[ص 1]

رسالة في جواب بعض الاخوان

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه

[ص 2] بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و صلّي اللّه علي محمد و آله الطّاهرين .

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي انه قد ارسل الي بعض الاخوان في الدين بعض المساۤئل طلب من محبّه جوابها علي جهة الحقيقة و كان الخاطر ممتلئاً بالملال متوزّعا بالاشغال فكتبتُ ما يحضرني اذ لايسقط الميسور بالمعسور و للّه عاقبة الامور .

قال سلمه اللّه تعالي : منها ان من العباد من كان ما يراه في النوم ليلاً او نهاراً يكون رؤيا صادقةً مطابقةً سريعاً بدون تعبير او تكون كذلك بادني تعبير و من العباد من لايظهر صدق رؤياه و لو ظهر كان مخالفاً كثير التغيير .

اقول ان الرؤيا قد ورد فيها انّ ما يراه الشخص في السماۤء فهو حق و مٰا يراه في الارض فهو اضغاث احلام و ورد انها تكون في بعض الليالي صادقة و بعضها كاذبة و ورد ان الرؤيا اوّل الليل كاذبة و آخر الليل صادقة ، و ربّما فسّر الاول بانّ السماۤء الظاهرة محروسة بالشهب عن الشياطين قال تعالي الّا من استرق السمع فاتبعه شهاب مبين و هو يدل علي انّ ما يراه الناۤئم في ذلك السماۤء سماۤء هُورقليٰا حقّ لان الشياطين لاتصل هناك فلاتتصوّر فيها بصور الباطل و انما تسكنها الملاۤئكة فتتصوّر فيها بصُوَر ما وُكّلِتْ به من الاشياۤء المنتقشة في الخيال فاذا رأي الشخص شيئا فهو حق مطابق للواقع و ان كان ما يراه في الارض فهو من تصوّر [ص 3] الشياطين و هي لاتتصوّر الّا بما قيضت له من صُوَر الباطل و ذلك لايطابق الواقع و فسّر الثاني بان احوال الليالي تختلف في الشهر و في الاسبوع و عند قرانات الكواكب و اختلاف الٰافاق و اختلاف اعمال الراۤئي فتكون في الشهر الليلة الاولي من كلّ شهر متشابهة و كذلك كل ليلة و في الاسبوع مثلاً ليلة كل سبت من كل اسبوع متشابهة و كذلك كل ليلة يحصل فيها قران كواكب مخصوصة لها حكم خاص فاذا وجد ذلك القرانُ بعينه بغير زيادة من الكواكب السيارة او غيرها و لا نقصان كذلك و لا تغيير و لا تبديل كذلك و كان ما كان من ذلك الشخص من الاعمال مثل ما كان في تلك الليلة الاولي يكون حكمها حكم الليلة الاولي و هكذا و كذلك اتفاق اوضاع الٰافاق من الغيم و الصحو و الريح و المطر و كثرة الابخرة و قلّتها و غير ذلك في ليلتين يوجب تساوي حكمهما و كذلك اتّفاق عمله في ليلتين و هذا كله حكم مقتضَي تلك الاسباب اذا لم‌يعرض لها موانع تبطل ذلك المقتضي او بعضه او صفته او مدّته او مكانه و كما تجري احكام تلك المقتضيات في الاجسام تجري في الخيال و النفس و ما ينطبع فيهما علي نحوٍ يطول شرحه و يأتي بعض الاشارة الي بعض ذلك و فسِّر الثالث بانّ اوّل الليل كان البدن ممتلِئاً بابخرة الطعام فاذا تصعّدت الي الدماغ تَلَوَّي بها فتحدث فيه اشكال من الابخرة علي هيئة بعض الاعيان و الصفات فيراها الشخص في خياله فيتوهم انّها صورٌ انطبعت من المعاني الخارجة عنه فاذا استيقظ اخبر بها و ليست شيئاً لانّها في خياله من الابخرة و انما تكون هذه الابخرة في الخيال علي هيئة بعض الاعيان لان جميع ذرات الوجود من ذاتٍ و صفة و اثر يجري كلّ اسفل منه في كونه بمقتضي طبيعته من الوجود علي هيكل الاعلي لان كلَّ اثرٍ يشبه صفة مؤثرِه كما قُرِّرَ في مَحلِّهٖ و امّا آخرُ اللَّيْلِ فلان البدن خالٍ قد خفّت عنه الرطوبات من المطعم و المشرب [ص 4] و صفي الدماغ فلاينطبع فيه اِلّا ما كان متحقّقاً خارجاً عنه فاذا رأي الشخص شيئاً في السماۤء و لم‌يحصل له مانع ممّا اشرنا من خصوص الاوقات و القرانات و الافعال و الابخرة او في الارض و حصل له مقتض للحق من خصوص الاوقات و القرانات و الاعمال و الخفّة من فضولات الطعام و الشراب او كانت رؤياهُ في الليالي المقتضية لظهور الٰاثار المسعودة من ذاتها لادوار اوضاع الافلاك او بالقرانات او الاعمال الصالحة مع عدم الموانع المشار اليها كان ذلك حقاً فان تمّت الاسباب المقتضية بلا مانع فان كانت مُوجِباتٍ وقعت الرؤيا بعينها بلا مهلة لانّ الراۤئي رءاها خارجة بعينها من باب القضاۤء و ان تمّت المقتضيات الغيبيّة كذلك خاۤصّة بدون الشهادة خرج تأويلها بلا مهلة و ان كان في بعض تلك الاسباب ضعف و نقص من جهة القابليّة التي هي مرءاة الشخص التي هي خياله و حصل لها تعبير وقعت لذلك لانّ التعبير يفتح علي مرءاة خيال الراۤئي بابَ القدر الذي تنزل منه تلك الاسباب فاذا عبّر المعبّر انطبع به في خيال الراۤئي صُوَرُها هنالك علي هَيْئة التعبير فيكون الطيف المرئي في المنام متلبّساً بهيئة التَّعْبير فيقوي به ما كان ضعٖيفاً من تلك المقتضيات و لهذا تراه اذا عبّر له المعبّر التفَتَ خياله الي ما رأي في المنام فتصوّرَ فيه صورة التعبير و انصرف ما في قلبه من معني رؤياه الي المعني الذي يظهر له من المعبّر و ان كان كذباً فتتغير الرؤيا بهيئةٍ اخري غير الاولي فيجري الحكم و المطابقة علي الثانية و ان رأي الشخص في منامه شيئاً و هو متلبّس بخلاف ما اشرنا اليه من شراۤئط الصدق و مقتضياته كان ما رءاه مُخالفاً للواقع فيكون كذباً .

قال سلمه اللّه تعالي : و منها ان من الصالحين من كان بعض رؤياه صادقاً و منه كاذباً و من الطالحين ايضاً كذلك بعضه كان صادقاً و منه كان كاذباً ما العلة فيها و استدعاۤئي ان يبيّن الشيخ اصل الرؤيا و منشأه و حقيقته و من اي عالم ظهر .

[ص 5] اقول لمّا كان كل شخص له جهتان وجه من جهة وجوده و هو العقل و شأنه الصدق و الحق لان العقل لاينطق عن الهوي و ليس للشيطان فيه نصيب و وجه من جهة ماهيته و هي النفس الامّارة بالسوۤء و شأنها الكذب و الباطل لانّها لاتلتفت الّا الي هوي الماهيّة و هي و قومها يسجدون للشمس من دون اللّهِ طلعها كأنه رؤس الشياطين كان الرجل الصالح اذا كان الوارد عليه في المنام من جهة العقل اي التفاته الي ذلك الشيء و ذكره كان رؤياه صادقة لان الشيطان لايتصوّر بصُور الحقّ و النور و الّا احترق و ان كان بعض رؤياه من جهة التفات العقل و بعضها من جهة التفات النفس كان ما كان من جهة العقل و التفاتِه صدقاً و ما كان من جهة النفس و التفاتها كذباً و هذا حكم يشمل الصالح و الطالح و لو انّ رجلاً لايكون له التفات من جهة النفس ابداً كانت رؤياه صادقة ابداً كما في المعصومين عليهم السلام و لو كان رجلاً لايكون له التفات من جهة العقل ابداً لم‌تصدق رُؤيَاهُ ابداً و ابنِ هنا علي ما فصّلنا سَابقاً .

و امّا اصل الرؤيا فاعلم ان الروح المدبّرة للبدن اذا لحقها ملَالٌ باستعمال اٰلاتها في تدبير الغذاۤء بتصفيته و دفع غراۤئبه و وزنه و تقديره اجتمعت في القلب فاستراحت فضعف الارتباط بها و رقّ حجابها فتتذكّر عالمها الاعلي الّا انّها قد علقَتْ بها ثاۤء الثقيل و لحقها صفات من الاعمال الحميدة و الذميمة فاذا التفتت الي العالم الاعلي شاهدت ما هنالك مما تفور به فَوَّارَةُ القَدرِ فتنتقشُ في مرءاتها صُوَرُ ما يظهر من هنالك و تكون صحّة ذلك الانتقاش و بطلانُه و كمَالُهُ و نقصُه علي حسب استقامة المرءاة و عدمها في الكم و الكيف و الوضع و ذلك علي حسب ما اتّصفت به من الصفات المستفادة من الاعمال فان كانت حميدة استقامت و كملت و صلح الانتقاش فكان ما تعاين هو الواقع و ان كانت ذميمةً فعلي العكس و ان كانت ممزوجة [ص 6] كان ما فيها ممزوجاً فافهم الاشارة فهذا اصلُ الرؤيا ثم اعلم ان لذلك واسطة فان كان هو الشيطان المقيّض للرؤيا المسمّي بالرُّهَا و ذلك باستقلاله كانت الرؤيا باطلة انما النجوي من الشيطان ليحزنَ الذين امنوا و ليس بضاۤرّهم شيئا الّا باذن اللّه و ان كان الواسطة الملك الموكل به باستقلاله كانت الرؤيا صحيحة و ان كان من بينهما كانت ممزوجة ثم انّا قلنا انّ الخيال اذا قابل بمرءاته التي هي ذاته باب القدر انتقش فيه صُوَرُ ما يَفُورُ مِنْ فَوَّارَةِ القدر فَيَنْتَبِهُ من نومه و يقع ما رءا صورته قبل الوقوع و ربّما يكون بعد الاخبار به لان الاخبار ممّا يحقِّق الانتقاش المقتضي للوقوع و ربّما يكون بمعونةِ التّعبير فهذا منشأُوهَا و لمّا جرَتْ حكمةُ اللّهِ سبحانه بان المَرايا تَنْتزع صُوَر ما قابلها من ذات اوْ صفة لونٍ او مقدار او بُعْد او وقت او جهة او غير ذلك و ذلك لامرٍ حكيمٍ من صنعه سبحانه وجب ان تنتقش في الخيال صورة كل ما قابَلَها فيري الشخص ما في خياله فيري صاحب الشبح لانّ ما في الخيال طريق المتخيّل الي ذلك الشيء و صحته و فساده و كماله و نقصه من الاحوال المذكورة سابقاً فراجع فهذه حقيقة الرؤيا و امّا عَالَمُها فهو عالم البرزخ و المثال الذي هو وَرَاۤء الاجسام فَاِنْ كانت صحيحة كان قد شاهَدَ اشباحَ ما ينزل من عالم الغيب الي الشهادة في عالم البرزخ من هُورقليا و ان كانت باطلةً كان قد شاهد اظِلّة ما يعرض له في خياله من اوضاع الابخرة و اوهام النفس التي تتقدّر باشباح الشياطين في ارض العَادٰات و الطبع من جابلقا و جَابَرْسا فهذا عَالَمُهَا فافهم .

قال سلمه اللّه تعالي : و منها انه قد يكون الرجل عبداً زاهداً صالحاً طالباً للعلوم حسن الحال فيسمع من العالم ان من الفريضة تعلّم اصول الدين بالادلّةِ اليقينيّة بحيث يتيقن في كل العقاۤئِد و لايشكّ فيتعلّم هذا العبد ادلّة العقاۤئد [ص 7] لحصول اليقين فيها ابتغاۤء مرضات اللّه فيتسلّط عليه الشيطان و النفس فيشكّكانه و يُوَسْوِسانِ في صدره فيكثر تشكيكه في الاعتقادات و في اوّل الحال لم‌يكن له شك فزاد في هذه الحال تفكّره في تحصيل الادلّة اليقينية لحصول اليقين و كلما زاد تفكّره زاد تشكيكه و يبتلي بالبلاۤء العظيم و مايعلم كيف مفرّه و مخلصه منه و هو يخاف ان يموت بلا ايمان و يستدعي من الشيخ ان يبيّن طريق مخرجه و مخلصه من هذا البلاء العظيم .

اقول اليقين نور قاۤئم يشرق علي قلب الشخص فتحصل به السكينة و الطمأنينة و الراحة و هو يحصل من مشاهدة الاُمور المطابقة للواقع مطابِقةً للواقع موافقة للاعتقاد و يقابله الشّك و لمّا كانت الحكمة قد جرت بايجاد الاشياۤء علي ما هي عليه و كان ذلك لايكون الّا اذا جري علي اختيارها فيتوافق قدرُ اللّه مع اختيارها و الّا لكان الاشياۤء علي بعض ما هي عليه و بعض ما ليس هي عليه و لايكون الشيء لذاته علي غير ما هو عليه و الّا لم‌يكن هو ايّاه و الاختيار يستلزم اَنْ يؤخذ من الحق ضِغثٌ و من الباطل ضِغثٌ فيمزجانِ ليهلك من هلك عن بيّنَةٍ و يحيي مَنْ حيّ عن بيّنةٍ و لو خلص الحق لم‌يخف علي ذي حِجيً و لكان في التكليف في كثير من المواضع الجاء و هو لايحسن في التكليف و في اغلب مراتب اليقين يقوم احتمال الشك لان النفس غير مستقرة النظر بل لايزال الريب و الاحتمال و التجويز و الفرض يجري عليها فاذا مال الشخص معه حصل الريب فاذا استقر عليه شك و اذا شكّ زال اليقين لان الشكّ اذا ورد علي نفس اليقين انقلب شكاً قال (ص) لاترتابوا فتشكّوا و لاتشكّوا فتكفروا ، فاذا نظرت في دليل مسئلةٍ و ثبت لك به الحقّ فلاتمل مع احتمال المنافي لانه من القاۤء الشيطان لِيُشَكِّكَ المتيقّن فان الالتفات الي خلاف الحق [ص 8] ان استوحش منه القلب فهو محض الايمان لان القلب لمّا انِس بالحق استوحش من الباطل و ان لم‌يستوحش منه القلب فهو الريب فاذا استقرّ الرّيب و التفتَ بعد استقرار الريب و حصل له ميلٌ مّا شكَّ فاذا استقرّ الشك و التفت و حصل له ميلٌ مّا كفر فاذا ثبت لك حكم بالدليل فاثبت عليه و لاتلتفت قال اللّه تعالي فاسر باهلك بقطعٍ من الليل و هو آخر الليل القريب من الصبح لان الاسراۤء يتعذّر عليك باهلك في النهار اذ لا اهلَ لك في النهار فلايمكنُكَ ان تقفَ علي يقينٍ لاتمِل نفسُك فيه الّا في اليَقٖين المقارب للضرورة ثم قال تعالي و اتّبِعْ ادْبارَهُمْ اي كن ساۤئقاً لهم تحثّهم علي السَّيْر و المعني في هذه الاشارة انّك اذا ظهر لك معني فلاتلتفت فيه الي الاحتمالات بل اشتغل بطلبِ معنيً آخر حتي لاتلتفِت في الاوّل الي خلافه و لو بالفرض و التصور و الاحتمال و لاتفرض القولَ به من غيرِك منك فينجرّ بك الامر الي الريب و هو قوله تعالي و لايلتفِت منكم احدٌ و امضوا حيثُ تؤمَرُونَ و ذلك في التأويل خطابٌ من اللّه سبحانه للعقل و اهله من العلم و الخيال و الفكر و الحيوة الّا امرأتك انه مصيبُها ما اصابهم و هي النفس الامّارة بالسوۤء فانّها تلتفِت الي قومها و انت اذا عرفتَ ان المراد منك انّك تطلبُ المعرفة بشروطها و هي النّظر و التفكر في خلق اللّه و ما اُودِعَ من الاسرار و الحكم و في اٰثار القدرة و تتفكّر في الموت و هجومه بغتةً و انه يراد منك الاستعداد للرحيل و تجعل ذلك همّك ليكون مانعاً لك من ذلك الالتفات المنهي عنه و الطريق القريب المسافة الي اللّه هو هذا و اليه الاشارة بقوله تعالي اولم‌ينظروا في ملكوت السموات و الارض و ما خلق اللّه من شيء و ان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم فبيّنَ بانّ النظر في الملكوت مع الاستعداد للموت قبل نزوله هو طريق الايمان النافع فاذا اشتغل الشخص بالعمل و النظر في [ص 9] عيوب نفسه و الاستعداد للموت حصل له اليقين بالمعارف بلا ميلٍ و لا شكٍّ لان النفس بسبب الاستعداد لاتلتفت كما هو شأن كل مَن اهتمّ بامرٍ فانه لايلتفت الي ما سواه فهذه النبذة اليسيرة فيها المخلص من ذلك البلاۤء العظيم .

و امّا مَنْ سرّحَ نظرَهُ في الفكر من دون الاشتغال بالعمل و اخلاص العبادة فان الشيطان يتوحّد به و يأتيه في فكره مِن عَن يمينه ليشغله عن جميع الخيرات بما يلقي عليه من الشّبهات و انما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ باللّهِ انه هو السّميع العليم اللهم حل بيننا و بينه بحولك و قوّتك فانه لا حول و لا قوّة الا باللّه العليّ العَظيم و صلي اللّه علَي محمد و آله الطّيبين الطّاهرين .

و فرغ منها مؤلفها عصر الاربعاۤء التاسع‌عشر من صفر سنة الرابعة و العشرين بعد المئة ( المئتين ظ ) و الالف في يزد المحروسة عن الاسواء و الحمد للّه اوّلاً و آخراً و ظاهراً و باطناً .