رسالة في جواب الملّا كاظم بن علينقي السّمناني
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه
الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحساۤئي انه قد كتب اليّ بعض العارفين الطالبين للحق و اليقين ثلاث مساۤئل يريد مني جوابها و انا في ما يعلم اللّه مني في اشتغال و ملال و كمال كلالٍ و لكن لايمكنني ردّه لانه من اهل الاستحقاق للجواب فجعلت سؤاله متناً و جوابي شرحاً ليتبين له الصواب .
قال ايده اللّه تعالي : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين اما بعد فيقول العبد المسكين كاظم بن علينقي السمناني سائلاً من الاستاد المحقق المدقق الي آخر وصفه قال :
الاولي - ان بازاۤء كل خلق من المخلوقات للّه تعالي اسماً خاصاً به هو المؤثر في خلقه و ايجاده ام لا و علي الاوّل فيلزم ان تكون اسماۤؤه تعالي التي لها مدخل في خلق الاشياۤء زائدة علي ثمانية و عشرين اسماً مع ان عبدكم المسكين سمع من جنابكم مراراً و رأي في بعض رساۤئلكم انها ثمان و عشرون اسماً لاتزيد و لاتنقص و ذلك لان اول الصادر و الحوادث بعد المشية و الارادة و القدر و القضاۤء و الامضاۤء هو العقل الاول الذي هو العقل الكلي و بتبعيته العقول ثم الروح الكلية و بتبعيتها الارواح ثم النفس الكلية و بتبعيتها النفوس ثم الطبيعة الكلية و بتبعيتها الطبائع [ص 3] ثم المادة الكلية و بتبعيتها المواد الاخر ثم المثال الكلي و ما تحته من المثالات الجزئيّة و الافلاك التسعة من العرش المعبر عنه بالاطلس احيانا الي السماۤء الدنيا ثم النار ثم الهواۤء ثم الماۤء ثم الارضون السبع ثم الملك ثم الصخرة ثم الحوت ثم البحر ثم جهنم ثم الطمطام ثم الثري و لايعلم ما تحت الثري الا اللّه و هذه اثنان و ثلاثون خلقا و اذا انضم اليها الافعال الخمسة اعني المشية و الارادة و التقدير و القضاۤء و الامضاۤء تصير سبعاً و ثلاثين مخلوقا .
اقول اعلم ان الوجود المقيد من العقل الاول الي الثري بجميع مراتبه و افراده و معروضها و اعراضها و ارتباطاتها من جميع الاشياۤء لايكون شيء الّا باسم من اسماۤء اللّه و تفصيل ذلك لايدخل تحت علمنا و ان كنا نعلم مما علمنا اللّه سبحانه بعض مجملاتها و انما ذكرنا الثمانية و العشرين الاسم لان العارفين يقسمون مراتب الحق علي قسمين داۤئرة العقل و داۤئرة الجهل و مراتب داۤئرة العقل ثمانية و عشرون حرفاً يسمونها الحروف الكونية و مراتب داۤئرة الجهل كذلك ثمانية و عشرون حرفاً بعكس دائرة العقل فامّا دائرة العقل فاول مراتبها العقل و هو بازاۤء البديع و النفس بازاۤء الباعث و الطبيعة الباطن و الماۤدة الٰاخر و المثال الظاهر و جسم الكل الحكيم و العرش المحيط و الكرسي الشكور و فلك البروج غني الدهر و فلك المنازل المقتدر و فلك زحل الرب و فلك المشتري العليم و فلك المريخ القاهر و فلك الشمس النور و فلك الزهرة المصور و فلك عطارد المحصي و فلك القمر المبين و كرة الاثيرية القابض و كرة الهواۤء الحي و كرة الماۤء المحيي و كرة التراب المميت و مرتبة الجماد العزيز و مرتبة النبات الرزاق و مرتبة الحيوان المذل و مرتبة الملك القوي و مرتبة الجن اللطيف و مرتبة الانسان الجامع و مرتبة الجامع (ع) رفيع الدرجات فهذه ثمانية و عشرون حرفاً من الحروف الكونية علي ترتيب الحروف [ص 4] الابجدية تبتدئ من العقل الاول بالالف و النفس بالباۤء و هكذا الي آخر الحروف و انما ذكرتُ الثمانية و العشرين اسما لانها هي الّتي بازاۤء هذه المراتب الثمانية و العشرين المسمّاة بالحروف الكونية و هي كليات الوجود و مراتب تنزّلاتِ العقل و لو اريد جزئيّات كلّ مرتبةٍ من هذه الثمانية و العشرين لكان يقال لكلِّ جزئيٍّ من مرتبةٍ كليّةٍ اسمٌ من اسماۤء اللّه سبحانه يختص به و يكون غيره به و الذي هو بازاۤء تلك المرتبة الكلية كما ان ذلك الجزئي رأسٌ من رؤس تلك المرتبة و بيانه العقل بازاۤء الاسم البديع و كلّ جزئي من جميع عقول الخلق كلهم فهو رأس من رؤس العقل الكلي و لذلك الاسم رؤسٌ بعدد جزئيات ذلك العقل فكلّ جزئي من رؤس العقل بازاۤء اسمٍ جزئيٍ من رؤس الاسم البديع و علي هذا قياس ساۤئر الحروف الكونية بالنسبة الي جزئيّاتها الي نسبته الي جزئيّات تلك الاسماۤء و ما ذكرت في العدد من الارضين السبع و الملك و الصخرة و الثور الي آخر ، فليس من داۤئرة العقل و انما هو من داۤئرة الجهل فلايدخل في عدد داۤئرة العقل ليكون زائداً و كذلك المراتب الخمس للفعل لانّها هي مبادي الاسماۤء "٢" المذكورة و غيرها فلاتكون بازاۤئها "٢-" .
قال سلمه اللّه تعالي : و علي الثاني فهل البرزخ بين كلّ شيئين (ظ) ليس بازاۤئه اسم خاصّ به بل يطلق عليه اسم احدهما تارة و اسم الٰاخر اخري فتكون لذلك ثمانية و عشرين اسماً او يكون بازاۤئه اسم كذلك فتكون زاۤئدة عليها .
اقول ان لكل برزخ اسماً خاۤصّاً به برزخيّاً غير اسمي الشيئين و يكون ذلك مركباً من اسمي الشيئين مثلا قالوا النخل برزخ بين النبات الذي هو بازاۤء الاسم الرزاق و بين الحيوان الذي هو بازاۤء الاسم المذلّ فيجب ان يكون بازاۤء اسم مركب من الاسم الرزاق و الاسم المذلّ فالنخل بازاۤء اسمٍ غير اسم النبات و غير اسم الحيوان و ذلك من حيث كون النخل نباتا له صفات [ص 5] الحيوان من الانس و الوحشة و الخوف و العشق و غير ذلك .
قال سلمه اللّه تعالي : و علي التقادير كلها فاسئل من جنابكم ان تمنوا عليّ ببيان الثمانية و العشرين باسماۤئها الخاصة المخصوصة مع ما هي بازائه انها ما هي و ذلك بان تبيّنوا بالشفقة و العطف عليّ علي ان اسم اللّه البديع بازاۤء العقل الاول مثلاً و ما تحته و هكذا و ان المشية و الابداع هل هو المنشئ و المبدع ام غيرهما و ان اسماۤء الارادة و القدر و القضاۤء و الامضاۤء هل هي ما اشتق منها من المريد و المقدّر و القاضي و الممضي ام غيرها ؟
اقول امّا بيان الثمانية و العشرين و اسماۤئها الخاۤصة و كذلك بيان اسم اللّه البديع بازاۤء العقل الخ ، فقد تقدم ذكره و امّا انّ المشية و الابداع هل هما المنشئان فاعلم ان المشية و الابداع هو فعل اللّه و محله الحقيقة المحمدية فهو بمنزلة الفعل و الحقيقة المحمدية بمنزلة الانفعال و المراد بالفعل جهة العليّة و بالانفعال جهة المعلولية لا التعدد لانه في غاية البساطة الامكانية لراجحيّة بيان وجوده و الي ذلك الاشارة بقولهم الحق عليهم السلام نحن محالّ مشية اللّه ، و المشية الذي هو الابداع هو المنشئ لانه عبد للّه مطيع لميخلق اللّه عبداً اطوع منه للّه و لا اقرب اليه منه فكل شيء مما سوي اللّه فانما هو شيء بالمشية و سمّي الشيء شيئا لانّه مشاۤء هذا بحسب الظاهر و امّا بحسب الحقيقة فاللّه سبحانه هو المنشئ ينشئ بالمشية ما شاۤء و هو المبدع يبدع بالابداع ما شاۤء و اراد و ذلك لان المشية من حيث انه منشئ عبارة عمّا اشتق منه فهو المنشئُ و كذلك باقي الافعال و المنشئ هو الصفة و ما تقوّمت به و هو وجه الفاعل بالفعل لا بذاته لان الفعل لايتقوّم بذات الفاعل من حيث ذاته و انما يتقوم به من حيث فاعليته و ذلك هو وجه الفعل من الفاعل بالفعل و هو الذي يعبّر عنه بنفس الفعل كما اشار اليه (ص) بقوله خلق اللّه المشيّة بنفسها ، و هذا هو معني قولنا [ص 6] انّ اللّه هو ينشئ بالمشيّة و كذلك الارادة و القدر و غيرهما من افعاله تعالي .
قال سلمه اللّه تعالي : المسئلة الثانية - ان المعراج لنبينا محمد (ص) الذي نقرؤه الاۤن عندكم و نتكلّم فيه هل كان في كل شيء بحسبه و ما يناسبه بان يكون سيره و عروجه في الاجسام بجسمه الشريف و في المثال بمثاله و في الماۤدة بمادته و في الطبيعة بطبيعته و في النفوس بنفسه و في الارواح بروحه و في العقول بعقله و في مرتبة او ادني بالمشيّة التي هي الحقيقة المحمديّة في اصطلاحكم ام كان عروجه و سيره في كل المراتب المذكورة بالجسم الشريف علي مشرفه اۤلاف تحية و ثناء .
اقول اعلم ان نبيّنا صلّي اللّه عليه و آله عرج بجسمه الي ما شاۤء اللّه فلميبق ذرّة في الوجود المقيد الّا اوقفه اللّه عليه بجسمه و مثاله و نفسه و عقله و غير ذلك فمرّ في عروجه الي مقام او ادني علي جميع ما في الدنيا و الرجعة و البرزخ و الٰاخرة و قد اشار الي ذلك بقوله (ص) في حق البراق عند عروجه عليها قال و لو اذن اللّه لها لجالت الدنيا و الٰاخرة في جرية واحدة ، فاشار لاهل الاشارة انّها جالت الدنيا في جرية و الٰاخرة في جرْيةٍ اُخري و ذلك لانّه لمّا عرج من البشرية بالجسد البشري لميحسن منها ان يكون سيرها به في الدنيا علي نحو سيرها به في الٰاخرة بل بنحوٍ آخر و هو معني ان الدنيا في جرية و الٰاخرة في جرية و بالجملة فقد طوي في عروجه المكان و الزمان و الدهر و جميع ما فيها و لمّا تجاوز ذلك وقف علي كل ذرّة من الوجود من الاجسام و المكان و الزمان و المجردات و الدّهر عند صدورها من الفعل الي الوجود و في ذلك الحال اشهده اللّه خلق مخلوقاته و انهي اليه علمهم و اليه الاشارة بمفهوم قوله تعالي مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلّين عضداً فَاَشار بمفهومه الي انه سبحانه اتَّخذ الهادين اعضاداً و اشهدهم [ص 7] خلق السموات و الارض و خلق انفسهم حتي تجاوز قاب قوسين فكان الجسم الشريف بينه و بين مقام اوْ اَدْني في اضطرابٍ حتي كاد يفني و انما وصل الي ذلك بجسمه الشريف لان مرتبة جسمه من اعلي عليّين و هو اعلي من قلوب شيعتهم بسبعين مرتبة فافهم .
قال سلمه اللّه تعالي : الثالثة - ان عالم المثال و الاشباح و عالم النفوس هل هما شيئان متغايران ام شيء واحد يعبّر عن كل منها بالٰاخر و الحمدُ للّٰه اوّلاً و آخِراً و ظاهراً وَ باطناً .
اعلم ان عالم النفوس هي صور الذوات و هو صور الوجود و اصلها مركّب من الهيولي الاولي و المادة النورانية و من الصُّور التكليفية في الخلق الثاني و هي صُوَرٌ نوعيّة خُلِقَت الطَّيّبة من عليّين و الخبيثة من سجّين فهذه الصُّور صور ذاتيّة للموجود بمعني اَن زيداً له وجود ثانٍ قد تركب من وجود و ماهيّة و ذلك الوجود هو مادته و وجوده الثاني و له صورة و هي صورة التكليف في الذر المعبّر عنها بالطينة و هذه المادة و الصورة لزيد كالمرءاة للصورة فزيد هو الشبح المنتقش في مرءاة هذه المادة و الصورة من تجلّي الوجه الخاصّ به من فعل اللّه فقولنا انها صور ذاتية له ان الشبح الذي هو ذاته يلوح في كونه علي حسب قابليّاتها من النور و الظلمة و الكبر و الصغر و الاستقامة و الاعوجاج و اللطافة و الغلظ و القرب من المبدء و البعد و غير ذلك و امّا عالم المثال و الاشباح فهو علي هذا النحو اِلَّا انّ تلك الصور تقومت بالنور تحت اللوح المحفوظ و سقيت بماۤء العلم و هذه تقوّمت بالاجسام فوق محدّد الجهات و سقيت بماۤء الحس المشترك فهي غيرها لانّ صور النفوس في العبارة الظاهرة صور علميّة و هذه صور جسمانية فافهم و الحمد للّه رب العالمين .