[ص 1]

الرسالة البحرانية

في جواب السيد حسين بن السيد عبدالقاهر البحراني في تبيين كلام الملا محسن الكاشاني في معني الفناء في الله و البقاء بالله

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

و بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحسائي قد ارسل الي بعض السادات ( السادة خ‌ل ) الصالحين الطالبين للحق و الدين و هو السيد السند السيد حسين بن السيد عبدالقاهر بن السيد حسين البحراني في تبيين كلام الملا ( ملا محسن خ‌ل ) الكاشاني في معني الفناء في الله و البقاء بالله و ما يسنح لذلك من المعاني فكتب لي بلغه الله اعلي الاماني عبارة الملا فجعلتها كالمتن المحلي و جعلت تلك الكلمات كالشرح لها بل اجلي .

قال اطال الله في الخيرات بقائه و اسعده بحسن لقائه و رضاه قال (ره) قال اهل المعرفة المراد بفناء العبد ليس فناء ذاته .

اقول انما قالوا ليس فناء ذاته يعني في الله لان ذلك يستلزم الاتحاد و الاتحاد يستلزم مساواة المتحدين او مجانستهما و لايكون ذلك لامتناع ذلك عليه سبحانه و لقدسه ( تقدسه خ‌ل ) عن امكان المساواة و المجانسة و المتصوفة قالوا بذلك المعني يتأولونه فخروا ( فخروا به خ‌ل ) من السماء فخطفتهم ( فتخطفهم خ‌ل ) الطير و هوت بهم الريح في مكان سحيق و ان كان يوهم علي بعض من ادعي العرفان بانه حق و ذلك لعدم تحقق عرفانه و من اشعارهم فيما تأولوه قول شاعرهم :

جعلت نفسك في نفسي كما جعل الخمرة في الماء الزلال

فاذا سرك شئ سرني فاذا انت انا في كل حال

و لا فائدة في الكلام معهم و لسنا بصدد كلامهم و بالجملة فليس ( ليس خ‌ل ) المراد بفناء العبد في الله فناء ذاته في الله لما قلنا .

[ص 3] قال (ره) بل المراد فناء الجهة البشرية التي له في جهة ربوبية الحق فان كل عبد له جهة من الحضرة الالهية و لكل وجهة هو موليها .

اقول ان مرادهم بفناء العبد في الله فناء جهة البشرية التي هي وجوده ( وجود خ‌ل ) من الله سبحانه في ربوبية الحق سبحانه بان لايكون له اعتبار من نفسه و ليس له التفات الي حال من احواله بل كلها مستغرقة في الاقبال علي الله و الالتفات الي جنابه في حركات العبد و سكناته و جميع شئونه كما قال تعالي قل ان صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك امرت و المثل في ذلك و لله المثل الاعلي مثل عبد عرف مالكه بحيث كانت جهة عبوديته و رقيته فانية في جهة مالكية مولاه بمعني انه في جميع احواله ليس له اعتبار من نفسه لايفعل الا ما امره سيده و لايتحرك و لايسكن الا بما يأمره مولاه فهو مراقب في كل احواله لخدمة مولاه ففي الحقيقة هذا العبد عرف مولاه حق معرفته بحيث فنيت ( فنت خ‌ل ) جهة عبوديته و رقيته في مالكية مولاه و لو انه فعل شيئا بغير امر مولاه لكان حينئذ مستقلا في ذلك الفعل متعينا في نفسه بحيث يقال ان فعله هذا الشئ ليس فعلا لمولاه لانه ليس بامره و لايكون في هذه الحال فانيا بعبوديته و جهة رقيته في مالكية مولاه بل خالف مقتضي ذلك و في الحال الاول في الحقيقة فعله هو فعل مولاه و لايلام علي شئ قط بخلاف الحال الثاني فانه ملوم لاستقلاله بفعله فلايكون في فعله فانيا في مالكية المولي قال الله تعالي تحقيقا كما ( لما خ‌ل ) في الحال الاولي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي فجعل سبحانه [ص 4] فعل نبيه صلي الله عليه و آله مستهلكا في فعله سبحانه لانه فني فيه بهذا المعني و قوله فان كل عبد له جهة من الحضرة الالهية يعني به ان العبد في كل احواله و شئونه ليس له من نفسه و لا من احد من الخلق حول و لا قوة لان الممكن ابدا مفتقر الي الغير في تحقيق ( تحقق خ‌ل ) شيئيته و هو في كل احواله متوجه بوجه استعداده لقبول ذلك المدد الذي به قوامه من ذلك الغير الي جهة خاصة به من حضرة المفيض و مثاله الصورة في المرءاة ليس لها قوام بنفسها و لا تحقق و انما تقومت بالمدد التي تستمده من المقابل و ذلك المدد هو حقيقتها من الجهة الخاصة بها من المقابل فاذا قابلت المرءاة الوجه من الشخص مثلا انطبعت فيها صورة الوجه و تلك الصورة المنطبعة لا حقيقة لها الا صورة الوجه و بها قيومية المنطبعة و هي محتاجة الي دوام الاستمداد و الي جهة الوجه تولت المنطبعة و الا لم‌تكن ( لم‌يكن خ‌ل ) شيئا و تلك الجهة هي باب الوجه يعني ظاهر الصورة و هي جنابه ايضا فالوجه ممد ( يمد خ‌ل ) المنطبعة من هذا الباب و المنطبعة واقفة علي هذا الباب بسؤال ( سؤال خ‌ل ) استعدادها و قابليتها ( قابلياتها خ‌ل ) لائذة بامكانها و فقرها لذلك الجناب و اليه الاشارة بقول سيد العابدين عليه السلم الهي وقف السائلون ببابك و لاذ الفقراء لجنابك ( بجنابك خ‌ل ) و لهذا استدل رحمه الله مأولا بقوله تعالي و لكل وجهة هو موليها و لكن هنا سر طوي عن اكثر العارفين و ستر عن اكبر ( اكثر خ‌ل ) الواصلين و هو قوله تعالي هو موليها لانه ولاها ما تولت بتوليته و هو سر خفي من اسرار القدر مقنع بسر مقنع بسر لايفتح الا بمقلاد من مقاليد اللاهوت و بالجملة فجهة [ص 5] المنطبعة يعني انيتها و شيئيتها في جهة صورة الوجه كما مر .

قال رحمه الله و هذا الفناء ( الفناء به خ‌ل ) لايحصل الا بالتوجه التام الي جانب الحق المطلق حتي تغلب الجهة الحقية ( الحقيقة خ‌ل ) علي الجهة الخلقية .

( اقول خ‌ل ) لانك اذا نظرت الي الصورة المنطبعة مع قطع النظر عن صورة الوجه تحقق لها ماهية في نفسها و شيئية قائمة بذاتها و لكنك جهلت الحقيقة و لم‌تعرف الامر علي ما هو عليه في نفس الامر لان حقيقتها ليست شيئا الا بما ظهر فيها من صورة الوجه المقابل فاذا نظرت بهذا الاعتبار و محوت موهومها صحا لك المعلوم من تلك الحقيقة انها هي صورة الوجه المقابل و هو معني غلب الجهة الحقية ( الحقيقة خ‌ل ) علي الجهة الخلقية فاذا عرفت ذلك و هو فناء جهة المنطبعة في جهة الوجه عرفت المنطبعة بالوجه لا العكس و عرفت الوجه بالوجه قال عليه السلم يا من دل علي ذاته بذاته و قال عليه السلم الله اجل من ان يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به و قال اميرالمؤمنين عليه السلم لو عرفت الله بمحمد صلي الله عليه و آله ماعبدته ، ثم انه رحمه الله ضرب مثلا لهذا الفناء كما ضربوه فقال كقطعة الفحم المجاورة للنار فانها بسبب المجاورة و الاستعداد بقبول النارية تشتعل قليلا قليلا الي ان تصير نارا فيحصل منها ما يحصل من النار من الاحراق و الانضاج و الاضاءة و غيرها و قبل الاشتعال كانت باردة كدرة و هذا المثال مثال الحال ( لحال خ‌ل ) العارف الفاني و مآل امره فانه اذا قطع الاعتبارات حتي قطع الاعتبارات نفسها كما قال علي عليه السلم كشف سبحات الجلال من غير اشارة يعني ان الاشارة ايضا من [ص 6] سبحات الجلال فهي حجاب بل الكشف حجاب و لهذا روي عنهم عليهم السلم ما معناه ان المحبة حجاب بين المحب و المحبوب فاذا كشف ( قطع خ‌ل ) جميع الاعتبارات تحقق الفناء و حصل له حقيقة المثال يعني مثال الفحمة اذا اشتعلت بالنار انها تكون بصفة النار و هو قول علي عليه السلم و خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها فان ( فاذا خ‌ل ) اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد ه‍ ، و اذا ( فاذا خ‌ل ) تحقق ذلك تحققت ( تحقق خ‌ل ) محبة الله له فيكون كما قال تعالي في الحديث القدسي فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده الذي يبطش بها الحديث ، و قوله تعالي ايضا يا عبدي انا اقول للشئ كن فيكون ( فيكون اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون خ‌ل ) الخ ، و بهذا الكشف يظهر لك الحجة في قول الحجة عليه السلم لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك ثم بين رحمه الله الطريق الموصل الي ذلك .

فقال و ذلك التوجه لايمكن الا بالاجتناب عما يضادها و يناقضها و هو التقوي مما عداها فالمحبة هي المركب و الزاد هو ( هي خ‌ل ) التقوي .

يعني ان كل مسافر يريد قطع مسافة يحتاج الي الزاد و الراحلة لانهما شرط الاستطاعة و هذا السفر قبل حصول الشروط و قبل قطع المسافة و البلوغ الي الغاية ابعد من كل سفر لان السفر قد ذكره الله تعالي في قوله لم‌تكونوا بالغيه الا بشق الانفس و هذا لم‌تبلغوه الا بكل الانفس و اذا حصلت الشروط كان هذا السفر اقرب من كل سفر قال عليه السلم و ان الراحل اليك قريب المسافة فاخبر عليه السلم بقرب المسافة للراحل لا للمقيم فافهم فالمطية هي المحبة [ص 7] يعني الصادقة و هي ايثار المحبوب علي كل ما سواه و الطريق الموصل و الثمن المبلغ الي تحصيل هذه الراحلة الطيبة هي القيام بالاداب الشرعية و الصبر علي الاخلاق الروحانية قال الله تعالي مازال العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به الحديث ، و اما الزاد فقد امر الله بذلك العباد فقال تعالي و تزودوا فان خير الزاد التقوي و هي تقوي الله في سرك و تقوي نفسك في احوالك و تقوي الناس في معاملاتهم و ما يرتبط و يتعلق بهم و هو معني قوله الاجتناب عما يضادها و يناقضها في هذه المراتب الثلاث و الضمير في يضادها و يناقضها يعود علي الجهة الحقية و المناقض لها الجهة الخلقية نفسها و جميع ما لها من احكام الامكان فمن القيها بحذافيرها حييت بربها قال تعالي في حق موسي و ما تلك بيمينك اي بوجودك يا موسي قال هي عصاي اتوكأ عليها يعني اتوكأ ( اي اعتمد خ‌ل ) عليها في تحقق الانية و اهش بها علي غنمي من رعاياه و انعامه من جميع امته و لي فيها مارب اخري ، استدل بفقرها علي غناك و بجهلها علي علمك و بعجزها علي قدرتك و بحدوثها علي ازليتك و بعدم حصرها علي سرمديتك و بعدم حلولها علي تفردك و غناك و بعدم معرفتها علي قدسك و بمفارقتها علي بينونتك عن خلقك بصفتك الي غير ذلك قال القها يا موسي و استغن ( استعن خ‌ل ) بي عما سواي و لاتعتمد علي غيري و لاتلتفت الي شئ فاكلك اليه فالقها بكل اعتبار فاذا هي حية تسعي و هي مثال للبقاء بالله قال خذها بعد ما حييت بالالقاء سنعيدها في قوس ادبر فادبر سيرتها [ص 8] الاولي فافهم فهمك الله ،

و اياك و اسم العامرية انني اخاف عليها من فم المتكلم

و لقد لوحت ( نوهت خ‌ل ) لاهل الاشارة علي خوف من فرعون و ملئهم ان يفتنهم قال الشاعر :

اخاف عليك من غيري و مني و منك و من مكانك و الزمان

و لو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني

و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و الحمد لله رب العالمين . تمت بقلم منشئها حامدا مصليا مستغفرا في شهر رمضان سنة ١٢١١ الحادية‌عشرة بعد المائتين و الالف من الهجرة و الحمد لله رب العالمين .

[ص 9]