[ص 1]

الفائدة في كيفية تنعّم اهل الجنّة و تألّم اهل النّار

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الفائدة - اعلم انه قد ثبت كما قررنا في بعض اجوبتنا انّ اهل النار متألّمون ابداً و كلما طال المداۤء ازدادوا تألّما بعكس اهل الجنّة كلما طال عليهم المَداۤء ازدادوا تنعّما و ذلك بادلّة قاطعةٍ من الكتاب و السنة و من ادلة العقل و منها دليل الحكمة و هو ان النار ضدّ الجنّة و تألم اهل النار ضدّ تنعّم اهل الجنّة لما ثبت من مضاۤدّتها لها في كل شيء .

و اُورِدَ علي هذا الاخير اعتراض باشكالات و هو انّه كان اناس من اهل الجنة عليهم ذنوب يستوجبون بها دخول النار ثم يخرجون منها بعد تطهيرهم و يغسلون في عين الحيوان بعد دخول الجنّة و مقتضي المقابلة و الضدّية ان يكون اناس من اهل النار لهم حسنات لم‌يوفّوا جزاۤءها في الدنيا فيدخلون الجنّة بقدر حسناتهم ثم يخرجون منها و يغسلون في الماۤء الاجاج و يدخلون النار ثم اذا قلتم بذلك فانتم ايضا قاۤئلون بان من يدخل النار من المؤمنين لايدخلون احدي النيران السبع و انما يعذبون في ضحضاحٍ من النار و هي حظاۤئر النيران فيلزم ان يدخلوا اهل النار حظاۤئر الجنان و ايضا انتم قاۤئلون للنص بان حظاۤئر الجنان تسكنها ثلاث طواۤئف مخلدون فيها مؤمنوا الجن و المؤمنون من اولاد الزنا و المجانين الذين عاشوا في الدنيا و لم‌يجر عليهم التكليف و ليس لهم من يدخلون الجنّة بشفاعته فيلزم من حكم المقابلة ان تكون حظاۤئر النار يسكنها ثلاث طواۤئف مخلدون كما في ضدها و هذا مقتضي حكم التعاند .

و الجواب انا نقول بموجب ذلك كله علي تفصيل بمعني ان حكم الاقتضاۤء ذلك و هو كذلك الّا مع حصول المانع فانه مقتضٍ اقوي من المقتضي و تأتي الاشارة الي حكم المانع فيما نحن فيه فنقول اعلم ان المحصل من الادلّة العقلية المبنيّة علي النقلية ان الدّور يوم القيمة تسع [ص 3] و عشرون داراً و تفصيلها ان الجنان ثمان اعلاها علي ما دلّت عليه بعض الروايات جنّة عدن و ليس لها حظيرة لما تشير اليه ادلّة العقل و النقل و اما باقي الجنان و هي السبع فلكل جنّة حظيرة تختص بها خلقت من فاضل تلك الجنّة المختصّة هي بها و مددها من النعيم منها فكانت الجنان و حظاۤئرها خمس‌عشرة و ان النيران سبع و لكل نار حظيرة تختص بها خلقت من فاضلها و اليمُها من فاضِل اليمها فكانت النيران و حظاۤئرها اربع‌عشرة فالدور تسع و عشرون داراً لكل دارٍ سكان خالدون فيها ابداً مخصوصون بها لايسكنها غيرهم و لايخرجون منها قال الله تعالي و لكل درجات مما عملوا ، فامّا الجنان الثمان فهي للانبياۤء و المرسلين و الصديقين و الشهداۤء و الصالحين و الملاۤئكة المقربين و الولدان و الحور العين و اما النيران فهي للكافرين و المنافقين و المشركين و اعداۤء الدّٖين المغضوب عليهم و هم الذين تبين لهم الحق في الدنيا و لم‌يقبلوه و اعرضوا عن الهدي بعد اذ جاۤءهم و لما كان الوجود باعتبار مراتبه و ذرّاته له مراتب و لكلٍ منها له مرتبة و مقام لايتجاوز شيء مقامه لا في صعود و لا في نزول لان تلك الرتبة التي فيها ذلك الشيء هي من شروط وجوده لتوقّف وجوده علي المشخصات كالرتبة و الجهة و الكم و الكيف و المكان و الوقت و الوضع و غير ذلك و الفرق بين المكان و الرتبة ان المكان هو الحيّز الذي يشغله ذلك الشيء بالكون فيه و الرتبة هي آخر المسافة التي بينه و بين الفعل و اوّل مسافة بينه و بين ما بعده كان متناسقاً متشابهاً في الاوضاع و الاتصالات في الاسباب و المسببات و في متممات الاسباب في الايجادات و المسببات في القابليات للايجادات فكان ما فقد في الاسفل وجد في الاعلي و ما خفي في الاعلي اُصيبَ في الاسفل و لهذا امتنعت الطفرة فيه بين بعض افراده و بين بعض فلزم ممّا قرّرنا ان تكون حظاۤئر النار في جميع ما فيها و لها من الاستعدادات [ص 4] و من السّكان بعكس حظاۤئر الجنة في جميع ما فيها و لها من الاعدادات و من السُّكّان لان ذلك مثال حال النار و اهلها من حال الجنّة و اهلها .

فاذا عرفت هذا الكلام فقولكم انه علي هذا يكون لحظاۤئر النار سكان خالدون فيها ابداً و سكان يخرجون منها فيدخلون جنة الخلد خالدين و منهم من يدخل جنة الحظاۤئر خالدين و يلزم ممّا قررتم من تمام المقابلات و التضاد ان يكون لحظاۤئر الجنّة سكان منهم خالدون فيها ابداً و منهم من يخرج منها و يدخل النار الاصلية خالداً فيها و منهم من يدخل حظاۤئر النار خالداً فيها و هذا شيء لايعرف من كتاب و لا في جواب جوابه يظهر بعد فهم ما نذكره مكرّراً مشروحاً و هو انّ حظاۤئر الجنّة منها و حظاۤئر النار منها كشعاع الشمس منها و ذلك ان اول ما خلق اللّه الرحمة فخلق عنها الغضب فخلق من الرحمة الجنان الثمان و خلق من كل جنّة اهلها و خلق من سبع جنان منها من فاضل كل جنّة حظيرة تنسب اليها و يستمد نعيمها من نعيمها و خلق من فاضل اهلِ كلّ جنّة سُكّان حظيرتها و اما الجنة العليا فلا حظيرة لها و قيل في اسماۤء الجنان و ترتيبها هكذا الاولي جنّة الفردوس الثانية جنّة العالية الثالثة جنّة النعيم الرابعة جنة عدن و هي التي لا حظيرة لها علي ما تومي اشارات بعض الاخبار عن الائمة الاطهار الخامسة جنّة المقام السادسة جنّة الخلد السابعة جنة المأوي الثامنة جنة دار السلام و خلق من الغضب النيران السبع و خلق من كل نار اهلها و خلق من فاضل كل نار حظيرة تنسب اليها و يستمد عذابها من عذابها و خلق من فاضل اهل كلّ نارٍ سكّانَ حظيرتها و قيل في اسماۤء النيران و ترتيبها هكذا الاولي جهنم الثانية لظي الثالثة الحطمة الرابعة السعير الخامسة سقر السادسة الجحيم السابعة الهاوية و قيل اعلاها الجحيم و اسفلها جهنم و كل شيء بُدِئ من شيء فاليه يعود سواۤء من جنّة او نار او الحظيرتين و كل دار من هذه التسع و العشرين [ص 5] الدار المشار اليها فلها مَبدءٌ تتميز فيه عن غيرها في الاعداد و الاستعداد معني هو وجهها من الرحمة او الغضب و لا نهاية لذلك المبدء و دونه منزل تتعيّن فيه دقيقة اظلّتهم من ورق الاۤس و دونه رفرف تتشخّص فيه صورة اعيانهم و لا نهاية لشيء مما ذكر فكان المخلوقون منها في مقام المبادي غير متمايزَيْن الّا بالمعني فكان فيهم اوّل مراتب اللطخ و اشدّه دخَلاً و اصعبه مفارقةً فتلوثت امكنتهم و اوقاتهم هنالك بعضهم من بعض مع تباين ذواتهم و خلوص كلٍّ من كلٍّ و في مقام المنازل تلوّنَتْ جهاتهم و كيفهم و هو دون الاول في اللطخ و في مقام الرفارف اعتدلت باللطخ صفاتهم و ذواتهم اوْ تلوّت و اعوَجّت فكان ما في شخص من لطخ آخَر من سنخ ذلك الملوِّث بكسر الواو و من الطبع الغالب عليه و ذلك من جنّته التي هو ساكنها و لايكون ذلك اللطخ من نفس ذات الملوِّث و انما هو من لطخ صفاته كما ذكرنا فما كان من لطخ اهل الجنّة يصيب اهل النار فمرتبته و سنخه من حظيرة تلك الجنّة و طبع اهلها و ما اصاب اهل الجنّة من لطخ اهل النار فمرتبته و سنخه من حظيرة تلك النار و طبع اهلها فاذا اصاب شخصاً من اهل جنّة المأوي لطخ من شخص من اهل الجحيم مثلاً و لم‌يصبه ما يطهّره من مكاره الدنيا او عند الموت او في القبر او البرزخ او اهوال القيمة او شفاعة شفيع وضع في حظيرة الجحيم لانها منها و صفتها حتي تأخذ منه ما كان من سنخها فاذا صَفا منه ذلك اللطخ اخرج منها و غمس في عين الحيوان و ادخل جنّة المأوي و ان كان ما اصابه من لطخ اهل الحظاۤئر كفّرته محن الدنيا او الموت او البرزخ او اهوال يوم القيمة فلايدخل تلك الحظيرة لان اللطخ الذي من سنخها هو من صفات اهلها فلايوصل اليها لان مقامه دونه و ما ورد و قيل من انّ الشعاع يرجع الي المنير فالمراد برجوعه اتّباعه في جهته و اتّصاله به في رتبة الشعاع لا في رتبة المنير و هنا كذلك حرفاً بحرف [ص 6] فان كان اللطخ الذي اصابه من اهل نارٍ تقابل جنّةً اعلي من جنّته طهِّر بحظيرة هذه النار لا بحظيرة النار المقابلة لجنّته و ان كان من اهل نارٍ تقابل اسفل من جنّته طهّر بحظيرة هذه النار السافلة و هكذا و يختلف بقاۤء ذلك الشخص في نار الحظيرة للتطهير باختلاف كمّ اللطخ و كيفه و رتبته و سنّ ذلك الشخص و غير ذلك من جهات العدل و لايظلم ربّك احداً و ظاهر ما اشرنا اليه يعرف و اما تفصيله و بيان اسبابه فمن المكنون الذي لايشار اليه في كتاب و لايذكر في جواب نعم مفصّل في الكتاب و السنة يعرفه من عرفه و اما امر العكس و هو ما اذا اصاب شخصا من اهل النّار لطخ من اهل الجنّة فانه يكون مقتضياً لبعض الاعمال الصالحة البرزخية فيصل اليه ثوابها من سنخ حظيرة تلك الجنّة التي اصابها من لطخ اهلها فامّا ان يصل اليه ثوابها في الدنيا كأن تقضي حواۤئجه او يمدّ له في عمره او يُشافَي مريضه او يرزق اموالاً و بنين او تدفع عنه اشياۤء من البلايا و المكاره و ما اشبه ذلك او عند خروج نفسه بان يخفّف عليه النزع او يصل اليه من حظيرة تلك الجنّة الرَوح بفتح الراۤء او في القبر و عند السؤال بتخفيف العذاب و تهوين هيئة منكر و نكير و ضرب المِرْزبة و ما اشبه ذلك او في البرزخ بتخفيف العذاب عند مطلع الشمس و في بلهوت بئر برهوت بحضرموت او ايصال الريحان الي قبره من حظيرة تلك الجنة او عند الحشر في القيامة بتهوين بعض اهوالها و شداۤئدها و ما اشبه ذلك و كل ذلك من نعيم تلك الحظيرة لان هذه المواطن المذكورة من درجات تلك الحظيرة كالعكس فانها من دركات حظيرة النار و الي ذلك الاشارة بقول النبي (ص) الحمّي راۤئد الموت و حرّها من فَيح جهنم و هي حظّ كلّ مؤمن و مؤمنة من النار ، فان بقي شيء من آثار ذلك عليه لم‌يصل اليه جزاۤؤه في هذه المواضع المذكورة اما لمانعٍ من الايصال اليه فيها او في بعض منها او لكثرة اللطخ او لكونه من اهل جنّة اعلي [ص 7] من الجنّة التي تقابل نار ذلك الشخص بحيث كان كالطبيعة الثانية له اوصل اليه ثواب تلك الاعمال الناشية عن ذلك اللطخ و هو في النار عند اوّل دخوله في النار لئلّايحسّ بالتخفيف ليصدق قوله تعالي لايخفّف عنهم العذاب و قوله تعالي لايفتّرُ عنهم و هم فيه مبلسون مع انّه يعرف انّ ذلك التخفيف جزاۤء لتلك الاعمال و بيان ذلك انّه عند دخوله يعرف انّه يستحق مائة طبقة من العذاب و ان بثواب اعمال اللطخ يستحق اسقاط عشرين طبقة مثلاً فاذا ادخل في النار جعل عليه ثمانين فيتألم بها كمال التألم و يعلم انه سقط عنه عشرون و لكنه لايحسّ بالتخفيف الّا اذا ادخل في المائة ثم كان في الثمانين و هذا علي العكس فيعذب بالثمانين اول دخوله فاذا انتهي حكم عمله زاد عذابه بعشرين فهم ابداً في الزيادة نعوذ باللّه من سخط اللّه و انما كان اثر اللطخ علي الفريقين سابقا لانه لاحق عند البدء فيكون سابقاً في العود و سنشير الي بيان ان اهل كل حظيرة من حظاۤئر الجنة و النار خلقوا من فاضل اهل جنّتها او نارها فيما بعد .

بقي هنا اشكالانِ يردان علي ظاهر ما قرّرناه احدهما ان الاخبار قد تواتَرتْ معنيً انَّ حسنات اعداۤء الدين ترجع الي المؤمنين لانها مقتضي اللطخ الذي هو من سنخهم و سيّئاتهم ترجع الي الاعداۤء لانّها مقتضي اللطخ الذي هو من سنخهم كما دلّت عليه احاديث الطينة و انتم تقولون بذلك و ثانيهما مقتضي ما قرّرتم من التقابل و العكس ان الشخص الذي من اهل النار اذا اصابه لطخ من اهل الجنة ان يوضع في حظيرة تلك الجنة مدة مقتضي ذلك اللطخ ثم يخرج منها و يدخل النار بعد ان يغسل في ماۤء الاجاج و هذا خلاف المعروف من الاخبار لان المعروف منها خلاف مقتضي المقابلة .

و الجواب عن الاول يعرف من ملاحظة اصلٍ و هو ان الشيء اذا ضُمّ الي آخر كان عنه اثران احدهما ذاتي هو مقتضي ذاته و الثاني عرضي يحدث عنه بالانضمام [ص 8] الي الٰاخر و اثر ذلك اللطخ لاهل الجنّة و لاهل النار من هذا القبيل فالاثر الذاتي من لطخ اهل الجنة في اهل النار يرجع الي اهل الجنّة لانه اثر سنخهم و الاثر العرضي منه يلزم اهل النار لانّ ما كان بالانضمام ليس من اهل الجنّة لانه عارض لسنخهم من اهل النار و ان كان لايكون بدونه و كذلك الاثر الذاتي من لطخ اهل النار في اهل الجنة يرجع الي اهل النار لانه اثر سنخهم و العرضي هو يلزم اهل الجنة فيعذّبون به في الحظيرة حتي يطهروا فاذا قيل ان اهل الجنّة يعذبون في الحظاۤئر بمعاصيهم فالمراد بها عرضيّة لطخ اهل النار و اذا قيل ان سيّئاتهم تردّ علي اهل النار لانّها منهم من سنخهم فالمراد بها ذاتية اللطخ و هكذا حكم اهل النار في العكس فافهم و عن الثاني هو انّه لما كان فعل اللّه سبحانه جاريا في ايجاد الموجودات علي مقتضي الحكمة في اعتبار المناسبات و الموافقات و الملايمات و الاولويات و ما ينبغي ان يكون كما ينبغي لان ذلك من متممات قابلية الوجودِ للايجاد و هو مفاد قوله تعالي بل اتيناهم بذكرهم يعني خلقهم علي ما هم عليه و كلفهم بما يليق بهم و اراد منهم ما طلبوا منه باستعدٰاداتهم و كانت الجنّة و ما ينسب اليها من جنس الوجود و الوجدان و الملايمات و الاولويات و كانت النّار وَ ما ينسب اليها من جنس الاعدام و الفقدان و المنافرات و عدم الاولويات من جهة وجوداتها صحّ ان يدخل اهل الجنّة نار الحظاۤئر بسيّئاتهم حتّي يطهروا لِانّ تطهيرهم ازالة نجاسات الذنوب و هي اعدام و فقدان لما لزمهم و ذلك من جنس النّار و لم‌يصح ان يدخل اهل النار جنّة الحظاۤئر بحسناتهم لان حسناتهم ليست ثابتة اذ لا اصلَ لها فيهم بل هي مجتثّة من فوق الارض ما لها من قرارٍ كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمأن ماۤءً حتي اذا جاۤءَهُ لم‌يجده شيئا فلايقتضي ان يكون ثوابها وجدانيّاً بايصالِ مَددٍ من الوجود ليلزم ان يكون ذلك في جنة الحظاۤئر التي هي من جنس الوجود بل يكون ثوابها من جنس [ص 9] الاعدام لانّ تلك الحسنات ليست حقيقةً بل هي من جهة عدم الثبات اشبه بالسيّئات و لهذا قلنا ان النور من جهة نفسه ظلمة و انّما هو نور من جهة المنير و صحّ اَن ياتيهم ذلك الثواب و هم في النار لاجل مناسبته للنار لانه في الحقيقة عرضي فهو صورة الثواب فهو مجانس للاعدام كالنار الّا انه ياتيهم عند دخولهم لالتحاقه بوجهه الاعلي بالخير و لئلّايحسّوا بالفتور كما مر ثم اعلم ان اهل الجنة اذا اخرجوا من النار و ادخلوا الجنّة يدخلونها و هم كالحمم فيعيّرونهم اهل الجنّة و يقولون يا جهنّميون فيقولون يا ربّنا لا صبر لنا علي العار فيأمر بهم فيغمسون في عين الحيوان فيكونون كالشموس و كالاقمار و امّا اهل النار بعد انقطاع ما لهم من الثواب الصوري يضعف عذابهم الزاۤئد بعد التخفيف فيغمسون في الماۤء الاجاج و الحميم ليشتد عذابهم بعكس اهل الجنّة و اليه الاشارة بتأويل قوله تعالي و هو من تفسير ظاهر الظاهر مما خطيئاتهم اغرقوا فادخلوا ناراً و ماۤء الخطيئات هو الماۤء الاجاج فافهم .

و اما جواب ما سئل عنه من ان لحظاۤئر الجنة سكاناً خالدين فيها ابداً و سكاناً يخرجون منها و يدخلون النار او حظاۤئرها و ان لحظاۤئر النار سكاناً خالدين فيها ابداً و سكانا يخرجون منها و يدخلون الجنّة او حظاۤئرها فاعلم ان الامر كما ذكر و لكن علي تفصيل سنذكره لك اما سكّان حظائر الجنان الخالدون فيها ابداً فقد دلّت الاخبار علي انها يسكنها ثلاث طواۤئف خالدون فيها ابداً و لايدخلون جنات المؤمنين و هم مؤمنوا الجنّ و المؤمنون من اولاد الزنا و اولاد اولادهم الي سبعة ابطن و المجانين الذين لم‌يعقلوا في الدنيا و ليس لهم اقرباۤء صالحون من اهل الشفاعة من المؤمنين ليستحقوا الالحاق الذي تكرم به سبحانه علي عباده المؤمنين لذرّياتهم و اتْباعهم لتطيب بهم نفوسهم فيدخل اولۤئك المجانين جنّة الحظاير بتفضّل اللّه عليهم و هذه الثلاث الطواۤئف خلقوا من تلك الحظاۤئر [ص 10] و اليها يعودون و قد قلنا انهم خلقوا من فاضل اهل الجنّة و ذلك الفاضل هو تراب تلك الحظاۤئر فامّا مؤمنوا الجنّ فانهم خُلِقوا من نار الشجر الاخضر و تلك الشجر خلقت من فاضل الطينة التي خلق منها الانسان لان الانسان خلق من سلالة من صفوة التراب و لطيفه و ذلك اللطيف متفاوت المراتب الي اللوح المحفوظ الذي هو اطراف الارض و نهاياتها قال تعالي افلايرون انّا نأتي الارض ننقصها من اطرافها يعني بموت العلماۤء و خلق ذلك الشجر من فاضل تلك الصفوة و اليه الاشارة بقوله (ص) اكرموا عماتكم النخل و قول علي (ع) انّما سمّيت النخلة نخلة لانها من نخالة طينة آدم (ع) ، و المراد من النخالة و الفاضل ظاهر الشيء كالشعاع فانه فاضل المنير و نخالته و ظاهره فافهم و الجان خلق من النار التي من الشجر الاخضر الذي هو من فاضل طينة الانسان كما قلنا ان الحظيرة خلقت من فاضل الجنّة و تعلّق الانوار القدسية التي هي لوازم الوجودات التشريعية علي حسب خلوص الطينة و صفاۤئها و امتزاجها و كدورتها فيَختلف الانعكاس عن النور الواحد باختلاف القابليات كانعكاس الشمس فانه يقع علي الارض بقدر ما يقع علي المرءاة و ينعكس عن المرءاة انور و اشدّ مع انّها لم‌تعطها اكثر من الارض فتكون استنارة طينة الانسان التي هي الصفوة اشدّ و اقوي من استنارة طينة الجن التي هي من نار الشجر الاخضر فلما كانت الحظيرة خلقت من فاضل جنّتِها كانت الجن خلقت من فاضل طينة الانسان و كانوا مخلوقين من الجنة و حظيرتها وجب ان يخلق الانسان من الجنّة و يعود اليها و ان تخلق الجنّ من حظيرتها و يعودون اليها اذ كل شيء يعود الي ما منه بُدِئَ فكانت الجن هم سكّان حظاۤئر الجنان السبع علي اختلاف مراتبهم كما ان مؤمني الانس هم سكّان الجنان و لكلٍ درجاتٌ ممّا عملوا و اما قوله تعالي لم‌يطمثهن انس قبلهم و لا جان فالمراد منه لم‌يطمث الانسيات من اهل الجنة قبلهم انس [ص 11] و لا الجنيّات منهم جاۤن و ذلك اخبار عن سكّان الجنان و سكّان حظاۤئرها بحكم جامع او اشارة الي ما في مؤمني الانس من لطخ منزّلة زوجة يافث بن اٰدم (ع) و ما في مؤمني الجن من لطخ نزلة زوجة شيث بن آدم (ع) .

و اما علة كون اولاد الزنا المؤمنين من سكّان الحظاۤئر بعد النص فهو انّ الزاني و ان كان مؤمناً يكون باعث نطفته شهوة النفس الامّارة بالسوۤء و ناكح الحلال داعي نطفته شهوة النفس التي هي من العقل و هي مركبُهُ و تلك ضدّه فتكون نطفة الزاني اكثف و اكدر لقلة نوريّتها لانها من دواعي الماهيّة بخلاف تلك فانها من دواعي الوجود فلمّا فارقت نطفة الزاني في خروجها و قرارها و تكوينها النور الوجودي التشريعي لم‌تكتسب نوراً يلحقها بمراتب المؤمنين و لم‌يبق فيها الّا نور التشريعي الوجودي و شأنه اقتضاۤء الاكوان الصورية و الوجودي التشريعي يقتضي الاكوان النوريّة و الصوريّة من فاضل النوريّة فوجب ان تكون النطفة الحلال اذا طهرت تكون من الجنّة و اليها تعود و النطفة الزنا اذا طهرت تكون من الحظاۤئر و اليها تعود .

ثم انّ هنا سرّاً اشارت الي لوازمه الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام في مثل قولهم انّ ابن الزنا لاينجب الي سبعة ابطن ، فدلّ ذلك و مثله بمفهومه انه بعد سبعة ابطن ينجب و معني ذلك مضافاً الي ما دلّ عليه دليل الحكمة و اشارت اليه الاخبار ان ابن الزنا الصالح يسكن اسفل حظاۤئر الجنان و ابنه الصالح بالنكاح الحلال يسكن الحظيرة التي فوقها و ابن ابنه الصالح بالنكاح الحلال يسكن الحظيرة التي هي اعلي من حظيرة ابيْه و هكذا و السابع من نسل ابن الزنا علي نحو هذا التفصيل يلحق بالمؤمنين و يسكن معهم لانه نجيب مثلهم لاستكمال النور الوجودي التشريعي فيه و السرّ في خصوص عدد المراتب ان ابن الزنا لمّا [ص 12] نكح بالحلال كان في ابنه من النور الوجودي التشريعي سُبع ظهر فيه عند ظهور العقل التكليفي عليه و هذا الابن اذا نكح بالحلال ظهر في ابنه سُبعان من ذلك النور سبع عند عقله و سبع ( عند ظ ) ولوج روحِه فيه و اذا نكح هذا الابن بالحلال ظهر في ابنه من ذلك النور ثلاثة اسباع عند عقله و عند روحه و عند اكتساۤء عظامه لحماً و اذا نكح هذا الابن حلالاً ظهر في ابنه من ذلك النور اربعة اسباع في عقله و روحه و لحمه و عظامه و اذا نكح هذا الابن حلالاً ظهر في ابنه من ذلك النور خمسة اسباع في عقله و روحه و لحمه و عظامه و مضغته و اذا نكح هذا الابن حلالاً ظهر في ابنه من ذلك النور ستة اسباع في عقله و روحه و لحمه و عظامه و مضغته و علقته و اذا نكح هذا الابن حلالاً ظهر في ابنه ذلك النور بتمامه السبعة الاجزاۤء في عقله و روحه و لحمه و عظامه و مضغته و علقته و نطفته فنجب هذا الابن فلحق بالمؤمنين في مراتبهم في الجنان لاستكمال النور الوجودي التشريعي فيه و انما كانت الاجزاء سبعة لان متعلّق النور الوجودي التشريعي الذي فيه سبع مراتب هي مطارح اشعة نفوس السموات السبع علي نظاۤئرها كلّ علي فرعه من تلك المطارح و لهذا كان الشخص اذا قارف سيّئةً انتظر سبع ساعات فان تاب لم‌تكتب عليه لعدم استقرارها في مياسر تلك المطارح و ان مضت سبع ساعات و لم‌يتب استقرت في تلك المياسر فكتبت عليه سيئة .

و اما العلة في حكم المجانين المذكورين و سكونهم في الحظاۤئر فلعدم حصول هذا النور الوجودي التشريعي لا بالاصالة لعدم اعمالهم و لا بفاضل حسنات الشّفعاۤء و لهم مراتب كاولاد الزنا لاختلاف مراتب زوال العقل فافهم .

و اما قولك ان لحظاۤئر الجنة سكاناً يخرجون منها فمنهم من يدخل النار [ص 13] و منهم من يدخل حظاۤئر النار فهو حق و لكن لبيانِه وجهان :

احدهما ان يكون دخول اهل النار حظاۤئر الجنّة عبارة عما يصل اليهم من ثواب حسناتهم العرضية المجتثّة في النار عند اوّل دخولهم النار من تخفيف ما اقتضته ذواتهم و اعمالهم الخبيثة بقدر حسناتهم العرضيّة فان ذلك التخفيف و التقليل من نعيم تلك الحظاۤئر كما تقدّم ذكره و هذا جار في اهل النيران و اهل حظاۤئرها و بعد انقطاع التخفيف يغسل اهل النيران في الماۤء الاجاج ماۤء خطيئاتهم الذاتية لذواتهم اي وجودها العرضي و هو ما عجنت به طينتهم من البحر الاجاج في الذر الاوّل حين قال لهم الستُ بربّكم فقالوا بالسنتهم بلي و بقلوبهم نعم لانكارهم و استكبارهم عن ولاية الولي قال تعالي قلوبهم منكرة و هم مستكبرون ثم يزادون من العذاب ما يقتضيه بدؤ شأنهم في علم الغيب و كذلك اهل الحظاۤئر بعد انقطاع التخفيف كذلك يغمسون في الماۤء الاجاج ماۤء خطيئاۤتِهم الذّاتية لذواتهم و هو ما عجنت به طينتهم في الذر البرزخي لان ذواتهم و مساكنهم في الٰاخرة التي خلقوا منها و هي حظاۤئر النيران برزخيّة خلقوا من بين الظلمة و النور كما تأتي اليه الاشارة و ذلك الذر البرزخي وراۤء الاقليم الثامن من هورقليا حين قال لهم الستُ بربّكم قالوا بلي بالسنتهم و قالوا نعم بصُدورهم ثم يزادون من العذاب ما اقتضاه بدؤ شأنهم في علم الغيب و علته عدم دخولهم نفس حظيرة الجنّة و انما يصل اليهم نعيمها في النيران و حظاۤئرها كما اشرنا اليها سابقاً فراجع .

و ثانيهما ان يكون اهل النار و اهل حظاۤئرها يدخلون جنّة الحظاۤئر بحسناتهم العرضية البرزخيّة في البرزخ لا بمعني انّهم يدخلون فيها في البرزخ و الّا لساوَوْا المؤمنين في استحقاقهم و انّما دخولهم فيها هو ما يصل اليهم من رَوحها و رَيْحانِها في قبورهم كما روي ضريس الكناسي عن ابي‌جعفر (ع) قال [ص 14] قلتُ له جعلتُ فداۤءَك ما حال الموحدين المقرّين بنبوة رسول اللّه (ص) من المسلمين المذنبين الذين يموتون و ليس لهم امامٌ و لايعرفون ولايتكم فقال امّا هؤلاۤء فانهم في حفرهم لايخرجون منها فمن كان له عمل صالح و لم‌تظهر منه عداوة فانه يخدّ له خدّاً الي الجنّة الّتي خلقها اللّه بالمغرب فيدخل عليه الرَّوح في حفرته الي يوم القيمة حتي يلقي اللّه فيحاسبه بحسناته و سيّئاته فامّا الي الجنّة و امّا الي النار فهؤلاۤء من الموقوفين لامر اللّه قال و كذلك يفعل بالمستضعفين و البُله و الاطفال و اولاد المسلمين الذين لم‌يبلغوا الحُلم و امّا النّصاب فانهم يخدّ لهم خدّاً الي النار التي خلقها اللّه بالمشرق و دخل عليهم منها الشرر و الدخان و فورة الحميم الي يوم القيمة ثم بعد ذلك مصيرهم الي الجحيم و في النار يسجرون ثم قيل لهم اينما كنتم تشركون من دون اللّه اي اين امامُكم الذي اتخذتموه دون الامام الذي جعله اللّه للناس اماماً انتهي ، رواه القمي في تفسير قوله تعالي ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحقّ و بما كنتم تمرحون و انما اوردته بتمامه لما فيه من الاستدلال علي كثير من شقوق المسئلة التي نحن بصددها فقوله (ع) فاما الي الجنّة و امّا الي النار ، يشير به الي ان هؤلاۤء الذين تنعّموا في قبورهم منهم من يؤل امرهم الي الجنّة و ذلك بان يكلّف يوم القيمة و يطيع و منهم من يؤل امرهم الي النار لانّه يجدد له التكليف يوم القيٰمة و يعصي فالذاتي يرجع الي النيران و البرزخي يرجع الي الحظاۤئر و هؤلاۤء هم المقصودون من هذا الكلام فبيّن عليه السلام بانّ ممّن يدخلُ النَّارَ مَنْ يَأتيه الرَّوح في قبره من الجنّة التي في المغرب و هي جنّة الدنيا و هي جَنّةُ الحظاۤئِر و هي المدهاۤمّتانِ و انما قلنا انّهم دخلوا الجنّة بوصول الرّوح اليهم في قبورهم لانّ قبورهم [ص 15] حينئذٍ روضةٌ من رياض الجنّة كما في العكس لو اصاب بعضَ المؤمنين لطخ من اهل النار و عذّب به في قبره ان قبره حينئذٍ حفرة من حُفَرِ النار و بيان العدل و الاستحقاق يعلم مما سبق .

و امّا انّ لحظاۤئر النيران سكانا خالدين فيها فلانّ المقتضي لوجود ساكنين لحظاۤئر الجنان خالدين فيها هو المقتضي لوجود ساكنين لحظاۤئر النيران خالدين و ذلك لان اهل النيران انما استحقوا الخلود فيها لانّهم جانبوا اولياۤء اللّه و عادوهم لما بينهم من المضاۤدّة الذّاتيّة المقتضية للشرك باللّه ظاهراً و باطنا عن علم و بصيرة كما قال تعالي من بعد ما تبين له الهدي و قال تعالي من بعد ما تبيّن لهم الحق .

و امّا اهل حظائر النيران فانهم لم‌يجانبوا اولياۤء اللّه بالذات لعدم المضاۤدّة الذَّاتيّة بينهم من كل وجهٍ و انّما التباين بينهم من وجه و لولا انهم من فاضل طينة اهل النيران و لا بد ان يكونوا معهم و اتباعاً لهم في طريقهم و ان لم‌يكونوا معهم في رتبتهم لان ذلك من لوازم التساوي في رتبة البدۤء لامكن ان تستولي عليهم انوار مجاورة اولياۤء اللّه في جهة التوافق فيكونوا في حظاۤئر الجنان و لكنّهم تركوا اولياۤء اللّه لاجل مخالفتهم لائمّتِهم فصارت المجانبة بينهم ليست ذاتية و انما هي تبعيَّةٌ لانهم خلقوا من فاضل طينة المجانبين بالذات فيجانبوا بالتَّبع فاذا عمل هؤلاۤء حسنات من لطخ اهل الجنان جري لهم من الثواب العرضي المجتثّ ما ذكرنا سابقاً ثم يردّون الي نيران الحظاۤئر لانهم عادوا للمتابعة لا بالذات و اليهم الاشارة بقوله تعالي حكاية عن قولهم في حق ائمتهم قالوا و هم فيها يختصمون تاللّه ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسوّيكم برب العالمين و مااضلّنا الّا المجرمون فما لنا من شافعين و لا صديق حميم الٰايات ، فان قلتَ قوله تعالي قالوا و هم فيها يختصمون يدل [ص 16] علي انهم معهم في دار واحدة قلتُ ليس كذلك لان الضمير يعود الي مطلق النيران الشامل للنيران و لحظاۤئِرها المسمّاة في بعض الروايات بضحضاحٍ من نار و ذلك لانهم في حال العتاب و المخاصمة يجتمعون و هم متباعدون كما حكي سبحانه عن عتاب تمليخا و تأنيبه لاخيه قوطِش الكافر المذكورة قصّتهم في الدنيا في الكهف و اضرب لهم مَثلاً رجلين جعلنا لاحدهما جنّتين من اعناب الٰايات ، و في الٰاخرة في سورة الصاۤفّات قال تعالي حكاية عنهم فاَقبل بعضهم علي بعض يتساۤءلون قال قاۤئل منهم اني كان لي قرين يقول ائنّك لمن المصدّقين ائذا متنا و كنّا ترابا و عظاماً ائنّا لمدينون قال هل انتم مطّلعون فاطّلع فرءاه في سواۤء الجحيم قال تاللّه ان كدتَ لتردين الٰايات ، هذا الخطاب و المؤمن في الجنة و الكافر في النار و بينهما مسيرة خمسمائة سنة و القرب بينهمَا كالقرب بين الشمس و الظل فلما كانوا مخلوقين من فاضل طينة اهل النار وجب ان يكون مسكنهم في ما خلق من فاضل النار و هو نفس تلك الحظيرة فطينتهم منها كما ان اهل النار طينتهم منها و مَن خُلِق مِنْ شيء فالَيْه يعود و ممّا ذكرنا يظهر لك انّ من اصابه لطخ من اهل النيران او من اهل حظاۤئر النيران اذا خرج من الحَظاۤئر بعد تطهيره ان كان من اهل الجنّة غمس في عين الحيوان الجارية سكن الجنّة و ان كان من اهل الحظاۤئر غُمِسَ في العين النّضّاحة و ادخل جنّة الحظاۤئر علي نحو ما تقدّم .

و اما ان لحظاۤئر النيران سكانا يخرجون منها فيسكنون الجنان او حظاۤئر الجنَان فَقد تقدّم بَيان حال من يخرج منها و يسكن الجنّة و اما من يخرج منها و يسكن حظاۤئر الجنان فلانّ مَن كان من الطواۤئف الثلاث التي تسكن الحظاۤئر اذا اصابه لطخ من اهل النيران وضع في حظاۤئر [ص 17] النيران حتي يطهّر ثم يخرج منها و يغسل في العين النّضاحة ثم يدخل حظاۤئر الجنان و ذلك اللطخ ان كان من اهل النيران صعب تخلّصه منه و طال مكثه في نار الحظاۤئر و ان كان من اهل الحظاۤئر سهل التخلص منه و قل مكثه في الضحضاح من نار ثم اعلم ان الذي اَصٰابَهُ اللّطخ منهم انْ كانَ من الجن المؤمنين فظاهر لعدم الخلاف في ذلك ظاهراً و اِنْ كان من المجانين المخصوصين او من اولاد الزنا فالامر فيه خفي مشكل و الاشارة الي ذلك ان حال مثل هذا المجنون المشار اليه بَعْد ما دَلّ الدّليل اِنّه كُلِّف في عالم الذرّ في دار الدّنيا رفع عنه التكليف و هو عندنا نوع من النسخ و من المَحْوِ لِمٰا ثَبَت من الدليل علي ان النسخ محو تشريعي و المحو نسخ وجودي و الدنيا هي وسطي دور التكليف الاولي في الذر و هي محلّ التقرير و الثانية في الدنيا و هي محلّ القرار و الثالثة يوم الحشر و هي محل الاستقرار فاذا ورد المحو علي التكليف في محل التقرير ارتفع اعتباره بالكليّة و وجود المكلّف موقوف علي ثبوت التكليف فلايكون المكلف موجوداً و اذا ورد علي محل القرار كالذي نحن فيه ارتفع عنه حكم الاستحقاق بالاكتساب و لزمه حكم الاستحقاق بالفضل و العدل لانّ الحجة تقوم للّه علي خلقه في تكليف الذر غير قارّةٍ فاذا قامت في الدنيا قرّت و اذا لم‌تقم كان ما سبق ان كان اجابةَ طاعةٍ كان مقتضيا لاستحقاق الفضل المحض و هو الثواب علي النية و القول بدون العمل و العزم علي الخير و عمل الحال و ذلك سبع عشر فيدخل في جنة الحظاۤئر بفضل اللّه و ان كان ما سبق اجابة انكارٍ و معصية كان مقتضيا لاستحقاق العدل المحض و هو العقاب علي النية و القول بدون العمل و علي العزم علي الشرّ و علي عمل الحال و ذلك سبعُ عشرٍ فيدخل نار الحظاۤئر بعدل اللّه [ص 18] فان قلتَ ان صحّ هذا في الاول لما ورد ان من عزم علي الحسنة كتبت له حسنة و ان لم‌يفعلها ، لم‌يصح في الثاني لما ورد ان مَن عزم علي فعل السيئة لم‌تكتب عليه حتي يفعلها و اذا فعلها انتظر سبع ساعات فان تاب لم‌تكتب عليه و الا كتبت عليه سيّئة واحدة ، و هذا ينافي ما قررت في الثاني قلتُ بين ما ذكرت و بين هذا المجنون الذي نبحث عنه فرق فانّ ما ذكرت لاُولۤئك حكمُ دارِ قرارِ التكليف و فيها احكام وضعيّة تناط بالاعمال الفعلية كالاحكام المترتبة علي الثلج فانّ الماۤء قبل جموده لاتناط به احكام الثلج كالانكسار مثلاً فانّه للثلج لا للماۤء فهنا يكلّف من فعل المعصيَة التوبة منها و هي مانعة لوجود المعصية و ينتظر في وجودها الاستنساخي انقضاۤء مدّة المانع منه و هو التّوبة بخلاف ما نحن فيه فان له حكم دار التقرير و هو هناك قد جف القلم و لهذا قال سبحانه للجنّة و لاابالي و للنار و لااُبٰالي و في دليل المجادلة بالّتي هي احسن ان يقال ان هذا المجنون امّا ان يكون في عالم الذر غير مكلّف ام لا فان كان غير مكلف لم‌يكن موجوداً لما اشرنا اليه قبل و ان كان مكلفا و عصي هناك فامّا اَنْ يدخل الجنّة بمعصيته و لا مقتضٍ غيرها و هو باطل لاستلزامه تبديل المقتضيات بلا مقتضٍ او لايدخل جنّة و لا ناراً و هو باطل لما قلنا من استلزام التبديل بلا مقتضٍ و منافاة ان كل شيء يعود الي ما خلق منه و لا دار الّا جنة او نار او يدخل النار فان اريد النار الاصلية لم‌يصح ايضا لانّ هذا لم‌يخلق منها و ذلك لان اللّه سبحانه قال يستعجلونك بالعذاب و ان جهنم لمحيطة بالكافرين و لم‌يكن في الدنيا منهم و ليست موجودة فيه و لا محيطة به بل خارج عنها و ان اريد نار الحظاۤئر صح ما قلنا لانه خلق منها و اليها يعود و هي فيه في الدنيا و محيطة به .

[ص 19] و امّا ابن الزنا فقد اشرنا الي ساكني حظاۤئر الجنان منهم اذا كانوا مؤمنين و هؤلاۤء كاُولۤئك الّا انهم غير مؤمنين فيسكنوا حظاۤئر النيران لان اصل وجودهم بالتشريعي الوجودي و هو صنم و صورة للوجودي التشريعي في المخلوق المكلف فاذا اجتمع الوجودانِ كان الانسان الطاهر و اذا فقد الوجودي التشريعي فان اقترن بالعمل الشرعي الذي هو اثمان النعيم دخل حظاۤئر الجنان و السرّ فيه ان الشرعي العملي و ان كان اثمان النّعيم الّا انّه يظهر نوره في الشخص علي حسب معدن قابليته فان كان فيها التشريعي الوجودي وحده انطبع فيها نور العملي ظِلّيّاً صوريّاً لا ذاتيّاً فيكون ضعيفاً لانه في الحقيقة تابعيّة بَحْتٌ و ان كان فيها مع التشريعي الوجوديِّ الوجوديُّ التشريعيّ طاب المعدن و لطف و صفا فانطبع فيها نور العملي ذاتيّاً نوريّاً لا عرضيّاً فكان قويّاً لانه في الحقيقة متبوعية بَحْتٌ فلهذا كان مقامه جنة الخلد و مقام الظلي جنّة الحظاۤئر ، و قولنا في الظلي انه تابعيّة بحت و في الاصلي متبوعيّة بحت نريد بالبحت فيهما بالنسبة الي مقامهما و الي كلٍّ منهما فان قلتَ ان كلامك يدل اوّلاً و آخراً ان ابن الزنا مقامه برزخي و هذا يخالف ما علم بالضرورة انّ من ابناۤء الزنا من هو في اسفل درك من الجحيم قلتُ لو كان الكلام علي اجماله و اطلاقه لتمّ اعتراضك و لكن ابن الزنا الذي نشير اليه هو الذي خلق من فاضل طينة اهل النار فهو في وجوده يدور عليهم كساۤئر الفواضل و الذي يشير اليه اصل الوجود الصوري المعبّر عنه بالظلمة التي لا نور فيها كما في الاخبار فهو يدور علي نفسه و ذلك انما خلق من فاضل طينة هذا المشوبة بشيء من النور فلهذا كان الاصل من [ص 20] الاصْل و اليه يعود و الفرع من الفرع و اليه يعود و تفصيل ذلك ان اللّه سبحانه لمّا اجري حكمته انه لايخلق شيئا الّا و يخلق ضدّه و كان اوّل خلقه النور خلق ضده الظلمة ثم خلق من صافي النور خلقاً لا ظلمة فيهم اقامهم في حجاب الزبرجد فهؤلاۤء المصطفون الذين لايعصون اللّه ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و خلق من فاضل طينتهم شيعتهم و اتباعهم خلقوا من نورهم و مثال ذلك انّ السراج يَفيض عنه النور و اوّل جزءٍ منه اقوي اجزاۤئه نوراً فهو نور فيه ظلمة ضعيفة تُقٖيمه و لانه لايتقوّم نور من غيره لا ظلمة فيه لاجل الضدّية المذكورة و لهذا قلنا في المصطفين اقامهم في حجاب الزبرجد و كلّما بعد النور ضعف و قويت الظلمة و هكذا علي هيئة مخروطين متقابلين ينتهي رأس احدهما الي قاعدة الٰاخر و هما كرتان متقابلتَا السطوح و لاتزال النور يبعد حتي يتساوي النور و الظلمة ثم يبعد فتقوي الظلمة و يضعف النور حتي ينعدم النور و تتمحّض الظلمة و لم‌يبق فيها من النور شيء الّا ما به كونها لا غير و هذه هي الظلمة المشار اليها بانها خلقت ضدّاً للنور الذي لا ظلمة فيه الّا ما اقيم به في حجاب الزبرجد و الوسط الذي يتساوي فيه النور و الظلمة هو وسط الفيْض و له حدّان الاعلي يلحق بالاول الغالب عليه النور و لو بعد حين و الحد الاسفل يلحق بالثاني الغالب عليه الظلمة و طرف الاعلي من الفيض هو المراد من النور الذي لا ظلمة فيه و الطرف الاسفل منه هو المراد من الظلمة التي لا نور فيها و الطرف الاعلي هو المعبّر عنه احياناً بالمنير لانه عالم برأسه و انّما جعلنا الكل شيئاً واحداً لانا عبّرنا عنه بالفيض لاطلاقه في الاصطلاح و في الواقع علي الفاۤئض من الفعل و علي شعاعه الفائض من المفاض الاول عن الفعل و علي شعاع الشعاع و هكذا و الكل في الحقيقة فيض فخلق سبحانه من الطرف الاعلي المصطفون [ص 21] الذين لايعصون اللّه ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون لانهم نور لا ظلمة فيه كما ذكرنا و خلق من انوارهم و هو ما غلب النور فيه علي الظلمة و هو فاضل طينة المصطفَيْنَ شيعتهم و اتباعهم و هؤلاۤء اصابهم لطخ الظلمة و يطهّرون علي حسب اللطخ في الدنيا او في البرزخ او في القيمة او في نار الحظاۤئر كما مر و هكذا الي الحد الاعلي من وسط الفيض فخلق منه الذين خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيّئاً عسي اللّه ان يتوب عليهم و عسي من اللّه موجبة و اكثر من يدخل نيران الحظاۤئر منهم و يلحقون بالمؤمنين و خلق من فاضل طينة شيعتهم و اتباعهم حتي من اصحاب الحد الاعلي من وسط الفيض اصحاب حظاۤئر الجنّة و هذا الفاضل هو شعاع الشعاع و حكمهم علي ما تقدم الاشارة اليه و خلق من الطرف الاسفل و هو الظلمة التي لا نور فيها اصحاب الدرك الاسفل و هم اصل النفاق قال تعالي ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار و هؤلاۤء يعصون اللّه و لايطيعونه طرفة عين و خلق من فاضل طينتهم اي من انعكاسها و هو ما غلبت فيه الظلمة علي النور شيعتهم و اتباعهم و هؤلاۤء اصابهم لَطخ النور فيؤتون اجر اعمالهم العرضية به كما مر في الدنيا او في البرزخ او في القيمة او في نعيم حظاۤئر الجنان علي نحو ما ذكرنا سابقاً و يرجعون الي النار قال تعالي ثم ان مرجعهم لالي الجحيم و هكذا الي الحد الاسفل من وسط الفيض فخلق منه الذين كانت لهم حسنات و سيئات تعٰادَلَتَا و اكثر هؤلاۤء ممّن يقال لهم انهم يصل اليهم اجر حسناتهم العرضيّة علي حسب ما فصّل سابقاً و فُصِّل في اضدادهم و يلحقون بالنار لانهم خلقوا منها و اليها يعودون و خلق من فاضل طينة اهل النار الذين اصابهم لطخ من اهل الجنّة سكّانَ حظاۤئر النار الخالدين فيها خلقوا من انعكاسهم و شعاعهم و هذا الفاضل هو شعاع الشعاع كما [ص 22] فُصِّل و هو معني قولنا سابقاً ان طينتهم برزخية خلقوا من بين الظلمة و النور و هؤلاۤء المخلوقون من فاضل الفاضل تختلِف مراتبهم في اصل ايجادهم فمن قصرت المسافة بينه و بين الظلمة كان ما خلق من شعاعه في حظيرة نار اصله القريبة من الدّرك الاسفل لقلّة النورية فيه و من طالت بينهما المسافة كان ما خلق من شعاعه في حظيرة نار اصله البعيدة من الدّرك الاسفل لكثرة النوريّة فيه بالنسبة الي الاوّل و بينهما مراتب خمس لكل باب منهم جزؤ مقسُومٌ و هذه الحظاۤئر ايضاً مترتِّبة لهذه العلّةِ و انّما تسمّي ضَحاضٖيح النيران بالحَظاۤئر اِمّا مَجازاً لاشتمالها علي صور انواع العذاب و اَصْنافِه و هَيْئاتها المترتّبة في تَضَامِّهاۤ و اوضاعها فاِنّ ذلك كالشجرة المشتملة علي الاصل و الاغصان و الورق مترتِّبٌ كهيئة الحَظاۤئر اوْ لِانَّها ظلّ للحظاۤئر و هيئتها من هَيْئتها او لان الحظيرة لغة البقعة التي تأوي اليها المواشي و سمّيت ضحاضيح النيران و الجنان بذلك لانّهن بُقَع من نارٍ او جنّة تأوي الاتباع . . .

( الي هنا انتهت النسخة المخطوطة بخطه الشريف اعلي اللّه مقامه )