل الذي هو ذاته الحق واحداً احداً صمداً لا شيء غيره و لا شيء معه و الاشياۤء التي جعلتموها ابعاضه و قلتم هو كلها لا ذكر لها و لا وجود و لا تحقق الّا في الامكان و هو خارج الذات فكيف يكون كلها و ليست معه و ليس هو في الامكان معها بذاته فهي في رتبة ذاته بكل اعتبارٍ لاشيء فهو اذاً كل لاشيء ذلك ما كنتَ منه تحيد و انما يجوز ان يقال انه كل الاشياۤء لو اجتمعت معه في صقعٍ واحدٍ و جاز ان لاتسلبها من حقيقته و [ص 11] انّها غيره ليصح قول كلّ فمعني قولنا انّ كلامهم مبني علي الاوهام انهم لمّا فهموا بان النفي عن الشيء لو اعتبر في مفهومه لزم التركيب و اذا كان التركيب لازماً للحدوث كان بسيط الحقيقة فاذا كان اعتبار نفيها عنه يستلزم تركيب مفهومه كان عدم اعتبار النفي مستلزماً للبساطة و يلزمه الاتحاد به و لميفهموا ان مقدّمتهم تستلزم عدم البساطة هكذا بسيط الحقيقة موجود لايسلب عنه امر وجودي فبسيط الحقيقة موجود مقيّد بعدم السلب فليس بسيطا بل مركب لانها مثل الاخري المنفية فهذه موجود لايسلب عنه غيره و تلك موجود سلب عنه غيره فنفي السلب ان لوحظ فيه نفس النفي كان سلباً بحكم السلب و ان لوحظ فيه نفي النفي كان ايجابا و هذا الايجاب ضدّ ذلك النفي فهو خارج عن حقيقة الذات كخروج ضدّه الذي هو النفي عنها و ان اردت بنفي السلب عدم التقييد كان المعني بسيط الحقيقة موجود و هذا حكم صحيح و قضيّة صادقة و لكنهم يريدون بنفي السلب في قولهم موجود لايسلب عنه انه مقيّد بذلك ليثبت لهم دخول الاشياۤء فيه ، تعالي الله عما يقولون علوّا كبيراً فيكون هكذا بسيط الحقيقة موجود موصوف بعدم نفي الاشياۤء الموجودة عنه لا مطلقا فلايكون موجوداً بسيطا بل موجود مركب من وجود و من عدم سلب كل شيء عنه فالقضية التي نفوا في المثال هي كون حقيقة مفهوم ج مركباً من مفهوم ج و سلب ب عنه لاستلزامه التركيب و التي اثبتوا هي كون مفهوم ج مثلا مركباً من مفهوم ج و سلب ب و سلب د و سلب ه و سلب و الي [ص 12] اخر الحُروف ماادري كيف حال هذا البسيط و اظنه مشتقا من البسط و التكسير و الحاصل انّ مختصر ما يقال عليهم ان كون الشيء كلّ الاشياۤء لايكون الّا مع حضور الاشياۤء في رتبة كلّ ان كان معناه كل الاشياۤء بذاته فالاشياء في ذاته و ان كان بعلمه فالاشياۤء في علمه و ان كان بتسلّطه فالاشياۤء في تسلّطه و امّا بطلان دليلهم بانه لو لميكن كذلك لزم التركيب فتأمّل في ما قلنا فانه اذا قالوا بهذا لزم تركيب متكرر متكثر لان قولهم موجود لايسلب عنه ، ان ارادوا به تقييد موجود بلايسلب عنه لزم التركيب الكثير و ان ارادوا عدم التقييد بطل عكس نقيضهم و بطلت دعواهم و ان ارادوا به الاثبات فهو تقٖييد افحش من النفي علي ان النفي و الاثبات انما يصح ذلك اذا كان المنفي و المثبت موجودين في موضع النفي و الاثبات خارجاً او ذهنا فرضاً او امكاناً و تجويزاً و توهّماً بكل اعتبارٍ و انما كرّرت العبارة للتّفهيم و التقرير لكل ذي قلب سليم .
قال سلمه الله تعالي : مولانا هل يجوز ان يكون هذا الكلام من قبيل الوحدة في الكثرة او الكثرة في الوحدة بنحو الاشرف او من قبيل زيد كل الرجال ام لا .
اقول : نعم هذا الكلام اصل لدعوي مشاهدة الوحدة في الكثرة اي مشاهدة الحق في الخلق او الذات في الاسماۤء و الصفات و الكثرة في الوحدة اي مشاهدة الخلق او الاسماۤء و الصفات في الحق مع اضمحلال الكثرات في العين الواحدة كما يقول هؤلاۤء بنحو اشرف يعني ان الاشياۤء عندهم في ذاته تعالي بحقاۤئقها بنحو اشرف مثل كمون النار في الحجر فانها اذا حكّت بالزناد ظهر مثال ذلك الكامن و ذلك الكامن هو الوجه الباقي للاشياۤء فانه [ص 13] لايفارق الحجر و هو بنحو اشرف و هذا بعينه هو الذي نفاه محمد بن علي الباقر عليهما السلم في تفسير لميلد و ذكر منها ظهور النار من الحجر بحك الزناد ، تعالي الله عما يقولون علوا كبيراً و ليس ذلك من قبيل زيد كل الرجال لانك اذا قلت زيد كل الرجال تريد انه محتوٍ علي كمالاتهم بمعني ان عنده من الكمالات وحده بقدر ما عندهم و ليس المعني ان كل كمالاتهم مكتسبة من كمالاته افاضها عليهم و ابرزَها اليهم ليكون كما يقولون هؤلاۤء في حق اللّه تعالي لان هؤلاۤء يقولون كل شيء في ذات الله تعالي و يبرز منه مثاله في الامكان و هو المخلوق و مثاله كالنار التي في الحجر فان البارز بالحكّ مثلها و الكامن في الحجر نار بنحو اشرف .
قال : و هل يكون هذا الاعتقاد سبباً لدخول النيران ام لا .
اقول المستفاد من اخبار اهل البيت عليهم السلم و من كلام العلماۤء انه يكون سبباً لدخول النار و الخلود فيها لاجماعهم علي كفر القاۤئل بوحدة الوجود و لا شكّ انّهم لايعنون غير هذا القول فانه قطعاً قول بوحدة الوجود بل و بوحدة الموجود و امّا عندي فلا اشك في انهم اخطأوا طريق الحق و اتبعوا سُبُل الباطل و امّا تكفيرهم فذلك شيء عند الله و انا لااعلم حكمهم عند الله سبحانه و ذلك لامور : الاول ما روي عن الباقر عليه السلم ما معناه لو ان الرجل سمع الحديث يروي عنا و لميعقله عقله و انكره و كان من شأنه الرد الينا فان ذلك لايكفّره ، و انا اعلم بان كثيراً من القاۤئلين بهذا اناس لهم ايمان و ديانة و صلاح و اعتقاد عظيم في اهل البيت عليهم السلام و لو علموا بان هذا القول [ص 14] منافٍ لمذهب ائمتهم عليهم السلام و انه مذهب اعداۤئهم لتركوه و انكروه و لكن شبّه لهم فلاجل هذا سكتُّ عنهم الثاني ان العلماۤء من الفقهاۤء وقع منهم امورٌ عظيمة في المعتقدات نقطع بمخالفتها لمذهب الائمة عليهم السلم و لميحكم احد من العلماۤء بكفرهم مثل قول السيد المرتضي في رسالته بان الله سبحانه ليس الٰها للعرض و لا للجوهر الفرد لان الاله هو المنعم و هذان لايحتاجان الي النعم و المدد فلايكون الهاً لَهُمَا ، نقلته بالمعني و من ذلك ما وجدته في رسالة للشيخ الطوسي صاحب التهذيب و الاستبصار ما معناه انه قال ان الله سبحانه ليس في مكانٍ و الّا لمازج القذورات و من ذلك ذلك اختلاف العلماۤء في قدم المشيّة و حدوثها حتي قال الاكثر بقدمها مع انه روي الصدوق في التوحيد عن الرضا عليه السلم انه قال ان المشية و الارادة من صفات الافعال فمن زعم ان الله لميزل شاۤئيا مريداً فليس بموحّدٍ ه ، و قد ذكر الشهيد (ره) في الذكري بعد ان ذكر انه لايجوز ان يقتدي الرجل بمن يخالفه في شيء من الواجب المبطل للصلوة بالاخلال به كما لو كان المأموم يري وجوب السورة و الامام يري الاستحباب امّا لو كان الخلاف في مسائل الاصول التي يدقّ مأخذها كالقول بقدم المشية و حدوثها فان ذلك لايضرّ بالائتمام و هو شهادة منه بالتسامح فيما يدق مأخذه مع انه لمينقل في ذلك خلافاً و من ذلك وقوع كثير من الاختلافات الشنيعة في الاصول و الفروع في زمان الائمّة عليهم السلام بما يطول نقله و ربّما انكروا بعضه مثل ما قيل للامام عليه السلام فيما ذهب اليه هشام بن الحكم [ص 15] بان لله جسماً و هشام بن سالم الجواليقي بان لله صورة و انكر ذلك و تعوّذ منه و لميحكم بكفرهما و امثال هذا كثير فلهذا وقفتُ عن القول بالتكفير و جاهرت بالقول بالتخطئة لعله يذكّر او يخشي .
قال سلمه الله : و هل يجوز توجيهه بالتوجيهات البعيدة ام لميكن قابلاً للتوجيه .
اقول : ظاهر الاخبار المرويّة عن الائمة عليهم السلام المنع من توجيه كلام الصوفية و ان المأوّل لكلامهم فهو منهم و روي الاردبيلي في كتابه حديقة الشيعة بسنده قال قال رجل للصادق عليه السلم قد خرج في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفيّة فما تقول فيهم فقال انهم اعداۤؤنا فمن مال اليهم فهو منهم و يحشر معهم و سيكون اقوام يدّعون حبّنا و يميلون اليهم و يتشبّهون بهم و يلقّبون انفسهم بلَقبهم و يأوِّلون اقوالَهم الا فمن مال اليهم فليس منّا و انا منه بُرءاۤءُ و مَن انكرهم و ردّ عليهم كان كمن جاهد الكفار مع رسول اللّهِ صلي الله عليه و اله و من الكتاب المذكور بسند صحيح عن الرضا عليه السلم من ذكر عنده الصوفية و لمينكر عليهم بلسانه او بقلبه فليس منا و من انكرهم فكأنّما جاهد الكفار بين يدي رسول اللّه صلي الله عليه و اله و منه بسنده عن محمد بن ابيالخطّاب الزيات قال كنتُ مع الهادي علي بن محمد عليه السلام في مسجد النبي صلي الله عليه و اله فاتاه جماعة من اصحابه منهم ابوهاشم الجعفري و كان رجلاً بليغا و كانت له منزلة عنده ثم دخل المسجد جماعة من الصوفيّة و جلسوا في ناحيةٍ مستديراً و اخذوا بالتهليل فقال عليه السلم لاتلتفتوا الي هؤلاۤء الخَدّاعين فانهم حلفاۤء [ص 16] الشياطين و مخرّبوا قواعد الدين يتنزهون لاراحة الاجسام و يتهجّدون لتصييد الانام يتجوّعون عُمُراً حتّي يذبحوا للاكاف حُمراً لايهلِّلُون الّا لغرور الناس و لايقلِّلون الغذاۤء الّا لِمَلْأِ الغُساسِ و اختلاس قلوب الدنفاس باَحْلاۤئِهم في الحبّ و يطرحون باَدْلاۤئهم في الجبّ اورادُهم الرّقص و التصدية و اذكارهم الترنم و التغنية فلايتّبعهم الّا السُّفهاۤء و لايعتقدهم الّا الحمقاۤء فمن ذهب الي زيارة احدهم فكأنّما اعان يزيد و معوية و اباسُفيان فقال له رجل من اصحابه و ان كان معترفا بحقوقكم قال فنظر اليه شبه المغضب و قال دع ذا عنك مَن اعترف بحقوقنا لميذهب في عقوقنا أماتدري انّ اخسّ الطواۤئفِ الصوفيّة و الصوفيّة كلهم مخالفونا و طريقتهم مخالفة لطريقتِنا و اِنْ هم الّا نصاري او مجوس هذه الامّة اولۤئك الذين يجهدون في اطفاۤء نور اللهِ بافواههم و الله متم نوره و لو كره الكافرون ه . و الاكاف ككتابٍ و غرابٍ هو الحمار و الغُساس كغراب داۤء في الابل و الدِنفاس بالكسر و الدِنفِس بالكسر الحمقاۤء و الاحمق الدّني و الاَحلاۤء من الحلي او من الحلاوة و الاَدْلاۤء جمع دلاۤء جمع دلو ، فان قلتَ ان هولاۤء لايميلون الي الصوفيّة و لايقولون بقولهم و لايعملون بعملهم قلتُ بلي انهم يميلون الي ابنعربي و الغزّالي و ابنعطاۤءالله و عبدالكريم الجيلاني و امثالهم و يأخُذون اقوالهم و يستدلّون بِادلّتهم و يعتقدون فيهم و يثبتون لهم فضاۤئل و كرامات و يأوّلون كلام الائمة عليهم السلام الَي كَلَامهم وَ يعتقدون اعتقادهم و ينكرون علي مَن خالفهم فايّ اتّباعٍ وراۤء هذا و بالجملة لايجوز توجيه كلامهم لا ببعيدٍ و لا بقريبٍ و لا صرفه [ص 17] عن ظاهره و ان كان لكلامهم وجه كما روي ما معناه ان ابليس قال لعيسي عليه السلام انت لاتطٖيعُني قال لااُطٖيعُكَ قال قل لا اله الّا الله قال عليه السلم كلمةُ حقٍّ لا اقولُها بقولك ه ، فالمؤمن لايدين الله بشيء من اعتقاداتهم و لا بقول من اقوالهم و لا بعملٍ من اعمالهم فاذا وجد شيئاً من ذلك قد فعلوه و هو حقٌّ فلايفعله لانّه من فعالهم و شعارهم و ان كان مُراداً منه شرعاً فعله امتثالاً لامر اللهِ و اتِّباعاً لحججه الّذين امر اللّه باتّباعهم .
قال سلمه اللّه تعالي : و هل تكون هذه القضيّة موجبةً كليّة ام جزئيّة ام تكون مهملة .
اقول : اراد بالقضيّة قولهم بسيط الحقيقة كل الاشياۤء و هٰذِهٖ عَلَي ظاهِر حالها مهملة لانّها غير مسوّرة بكل و لا ببَعْضٍ و المتحقق منها الجزئيّة و ان اريد منها الكليّة كهذه القضيّة لان الاسم الاصطلاحي لميكن مستعملاً علي مراد المتكلم و انما يستعمل علي ما يفهم المخاطب و هذه القضيّة يريدون منها الكليّة كما تقدّمَ في صورة الدّليل في قولهم كلّ بسيطِ الحقيقة موجود لايسلب عنه امر وجودي فادخلوا في مدلول كل الباري تعالي ● و العقلَ الكلّي بظَنِّ انه عندهم بسيط الحقيقة و قد تقدّم بيان غلطهم فان العقل ليس بسيطاً في حقيقته و الباري عز و جل ليس معه ما يخلط به فالقضية مهملة بالمعني اللغوي من جهة المعني و الفائدة و بالمعني الاصطلاحي من جهة الصورة و الله سبحانه اعلم بالصواب و اليه المرجع و المأب [ص 18] و كتب العبد المسكين احمد بن زينالدين في الليلة التاسعةعشرة من شهر ربيع المولود صلي الله عليه و اله سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين و الف من الهجرة النبويّة علي مهاجرها و اله افضل الصلوة و ازكي السلام حامداً شاكرا مصليا مسلما مستغفرا .
تمت .