[ص 1]

رسالة في جواب الملا محمد الجيلاني الرشتي

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين ان العالم العامل الفاضل الممجد شيخنا الشيخ الملا محمد حمدت عواقبه و سُدِّدت مذاهبه قد عرضت له بعض الاشتباهات في بعض المساۤئل العرفانية حال الدرس عليّ فكتبها و اراد منّي جوابها و كان حال سفرنا الي العتبات المقدّسات و لم‌يكن لي توجّه اليها فقال لي حرسه الله تعالي و سدّده عسي ان يحصل لكم توجّه في الطريق او في ايّ حال فلم‌يسعني ردّه ادام الله فضله و جدّه فكتبتُ علي جهة الاشارة و الاقتصار اعتمادا علي فهمه و رسمتُ كلامه اعلي الله مقامه كالمتن و جوابي كالشرح ليكون ادلّ علي المطلوب .

قال سلمه الله : بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد خاتم النبيين و علي اله الطاهرين و اصحابه الكاملين و احبّاۤئه المستكملين ، و بعد فالاستدعاۤء من الدرّة النادرة في دهره راس الكاملين و رئيس العارفين و قطب المجتهدين و المتألهين و قدوة المتقدّمين و المتأخرين المقنّن لقوانين الدين المبين لاحكام الائمة المعصومين صلوات اللّه عليهم اجمعين .

انما ذكرتُ هذه الاوصاف مع اعتقادي في نفسي خلافها لاجل ما ذكر غيره لي في مثل هذا و ارادة كتابته و لاعتقاده ذلك و انا اقول كما قال الله سبحانه ليس بامانيكم و لا اماني اهل الكتاب الٰاية ، اللهم لاتؤاخذني بما يقولون و اجعلني خيرا مما يظنّون و اغفر لي ما لايعلمون .

[ص 3] قال سلمه الله : ان يمنّ تفضّلا علي احوج عباد الله الفقير الحقير محمد بن محمدنصير الجيلاني بتحقيق المساۤئل التي وردتْ عليّ في اثناۤء القراۤءة و الاستفادة من جنابكم و لمّا كانت اطالة الكلام في اثناۤئها من سوء الادب بجهات عديدة مع انّ امثال هذه المساۤئل و غيرها عندكم من قبيل الاوليات و كان البيان بتحرير الاقلام اوقع فذكرتُ بعضها في هذه الصحيفة ملتمسا من النحرير الامجد و المربّي الماجد ان ينظرها بعين الرأفة و الرحمة و يبيّنها بنحو التفصيل علي ما هو الحق عند نظره الجليل .

منها - ما المراد من الامكان الذي هو المكان للمتمكن الاوّل و الوعاۤء للمشيّة الكونيّة .

اقول اني لضيق وقتي و عدم توجّه قلبي لااتكلّم علي شيء من العبارة لا بتبطيل و لا تعديل في جميع المساۤئل او اغلبِها و انما اقتصر علي ما هو الحق في المسئلة بما هو مستفاد من كلمات اهل العصمة عليهم السلام مما هو مطابق للعقل المستنير بنور هدايتهم عليهم السلام و ان لم‌اذكر خصوص الدليل او جهة المأخذ اعتماداً علي فهمه و اعتقاده فيما اقرّره .

قال سلمه اللّه : فان كان عبارة عن امكانات الشيء الموجود كامكان كونه فرساً او بقرا او غنما او انسانا الي غير ذلك حين كونه حجراً فهذه بعينها وعاۤء و مكان للمشيّة الامكانية فعلي هذا اما يلزم الاتّحاد بينهما او كون احدهما بلا مكان و كلاهما باطلان ضرورةَ انّ كل كونٍ مسبوق بالامكان فالسابق غير المسبوق كما انّ لكلٍّ لا بدّ من مكان الا انّه في كلٍّ بحسَبه .

اقول ان الامكان المسئول عن حقيقته و تعيينه هو متعلّق المشية الامكانية و التعيّنُِ الاوّلُِ ظهرَتْ به لانه شرط لظهورها و هو امكانات جميع الممكنات ما كان و ما يكون و ما لايكون و المشيّة واحدة ففي الرتبة [ص 4] الاولي تُسَمَّي بالامكانيّة لتعلّقها بالامكانات و هي العلم الذي لايُحيطون بشيء منه كما في الاية الشريفة و تسمّي في الرتبة الثانية بالكونية لتعلّقها بالاكوان و هي العلم الذي يحيطون به في قوله تعالي الّا بما شاۤء فليس المشيّة مشيّتَيْن احديهما امكانية و الثانية كونية ليجب تغايرهما و المكان مكانانِ فتعلّقها بالاولي تعلّق الامكان و بها حدث الامكان لانه تعالي امكن بها هذا الامكان الراجح الوجود و هذا هو خزاۤئن كل شيء قال تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه فكل خزانة لكل شيء من الموجودات فمن هذه الخزاۤئن نزّلها تعالي بقدرٍ معلوم و تعلّقها بالثانية تعلّق الكون اي الوجود و بها في هذا المقام اخرج ما شاۤء من تلك الخزاۤئن و البسها حلّة الوجود و هذا هو العلم المستثني في قوله تعالي الّا بما شاۤء فالمشيّة و ما قامَ بها قيامَ تحقّقٍ من جميع الامكانات مما سوي الله سبحانه هو الوجود الراجح و لايخرج شيء من هذه المرتبة الي اللّاشيء ابداً فاذا عيّن تعالي شيئاً منها بمشخّصاته خرج في رتبة الاكوان و هو حينئذٍ متعلّق المشيّة الكونية لتعلّقها بما البسته من الكون و متعلق المشيّة الامكانية لتعلقها بما تحقّق به من الامكان فالمشيّة واحدة و المتعلّق اثنان فللمشيّة مكانان امّا المكان الاول فهو الراجح الوجود لايفقد ابداً و امّا المكان الثاني فقد يخرج عنه الي الاوّل اذا شاۤء سبحانه الّا ان القرءان المجيد و السنّة النبويّة دالّانِ علي بقاۤء ما دخل في الاكوان خصوصاً من الانسان مثل قوله تعالي قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و كذلك ما دلّ علي بقاۤء الجنّة و اهلها و نعيمهم و النار و اهلها و تألّمهم و امثال [ص 5] ذلك و العقل المستنير بانوار هديهم عليهم السلام يشهد بذلك و هو قوله تعالي او القي السمع و هو شهيد ، فقوله ايّده الله « و كلاهما باطلان » اما كون احدهما بلا مكانٍ فصحيح و كذلك اتّحاد المكانين و امّا في اتّحاد المشيّة فلا بل هي مشيّة واحدة تعلّقت بالامكان تعلق رجحان و بالاكوان تعلّق جَوَازٍ فالامكان الاول راجح الوجود و الثاني جاۤئز الوجود و قوله « ضرورة انّ كل كونٍ مسبوق بالامكان » مسلّم و هو ما قلنا من انّ اوّل ما احدث سبحانه امكان الشيء ثمّ احدثَ فيه كونه فالامكان باقٍ بفعل الله و الكون محلّ التغيّر و التبدّل .

قال سلمه الله تعالي : و ان كان عبارة عن الامكانات الراجحة المتحققة في ضمن الاكوان فمع قطع النظر عن المناقشة اللفظية مكان المشيّة الكونية ح هو الاكوان لا الامكان فعلي هذا لااجد فرقا بين مكان المشيّة الكونية و مكان الموجودات المقيّدة المجرّدة عن المواد العنصريّة التي في عالمنا هذا بل المجردات و الماديّات كلها بنسبة واحدة بمعني ان اوعيتها و امكنتها علي حسب تفاوت مراتبها عبارة عن البعد المفطور المساوق لها بحيث لايتحقّق التفاضل بين المكان و المتمكن في شيء منها فايّ سرٍّ في العدول عن البعد المفطُور الي كل الامكان تارة و بكل الممكن اخرَي هل هذا محض اصطلاح عندكم او عند القوم او مستنبط من الاخبار بيّنوا لنا حقيقة الامر اجركم علي الله .

اقول الامكان هو عبارة عن جميع الامكانات الراجحة فان جميع ما سوي الله لايفارق الامكان لا في حالِ وجوده و لا في حال عدمه و امّا الامور المحالات [ص 6] فليست شيئا و انّما يعبّرون عن احد اعتبارين لها اِمّا عن طرفي امكان متناقِضَيْن متعاديين ينظر العقل الي كل واحد علي حدة و هو ممكن موجود ثم يتلفّظ باجتماعهما من غير ان يناله العقل مجتمعا و انّما يراهما متفرّقين و هذا التلفظ مركب من معنيين متعاندين لم‌يجدهما العقل مجتمعين فهو لفظ لا معني له ، مثاله ما يقال دخول الارض في البيضة لاتصغر الارض و لاتكبر البيضة فان هذا في الحقيقة من المغالطات لانّه يلتفت بخياله الي الارض الجسمية في حال كبرها علي الانفراد و يلتفت الي البيضة الجسمية في حال صغرها علي الانفراد فاذا حاول تخيّل اجتماعهما لم‌يجده فهو يعبّر عن معني الانفراد حال الانفراد بلفظ الاجتماع حال الانفراد و لهذا كانَ ممتنعا و مِن ثَمّ اجاب عيسي عليه السلام ابليس لمّا سأله عن ذلك و قال ربّك قادر قال عليه السلام ربي علي كل شيء قدير قال يقدر ان يدخل الارض في البيضة لاتصغر الارض و لاتكبر البيضة قال عليه السلام يا ويلك مَن اقدر ممّن يكبر البيضة حتي تسع الارض او يصغر الارض حتي تدخل في البيضة او كما قال فاجابه عليه السلام بمعني الاجتماع بشراۤئط امكانه و اِمّا عن مختلقٍ ممكن سمّوه بغير الممكن كالعبارة عن شريك الباري تعالي فانه اسم لمخلوقٍ سمّوه باسم القديم و لهذا قال تعالي قل سمّوهم ام تنبّئونه بما لايعلم في الارض ام بظاهر من القول و بالجملة فالمحال ليس شيئا فلا عبارة له فالشيء بحقيقة الشيئيّة هو الله سبحانه وحده و ما سواه فهو شيء بفعل الله و امرِهٖ و كل ما سوي الله ممكن في اصل حقيقته داخل في الملك بالامكان الراجح و الاكوان حلل الاشياۤء تلبسها و تخلعها علي [ص 7] السواۤء و ليس الامكان في ضمن الكون بل الاصل هو الامكان و اما الكون فطارٍ عليه و مكان المشية الامكان و الاكوان بعدها لانهما رتبتان لتعلّقها و هي واحدة فقوله ايده الله « فعلي هذا لااجد فرقا بين مكان المشيّة الكونية و مكان الموجودات » بيان جوابه ان الاكوان و الموجودات كلها و امكنتها و اوقاتها و جميع شروطها و مشخصاتها محلّ المشيّة و متعلّقها مطلقا و قوله « عبارة عن البعد المفطور » غلط لان مرادنا بالمكان هو المكوَّن سواۤء كان متحيزا ام حيّزا جوهرا ام عرضا عينا ام معني ذهنيّا ام خارجيّا لا اَنّا نريد به الحيّز المعروف خاۤصّة فالبعد المفطور من مكان المشيّة و الحالّ فيه من مكان المشيّة و هو السر في عدولنا عنه الي كل الامكان في متعلّق المشيّة الامكانية يعني انّها تعلّقت بجميع امكانات الاشياۤء قبل ان تكوّن و بعد اَن كُوِّنت و الي كل الممكن في متعلّق المشيّة الكونية يعني انّها متعلقة بجميع الامكانات من المجردات و الماديات الذوات و غيرها و هذا المعني ليس محض اصطلاح و لا مأخوذ من كلام القوم بل اكثر هذه الاشياۤء لايعرفونها الّا ظواهر منها اكثرها باطل و انّما هي مستنبطة ممّا تشير اليه بواطن الاخبار عن الائمة الاطهار صلي الله عليهم ما اختلف الليل و النهار و ان الاكثر ليمرّون علي هذه و امثالها في الاحاديث و لم‌يقفوا عليها كما قال تعالي و كأين من آية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون .

قال ايده الله : و منها ان قوله عليه السلام فبعلمه كانت المشية الخ ، يدل علي ان الكونية مخلوقة بالامكانية و هذا بظاهره ينافي قوله عليه السلام خلق الاشياۤء بالمشية و المشية بنفسها ، ان كان المراد منها الكونية علي [ص 8] ان تخصيص العلم بالامكاني لا بدّ له من مخصّص ثم التعبير بالعلم الامكاني هل مبني علي الاصلاح ( الاصطلاح ظ ) عندكم او عند القوم ايضا او مستنبط من كلمات الائمة صلوات الله عليهم و الاخير ارجح و لكن ينبغي الاشارة الي مأخذه و وجه دلالته .

اقول ان قول الكاظم عليه السلام فبعلمه كانت المشية ، لايدلّ في الظاهر علي ما ذكرتم لانه عليه السلام ايضا قال بعد هذا و بالمشيّة كانت الارادة و بالارادة كان التقدير الخ ، و لايلزم منه ما ذكرتُم و انّما يراد منه التقدم كما قال عليه السلام فالعلم متقدم المشية و المشيّة ثانية و الارادة ثالثة ، هذا حكم الظاهر و امّا ما هو نفس الامر فكذلك لان كل شيء مسبوق بشيء و هو مترتِب عليه فهو مخلوق به بمعني انه احد شروط وجوده كالابن فانّه مخلوق بابيه بمعني انّه مخلوق بشراۤئط خلقه و منها وجود ابيه و امِّه مثلا و علي المعني الظاهر و الباطن يكون المعني فعن علمه كانت المشية لانّها الظهور الثاني و عن المشية كانت الارادة لانّها العزيمة علي ما يشاۤء و هكذا ثمّ علي كل تقدير لاينافي قوله خلق الله المشيّة بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، لانا قد اشرنا سابقاً انّ المشية الامكانية هي الكونية بعينها و انّما تعدّدت اسماۤؤها باعتبار تعدّد متعلقاتها كما ذكرنا في كثير من رساۤئلنا ان فعل الله سبحانه واحد فاذا تعلّق بالاكوان سمّي مشية و اذا تعلّق بالاعيان سمّي ارادة و اذا تعلق بالهندسة و وضع الحدود من البقاۤء و الفناۤء سمّي قدراً و اذا تعلق بالاتمام سمّي قضاۤء و هكذا و من هنا قلنا اذا تعلّق بالامكانات سمّي علما و قد اشار اليه [ص 9] النصوص عن اهل الخصوص صلي الله عليهم ان الحق عز و جل لايرتبط بشيء و لايرتبط به شيء و لايقترن بشيء و لايقترن به شيء و لايطابق شيئا و لايطابقه شيء و دلّت علي انّ له علمين علماً قديما هو ذاته و هذا لايقترن شيئا و لايقترن به و لايطابق شيئا و لايطابقه و علي انه تعالي عالم و لا معلوم الخ ، و دلّت ايضا علي انّه عالم بها و هذا هو العلم الاقتراني و هو قول الصادق عليه السلام فلمّا احدثَ الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع الخ ، و معلوم بان الواقع علي المعلوم ليس هو الذاتي لانّ الذاتي هو الله و لايجوز ان يقال فلما احدثَ الاشياۤء و كان المعلوم وقع الله علي المعلوم لانه يلزم منه ان يكون له حالتان مختلفتان حالة عدم الوقوع و حالة الوقوع و هذا صفة المصنوع ، تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و دلّت علي ان العرش و الكرسي بابان من العلم و هذا وجه التّسمية نعم ورد في الاخبار تسميته بالحٰادث و نحن سمّيناه بالامكاني لفاۤئدة .

قال ايده الله تعالي : و منها قولكم في افاداتكم و اكثر رساۤئلكم و اجوبتكم كلّما يمتنع في الممكن فهو في الواجب واجب بظاهره يقتضي الكلية جارية في جميع جهات التعريف و فيه ان التجلي في اقليم الامكان يمتنع ان يكون لذوات الموجودات الّا في الذوات للاثار و الصفات و كلها من قبيل التعينات بالافعال و الظهورات منها و ح لايخلو اِما ان يكون في الواجب واجبا علي مقتضي تلك القضية الكلية فعلي هذا تصحّ تصحيح العبارات التي لاكثر اهل العقول من الاثني‌عشرية من غير تنافر بين كلامكم و كلامهم مع انكم [ص 10] لاترضون به و اِمّا اَلّايكون فيبطل استدلالكم بتلك القضيّة الكلية فلايصح ان يقال ان كلّما يمتنع في الممكن فهو في الواجب واجب و ان كنتُ اَعْرِفُ ان الترديد بهذا النحو من سوۤء الادب الّا ان مقام السؤال لتحقيق الحال لاطمئنان البال يقتضي ذلك و المرجو من الحليم العطوف و الكريم الرؤف العفو ثم العفو .

اقول انما قلنا ذلك اذا كان الممتنع صفة كمالٍ بحسب مفهومها و كذلك الجاۤئز لانّ الممتنع اذا كان نقصاً لم‌يجز اثباته للحقّ تعالي مثل انّ الانسان يمتنع ان يكون متحرّكا ساكنا في حال واحدة و هذا لايجوز علي اللّه تعالي لان الحركة الانتقال و السكون اللبث و كذلك مثل الاقبال و الادبار لانهما الانتقال و انما يعني ما لم‌يكن نقصاً في نفسه كالظهور و البطون و القرب و البعد و ما اشبه ذلك فانه تمتنع في الخلق و تجب في الخالق ثم انّا انّما قلنا ذلك بتنبيه اهل العصمة عليهم السلام لنا علي ذلك فانه تعالي لايجري عليه ما هو اجراه و لايلحقه ما هو ابداه علي انّ الذي اشرتَ اليه خلاف ما قلنا لان التجلي بنفس الذات يجوز علي المخلوق فيمتنع علي الخالق و انت تضطرّ الي القول بخلاف ما ذكرتَ انت لانك تقول من عرف نفسه فقد عرف ربّه و لايعرف احد نفسه معرفة تكون هي معرفة ربّه حتي يعرفها بذاتها بعد كشف جميع سُبْحاتها من غير اشارة و لو انّ نفسه ظهرَتْ له بشيء من شؤنها من افعالها اَوْ آثارِ افعالِها لم‌يعرفها بالكنه و اذا لم‌يعرفها بالكنه لم‌يعرف ربّه فلم‌تكن معرفة نفسه معرفة ربّه فان قلتَ يلزم ان تكون النفس هي الربّ او تعدّد المعرفتين قلتُ لايلزم شيء منهما لانّ حقيقة النفس هي وصفُ اللّه سبحانه نفسَهُ لعبده فاذا عرف الوصف عرف اللّه فالنفس حقيقتُها آيةُ اللّهِ التي بها يعرف [ص 11] اي وصفه الذي تَعَرّفَ به للعبد قال تعالي سَنُريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم و لم‌يقل سنريهم ذاتَنا في الافاق و في انفسهم و لايلزم تعدّد المعرفتين لان معرفة اللّه هي معرفة وصفِهٖ نفسَهُ لعبده فافهم فلاتمتنع ذوات الموجودات ان تتجلّي و تظهر في اقليم الامكان بذاتها بل ذلك ممكن لها فيمتنع ذلك في حق الواجب فلايبطل استدلالنا بتلك القضيّة الكليّة و اخبار ائمّتنا عليهم السلام ناطقة به و قولك فعلي هذا يصح تصحيح العبارات التي لاكثر اهل العقول من الاثني‌عشرية من غير تنافر بين كلامكم و كلامهم مع انكم لاترضون به ، فيه اوّلا انّ هؤلاۤء الذين اشرتَ اليهم ليسوا من اهل العقول المستقيمة و ان كانوا من اهل العقول المعوجّة و ليسوا من الاثني‌عشرية و ان اتّسَمُوا بسماتهم و قالوا بقولهم في الفروع و لهذا حكم العلماۤء بكفرهم لانّهم انّما ائتمّوا بامامهم مميت‌الدين و ذلك لانهم يقولون ان علم الله مستفاد من المعلومات و ليس له ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و انما معني الاختيار في حقه هو القصد الي ما يفعل و الرِضا به و قالوا الفعل يده اليمني و الانفعال يده اليسري فذاته الفاعلة و المنفعلة لانها واحدة و الكثرة شؤن فصح انه مااوجد الّا نفسه و ليس الّا ظهوره و قالوا انّ تكلّمه تعالي عين ذاته سبحانه و قالوا ان الاشياۤء جميعها كل شيء منها مركب من وجودٍ هو الله سبحانه و من ماهيّة موهومةٍ فجميع الخلاۤئق وجودها هو اللّه و حدودها و اعراضها موهومة ماشمّت رائحة الوجود حتي ان بعضهم يقول انا اللّٰهُ بلا انا و قال في الفصوص امامهم :

[ص 12]

فلولاه و لولانا لماكان الذي كانا

فانّا اعبُدٌ حقّاً و انَّا اللّهُ مولينا

و انّا عينُه فاعلم اذا ما قيل انساناً

فلاتحجب بانسانٍ فقد اعطاك برهانا

فكن حقّا و كن خلقاً تكن باللهِ رحمانَا

و غَذِّ خلقَهُ منه تكن رُوحاً و رَيحانا

فاعطيناه ما يبدو بهٖ فينا و اعطانا

فصار الامرُ مقسوماً بايّاهُ و ايّانا

و احياه الذي يدري به فينا و احيانا

و كنا فيه اعياناً و اكوانا و ازمانا

و ليس بداۤئم فينا و لكن كان احيانا

و قال غيره :

و ما الناسُ في التمثال الّا كثلجةٍ و انتَ لها الماۤء الذي هو نابعُ

و لكن بذَوبِ الثلج يُرفَعُ حكمه و يُوضع حكمُ الماۤء و الامرُ واقعُ

و امثال هذه من القول بوحدة الوجود و كيف يصحّح قولهم بقَولي و هم يقولون هو ظهر بذاته فتكثّر في وحدته فمن شهد الوحدة في الكثرة فقد عرفه و رءاه و احاط به لانّهم يقولون ان ذاته يمكن ادراكها و الاحاطة بها و انما يمتنع الاحاطة بصفاته لان علمه لايتناهي و قدرته لاتتناهي و يقولون هو يلبس صور الخلق و يخلعها قال شاعرهم :

كل ما في عوالمي من جمادٍ و نباتٍ و ذاتِ رُوحٍ مُعارِ [ص 13] 

صُوَرٌ لي خلعتُها فاذا ما زِلْتُهَا لاازول و هي جِواري

انا كالثوبِ ان تَلوّنتُ يوماً باحمرارٍ و تارةً باصفرارِ

و انا اقول هو سبحانه لايظهر بذاته لشيء من خلقه و لايتحوّل من حال الي حال كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لم‌يسبق له حال حالاً فيكون اوّلا قبل ان يكون اخراً و يكون باطنا قبل ان يكون ظاهرا ه‍ ، كان وحده و الازل ذاته و القدم ذاته قبل اَن يخلق الخلق و هو الأن علي ما كان وحده احدثَ الاشياۤء لا من شيء و اقامها بامره لم‌يخرج من شيء و لايخرج منه شيء و لايصل اليه شيء و لايحيط به شيء بل كلّما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، فهذا و امثاله قولي فاين هذا من ذاك ، قولي غير قولهم و ديني غير دينهم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون مع ما ورد من النهي عن الميل اليهم و التشبّه بهم و التسمّي باسماۤئهم لغير تقيّة و تأويل كلامهم و ورد من البراۤءة ممّن مال اليهم و اوّل كلامهم فكيف يصحّح قولهم مع مخالفته لدين الاسلام و لمذهب النبي و اله صلّي الله عليه و اله فافهم .

قال سلمه الله : و منها ان كلّ صفة من حيث هي تابعة لموصوفها في جميع ما فيه و له و عليه من القوّة و الضعف و الكمال و النقص و الظهور و الخفاۤء الّا انهما فيها علي نحو التبعيّة فكلّ موصوف اقوي من غيره تكون صفته كذلك و هذا من دليل الحكمة كما استفدنا من افاداتكم مرارا كثيرة و فيه انه لا ريب ان الموجودات الذهنية في غير علة الموجودات كلّها من عكوسات الموجودات الخارجيّة او الامكانية و توابعها و لواحقها فكلها ترجع الي [ص 14] ما منه بُدِئَ و من المعلوم ان الوجودات الخارجية الكونية اقوي ظهوراً و اجلي انكشافاً من الوجودات الامكانية فبمقتضي دليل الحكمة يجب ان تكون صفة كل واحدٍ منهما مثله في الظهور و الخفاۤء و القوّة و الضعف و غير ذلك مع انا لانجد الفرق بين الوجودات الذهنية الناشية النازلة من الاكوان الي الاذهان او من الامكان اليها فان قلتم بان الوجودات الامكانية من الوجودات الكونية علي حسبها فلايقدح فيما ذكرنا لان خفاۤءها و ضعفها بالنسبة الي المكوّنات و المشاءات مما لا ريبَ فيه بيّنوا جزاكم الله خيرا .

اقول ظاهر هذه المسئلة ليس له محصّل و لا فاۤئدة و يمكن ان نتكلّف اثبات فاۤئدة له فنقول اوّلا فرض هذه المسئلة ينبغي ان يكون في خصوص اتّحاد صفتي الشيئين المفروضين كما نقول الشجاعة في السبع بالنسبة اليه و الشجاعة في السنور بالنسبة اليه لا مطلق كلّ صفة بالنسبة الي موصوفها و ان اختلفا فانّ كلّ عَقَّارٍ من العقاقير له صفة من الطباۤئع فقد يتساويان في الذات و يختلفان في الصفة مثل الترياق فانه و ان كان بارداً يابساً اشدّ من برودة الحامض و يبوسته كالليمو لكنه لايقمع الصفراۤء و الحامض يقمع الصفراۤء لانّ برودة الحامض يضعف حرارة الصفراۤء فتسكن و لا كذلك برودة الترياق و كذلك القمر و الزهرة نورهما من الشمس علي قول بعضهم و هو مروي عن الائمة عليهم السلام مع انّ نور الزهرة جزء من سبعين جزءاً من نور القمر فعلي احتمالِ انّ نوريهما من الشمس بغير واسطة القمر للزهرة و علي احتمال توسّطه بينها و بين الشمسِ و نوره اقوي من نورها لا ريب ان نورها حار و الحرارة اقوي [ص 15] من البرودة كما هو مقرّر في العلم الطبيعي و النار اقوي من الماۤء و صفته التي هي البرودة و الرطوبة ليطفي النار و لهذا روي انّه اقوي منها و الحاصل انّه لا بد في تشييد تصحيح هذه المسئلة من اعتبار خصوص اتّحاد صفتي الشيئين ثم علي كل تقديرٍ اذا قلنا بان الخارجيّة الكونية اقوي من الامكانية يجب وجود الفرق بين الصفتين فانّه اذا كان عندك عشرةٰ‌الاف تومان موجودة يكون تأثيرها في استغناۤئِك بها اقوي من مائة‌الف تومان ممكنة قبل ان توجد فانّها قبل ان توجد يكون تأثير فلسٍ واحدٍ اقوي من تأثيرها قبل وجودها بل لا تأثير لها اصلا فقد حصل الفرق بين الموجودة و الممكنة و لا ريبَ في هذا و امّا ما تفرضه من جهة تصوّرهما فانّهما في التصوّر متساويان في الحصول الذهني فلا فرق بينهما ح فلا معني لجعل تصوّر الموجود موجوداً يعني بنسبته و تصوّر الممكن ليس بموجود يعني بنسبته اذ لا فرق في التصور فانّ من اثبت الوجود الذهني اثبته فيهما و من نفاه نفاه فيهما و من جعله من صنع الله فكذلك و من جعله من صنع النفس فكذلك و الحاصل انّه لا محصّل لهذه المسئلة الّا انّ لكل سؤال جوابا .

قال سلمه الله تعالي : و منها قولكم الوجود بالنسبة الي الواجب و الممكن ليس مشتركاً معنويا و لا لفظيا لانّ الاشتراك و كذا العموم و الخصوص و غيرهٰا من العنوانات كلّها من صفات الممكنات و ما ليس فيها لايصح اتّصافه بصفاتها فالوجود المدرَك في حقّ الواجب هو الاثبات لا غير كما قال عليّ عليه السلام وجوده اثباته و دليله آياته ، اقول و ان كنتُ اعرف ليس فوق كلامكم كلام لانه المستنبط امّا من كلام الملك العلام او ائمة الانام عليهم [ص 16] السلام الّا انّ لي فيه شبهة هي انّ الاثبات فعل للمثبت و اثر مِن آثار فعله الذي هو الحركة الايجادية و من المعلوم انّ هذا النحو من الوجود بالنسبة الي الواجب و الممكن علي نحو واحدٍ فاذا قلنا الواجب موجود و الممكن موجود فهما علي هذا النحو من الوجود اي الاثبات متشاركان فيكون الاشتراك بهذا المعني معنويّا و القاۤئلون بالاشتراك المعنوي لايريدون الّا هذا المعني .

اقول ان مرادنا بقولنا الوجود بالنسبة الي الواجب و الممكن ليس مشتركا معنويا و لا لفظيا الخ ، هو المعني و المسمّي لا العنوانات الانتزاعيّة ليتوجّه الاعتراض لفظا و انّما نعني بوجود الواجب ذاته و بوجود الممكن ذاته من فعلِ صَانعِهٖ و اذا لحظْتَ هذا المراد علمتَ بانه لايصحّ الاشتراك المعنوي لانه يلزم من ذلك ان يجمع الواجب و الممكن حقيقة واحدة و لا الاشتراك اللّفظي لان اقلّه ان يكون الممكن سميّا للواجب فيما يراد منه الذات و العقل يمنع منه و القرءان ناطق بنفيه قال تعالي هل تعلم له سميّا و هذا ظاهر و من توهّم ان المراد بذلك الوجود الامر الانتزاعي اعترض بما شاۤء و لو عرف الامر الواقع علي احتمال ارادة الامر الانتزاعي ايضا لم‌يتوجّه له اعتراض لانّ المتخيّل ان اُريد به مطلق التّسمية بمعني مطلق الثبوت فلا محذورَ في اطلاق الاشتراك معني لان مطلق ذلك انه غير عدم و هذا شيء واحد بالنسبة في النسبة الي الواجب و الممكن فهو اشتراك معنوي يدلّ عليه لفظ الوجود بوضعٍ واحد و هذا معني محدث مدرَك لان التكليف انما جري علي ما يعرف المكلّف و يفهم و لايجوز ان يجري علي غير ما لايفهم و يراد منه من ذلك [ص 17] ما يفهم و هو لايفهم الّا ما كان من نظاۤئره و ان اريد به مطلق ما يفهم من اللفظ مع قطع الالتفات الي المصداق فكذلك و ان اريد به العنوان الذي هو الدليل علي المعنون و الٰاية علي معرفته اختلف المفهومان اختِلافاً هو عدم المشابهة اعني عدم المطابقة و عدم المفارقة لانّ ما يقال لله سبحانه يعرف به و ما يقال للعبد يعرف به و ما يعرف به الربّ عز و جل لايقال للعبد بوجهٍ و ذلك كالذي يظهر من معرفة النفس المرادة في الحديث فانّه لايشابهُه شيء من احوال الخلق و الّا لماعرف اللّه به فلايصح هنا ان يقال بالاشراك الّا من باب التسمية كما مرّ لان الاشتراك ان كان هو المعنوي امتنع لانّ ما لعنوان الواجب عز و جل هو الجلال و النور بعد كشف جميع السبحات حتي الاشارة و الكيف و لم‌يبق الّا نور الله و اثرُ اللّهِ و آيةُ اللّه وَ امّا ما للممكن فهي الحدود و المشخّصات و المميّزات و هي محدودة مقهورة بقيودِها فاذا استعمل اللفظ للاوّل فعلي ما هو الصحيح من انّ بين الالفاظ و بين معانيها مناسبةً ذاتيّة بمعني انّ مادة اللفظ تدل علي ماۤدة معناه بما بينهما من المشابهة في الصفات الذاتية لما تقرّر في محلّه ان الحروف فيها ما في الاكوان من التوالد و التناكح و التساوي و التواخي و التعادي و المنافرة و المخالفة و المصادقة و التباغض و التحابُبِ و القوّة و الضعف و استخدام بعضها لبعض و غير ذلك من جميع ما يوجد في العالم التكويني فانه يوجد في التّدويني و انّ هيئة اللفظ تدل علي هيئة معناه بما بينهما من المشابهة من الشخصية او النوعية لم‌يكن ما يوضع لٰاية الواجب تعالي التي بها يعرف [ص 18] يصلح لغيره و الّا لشاركَهُ في النوع او الشخص و لو شارك ما للواجب من العنوان الذي به يعرف ما للخلق في النوع او الشخص لكان تعالي يعرف بخلقه و مَن عُرف بشيء من الخلق فهو من الخلق و هذا ظاهر كما بيّنّاه في بعض رساۤئلنا و مباحثاتنا و علي قول المشهور من انه ليس بين الالفاظ و بين المعاني مناسبة و انما المخصّص ارادة الواضع فلا بد ان يتصوّر الواضع الموضوع له في ذهنه ثم يؤلّف بازاۤئه لفظاً سواۤء كان الموضوع له كلّيّا او جزئيّا و تصوّر ما للواجب من العنوان الذي هو دليل معرفته و آيته التي يستدلّ بها عليه غير ممكن و الّا لَعُرِف تعالي بالتصوّر فاذا لم‌يمكن تصوّره لم‌يمكن وضع لفظٍ بازاۤئه فلايصحّ الاشتراك لا لفظا و لا معني لان ذلك فرع التصوّر علي الوجه المشهور و فرع المناسبة علي الوجه الصحيح و هو سبحانه و تعالي لايعرف بالتصوّر و لا بالمناسبة فلايصحّ شيء من ذلك الّا علي جهة مطلق التسمية للتفهّم و التفهيم علي نحو ما اشرنا اليه سابقا و ان اختلفت جهتا التسمية مثل لفظ واحد يوصف به الواجب تعالي من جهة انه واحدي المعني لا كثرة فيه في حال من الاحوال و يوصف به الانسان من جهة انّه ليس باثنين مع تكثر ذاته و اختلاف احواله و تعدّد صفاته و اختلافها فاذا تفهمتَ ما ذكرنا ظهر لك ان القاۤئلين بالاشتراك لايريدون ما اشرنا اليه و انما يريدون ما استنبطوه من القضايا الحمليات التي لاتفيد شيئا من الحق فيما نحن بصدده فيقولون اللّه موجود و زيد موجود فصناعتهم في اللفظ و لو رجعوا الي المعني بطل رأيهم اصلاً و صار حملهم سقطا و قول اميرالمؤمنين صلوات الله عليه وجوده [ص 19] اثباته ، يُريد انّ جميع الخلاۤئق لايجدون من وجوده الّا اثباتهُمْ وجوده في قلوبهم بان يعتقدوا انّ لهم اِلٰهاً موجوداً و هذا الوجود الذي حصّلوه ليس هو وجوده الحق لان وجوده الحق هو ذاته و هم ماحصّلوا ذاته و انّما حصلوا ما يعرفون من ان الوجود الذي وجدوه هو المعبّر عنه باللغة الفارسيّة بهَسْتي و هو المسمّي عند القوم بالكون في الاعيان و الوجود المفقهود (كذا) هو ما به الكون في الاعيان و وجود الحوادث تحيّرت في معرفته افهام العلماۤء و تاهت في تعقله احلام الحكماۤء مع انه اظهر من كل شيء بل لم‌يكن شيءٌ ظاهراً فيها غيره الّا بالتبع لانه في الحقيقة هو ماۤدة الاشياۤء فوجود كل شيء ماۤدته و ماهيته صورته مثلا السرير شيء موجود له وجود و ماهيّة فوجوده الخشب و ماهيته الهيئة المخصوصة و هذا المعني لايعرفه الّا من نوّر الله قلبه بانوار كلمات اهل العصمة عليهم السلام فانه صريح في كلامهم و هم يقرؤنه و لايفهمونه قال الصادق عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة ثم استشهد بقول جده اميرالمؤمنين عليه السلام اتّقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ثم فسّره عليه السلام فقال يعني من نوره الذي خُلِق منه ه‍ ، و هذا صريح بان الوجود هو الذي خلق منه و هو نورُ اللّهِ و الذي خلق منه هو مادته كما تقول خلق الانسان من تراب و هو مادته و هو الوجود و هو الذي به الكون في الاعيان فاعمي ابصارهم ظهوره عن ادراكه فلايتوهم ان الوجود هو المادة كالتراب [ص 20] بل هو هو فلمّا تنزل و لبس الصور الجنسية و النوعية و الشخصيّة تجسّدَ فلمّا تجسّدَ لطيفه و جمد مايعه خفي عليهم حتي انّ بعضهم جعله من المفاهيم و بعضهم جعله اعتباريّا لا تحقّق له ،

و لو قلّدوا الموصَي اليه امورهم لزمّت بمأمونٍ عن العثراتِ

قال سلمه الله : ضرورةَ ان المفهوم من الوجود امر انتزاعي عقلي كيف يكون عينا في الواجب او في الممكن قال الفاضل الشيرازي في شرحه لاصول الكافي في باب حدوث الاسماۤء الموجود الصرف هو الذي لايتعلق وجوده بغيره و لايتقيّد بقيدٍ و هو المسمّي عند العرفاۤء بالهويّة الغيبيّة و الغيب المطلق و الذات الاحدية و هو الذي لا اسم له و لا نعت و لاتصل اليه معرفة و لا عقل و لا وهم اذ كل ما له اسم و رسم فهو مفهوم من المفهومات الموجودة في العقل او الوهم و كل ما يتعلق به معرفة و ادراك فله اشتراك و ارتباط بغيره و الاول ليس كذلك لكونه قبل جميع الاشياۤء و لايقبل الاشتراك فهو الغيب المحض و المجهول المطلق الّا من قبيل اثاره و لوازمه ، انتهي .

اقول قد تقدم التنبيه علي ان الوجودات الذهنية انتزاعية فهي اظلّة للخارجيّة الّا ان ظلّ كلّ شيء يشابه صفة مؤثره من جهة الظهور به و التأثير فيه فلايكون ما انتزعه الذهن من عنوان الواجب الذي هو مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان موافقا لما انتزعه من غيره و الّا لَعُرِف بذلك الغير فاذا اختلفا المنتزعان هذا الاختلاف العظيم امتنع الاشتراك بمعنييه و ما ذكره عن الملّا صدرا من شرح اصول الكافي ففيه ان طريقته و مذهبه انّه لايستشهد بها علي ما نقرر و لايعترض بها [ص 21] لان طريقته طريقة اهل التصوّف و هو يقتدي بقولهم و اعتقادهم و نحن مذهبنا مذهب ائمّتنا اهل العصمة عليهم السلام و هو الدين الذي اقرّ عليه رسول الله صلي الله عليه و اله اهل الاسلام و بيننا بَوْن بعيدٌ علي ان الذي ذكره لم‌يكن منافياً لما قرّرنا الّا في مسئلتين احديهما قوله « اذ كل ما له اسم و رسم فهو مفهوم من المفهومات الموجودة في العقل او الوهم » فانه هو بل جسمه له اسم و رسم و ليس من المفهومات الموجودة في العقل او الوهم و انما ذلك مختص بالانتزاعيات الظلّية لا غير و تعميمه ليس بشيء و توجيه كلامه علي مقصده باطل ايضا و لا فاۤئدة في ذكره و ثانيتهما قوله « الّا من قبيل اثاره و لوازمه » فانه يشير الي ان حدوث الاشياۤء عنه بالظلّ او بالسِّنْخ و كلا الامرين باطل و قوله « و لوازمه » يشعر بالظل و الايجاب و قوله بوحدة الوجود في ساۤئر كتبه يشعر بالسنخ فذرهم و ما يفترون .

قال ايده اللّه : فان قلتم السبب في ذلك ان الوجود في الممكنات لمّا كان له مثل و نظير و شبيه بخلافه في الواجب فلايكون بمعني واحد و لو بمعني الاثبات مشتركا بينهما قلتُ كل هذه من لواحق الماهيات و توابعها فالوجود هو نور الله خلقه لا من شيء و لا لشيء عاۤئد اليه و جعله اية لمعرفته فهو بريۤء من هذه الحدود و التعينات فاذاً لا فرق بينهما الّا في الوجوب و الامكان و الفقر و الغني و هذا لايقدح في الاشتراك معني بالمعني الذي اشرنا اليه .

اقول وجود النظير و الشّبيه امر ذاتيّ لانّه معني الجنسيّة و النّوعية و [ص 22] يمكن له الدخول تحت الاحاطة و الادراك و عدم النّظير و الشبيه موجب لعدم الاحاطة به و الادراك له و هو الوجوب البحت و هو لايقبل نسبة ما و القول بالاشتراك مطلقا اثبات نسبةٍ و حال طارية لم‌تكن في الازل فاثباتها اثبات اختلاف الاحوال الممتنع من الازل و انّما النسب و العلوم الاشراقيّة المتجدّدة بوجود المنسوب احوال طارئة عن افعاله تعالي منتهية اليها حادثة بها و ذاته القدسية عز و جل عن الافعال و عن آثارِها فان الاشتراك مثلا انّما حصَل بعد حصول الوجود المحدث بفعله فكيف يجري عليه ما هو اجراه و لم‌يرد بالوجوب و الغني و بالامكان و الفقر مجرّد الالفاظ ليقال ان هذا لايقدح في الاشتراك بل يريد بالوجوب و الغني هذا المعني الذي لايجامع مطلق الاشتراك معني و لفظا لان هذه اشياۤء خلقها و اجريٰها علي خلقه ليستدل بذلك علي انها لاتجري عليه فافهم .

قال سلمه اللّه تعالي : علي انا نقول يجوز ان يكون الاشتراك لفظيّا ايضا بمعني ان الذي نعبّر عنه بالوجود بلا عبارة و لا عنوان في الواجب غيره في الممكن ضرورة انّ ما لا عبارة له هو الغني المطلق بلا هويّة و لا اشارة و هذه الصفات و ان كانت جارية في وجودات الممكنات الّا انّها ذوات محدثة لا من شيء خلقها الله تعالي اية لمعرفته فهما مع كونهما متمايزين بالفقر و الغني متشاركان في عنوان الوجود فيصح الاشتراك لفظا كما يصح معني .

اقول لايجوز الاشتراك لفظا كما لايصح معني لما قلنا من ان الاستعمال فرع الوضع و الوضع مسبوق بالتصوّر امّا للوضع بازاۤئه او لاجل انشاۤء المناسبة بين اللفظ و المعني كما تقدّم و امّا جعله تعالي للوجودات [ص 23] الحادثة آية لمعرفته فانه جعلها اية استدلال عليه لا اية تكشف له فهي آيةٌ لمعرفته من جهة ما يمكن للمخلوق من ذلك و هو في الحدوث و لذا قال الرضا عليه السلام و اسماۤؤه تعبير و صفاته تفهيم يعني انه سمّي نفسه لهم و وصفها بما يفهمون و يقدرون علي التعبير عنه و الكل من صقع الامكان فاين الاشتراك بمالك الملّاك و مسخّر الافلاك سبحانه و تعالي عما يقولون علوّا كبيرا .

قال ايده الله تعالي : و لاادري ايّ سرٍّ في العدول عنه بقسميه في الواجب و الممكن و اثباته في المطلق و المقيّد لفظا و في المقيدات معني مع اني لااجد الفرق في ذلك لا بين الواجب و الممكن و لا بين المطلق و المقيد و لا بين المقيّدات ايضا علي ان ما يرد هو مشترك الورود ضرورة اَنّا لانقدر علي ادراك المطلق كما لانقدر علي ادراك الوجود في بعض المقيّدات لان ما يدرك من العقل الكل مثلا فهو من حروف ذات المدرك لان الشيء لايدرك ما وراۤء مبدئه فعلي هذا لايصح الاشتراك لا لفظا و لا معني لا في الواجب و الممكن و لا في المطلق و المقيّد و لا في المقيدات ايضا فما السر في الاثبات بعد النفي بيّنوا لنا حقيقة الامر لاني عطشان منتظر و الانتظار اشد من الموت .

اقول قد بيّنّا ان السرّ في ذلك امتناع الشركة للواجب بما يرجع الي الذات مع الممكن في جميع الاحوال و هذا منها و مَن قال به فانّما جوّزه لانه توهّم الذات عز و جل فاجاز الاشتراك بين المتوهم و الممكن المعلوم و امّا مَن رفع مقام الازل عن كل شيء لزمه تنزيهه عن ذلك لان الاشتراك من نقاۤئص الصفات تعالي الله عن ذلك و انّما قلنا بجواز اللفظي في [ص 24] المطلق مع الممكن لان فعله تعالي و ان لم‌يكن مدركا لنا لٰكِنّا نعرف منه جهات تعلّقه بالمفعولات مع انه من المحدثات ايضا و ان حدثت به الاشياۤء و لاجل هذه الملايمةِ الظاهرة جوّزنا اللفظي و امّا في المقيدات فالاشتراك المعنوي فيها صحيح لاشتراكها في حقيقة واحدة فجاز وضع لفظ الوجود عليها بوضعٍ واحد لاتّحادها في الحقيقة و ان كان اعتبار التشكيك فيها علي الصحيح انّما هو باعتبار مراتبه لا افراده لانه ليس رتبة واحدة بل خلقَ اللّهُ وجوداً لخير خلقه محمّد و اٰله صلي الله عليهم اجمعين لم‌يشاركهم احد من الخلق في ذلك ثم خلق من شعاع ذلك حقيقة لشيعتهم لم‌يشاركهم احد من الخلق فيها غير الانبياء ثم خلق من شعاع ذلك حقيقة للملاۤئكة ثم خلق من شعاع ذلك حقيقة للحيوان ثم النبات ثم المعدن مثلا فالتشكيك انما هو بين مراتبه لا بين افراد المرتبة و قوله « مع اني لااجد الفرق فيه » ان عدم الوجدان لايدل علي عدم الوجود و قوله « ضرورة انا لانقدر علي ادراك المطلق كما لانقدر علي ادراك الوجود في المقيدات » ليس بمتّجهٍ لانا نقدر علي ادراك الوجود المقيد كما اشرنا اليه سابقا و القوم توهّموا اشياۤء بنوا عليه علمهم و هو علي غير اساس و هو سلمه الله تبعهم و قوله « لان ما يدرك من العقل الكل مثلا فهو من حروف ذاتِ المدرِك » لا ربط له بما نحن فيه و علي فرض انه اراد ان ما يدركه من الوجود هو اجزاۤء ذات المدرك بناۤء علي ان الوجود غير متحقق في الخارج كما توهمه بعضهم فلا معني له لان هذه من وساوسهم لان زيداً الذي يذهب و يجيۤء و يأكل [ص 25] و يشرب وجوده امر ذهني انتزاعي ، هذا مما ينبغي الاعراض عنه و يجعل في زاوية الخمول و امّا وجه الاثبات بعد النفي فهو ان نفي الاشتراك مطلقا انما هو في الوجود الذي هو الذات و اما الاثبات ففي الاثار و المصنوعات و هذا بحمد الله ظاهر و باقي كلامه اعلي الله مقامه ليس فيه ما يراد منه الجواب و الحمد لله ربّ العالمين و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين و كتب العبد المسكين احمد بن زين‌الدين في التاسع من شهر رجب سنة ثلاثين و مائتين بعد الالف من الهجرة النبوية علي مهاجرها و اله افضل الصلوة و السلام حامدا مصليا مستغفرا .